|
التطهير العرقي لفلسطين
... (1)
تأليف: ايلان بابيه
عرض وترجمة: عمر عدس
عن غرضه من تأليف الكتاب يقول المؤلف: انه يحاول فيه ان يبين
ان الحركة الصهيونية قد شنت سنة 1948 حرباً على الشعب
الفلسطيني لكي تطبق خططها البعيدة المدى للتطهير العرقي. بينما
يزعم المؤرخون “الاسرائيليون”، بمن فيهم “المؤرخون الجدد”، ان
الحرب قد شنها العالم العربي ضد دولة “اسرائيل” لكي يقضي
عليها، وانها أسفرت عن عمليات طرد للفلسطينيين. ويضيف المؤلف
ان العالم العربي حاول ان يمنع ذلك التطهير العرقي، ولكنه كان
ممزقاً مشتتاً غارقاً في شؤونه الداخلية، وغير قادر على وقف
اقتلاع نصف سكان فلسطين من وطنهم، وتدمير نصف قرى فلسطين
وبلداتها وقتل الألوف من سكانها.ولما كان ذلك التطهير العرقي
قد طبق بنجاح في ما يقارب 80% من ارض فلسطين دون ان يكون لذلك
اي أصداء عالمية أو اقليمية، فإن “اسرائيل” تواصل تطبيق هذه
السياسة منذ سنة 1967 على مساحة ال 20% الباقية من البلاد. ولا
يزال خلق دولة يهودية خالصة في فلسطين التاريخية المطهرة من
الفلسطينيين، هو البنية التحتية الأيديولوجية التي تقوم عليها
“اسرائيل”. وكيفية تحقيق هذه الغاية تشكل قضية خلافية بين
الصهاينة اليساريين الذين يأملون في التفاوض على تسوية تبقي
عدداً قليلاً من الفلسطينيين في “اسرائيل” الكبرى، وبين
الصهاينة اليمينيين الذين يرغبون في تطبيق سياسة تطهير عرقي
اكثر مباشرة في المساحة ذاتها، وعلى الفور.والكتاب في نظر
مؤلفه، رسالة متواضعة للفلسطينيين اينما كانوا، واللاجئين منهم
بخاصة، تقول ان روايتهم لما حدث، التي لقيت النفي والانكار عبر
كل هذه السنوات، مؤيدة في هذا الكتاب ومصدقة بالوثائق
والبيانات.كما ان الكتاب، بعرضه الأحداث التي وقعت سنة ،1948
يشكّل نموذجاً يمكن على ضوئه فهم السياسات “الاسرائيلية” في
سنة ،2006 حيث تواصل “اسرائيل” تطبيق سياسة التطهير العرقي
بعناد وإصرار.ويأمل المؤلف ان يحرّك كتابه الرأي العام في
الغرب وفي “اسرائيل”. ويقول: ان الغرب اذا تقبّل المنطق الذي
يسوقه في الكتاب، فإن عليه ان يغير مواقفه ازاء الدولة
اليهودية. فلم يعد ممكناً جعل “اسرائيل” في حل من جرائمها، في
الماضي والحاضر. كما ان على المجتمع “الاسرائيلي”، كما يقول
المؤلف، ان ينظر في المرآة، وان يرفض السياسات التي اتخذت
باسمه ولا تزال. واذا لم يحدث ذلك “فسوف نتلاشى جميعاً، نحن
والفلسطينيون، ضمن عملية مدمرة متبادلة”.
عنوان الكتاب هو: “التطهير العرقي لفلسطين” ومؤلفه هو المؤرخ
“الاسرائيلي” ايلان بابيه، المحاضر في العلوم السياسية في
جامعة حيفا، والمدير الأكاديمي لمعهد الدراسات من اجل السلام
في جفعات حفيفة، ورئيس معهد اميل توما للدراسات الفلسطينية في
حيفا. وهو مؤلف عدد من الكتب منها (تاريخ لفلسطين الحديثة)،
و(الشرق الأوسط الحديث) و(المسألة “الاسرائيلية”/الفلسطينية).
