|
كتاب-ندوب الحرب وجروح السلام-الحلقة(4) مناورات باراك ضيعت
فرصة تاريخية للسلام مع سوريا افتقدها رابين
تأليف :شلومو بن عامي
يواصل شلومو بن عامي في هذه الحلقة عرض مواقفه ورؤاه بشأن
مسيرة المفاوضات العربية الإسرائيلية وخاصة في شقها الفلسطيني
والذي كان محور المفاوضات والمساعي المختلفة للتسوية خلال
السنوات الأخيرة. ويقدم لنا المؤلف في هذا الصدد تفاصيل رؤيته
بشأن ما جرى على المسار السوري.
ورغم انتقاده لسلوك رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود
باراك وما سلكه من مناورات أدت في النهاية إلى فشل المفاوضات
على هذا المسار، إلا أنه يقدم صورة متصلبة لمواقف الأسد تشير
إلى مدى تمسكه بالثوابت السورية الأمر الذي لم يتوافر على أي
من المسارات الأخرى.
ويبدو هنا انه لا يرفض تماما فكرة أولوية المسار السوري غير
أنه يتحفظ على النتيجة التي انتهت إليها باعتبار أن باراك كان
ينبغي أن يركز على المسار الذي يرى فيه النجاح وعلى استعداد
لدفع ثمن له، وهو ما يعني بمفهوم المخالفة انتقاد المؤلف
لباراك باعتبار أنه فوت الفرصة على تحقيق تسوية على المسار
الفلسطيني.
في ضوء الأهمية التي احتلها خيار «سوريا أولا» في إستراتيجية
باراك التفاوضية يشير المؤلف إلى أنه أيا كانت صحة الخيار الذي
مال إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، فإن القضية أنه كان
يجب عليه أن يكون على علم أو بينة بشأن الثمن الذي ينبغي عليه
دفعه. هنا موضع الحساب أو التقييم فلقد انتهى الأمر بباراك إلى
الفشل على هذا المسار.
وفي تحديده لأسباب ذلك الفشل يوضح المؤلف أن باراك، ومعه
كلينتون انطلقا من أساس خاطئ للمفاوضات مع سوريا، يقوم على
أساس ما تردد بشأن الأسس التي توصل إليها رون لودر رجل الأعمال
اليهودي الأميركي الذي استعان به نتانياهو في مفاوضات سرية عمل
على إجرائها مع سوريا.
وطبقا لهذا الوسيط فإن الأسد كان على استعداد لاتفاق على أساس
الحدود الدولية لسوريا عام 1923 كما أنه قبل أيضا بوجود نقاط
تفتيش عسكرية إسرائيلية في جبل الشيخ. فيما يؤكد المؤلف على أن
موقف دمشق لم يكن على هذا النحو بأي حال من الأحوال، وإنما قام
على أساس ما عرف بـ «وديعة» رابين والتي تقوم على انسحاب من
الأراضي السورية التي جرى احتلالها عام 1967 مع ترتيبات أمنية.
ويشير المؤلف إلى أن مماحكات باراك بشأن طبيعة التسوية مع
سوريا والخلاف على بعض التفاصيل انتهت به إلى إضاعة فرصة
التوصل إلى اتفاق مع دمشق كانت مستعدة له خاصة في ظل سعي الأسد
لتنصيب ابنه بشار ليحل محله ورغبته في أن يترك له الأوضاع
مستقرة دون تحميله عبء العمل على استعادة الجولان.
وتأكيداً على خطأ نهج باراك في التعاطي مع المسار السوري رغم
موافقة المؤلف على خيار «سوريا أولا» يشير إلى أنه ضيع فرصة
تاريخية لم يوفرها الأسد لرابين وتتمثل في موافقته على إرسال
وزير خارجيته لمفاوضات مباشرة مع باراك حتى قبل أن تتلقى دمشق
التزاما واضحا بالعمل وفق وديعة رابين، وبدلا من انتهاز هذه
الفرصة والقبول بدفع الثمن المناسب من أجل تحقيق السلام فإن
باراك غامر بالثقة التي منحه إياها الأسد وتجنب تقديم التزام
واضح وأساسي بشأن قضية الحدود.
إشارات متناقضة
لقد أرسل باراك إشارات إلى الأميركيين والسوريين تفيد بجديته
غير أنه حينما حانت لحظة الحقيقة واتخاذ القرار لجأ إلى
المناورة على أمل تحقيق وضع أفضل مما أدى إلى فشل المفاوضات.
