|
حرب ال33 يوماً
الحلقة(2)
أخطاء فادحة في الحسابات قادت إسرائيل إلى شن الحرب على لبنان
تأليف :جلبرت أشقر، ميشيل وارشفسكي
يجد القارئ هنا نفسه على موعد مع إطلالة شاملة يحققها الكتاب
على حزب الله، منذ انطلاقه كحركة سياسية وليدة تواجه الكثير من
التحديات، حتى في الإطار الضيق لجمهورها المباشر آنذاك، وصولاً
إلى 12 يوليو 2006، حيث يتم التصدي لتحليل الجوانب المتعلقة
بنمو الحزب وتطوره وعملية التكيف مع الواقع اللبناني بكل
تناقضاته وتحقيق الامتداد الكبير لأنشطة الحزب من المقاومة
المسلحة حتى تقديم الخدمات الاجتماعية،
لنصل
إلى قضية رهائن 12يوليو 2006والنقد الذاتي الذي مارسه الحزب من
ناحية، والأخطاء الفادحة التي وقعت فيها تل أبيب في حساباتها
في هذه الحرب من ناحية أخرى، وهي الحرب التي لا يتردد المؤلفان
في وصفها بأنها حرب بالوكالة خاضتها إسرائيل بتوجيهات مباشرة
من واشنطن. في نهاية الستينات من القرن الماضي، أدّى التزايد
الكبير في عدد أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، مع تنامي ظاهرة
الهجرة الريفية نحو الحزام الجنوبي المحيط بالعاصمة بيروت، إلى
تشكّل شرائح كبيرة من العمال والفلاحين الفقراء الشيعة الذين
مثّلوا أرضا خصبة للقوى الساعية إلى الحركة اجتماعيا وسياسيا.
وكانت سنوات الستينات قد شهدت أيضا ازدهار الحركات القومية
والماركسية في العالم العربي. وبعد حرب 5 يونيو 1967 عرفت قوى
اليسار واليسار المتطرف اللبناني تزايدا مشهودا لوجودها ـ خاصة
الحزب الشيوعي اللبناني- في أوساط الشيعة، وذلك على حساب
القيادات التقليدية، التي كانت تمثل الطائفة الشيعية في
البرلمان وأجهزة الدولة العليا. كما بدا واضحا «قلق»
البورجوازية الشيعية، مثل نظيراتها في الطوائف الأخرى، من
تعاظم قوة اليسار المتطرف.
وفي
1973، وبدافع رئيسي هو مجابهة ذلك الوضع، تأسست «حركة
المحرومين» بمبادرة من رجل دين معروف، هو موسى الصدر، وأحد
المتنورين من الساسة الشيعة، هو النائب حسين الحسيني. وجهّزت
الحركة نفسها بفرع عسكري أطلقت عليه تسمية «أمل». هكذا زاحمت
حركة المحرومين اليسار اللبناني على أرضيته الاجتماعية نفسها،
وذلك عبر تقديم العديد من الخدمات الاجتماعية بواسطة
الإمكانيات المالية الكبيرة التي كانت تمتلكها، وكذلك عبر
تبنّي خطاب شعبي. هكذا في خطاب أمام حشد جماهيري كبير نظّمته
«حركة المحرومين» في بدايات تشكلها هاجم موسى الصدر بشدة واقع
وجود آلاف المساكن الشاغرة في بيروت، بينما يتكدّس «المحرومون»
في مساكن تفتقر إلى أبسط الشروط الصحية في ضاحية العاصمة. لقد
فرضت حركة موسى الصدر نفسها ك«ناطقة» باسم الطائفة الشيعية
اللبنانية،عبر المطالبة بمكان أكبر لها في مؤسسات الدولة ضمن
إطار النظام السياسي الطائفي القائم في لبنان. أمّا علاقة
«حركة المحرومين» مع اليسار اللبناني والفلسطينيين فقد تراوحت
بين المزاحمة «الوديّة» والتعارض «الشديد» حسب الفترات.