والكتاب صادر عن دار “عالم واحد” في لندن.
الترويع والقتل وإحراق المساكن عناصر الخطة “دال” لاقتلاع
الفلسطينيين
في مقدمة الكتاب يروي المؤرخ “الاسرائيلي”، بالوثائق وبالرجوع
الى المصادر “الاسرائيلية”، انه في العاشر من مارس/آذار ،1948
وفي مبنى على شاطئ تل ابيب يدعى “الدار الحمراء”، تم وضع
اللمسات الاخيرة على خطة التطهير العرقي لفلسطين، التي رسمها
الزعماء الصهاينة المحنكون والضباط العسكريون اليهود.
وفي ذلك المساء ذاته، صدرت الأوامر العسكرية الى الوحدات على
الارض، لكي تستعد للقيام بطرد منظم للفلسطينيين من مناطق واسعة
في البلاد. وجاءت الأوامر مع وصف مفصل للأساليب التي يجب
اتباعها لإخلاء الناس بالقوة، وتشمل: الترويع على نطاق واسع،
ضرب حصار حول القرى والتجمعات السكانية وقصفها بالمدفعية،
اشعال النار بالمنازل والممتلكات والبضائع، الطرد، هدم
المنازل، وأخيراً، زرع الألغام بين الانقاض لمنع اي من الناس
المطرودين من العودة. وتم تزويد كل وحدة بالقائمة المخصصة لها
من القرى والأحياء السكنية التي نصت عليها الخطة. وكانت هذه
الخطة التي سميت “الخطة دال”، هي النسخة الرابعة والأخيرة، من
سلسلة خطط أقل أهمية، رسمت الخطوط العريضة للمصير الذي حدده
الصهاينة لفلسطين، ولسكانها الأصليين،وكانت الخطط الثلاث
السابقة قد ذكرت على نحو مبهم الكيفية التي تفكر القيادة
الصهيونية بها، في التعامل مع وجود هذا العدد الكبير من
الفلسطينيين الذين يعيشون في الارض التي تشتهي الحركة القومية
اليهودية ان تكون ملكها، ولكن هذه الخطة الرابعة والأخيرة
قالتها بوضوح تام ودون التباس: يجب على الفلسطينيين ان يرحلوا.
وكما قال أحد أوائل المؤرخين الذين أشاروا الى اهمية تلك
الخطة، وهو المؤرخ سيمحا فلابان، فإن “الحملة العسكرية ضد
العرب، بما في ذلك “الاستيلاء على المناطق الريفية وتدميرها”،
قد طُرحت في الخطة دال لمنظمة الهاجاناه. وكان هدف الخطة في
حقيقة الأمر تدمير المنطقة الريفية والمناطق الحضرية في
فلسطين.ويضيف المؤلف، ان هذه الخطة كانت في آن معاً، ثمرة لا
بد منها للسعي الايديولوجي الصهيوني الى امتلاك وجود يهودي
حصري في فلسطين، ورد فعل للتطورات على الأرض منذ قرر مجلس
الوزراء البريطاني انهاء الانتداب. وقد وفرت المصادمات مع
الثوار الفلسطينيين المحليين السياق والذريعة المثاليين لتطبيق
التطور الايديولوجي لدولة في فلسطين مطهرة عرقيا. وكانت
السياسة الصهيونية قائمة في بادئ الأمر على الانتقام رداً على
الهجمات الفلسطينية في فبراير/شباط ،1947 ثم تحولت الى مبادرة
لتطهير البلاد كلها عرقياً في مارس/آذار 1948.
وبعد ان اتخذ القرار، استغرق الامر ستة أشهر لإتمام المهمة.
