|
حرب 33 يوماً
الحلقة (3)
الهجوم الإسرائيلي استهدف القضاء على حزب الله عبر ثلاث وسائل
تأليف :جلبرت أشقر، ميشيل وارشفسكي

إن فهم رهانات حرب الـــ 33 يوما وتقييم محصلتها واقتفاء معنى
ما جرى في لبنان منذ دخول قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في
صباح 14 أغسطس 2006 يتطلب تحليل مسيرة الهجوم الإسرائيلي من
أجل تحديد الأهداف الحقيقية التي جرى رسمها بالتنسيق مع
الأميركيين بل بإشرافهم، ذلك أن هذه الأهداف نفسها يحيط بها
بعض التشوش بالنسبة للجانب الإسرائيلي. هذا ما يحاول أن يفسره
لنا المؤلف في هذه الحلقة من الكتاب.
كان
الهدف المركزي للهجوم الإسرائيلي هو بالتأكيد القضاء على حزب
الله. وقد سعت إسرائيل إلى تحقيق هذا الهدف عبر الجمع بين ثلاث
وسائل أساسية. الوسيلة الأولى هي توجيه ضربة قاصمة لحزب الله
عبر حملة قصف جوي والاستفادة من «ميزات كاسحة وغير متكافئة»
حسب تعبيرات البنتاغون الذي أخذت قيادة الأركان الإسرائيلية
بخياراته الاستراتيجية.وكانت تلك الحملة ترمي إلى قطع حزب الله
عن خطوط إمداداته وتدمير قسم كبير من بناه العسكرية، من
مستودعات للصواريخ ومنصّات إطلاقها وغيرها وقتل عدد كبير من
مقاتليه وتفكيك الحركة عبر اغتيال حسن نصرالله وقادة آخرين من
منظمته. وتمثلت الوسيلة الثانية في تأليب قاعدة حزب الله
الجماهيرية في أوساط الشيعة اللبنانيين ضده، وذلك عبر تقديم
الحزب كمسؤول عن المأساة التي تعيشها. وجرى لهذا الغرض تنظيم
حملة حرب نفسية هائلة وإلقاء كميات هائلة من المناشير وصفها
أغلبية اللبنانيين بأنها كانت عملية «إسراف كبيرة». وكان
الوصول إلى تحقيق مثل ذلك الهدف يتطلب أن تقوم إسرائيل بتكبيد
الشيعة اللبنانيين خسائر فادحة عبر عمليات قصف جوي واسعة
وتدمير متعمد لقرى كثيرة وقتل المئات والمئات من المواطنين
المدنيين.
ويرى الكاتب أنها لم تكن المرّة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل
إلى مثل هذا النوع من الاستراتيجية الإجرامية بنظر القانون
الدولي. إذ عندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية نشيطة في
لبنان وما أُطلق عليه تسمية «فتح لاند» قبل الغزو الإسرائيلي
الأول للبنان عام 1978، تعودت إسرائيل آنذاك أن تقوم بعمليات
قصف كثيفة لمناطق مأهولة متاخمة لمناطق غير مأهولة كانت تنطلق
منها الصواريخ ضد إسرائيل. وكان ذلك قد نجح في رفض قسم من
السكان في جنوب لبنان لمنظمة التحرير. هذه المرّة اعتقدت
إسرائيل أنه يمكنها تحقيق نفس النتيجة عبر تكثيف وزيادة قسوة
العقاب الجماعي ضد المدنيين. والوسيلة الثالثة تمثلت في تسميم
حياة مجمل اللبنانيين، وذلك عبر أخذهم جميعهم كرهائن عبر فرض
حظر جوي وبحري وأرضي من أجل تحريض المدنيين، خاصة من الطوائف
غير الشيعية ضد حزب الله. ولهذا صرّح القادة الإسرائيليون منذ
البداية، بما فيهم إيهود أولمرت، أنهم لا يتمنون أن يروا في
جنوب لبنان أية قوة غير الجيش اللبناني مع المطالبة بتنفيذ
القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي «مع ما يحمل هذا من
الوقاحة بالنسبة لبلاد تمتلك الرقم القياسي التاريخي في عدم
احترام قرارات الأمم المتحدة»، كما يعلّق المؤلف.