وخلال
الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة تواجهت «أمل» عدة مرّات مع
الشيوعيين أو الناصريين اللبنانيين كما مع المنظمات
الفلسطينية. ولقد تعززت الروابط أكثر مع دمشق، خاصة بعد
«اختفاء» مؤسس الحركة في ليبيا عام 1978. وفي عام 1979 استجد
حدث كبير شكل منعطفا كبيرا في التاريخ السياسي للشرق الأوسط
تمثل في «الثورة الإسلامية» التي قادها آية الله الخميني في
إيران. لقد أطاحت بنظام الشاه وأقامت في طهران نظاما دينيا
معارضا بشدة للولايات المتحدة الأميركية، التي جرى وصفها بأنها
«الشيطان الأكبر». بالمقابل تابعت واشنطن اعتمادها في المنطقة
على حلفائها من الحركات الإسلامية المتشددة في المنطقة التي
كانت حليفة الغرب في المعركة ضد الشيوعية، والتي كانت قد شاركت
في الحرب ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان خلال سنوات
الثمانينات المنصرمة. لكن انهيار الاتحاد السوفييتي وانقلاب
شرائح كبرى من الحركات المتشددة الإسلامية ضد واشنطن إثر تدخل
الولايات المتحدة في العراق ونشر قواتها في منطقة الخليج شكّل
كابحا لعلاقات واشنطن مع تلك الحركات المتشددة، لتصبح القطيعة
شبه كاملة بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. لكن ذلك لم يمنع
الولايات المتحدة من التحالف مع السلفيين الأفغان في إطار
«تحالف الشمال» من أجل الإطاحة بنظام طالبان، كما لم يمنعها من
التعاون مع السلفيين العراقيين، شيعة وسنّة، من أجل إدارة
العراق المحتل.
تطور حزب الله
نشأ حزب الله من تقاطع نشوب الثورة الإيرانية والوضع الذي نشأ
في لبنان بعد ثلاث سنوات بسبب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام
1982. حيث أن هذه الثورة أعطت دفعة كبيرة للتوجهات الإسلامية
المناهضة للغرب في مجمل العالم الإسلامي.
هكذا نجح حزب الله في تعبئة شرائح كبيرة من الشيعة اللبنانيين
الأكثر قبولا لتأثيرات الثورة الإيرانية. وساعد الاجتياح
الإسرائيلي للبنان عام 1982 في تبلور مفهوم النضال ضد
الاحتلال. وإذا كان قد جرى الإعلان رسميا عن قيام «حزب الله»
عام 1985 فإن صيغته الجنينية تشكلت منذ عام 1982 ووجدت
المساعدة الإيديولوجية والسياسية والعسكرية والمالية من طهران.
وتبنّى الحزب مبدأ «ولاية الفقيه»، إلى جانب العداء الجذري
حيال إسرائيل وحيال السيطرة الغربية وامتداداتها على الساحة
السياسية اللبنانية.
وامتلك حزب الله منذ البداية إمكانيات مالية كبيرة. وقد تم
استخدام هذه الإمكانيات بذكاء كبير، بعيدا عن الفساد بالقياس
إلى القوى اللبنانية الأخرى. هكذا استطاع حزب الله أن يقيم
شبكة من الخدمات الاجتماعية نافست شبكة حركة أمل وتجاوزتها،
مما سمح له أن يكوّن قاعدة شعبية مهمة داخل الطائفة الشيعية.
ومع زيادة قاعدته زادت أيضا عائداته المالية.
كانت معارك حزب الله الشرسة الأولى هي ضد منافسيه في الوسط
الشيعي. وتمثلت إحدى القوى التي كان يراها منافسا طبيعيا في
الحزب الشيوعي اللبناني ذي الوجود المهم في الطائفة الشيعية،
فضلا عن أنه كان قد بادر هو أيضا في مقاومة الاحتلال
الإسرائيلي، أثناء اجتياح 1982 مما أعطاه مصداقية جعلته يستفيد
من مردود الروح الوطنية التي أوجدها الاجتياح الإسرائيلي ،
وذلك على حساب حركة أمل.
ولم تكن معركة حزب الله مع الشيوعيين إيديولوجية فقط، وإنما
كانت هناك احتكاكات عديدة بين الجانبين، لا سيما خلال السنوات
التي أعقبت مباشرة الإعلان الرسمي عن قيام الحزب عام 1985. وقد
شهدت هذه الفترة مواجهات دامية بين حزب الله والقوات السورية
عام 1987 ثم ضد حركة أمل نفسها في السنة التالية.