وبعد ان تمت، كان اكثر من نصف السكان الفلسطينيين، اي ما يقارب
800 ألف نسمة، قد اقتلعوا من ديارهم، كما تم تدمير 531 قرية،
وإخلاء احدى عشرة ضاحية حضرية من سكانها. وتشكّل الخطة التي
تمت المصادقة عليها في 10 مارس/آذار ،1948 وتطبيقها المنظم في
الشهور التي اعقبت ذلك التاريخ، حالة لعملية تطهير عرقي لا
مراء فيها، وتُعتبر بموجب القانون الدولي اليوم جريمة ضد
الانسانية.ويضيف المؤلف، انه بعد المحرقة اليهودية، أصبح من
المستحيل تقريباً إلغاء الجرائم ضد الانسانية التي تُرتكب على
نطاق واسع. فالعالم الحديث الذي نعيش فيه، والذي يحركه
الإعلام، وبخاصة بعد التطورات الهائلة التي طرأت على وسائل
الاعلام الالكترونية، لم يعد يسمح ببقاء الكوارث التي يصنعها
الانسان خافية عن اعين الجماهير، كما جعل من المستحيل انكارها
والتنصل منها. ومع ذلك، فإن واحدة من مثل هذه الجرائم قد انمحت
كلياً تقريباً من الذاكرة العالمية العامة، ألا وهي جريمة سلب
الفلسطينيين ممتلكاتهم وطردهم من ديارهم سنة 1948 على يد
“اسرائيل”.
وهذا الحدث الذي كان له الأثر الحاسم في تشكيل التاريخ الحديث
لفلسطين، ظل يلقى الانكار منذئذ بطريقة منظمة، ولا يزال حتى
اليوم غير معترف به كحقيقة تاريخية، ناهيك عن الاعتراف به
كجريمة يجب التصدي لها على الصعيدين السياسي والأخلاقي.
ويعرب المؤلف عن دهشته من هذا التجاهل قائلاً: المذهل في الامر
في الحالة الفلسطينية، هو الفصام الحاصل بين الواقع وصورته.
فمن الصعب حقاً ان يفهم المرء، وان يفسر من ثم، لماذا تم
التجاهل التام لجريمة ارتكبت في العصر الحديث وفي مفترق تاريخي
كان يستدعي حضور المراسلين الأجانب ومراقبي الامم المتحدة. ومع
ذلك ليس هنالك مجال لإنكار ان التطهير العرقي سنة 1948 قد اجتث
تماما تقريباً من الذاكرة العالمية الجماعية ومُسح من وجدان
العالم.
يقول المؤلف: تخيّل انه قبل مدة ليست بعيدة، وفي اي بلد تعرفه،
تم طرد نصف السكان بالقوة خلال سنة واحدة، ومسح نصف قُراه
وبلداته عن وجه الأرض، ليبقى بعد ذلك الحجارة والأنقاض وحسب،
وتخيل الآن احتمال ان لا يجد مثل هذا العمل طريقه أبداً نحو
كتب التاريخ، وان كل الجهود الدبلوماسية لحل النزاع الذي اندلع
في ذلك البلد، تهمش ذلك الحدث الكارثي، بل تتجاهله.
ما هو التطهير العرقي؟
في الفصل الأول من الكتاب، المكون من اثني عشر فصلاً، يبحث
المؤلف في تعريف التطهير العرقي. وينقل عن موسوعة هاتشنسون
تعريفها له بأنه الطرد بالقوة من أجل اشاعة التجانس بين السكان
من أعراق مختلفة في منطقة أو أرض معينة. والغرض من الطرد هو
اخلاء اكبر عدد ممكن من السكان، بكل الوسائل المتاحة في يد
الجهة التي تنفذه، بما في ذلك الوسائل غير العنيفة، كما حدث مع
المسلمين في كرواتيا، الذين تم طردهم بعد توقيع اتفاقية دايتون
في نوفمبر/تشرين الثاني 1995.
ويضيف المؤلف ان هذا التعريف مقبول لدى وزارة الخارجية
الأمريكية. ويضيف خبراؤها اليه ان جزءاً جوهرياً من التطهير
العرقي هو طمس تاريخ منطقة معينة واجتثاثه بكل الوسائل المتاحة
والنتيجة النهائية لمثل هذه الأعمال، هي خلق مشكلة لاجئين.