ورغم أنه يلقي باللوم على باراك في إفشال المفاوضات على المسار
السوري إلا أن المؤلف.
يشير إلى أن سوريا لم تتمتع بالمرونة الكافية كذلك، فقد أبدت
دمشق تصلبا بشأن بعض القضايا مثل الموقف بشأن لبنان وكذا
الترتيبات الأمنية ومطالبتها بالسيادة الكاملة على قطاع الأرض
على طول الشواطئ الشمالية الشرقية لبحيرة طبريا. كما رفض
السوريون كذلك السماح بإيجاد قناة مفاوضات إسرائيلية لبنانية
منفصلة، الأمر الذي كان باراك في حاجة إليه من أجل تليين
الموقف الداخلي في إسرائيل تجاه الثمن الباهظ الذي كان من
المنتظر دفعه لسوريا.
وعلى شاكلة ما جرى على المسار الفلسطيني فإن باراك تردد كثيرا
في الإقدام على الحل مع سوريا جراء خوفه من تطورات الجبهة
الداخلية، حيث إنه طبقا لاستطلاعات الرأي في إسرائيل في تلك
الفترة فإن الرأي العام الإسرائيلي لم يكن يثق بموقف السوريين
وبالتالي لم يكن حريصا على تسوية مع دمشق تقوم على الانسحاب
الكامل من هضبة الجولان، الأمر الذي قد يزيد من خطر الجبهة
السورية.
فضلا عن ذلك فإن الجيش والمؤسسة الأمنية كذلك، حسبما يشير
المؤلف، لم يكونا يوافقان باراك على حماسه بشأن تفعيل المسار
السوري، فكل من رئيس الأركان شاؤول موفاز ورئيس مؤسسة الأمن
الداخلي (الشاباك) عامي أيالون نصحا رئيس الوزراء خلال جلسات
مجلس الوزراء بالتركيز على المسار الفلسطيني.
لقد كان باراك يتوقع من الأسد مساعدته على تنفيذ مشروعه للسلام
من خلال التلاقي مع التنازلات التي يرى أن إسرائيل قدمتها
لدمشق بمزيد من المرونة والموافقة على تقديم إشارات إيجابية
تعبر عن حسن النوايا ومن ذلك السماح للبنان بالدخول في مفاوضات
مع إسرائيل إزاء اعتزام هذه الأخيرة الانسحاب من الأراضي
اللبنانية.
وفي ذلك يشير المؤلف إلى أن باراك كان يأمل أن يوافق الأسد على
إقامة منطقة تجارة حرة في مرتفعات الجولان حتى قبل التوقيع على
اتفاق سلام بين البلدين، الأمر الذي لم يلق قبولا لدى الأسد
الذي كان السلام يعني بالنسبة له إنهاء حالة الحرب فقط وليس
التعاون الثنائي. كما كان باراك يأمل أن تلعب الولايات المتحدة
دورا لجهة إقناع دولة عربية أو أخرى بإقامة علاقات دبلوماسية
مع الدولة اليهودية.
ولعل ذلك العرض للمواقف يكشف لنا جانبا من حقيقة الصورة عن
خلفيات المفاوضات في تلك الفترة وهو ما لا يختلف كثيرا عما هو
معروف بشأن مواقف دمشق ما يعني أن القيادة السورية بغض النظر
عن التقييم النهائي لما آل إليه المسار السوري كانت واضحة في
مواقفها العلنية والسرية ومنسجمة مع ذاتها وبراغماتية في الوقت
ذاته.
وإذا كان من الصحيح أن التطورات أضعفت الموقف السوري ما أدى
إلى التراجع في سقف مطالبه إلا أن تلك التطورات لم تكن تخطر
على بال أي صانع قرار في تلك الفترة وأهمها أحداث سبتمبر التي
غيرت كثيرا من ترتيبه وأولويات الأوضاع في المنطقة.
إن الأسد، وفق الرؤية التي يقدمها شلومو بن عامي، لم يكن سلبيا
تماما تجاه ما يجري أمامه من مواقف عبر عنها باراك، رغم أنه لم
يكن متعاونا بشكل مطلق، وهو أمر طبيعي في ضوء خبرة المفاوضات
العربية عامة مع إسرائيل. وهنا يبدو أن المؤلف يقر ضمنيا بصحة
منطق الأسد في عدم إطلاق المسار اللبناني في ضوء التخوف من ألا
يرافق ذلك تحركا على المسار السوري بما يعني التخلي عن ورقة
تعزز مطلبه في الانسحاب من الجولان.