لقد أراد حزب الله أن يحتكر شهرة مقاومة المحتل ويجيّرها لصالح
«المقاومة الإسلامية». وقد تميّز لتحقيق مثل تلك الغاية بإخلاص
في المعارك وباستعداده لتقديم الشهداء، وأيضا بالتدريب
وبالإمكانيات العسكرية التي كانت إيران تقدمها له. كذلك حاول
أن يفرض احتكاره في المناطق التي خضعت لسيطرته.
وضمن المنطق نفسه نسب حزب الله لنفسه مسألة إرغام إسرائيل على
الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000. وإذا كان المؤلف يؤكد بأنه
«يحق له ذلك» فإنه يشير كذلك إلى التعتيم على الدور غير القليل
الذي لعبته التيارات الأخرى، العلمانية أو اليسارية، في
المقاومة.
وبعد سنوات المنافسة الشديدة خلال السنوات الأولى أقام حزب
الله، عبر وساطة إيرانية، تحالفا مع حركة أمل ودمشق. وقام
الحزب خلال سنوات بتطوير نفسه إلى حزب جماهيري، وليس مجرد
منظمة للمقاومة المسلّحة. وتسارع ذلك التطور مع وفاة الإمام
الخميني عام 1989 وتولي آية الله علي خامنئي مهمة «المرشد
الأعلى». كما تسارع بفعل المستجدات السياسية على الساحة
اللبنانية مع اتفاقيات الطائف في 1989 وانتهاء الحرب الأهلية
اللبنانية في العالم التالي 1990.
هكذا أصبح حزب الله هو أحد القوى السياسية الكبرى على المسرح
السياسي اللبناني خلال سنوات التسعينات. وقد سهّل التطور
الحاصل واقع أن حزب الله قد عدّل سريعا من التوجه الذي كان قد
تأسس على قاعدته، عندما أدرك عدم إمكانية تطبيق برنامج
«الجمهورية الإسلامية» في لبنان ذي الطوائف المتعددة. واكتفى
بالتالي في إحكام سيطرته على الطائفة الشيعية، وأن تكون له
كلمته من هذا الموقع على التطور السياسي اللبناني.
التكيف مع الواقع
أبدى حزب الله منذ رسالته الأولى حول برنامجه والتي حملت عنوان
«رسالة إلى المستضعفين» عام 1985 فهمه أن إقامة دولة إسلامية
في لبنان حسب «النموذج الإيراني» أمر مستحيل. وقد أراد الحزب
منذ البداية طمأنة الجميع إلى أنه لا يريد فرض خياره الإسلامي
بالقوة. بالمقابل رفض «الامتيازات الطائفية» للمسيحيين التي
يمنحها الدستور.
هكذا جرى التأكيد على المواطنة من خلال الانتماء الطائفي.
ومارس حزب الله استقلالا ذاتيا واسعا في المناطق الواقعة تحت
سيطرته، وذلك بفضل تنظيمه السياسي-الديني وشبكة خدماته
الاجتماعية ومؤسساته التعليمية وكفاءاته على الصعيد المالي.
ويكتفي حزب الله بالسيطرة على وسطه الطائفي مع التعايش، وليس
التعارض، مع المنظمات السياسية أو الدينية للطوائف الأخرى
وأيضا لجهاز الدولة.
ويتمتع حزب الله بسلطة كبيرة داخل طائفته؛ لكن هذا لا يمثل
استثناء، كما يؤكد المؤلف، في لبنان الذي تطور منذ فشل مشروع
فؤاد شهاب، نحو فيدرالية من الطوائف حسب نسخة موسّعة وجديدة من
النظام العثماني. كما أن لبنان بقي متأثرا بنظام «إقطاعيات
الحرب» الذي قام وتعزز منذ بداية الحرب الأهلية عام 1975.
وهذا يفسر سبب عدم تردد حزب الله في القبول باتفاق الطائف
1989-1990 فيما يتعلق بإعادة توازن التوزيع الطائفي للسلطات في
لبنان، أو فيما يتعلق بهدف «إلغاء الطائفية السياسية». هذا
الإلغاء يعني إنهاء أي توزيع طائفي للمقاعد والمناصب في
المؤسسات، مما يفسح المجال واسعا لقيام موازين قوى حقيقية بين
التيارات السياسية-الطائفية.