وتستعمل منظمة الامم المتحدة تعريفات مماثلة. اذ ناقشت هذه
المنظمة مفهوم التطهير العرقي بجدية سنة 1993. ويقرن مجلس حقوق
الانسان التابع للأمم المتحدة رغبة دولة أو نظام في فرض الحكم
العرقي على منطقة مختلطة الأعراق، مع استخدام اعمال الطرد
وغيرها من الوسائل العنيفة. وقد عرّف المجلس المذكور في تقريره
الذي أصدره، أعمال التطهير العرقي بأنها تشتمل على “فصل الرجال
عن النساء، وحجز الرجال، وتفجير المنازل، ثم إسكان ما يتبقى من
المنازل لأفراد مجموعة عرقية اخرى. ويذكر التقرير ان
الميليشيات الاسلامية في مناطق معينة من كوسوفو صمدت وقاومت
مقاومة عنيدة، وكانت عاقبة ذلك ان عمليات الطرد التي حصلت
فيها، تضمنت ارتكاب مجازر.
ويرى المؤلف ان “الخطة دال” التي وضعتها “اسرائيل” سنة ،1948
والتي سبق ذكرها، تحتوي على سلسلة منظمة من وسائل التطهير،
التي يتطابق كل منها مع الوسائل الواردة في تعريف الأمم
المتحدة للتطهير العرقي، كما انها تشكّل الخلفية للمذابح التي
رافقت مرحلة التخطيط الى مرحلة التنفيذ النهائية، يشكل حسب هذه
التعريفات، حالة تطهير عرقي ثابتة.
جذور التطهير العرقي
في أحد فصول الكتاب، يتحدث المؤلف عن جذور فكرة التطهير العرقي
لفلسطين، فيستعرض بإيجاز موقف الحركة الصهيونية من هذا
الموضوع. ويذكرّنا بأن الصهيونية قد ظهرت في ثمانينات القرن
التاسع عشر في اوروبا الوسطى والشرقية كحركة إحياء قومي،
أثارها الضغط المتنامي على اليهود في تلك المناطق. وفي بداية
القرن العشرين ربط معظم زعماء الحركة الصهيونية بين الاحياء
القومي وبين استعمار فلسطين. وكان آخرون، وبخاصة مؤسس الحركة،
تيودور هيرتزل، اكثر تأرجحاً، ولكن، بعد موته سنة 1904 كان
التوجه نحو فلسطين ثابتاً ويحظى بقبول زعماء الحركة.
ويقول المؤلف ان اليهود كانوا يُجلّون فلسطين عبر القرون
باعتبارها مكاناً يحجون اليه وفق الديانة اليهودية، ولم ينظروا
اليها في يوم من الأيام كدولة زمنية في المستقبل. وكانت
التعاليم اليهودية تأمر اليهود بوضوح بانتظار قدوم المسيح
المنتظر في “نهاية الزمان” قبل ان يستطيعوا العودة الى فلسطين
كشعب مستقل، وهذا هو السبب في ان فئات عديدة من اليهود
الحريديين أو المتزمتين إما انهم غير صهاينة، أو مناوئون
للصهيونية. أي ان الصهيونية، كما يقول المؤلف، قد أضفت على
الديانة اليهودية الطابع الدنيوي أو القومي.
ويضيف المؤلف، ان المفكرين الصهاينة، لكي يجعلوا مشروعهم يؤتي
أكله، ادعوا ملكية المناطق التوراتية واعادوا خلقها، بل
اخترعوها كمهد لحركتهم القومية الجديدة. وكانوا يعتبرون فلسطين
محتلة من قبل “الغرباء” وانه يجب اعادة امتلاكها. ومعنى
“الغرباء” هنا، كل من ليس يهودياً، وكان يعيش في فلسطين منذ
العهد الروماني، بل ان فلسطين في نظر العديد من الصهاينة لم
تكن حتى أرضا “محتلة” عندما جاءوا إليها أول مرة سنة ،1882 بل
أرضا “خالية” وكان الفلسطينيون المحليون الذين يقطنونها غير
مرئيين بالنسبة إليهم، وإن رأوهم، فما هم الا جزء من العقبات
الطبيعية التي يجب التغلب عليها وإزالتها، ولم يكن شيء لا
الصخور ولا الفلسطينيون ليقف في طريق “استرداد” الأرض التي
تشتهيها الحركة الصهيونية.