الفرص الضائعة
وفي إطار استعراض الفرص الضائعة يشير شلومو بن عامي إلى أنه
لاحت في الأفق فرصة أخرى في 1999 ويناير 2000 ففي ذلك الوقت
استقر باراك على توجه لم يكن ليلقى تأييد الرأي العام
الإسرائيلي. وقد تطرق باراك إلى هذا التصور في اجتماع لمجلس
الوزراء في فبراير ويقوم على تسوية مع سوريا يحكمها مبدأ
الانسحاب إلى خطوط 1967 غير أن الأجواء لم تكن مناسبة على
الجهة السورية.
حيث إن أولويات الأسد الأب في تلك الفترة كانت تتمثل في تهيئة
الأجواء لتمهيد الطريق أمام الأسد الابن لتولي الحكم من بعده،
وليس الدخول في تعقيدات اتفاق سلام مع إسرائيل، وإن كان من
الصعب هنا قبول رؤية المؤلف على إطلاقها، حيث إنه وفقا لسياق
تناول سابق له أشار إلى أن الأسد كان يركز جل اهتمامه على
التسوية لتولي ابنه مسؤولية الحكم دون عبء الصراع على الجولان.
وعلى ذلك فقد تكون الفرصة التي يتحدث عنها المؤلف مجرد مشروع
لم يتم عرضه على النحو السليم على الجانب السوري. غير أن
المؤلف وفيما يبدو حرصا منه على توضيح تناوله يشير إلى أن هذا
التوجه الخاص بالأسد برز على نحو واضح خلال قمة جنيف مع
كلينتون والتي كانت بمثابة إسدال الستار على تلك المرحلة من
مساعي السلام بين إسرائيل وسوريا.
لقد كانت تلك واحدة من أسوأ التجارب الدبلوماسية لإدارة
كلينتون. لقد سعى باراك إلى الدفع بكلينتون إلى ممارسة ضغوط
على الرئيس السوري إلى لقاء كان يبدي عدم رغبته في إتمامه من
أجل الاستماع إلى المقترحات الإسرائيلية الأخيرة.
وخلال اللقاء البارد والذي كانت أجواؤه غير مواتية بدا الأسد
غير مكترث بما تعرضه إسرائيل. ليس ذلك فقط بل يدعي المؤلف بأن
الأسد انتقد بحدة وزير خارجيته فاروق الشرع علنا أمام الوفد
الأميركي في المفاوضات على ما ذهب إليه بشأن إمكانية سيطرة
إسرائيل على القطاع الشمالي الشرقي من بحيرة طبريا. وفي مسعى
لتجاوز أي مجال للمناورة فإن الأسد راح يؤكد أحقية سوريا في
السيطرة على البحيرة ككل. «إن البحيرة على الدوام هي بحيرتنا»
ما كان يعني تبخر فرصة للسلام بين العرب وإسرائيل.
وبالعودة مرة أخرى إلى موقف باراك يشير المؤلف، ورغم انتقاده
لتعاطي باراك مع المسار السوري، إلى أن رئيس الوزراء
الإسرائيلي ذهب إلى مدى أبعد مما ذهب إليه أي رئيس وزراء
إسرائيلي آخر على هذا المسار. وهنا يجب ألا يغيب عن ذهننا أن
المؤلف ينطلق في هذا الصدد من رؤية إسرائيلية .
حيث إن الحديث عن ثمن باهظ وتقديم تنازلات وغير ذلك من مصطلحات
أمر لا ينطبق تماما على الموقف الإسرائيلي باعتبار أن القضية
إنما تتعلق بإعادة حقوق مغتصبة لأصحابها سواء كانوا
الفلسطينيين أم السوريين أم أي طرف عربي آخر، فالأمر يتعلق في
النهاية وفق قواعد الرؤية السليمة بتصحيح أوضاع خاطئة.
ويخلص المؤلف من استعراض هذه التجربة إلى أنه رغم فشل التحرك
على المسار السوري إلا أنه ألقى بتأثيراته على نظيره الفلسطيني
وترك مبادئ اعتنقها عرفات فيما بعد. فقد علم الأسد عرفات أنه
من الممكن أن يقول لا للولايات المتحدة، ووضع رئيسها في وضع
مخز، على شاكلة ما جرى في قمة جنيف، دون دفع أي ثمن.