بهذا المعنى يكون حزب الله رابحا من إلغاء الطائفية السياسية
الذي لا ينبغي خلطه مع العلمانية، أي إقامة قانون مدني يتجاوز
جميع الطوائف مع الفصل الكامل للدين عن الدولة. وهذا يتعارض
بالطبع مع الإيديولوجية الأساسية لحزب الله. لكن رغم أن
الجمهورية الإسلامية في إيران تبقى المرجع الأعلى للحزب، إلا
أنه يتمتع بـ «استقلال ذاتي حقيقي» قبلت به طهران، لاسيما وأنه
حليف شديد الأهمية بالنسبة لها، وأنه يستطيع أن يأخذ مسافته
بعيداً عنها، ولو كان ذلك سيؤدي إلى تضاؤل كبير في موارده.
المقاومة والخدمات الاجتماعية
كان التطور الذي عرفه حزب الله خلال سنوات التسعينات قد وجد ما
يدعمه بوصول الشيخ حسن نصر الله إلى منصب «الأمين العام» إثر
اغتيال إسرائيل عام 1992 لسلفه. وقد شارك الحزب منذ ذلك
التاريخ في جميع الانتخابات، وأصبح له ممثلوه في البرلمان
باستمرار. وأصبح الحزب الأكثر شعبية في أواسط الطائفة الشيعية
بسبب الخدمات الكثيرة التي نظّمها والمعركة التي خاضها ضد
العدو الإسرائيلي في الجنوب. وكان انسحاب إسرائيل عام 2000 من
تلك المنطقة أول اندحار لإسرائيل منذ قيامها من أراضي احتلتها
من دون فرض شروط وتحت ضغط المقاومة ومن دون أي ضغط دولي.
أعطت المعركة ضد إسرائيل شرعية مزدوجة لحزب الله، وذلك على
الصعيد السياسي كما على صعيد تسليحه. وبعد عام 2000 حافظ الحزب
على الشرعية نفسها باسم الصراع «العالق» مع إسرائيل حول مزارع
شبعا وأعالي منطقة كفر شوبا المحتلة منذ عام 1967 ووجود سجناء
لبنانيين في إسرائيل التي تعتدي باستمرار أيضا على السيادة
اللبنانية وتخضع البلاد للتهديد المستمر بغزو جديد.
وكانت عملية تبادل السجناء في يناير 2004، والتي حصل حزب الله
عبرها على إطلاق سراح 435 سجينا لبنانيا وفلسطينيا ورفات حوالي
60 مناضل مقابل رهينة إسرائيلية واحدة ورفات 3 جنود، قد زادت
من مكانة حزب الله. كما أن عملية التبادل تلك قد رسّخت في
الأذهان أن الطريقة الوحيدة لإطلاق سراح سجناء لدى إسرائيل هي
مبادلتهم مع رهائن إسرائيليين.
وكان حزب الله قد أبدى حتى رحيل القوات السورية من لبنان تحفظا
كبيرا حيال اشتراكه في الحكومة، وذلك بدافع عدم المخاطرة
بالمساهمة في قرارات تتعارض مع إيديولوجيته أو مع توجهاته
السياسية، وتحاشيا لأية مجابهة مع دمشق. لكن الأمر اختلف بعد
2005، وقرر حزب الله المشاركة بوزيرين في الحكومة التي نتجت عن
تحالف انتخابي أقامه مع قوى تحالف 13 مارس المناهض لسوريا.
لكن هذه القوى التي تحظى بالأغلبية في البرلمان والحكومة أخذت
تلحّ في المطالبة بنزع سلاح حزب الله تنفيذا لقرار الأمم
المتحدة 1559 وذلك بضغط من واشنطن. وقد دفع ذلك الوضع بحزب
الله إلى مواقع المعارضة، مع المحافظة على مشاركته في الحكومة،
وتكرّس الوضع الجديد عبر التحالف الذي قام بين الحزب وميشال
عون في فبراير 2006.