ويتابع المؤلف قائلا: ان الصهيونية ظلت حتى احتلال فلسطين من
قبل بريطانيا سنة ،1918 مزيجا من الممارسة القومية
والاستعمارية. وكانت محدودة في مداها: فلم يكن الصهاينة يزيدون
على 5% من مجموع عدد السكان في ذلك الوقت، وحيث كانوا يعيشون
في مستعمرات فإنهم لم يؤثروا في السكان المحلليين، كما لم
يلفتوا أنظارهم بوجه خاص، ويقول المؤلف ان احتمال استيلاء
اليهود على البلاد في المستقبل وطرد شعبها الفلسطيني منها،
الأمر الذي أدركه المؤرخون بأثر رجعي في كتابات الآباء
المؤسسين للصهيونية، أصبح واضحاً لبعض الزعماء الفلسطينيين حتى
قبل الحرب العالمية الأولى، وكان الزعماء الآخرون أقل اهتماما
بالحركة.
ويمضي المؤلف الى القول ان الأدلة التاريخية تبين ان العديد من
الزعماء الفلسطينيين، في وقت ما بين سنتي 1905 و1910 كانوا
يناقشون أمر الصهيونية كحركة سياسية تهدف الى شراء الأرض،
والممتلكات ومصادر القوة في فلسطين، على الرغم من ان
الاحتمالات الكامنة المدمرة لم تكن مفهومة تماما في تلك
الفترة، ونظر الكثير من أفراد النخبة المحلية الى الأمر
باعتباره جزءاً من الحركة التبشيرية والاستعمارية الأوروبية
وهو كذلك في جزء منه، ولكن له جانباً آخر بطبيعة الحال، تحول
الى مشروع خطير بالنسبة الى السكان المحليين.
ولم يكن هذا الاحتمال يناقش على الأغلب او يفصح عنه من قبل
الزعماء الصهاينة أنفسهم، ولكن بعض الشخصيات الفلسطينية
البارزة والمثقفين لا بد أنهم قد احسوا بالخطر الماثل، لأننا
نجدهم يحاولون اقناع الحكومة العثمانية في اسطنبول، بالحد من
الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين التي كانت تحت
الحكم التركي حتى سنة ،1918 إن لم يكن منعهما بصورة تامة، فقد
ادعى العضو الفلسطيني في البرلمان التركي، سعيد الحسيني في 6
مايو/ أيار ،1911 ان اليهود ينوون خلق دولة في المنطقة التي
ستشمل على فلسطين وسوريا والعراق، ومع مضي السنوات في ظل
الانتداب استقر الاحساس بالخطر الماثل، او الكارثة بالأحرى، في
أوساط القطاعات الأكثر ثقاقة من النخبة الفلسطينية، ولكن هذا
الاحساس، يقول المؤلف، لم يترجم أبداً الى استعدادات ملائمة
لمواجهة الخطر الوجودي الذي يقبع بانتظار مجتمعهم.
أما الآخرون المجاورون لفلسطين، مثل نخبة المثقفين في مصر، فقد
اعتبروا تحرك اليهود الى فلسطين، محاولة غير مسؤولة من جانب
أوروبا لنقل فقرائها والمشردين فيها الى البلاد، لا كجزء من
خطة كبرى تستهدف طرد السكان المحليين، وبالنسبة اليهم، كانت
حركة هؤلاء البؤساء تبدو أقل خطراً من المحاولة التي كانت
تبذلها القوى الاستعمارية الأوروبية والكنائس للسيطرة على
“الديار المقدسة” من خلال ارسالياتها وبعثاتها التبشيرية
ومستعمراتها.