كما علمه أن حدود 1967 تصل إلى حد القداسة وأنه لذلك ينبغي أن
تحظى بوضعية خاصة في أي مفاوضات مستقبلية. كما علم الأسد عرفات
أن التوصل إلى اتفاق نهائي مع إسرائيل يتطلب أن تقوم المفاوضات
على أساس شرط لا يمكن التنازل عنه وهو الانسحاب الكامل وغير
المشروط من الأراضي المحتلة.
كامب ديفيد ـ 2
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن مرحلة مفاوضات كامب ديفيد
والتي كان هو أحد المنخرطين في إدارتها من موقعه كوزير
للخارجية خلال مرحلة أساسية من تطوراتها فيشير إلى أنها كانت
ضحية التوقعات المتنازعة من قبل أطرافها الرئيسيين، وهى
التوقعات التي جرى بناؤها على أساس ما جرى في المراحل السابقة
وخاصة نتائج أوسلو. فالإسرائيليون قدموا إلى المفاوضات تحكمهم
رؤية مفادها أن اتفاقات أوسلو إنما تتضمن نهايات مفتوحة، حيث
لم تؤسس لحلول مستقبلية.
وبالنسبة لهم فإنه ليس كل الأراضي خاضعة للنقاش، بينما كانت
القناعة السائدة لدى الفلسطينيين هي أن المفاوضات إنما تقوم
على قرار الأمم المتحدة رقم 242 والذي يمثل أساس مؤتمر مدريد
ويتضمن الانسحاب إلى حدود 1967 وتقسيم القدس، وتفكيك
المستوطنات وعدم شرعيتها والإقرار بحق العودة للاجئين
الفلسطينيين، فيما لم يتصور رابين ولا بيريز أن أوسلو تطلق
عملية يجب أن تؤدي في نهايتها إلى حد الانسحاب إلى حدود 67 أو
حتى التقسيم الواضح للقدس إلى عاصمتين، والتطبيق الحرفي لحق
عودة اللاجئين.
الغموض البناء
لقد سهل ما يسميه المؤلف «الغموض البناء» التوصل إلى اتفاق في
أوسلو دون ثمن مكلف، وعلى ذلك فقد كانت أجندتهم في مفاوضات
كامب ديفيد حل القضايا العالقة جراء حرب 1967، ولذا كانت
دهشتهم كبيرة لاكتشاف أن القضايا محل الاهتمام من قبل
الفلسطينيين هي قضايا حرب 1948 وعلى رأسها قضية حق العودة
للاجئين. من ناحية أخرى يشير المؤلف إلى أن من بين تبعات أوسلو
أن الإسرائيليين بدأوا استيعاب حتمية قيام الدولة الفلسطينية،
ومثل هذا الأمر لم يكن يقتصر فقط على اليسار الإسرائيلي وإنما
يشمل أيضا اليمين.
ومن ذلك فإن نتانياهو مثلا اعتاد على الحديث عن الدولة
الفلسطينية وفقا لنموذج بورتوريكو أو أندورا. غير أنه رغم وجود
اتفاق على الفكرة فإن كلا من اليمين واليسار، ذهب مع ذلك إلى
أن الحدود ودرجة السيادة التي تتمتع بها هذه الدولة إنما يجب
أن تكون خاضعة للنقاش المستقبلي، على نحو ما جرى بالنسبة لأغلب
قضايا اتفاق أوسلو.
وفي هذا الصدد فقد طرح حزب العمل مثلا في مؤتمره في مايو 1997
الحاجة إلى دولة فلسطينية محدودة السيادة من أجل الحفاظ على
أمن إسرائيل. وبناء عليه فقد ذهب الحزب إلى أنه على الرغم من
أن الدولة الفلسطينية ينبغي أن تتمتع بالسيطرة على كافة أجزاء
الضفة والسيطرة الفعلية على كل أجزاء غزة إلا أن هذا الفهم يجب
ألا ينصرف إلى المستوطنات الرئيسية أو أي جزء من القدس.
وفي إشارة إلى طبيعة الأجواء التي كانت تحكم إسرائيل في ذلك
الوقت يذكر شلومو بن عامي أن حزب العمل سقط عام 1996 في مواجهة
الليكود على خلفية ما سعى نتانياهو للترويج له خلال حملته
الانتخابية من أن بيريز سوف يقسم القدس.
دولة حسب الشروط
وفيما يشير إلى طبيعة الموقف على الجانب الفلسطيني إزاء هذه
التطورات يشير المؤلف إلى ما ذكره له أبو علاء خلال المفاوضات
السرية التي جرت جنوب استوكهولم في السويد عام 2000 من أنه
«بدلا من صنع السلام فإنك دائما تنظر بشكل أكبر كما لو أنك
تستعد للحرب». ويصدق شلومو بن عامي على هذه المقولة موضحا أنها
لم تكن بلا أساس حيث إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كانت
حاضرة وبقوة في المفاوضات.