تلك الظروف نفسها هي التي دفعت حزب الله بالتعاون مع بقية
المعارضة إلى الاعتراض على بعض الإجراءات اللبرالية وغير
الجماهيرية التي حاولت حكومة فؤاد السنيورة فرضها. وفي ذلك
السياق انسحب وزيرا حزب الله من الحكومة، للاستفادة من فرصة
اتخاذ موقف يحظى بالتأييد الشعبي، لاسيما وأن المشروع الحكومي
لخصخصة مؤسسة الكهرباء كان سيتم بالدرجة الأولى على حساب
القاعدة الشعبية التي يعتمد عليها الحزب.
ويركز المؤلف في هذا الإطار على القول أنه ليس هناك في توجهات
برنامج حزب الله ما يتعارض صراحة مع الرأسمالية ولا حتى مع
الليبرالية الجديدة. ولم يكن قد اتخذ موقفا معارضا لتوجهات
رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري الليبرالية الجديدة، بل لم
يمنعه ذلك من إقامة تحالفاته.
وكان ائتلاف 14 مارس قد حصل على الأغلبية البرلمانية عبر
التحالف مع حزب الله. وتتم الإشارة هنا إلى أن السياسات
الليبرالية الجديدة وغير العادلة، التي كان قد تمّ تبنيها
أثناء فترة «إعادة البناء»، أي سنوات التسعينات، ربما كان من
شأنها أن تثير انتفاضات اجتماعية عنيفة في ظروف أخرى. وكان حزب
الله قد نجح في نسج شبكة اجتماعية أمنية بالنسبة لقطاعات واسعة
من اللبنانيين في ظل غياب أية سياسة اجتماعية للدولة.
قضية الرهائن
على خلفية الدفاع عن الشرعية اللبنانية لسلاحه رفع حزب الله من
حدة لهجته حيال مسألة مزارع شبعا، كما حيال مسألة السجناء
اللبنانيين في إسرائيل. وفي خطاب ألقاه الأمين العام للحزب
الشيخ حسن نصر الله في 24 أبريل 2006 بمناسبة الذكرى الثامنة
والعشرين لوقوع سمير قنطار في قبضة الإسرائيليين، عبر بحزم عن
أنه سيعمل من أجل إطلاق سراحه، كما أعلن أنه سيحل «قريبا قريبا
قريبا جدا» وأشار ضمنا إلى «عمل مقاوم» قريب من أجل ذلك.
بل كان حسن نصر الله أكثر وضوحا عندما أكّد أنه ينبغي على
إسرائيل أن تنتظر القيام بمحاولة لخطف بعض جنودها. قال ما
مفاده: «طيلة الشهر الأخير وحتى هذا اليوم بقيت درجة الاستنفار
الإسرائيلي على طول الحدود مع لبنان في أعلى مستوى وطيلة هذه
الفترة جرت معنا اتصالات رسمية ودولية وأعلمتنا أن حالة
الاستنفار الإسرائيلي تعود إلى خشيتهم من أننا قد نقوم بخطف أو
سجن جندي إسرائيلي».
ويبدو أن حزب الله قد بدأ اعتبارا من شهر مارس التحضير لعملية
خطف الجنود الإسرائيليين يوم 12 يوليو 2006، كما كان حسن نصر
الله قد أعلن ذلك عندما صرّح أن التحضير لتلك العملية قد استمر
على مدى خمسة أشهر. وفي شهر يوليو أضافت الظروف الإقليمية قيمة
سياسية أكبر للعملية، إذ أن إسرائيل كانت قد أطلقت منذ يوم 28
يونيو عملية عسكرية ضد قطاع غزّة، تحت حجة خطف أحد جنودها.
ونظرا لدرجة العنف التي اتسمت بها العملية الإسرائيلية ضد قطاع
غزة فإنه كان متوقعا أن تقوم إسرائيل برد فعل شديد العنف ضد
لبنان، في حالة خطف جنود إسرائيل بعد عدة أيام فقط من السابقة
الفلسطينية.
ويشير المؤلفان إلى تصريحات سابقة للشيخ حسن نصر الله كان قد
أكّد فيها أن إسرائيل ستعد إلى الألف قبل أن تقوم باعتداء على
لبنان، نظرا لإدراك القادة الإسرائيليين أن حزب الله قادر على
قصف مناطق شمال إسرائيل. وكان ذلك بمثابة خطأ كبير في الحسابات
إذ قلل من قيمة تصميم إسرائيل على عدم السماح بأي نوع من الردع
الإقليمي الذي يحد من حرية حركتها.