وكانت نوايا الصهاينة قبل الاحتلال البريطاني أواخر سنة 1917
مبهمة، لا بسبب عدم وضوح الرؤية والهدف لديهم، بل لخشيتهم من
ان تقوم الحكومة في اسطنبول بطردهم من البلاد، ولكن، عندما
كانت ثمة حاجة الى نشر صورة أوضح للمستقبل، لم يكن هنالك أي
ابهام. فما كان الصهاينة يفكرون به ويخططون له، هو اقامة دولة
يهودية في فلسطين، للهروب من تاريخ من الاضطهاد في الغرب، وكان
السبيل الى ذلك. هو الاستناد الى مزاعم توراتية.
ويقول المؤلف، ان اللحظة التي منح فيها وزير الخارجية
البريطاني اللورد بلفور الحركة الصهيونية وعده سنة 1917 باقامة
وطن قومي لليهود في فلسطين، قد فتحت الباب على مصراعيه لصراع
لا ينتهي، سرعان ما عصف بالبلاد وأهلها.. ولم يكن بالامكان
تحقيق المشروع الصهيوني الا من خلال خلق دولة يهودية خالصة في
فلسطين، كملاذ آمن لليهود من الاضطهاد. وكمهد لقومية يهودية
جديد، وكان لابد لمثل تلك الدولة ان تكون يهودية حصراً، لا في
تركيبها الاجتماعي السياسي وحسب، بل في تركيبها العرقي كذلك.
وعن موقف بريطانيا من ذلك. يقول المؤلف، ان سلطات الانتداب
البريطاني قد سمحت للحركة الصهيونية منذ البداية، بأن تقيم
لنفسها كيانا مستقلا داخل فلسطين، ليكون بمثابة البنية التحتية
لدولة تقوم في المستقبل.. وقد تضمنت الاستعدادات الصهيونية
للاستيلاء على الارض بالقوة، فيما لو فشل تسليمها لليهود من
خلال الدبلوماسية، انشاء منظمة عسكرية فعالة، بمساعدة الضباط
البريطانيين المتعاطفين، والبحث عن موارد مالية سخية، يمكن
بواسطتها تهجير اليهود الى فلسطين.
وقد تم انشاء نواة الجيش “الاسرائيلي”، وهي منظمة الهاجاناة.
بمساعدة وتشجيع الضباط البريطانيين، وتحت تأثير هؤلاء سرعان ما
أصبحت منظمة الهاجاناة الذراع العسكرية للوكالة اليهودية، وهي
الهيئة الصهيونية الحاكمة في فلسطين، والتي تطورت في النهاية
ثم طبقت عندئذ خططاً للاستيلاء العسكري الصهيوني على البلاد
برمتها والتطهير العرقي لسكانها الاصليين.
بن جوريون وخطط التطهير
يصف المؤلف الدور الذي لعبه بن جوريون في تأسيس دولة يهودية
خالصة، فكانت كيفية تحقيق هذا الهدف تناقش تحت اشرافه حوالي
سنة 1937. وظهرت في ذلك كلمتان سحريتان، هما: القوة والفرصة،
فلا يمكن الفوز بدولة يهودية الا بالقوة، غير انه يجب الانتظار
حتى تلوح الفرصة المواتية، للتعامل “العسكري” مع الواقع
السكاني على الارض، وهو وجود غالبية غير يهودية من السكان
الاصليين.
في سنة ،1942 كان بن جوريون يتبنى علناً مطالبة الحركة
الصهيونية بكامل فلسطين، وكما كانت عليه الحال أيام صدور وعد
بلفور، كان زعماء الصهيونية يفهمون الوعد بأنه يشمل البلاد
برمتها، ولكن بن جوريون كان مستعمراً براغماتيا، الى جانب كونه
مؤسس دولة، فكان يعلم ان المطالبة بكامل فلسطين كما كانت عليه
في عهد الانتداب، لن تعتبر أمراً واقعياً.