وحسب قوله فإن إسرائيل إنما تسعى إلى اتفاق يسمح لها بالرد
الفعال والسريع على أي خطر محتمل من قبل الدولة المستقبلية في
فلسطين، بمعنى آخر أن إسرائيل تريد تفصيل دولة فلسطينية وفقا
لمتطلباتها هي وليس وفقا لما ينبغي أن يكون عليه شكل هذه
الدولة وطبيعتها.
يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى القضايا الأعقد في مفاوضات كامب
ديفيد والمتعلقة بالقدس وهنا يتخلى شلومو بن عامي عن الإطار
العام الذي كان يحكمه على مدى صفحات الكتاب رغم بعض المؤاخذات
عليه هنا أو هناك ليقدم لنا أطروحات تثير الدهشة والتي قد تزول
بمجرد معرفة أنه هو شخصيا كان المكلف عن هذا الملف.
وفي تمهيد للموقف الذي يتبناه يقرر المؤلف بثقة أن كامب ديفيد
لم تسقط بسبب القضايا المتعلقة بالأرض، بل وحتى القضايا
الأمنية بدا أنه من الممكن التوصل إلى حل لها. الأكثر من ذلك
ووفقا لما تطورت إليه عملية المفاوضات فإن إسرائيل قلصت من
طموحاتها إلى المستوى الذي وافقت معه في ديسمبر 2000 على
الانسحاب من 97 في المئة من الضفة وكامل غزة. ويجافي هذا الطرح
من قبل المؤلف الحقيقة .
حيث إن القيود التي أحاطت بالموقف الإسرائيلي فرغته من محتواه
بما كان يعني في النهاية بقاء هذه الأراضي تحت سيطرتها
الفعلية. ومما يشبه ذلك الوضع ويكشف عما نذهب إليه خطة
الانسحاب الأحادي من غزة التي نفذها شارون، فظاهرها إنهاء
الاحتلال فيما أن الأوضاع في غزة والقبضة الإسرائيلية لم
تتغير.
إن السياق الذي يقدمه المؤلف وفق هذه المفاهيم يجعل القارئ
يتساءل عن طبيعة المشكلة إذن؟ وإذا كان جواب شلومو بن عامي
المبدئي يلقي بها على الطرف الفلسطيني بإشارته إلى أنه حتى
إسرائيل قلصت مستوى طموحاتها وعرضت الانسحاب من 97%، فإن باقي
الإجابة تكتمل باستعراض ما يقدمه بشأن هذه القضية في إطار
الجزء الذي خصصه لتناول مفاوضات كامب ديفيد بالتفصيل.
وهنا نجد المؤلف ينتقل إلى ملف القدس والذي كما أشرنا كان
مسؤولا عنه شخصيا، فيشير إلى ما يعتبره مناورة من عرفات لتركيز
الأنظار على وضع المدينة. ووفقا للرواية التي يقدمها فقد صرح
عرفات لكلينتون خلال المفاوضات بموافقته على تعديلات بشأن
الحدود تشمل ما يتراوح بين نحو 8 إلى 10 % دون الإصرار على
تغييرات مقابلة من الجانب الإسرائيلي.
وقد راح عرفات ـ حسب المؤلف ـ يذكر لكلينتون أنه يفوضه في هذه
القضية باعتباره محل ثقته. رغم مرور شلومو بن عامي على العرض
الإسرائيلي بخصوص نسبة الانسحاب دون ذكر الألغام التي تضمنها
هذا العرض، إلا أنه يأبى أن يطبق نفس المنطق على عرض عرفات،
وعلى ذلك ليس لنا أن نستغرب تأكيد المؤلف على أن هذا العرض من
قبل عرفات مناورة ذكية كانت تهدف إلى تركيز الانتباه على
القدس..
. القضية التي كانت تحتل مرتبة بالغة الأهمية في أولوياته.
ووفقا لما يذهب إليه المؤلف، فإنه من خلال إبدائه مرونة بشأن
قضية الأراضي نجح عرفات في تحريك قضية القدس إلى احتلال موقع
القلب من المفاوضات، وبالتالي إلقاء تبعة مسؤولية نجاح القمة
أو فشلها على إسرائيل.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق (البيان )
|