بل وقد اعترف حسن نصر الله بذلك الخطأ بكل استقامة عندما قال
في مقابلة تلفزيونية له يوم 27 أغسطس 2006: «لم نرتقب أبدا أن
احتجاز الرهائن سوق يؤدي إلى حرب بذلك الاتساع (...). والآن
إذا طرحتم على السؤال عمّا كنا سنفعل لو أنني عرفت أن عملية
الخطف ستؤدي إلى حرب بهذا الشمول ولو باحتمال 1 بالمئة فإننا
ما كنا لنقوم بها بالتأكيد وذلك لأسباب إنسانية وأخلاقية
وعسكرية واجتماعية وأمنية وسياسية».
الحقيقة العارية
يؤكد المؤلفان أن الهجوم الإسرائيلي كان قد جرى عن سابق إصرار
وتصميم. وإن القادة الإسرائيليين أنفسهم قد أشاروا بوضوح أنهم
كانوا قد صمموا القيام بالعملية منذ فترة طويلة وأنهم انتظروا
الفرصة الملائمة سياسيا للقيام بها. وكان رئيس الوزراء
الإسرائيلي ايهود اولمرت قد صرّح لصحيفة «التايمز» اللندنية
قوله: «سمعت بعض الأصوات تقول أنه ربما كان على إسرائيل أن
تقوم بهجومها على لبنان خلال السنوات الخمس الماضية نظرا لما
أقامه حزب الله من بنى (...). ولو كان شارون قد قام بأية عملية
خلال تلك المدة، خاصة دون عمل استفزازي مثل الذي واجهته هذه
المرة، فماذا كان سيكون رد فعل العالم؟»
وكانت صراحة الجنرال يوسي كوبرواسر، رئيس قسم الأبحاث في
الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية حتى فترة وجيزة، أكبر عندما
سأله أحد الصحافيين عما إذا لم ترتفع أصوات تطالب خلال السنوات
الماضية بضرب حزب الله، إذ قال: «كلا، لم يطلب أحد، لأنه كان
من الواضح استحالة ذلك. وللقيام بعمل كهذا كان ينبغي تبنّي
طريقة لم يكن الأميركيون قادرين على تعبئة دعم دولي لها (...).
وعندما ذهبت الولايات المتحدة إلى العراق من أجل تنفيذ مناورة
وقائية لم تحصل على دعم دولي».
وكانت تصريحات شخصيات غير رسمية أكثر مباشرة مثل تصريح «رون
بونداك»، مدير مركز «بيريز» للسلام والمفاوض السابق مع
الفلسطينيين، عندما أكد لصحيفة نيويورك تايمز قوله: «لقد
أعطاهم حزب الله إمكانية كبيرة لفعل شيء كان الجيش قد تهيأ
للقيام به أصلا، مع خطط عملياتية مفصّلة في الخزائن».
هذه التصريحات، وكثيرة غيرها، تؤكد دون غموض أن اعتداء 2006 ضد
لبنان كان مبيتاً منذ فترة طويلة وكان ينتظر فقط تجمع الظروف
السياسية التي تضمن دعما دوليا أكيدا، وخاصة دعما أميركيا،
بالإضافة إلى موافقة الرأي العام الإسرائيلي. وكان احتجاز
الرهائن يوم 12 يوليو مهماً من وجهة النظر هذه، مع أنه يمكن
اعتباره بالفعل عمل مقاومة في غير مكانه، إذ سمح للحكومة
الإسرائيلية بإطلاق هجومها بعنف وحقد لا سابق لهما مع الدعم
الصريح أو الضمني لمجمل القوى الغربية.
وحتى لو كانت إطالة فترة القصف قد عرّضت إسرائيل لبعض اللوم
«بصيغة نصائح ودية» من قبل عدد من الحكومات الأوروبية. بكل
الحالات يرى المؤلف أنه ورغم الحجة الجيدة التي أعطاها حزب
الله لإسرائيل، بحسابه الخاطئ، فإنه قد نجح بصد الهجوم
الإسرائيلي بصورة باهرة وقلب الوضع لصالحه. وفي المحصلة كان
خطأ حساب إسرائيل أخطر بكثير من خطأ حساب حزب الله.
|