وفي سنة ،1946 جمع بن جوريون قيادة الحركة الصهيونية ضمن مؤتمر
عقد في باريس، للبحث عن بديل للمطالبة بكامل فلسطين، قال بن
جوريون للمجتمعين: “سوف نطالب بقطعة ضخمة من فلسطين” ومثل
أجيال من زعماء الحركة الصهيونية حتى شارون سنة 2005 “كما يقول
المؤلف” اضطر بن جوريون ان يكبح غلاة الصهاينة، ويقول لهم ان
ثمانين الى تسعين بالمائة من فلسطين الانتداب كافية لاقامة
دولة قابلة للعيش، شريطة ان يتمكن الصهاينة من خلق هيمنة
يهودية فيها، ولم يتغير المفهوم، ولا النسبة المئوية على مدى
الستين سنة القادمة، وبعد ذلك بعدة شهور، ترجمت الوكالة
اليهودية عبارة بن جوريون “قطعة ضخمة من فلسطين” الى خريطة
وزعتها على كل من له علاقة بمستقبل فلسطين، وقد وضعت هذه
الخريطة التي صدرت سنة 1947 تصوراً لدولة يهودية، هي التي ظلت
قائمة حتى سنة 1967. أي فلسطين من دون الضفة الغربية وقطاع
غزة.
ويتابع المؤلف قائلا ان بن جوريون كان يدرك سنة 1946 ان
البريطانيين في طريقهم الى الخروج من فلسطين، فبدأ العمل مع
مساعديه على انجاز استراتيجية عامة يمكن تطبيقها ضد السكان
الفلسطينيين لحظة خروج البريطانيين وأصبحت هذه الاستراتيجية هي
الخطة ج.
كانت الخطة ج نسخة منقحة للخطتين السابقتين أ، ب. وكانت الخطة
أ التي تسمى كذلك “خطة اليميلخ”، على اسم “اليميلخ أفنير” قائد
منظمة الهاجاناة في تل ابيب سنة ،1937 بناء على طلب بن جوريون،
قد وضعت من قبل الارشادات الممكنة للاستيلاء على فلسطين في حال
الانسحاب البريطاني. وقد وُضعت الخطة ب سنة ،1946 وتم دمج
الخطتين معاً ضمن خطة واحدة اصبحت تعرف باسم الخطة ج.
وكانت الخطة ج، شأنها شأن الخطتين أ، ب، تهدف الى اعداد
القوات العسكرية للمجتمع اليهودي في فلسطين من أجل الحملات
الهجومية التي سوف تشنها ضد ريف فلسطين ومدنها لحظة رحيل
البريطانيين.
وكان الغرض من مثل تلك الأعمال “ردع” السكان الفلسطينيين عن
مهاجمة المستوطنات اليهودية، والثأر للهجمات على المنازل
اليهودية والطرق وحركة السير اليهودية، وقد نصت الخطة ج بوضوح
على ما ستشمل عليه الاعمال الانتقامية من هذا النوع، وهو:
قتل القيادات السياسية الفلسطينية.
قتل المحرضين الفلسطينيين ومن يدعمونهم ماليا.
قتل الفلسطينيين الذين يعملون ضد اليهود.
قتل ضباط ومسؤولين كبار “كانوا يعملون مع سلطات الانتداب”.
تخريب المواصلات الفلسطينية.
تخريب موارد العيش الفلسطينية: آبار المياه، الطواحين ...الخ.
مهاجمة القرى الفلسطينية المجاورة التي يحتمل ان تساعد في
الهجمات في المستقبل.
مهاجمة النوادي الفلسطينية، والمقاهي، وأماكن التجمع... الخ.
غير ان الخطة الاخيرة التي تمت صياغتها، خلال اشهر قليلة وهي
الخطة دال هي التي قررت مصير الفلسطينيين داخل المنطقة التي
كان زعماء الحركة الصهيونية يتطلعون الى اقامة دولتهم اليهودية
المقبلة عليها، ومن دون مبالاة بما اذا كان هؤلاء الفلسطينيون
سوف يتعاونون مع هذه الدولة، او يعارضونها دعت الخطة دال الى
طردهم جميعا من وطنهم، وبصورة منهجية منظمة.
]دار الخليج
|