على
ضوء الهدف الرئيسي للهجوم الإسرائيلي وللوسائل الثلاث التي تمّ
اعتمادها كان ذلك الهجوم فشلاً كاملاً وواضحاً. فالجنود
الإسرائيليون المحتجزون لدى حزب الله والذين كان أسرهم الحجة
الرئيسية التي تمّ التذرع بها للقيام بالهجوم لم يتم إطلاق
سراحهم. وحزب الله لم يتم تدميره بل استطاع المحافظة على القسم
الأساسي من بنيته السياسية ومن قوته العسكرية. وكان قد استطاع
أن يطلق صواريخه على شمال إسرائيل حتى صبيحة يوم وقف إطلاق
النار 14 أغسطس. ولم يتم قطعه عن جماهيره بل استطاع أن يحظى
بالدعم لدى الطوائف الأخرى. ناهيك عن المكانة الدولية التي
أعطتها هذه الحرب له خاصة في المنطقة العربية وبقية العالم
الإسلامي. وكي تكتمل اللوحة، أدّى ذلك كله إلى تغير في موازين
القوى في لبنان في اتجاه معاكس تماماً لما كانت واشنطن
وإسرائيل تتمناه. ذلك أن حزب الله قد خرج أقوى وأصلب عودا بعد
المعركة مما هو الأمر بالنسبة لخصومه اللبنانيين، المعلنين أو
غير المعلنين، من أصدقاء الولايات المتحدة الأميركية.
وكانت الحكومة اللبنانية قد اتخذت طيلة فترة سير المعارك
موقفاً مؤيداً لحزب الله، وأعلنت احتجاجها على العدوان
الإسرائيلي تماشياً مع ما كان ينتظره الرأي العام اللبناني
منها. وينقل المؤلف عن مراقب إسرائيلي قوله: «كان خطأ كبيراً
الاعتقاد أن الضغط العسكري يمكن أن يولد دينامية تدفع الحكومة
اللبنانية إلى نزع سلاح حزب الله».
على خطى الهجوم الإسرائيلي
قد لا يكون من المفيد الإلحاح أكثر في الحديث عن الفشل
الإسرائيلي. فهذا ما كان قد أشار إليه سيل من التعليقات
المريرة الصادرة عن مصادر إسرائيلية. ولعل أحد أكثر التعليقات
حدة هو الذي صدر عن «موشي أرنس»، وزير الدفاع الإسرائيلي لثلاث
مرات سابقة، عندما قال في مقال قصير بصحيفة «هآرتس»: «إنهم ـ
يقصد إيهود اولمرت، رئيس الوزراء، وعمير بيرتز، وزير الدفاع،
وتسيبي ليفني، وزيرة الخارجية ـ عرفوا عدة أيام من المجد عندما
اعتقدوا أن قصف الجيش الإسرائيلي للبنان سوف يفكك حزب الله
ويجلب لنا انتصاراً دون عناء.
لكن عندما بدأت ملامح الحرب التي قادوها بكثير من الحماقة
ترتسم بدأت مكانتهم بالتراجع. ومع استمرارهم بإطلاق التصريحات
ذات الطابع الحربي هنا وهناك أخذوا يبحثون عن مخرج ـ عن وسيلة
للنجاة من المجرى الذي أخذته الأحداث والتي كان ظاهراً بوضوح
أنهم لا يسيطرون عليها.
لقد بحثوا عن إمكانية التعلق بوهم، وهل هناك أي وهم أفضل من
مجلس أمن الأمم المتحدة. أي أنه لم تكن هناك أية حاجة لانتصار
عسكري ضد حزب الله. يكفي أن تعلن الولايات المتحدة وقفاً
لإطلاق النار كي يكون لدى أولمرت وبيرتز ويفني إمكانية الإعلان
ببساطة أنه تم تحقيق النصر. لا يهم أن يعتقد بذلك الآخرون أم
لا (...). إن الحرب التي كان يُفترض منها أن تعيد المصداقية
لقدرة الردع الإسرائيلية قد نجحت بتدميرها خلال شهر واحد».
البحث عن مخرج
إن ما قاله أرنس صحيح، حسب التحليلات المقدّمة، إذ أنه عندما
بدا أن إسرائيل ليست قادرة على تحقيق أي هدف من أهدافها التي
حددتها عند بداية حربها، بدأت الحكومة الإسرائيلية بالبحث عن
مخرج. وفي الوقت الذي عوّضت فيه تلك الحكومة عن فشلها بتصعيد
غضبها الفتاك والمشبوب بالثأر على لبنان، في ذلك الوقت غيّر
الذين دفعوها لتلك الحرب في واشنطن من موقفهم في الأمم
المتحدة.
إذ وبعد أن أعطت أميركا الوقت لإسرائيل وعطّلت جميع قرارات وقف
إطلاق النار ـ كان ذلك أحد أخطر الحالات المثيلة التي عرفتها
المنظمة الأممية في العقود الستة من حياتها ـ قررت أن «تستلم
المهمة» بيدها كي تتابع الحرب الإسرائيلية بوسائل دبلوماسية.
إن مراوحة الهجوم الإسرائيلي في مكانه والذي أظهر في الواقع
عجزها دفع بحلف واشنطن إلى إعادة النظر بمواقفه، لاسيما بسبب
القلق أمام المجرى الذي أخذته الأحداث والتضامن الذي أعلنه
الرأي العام العربي مع حزب الله. وطالب الحلفاء الأوروبيون
لواشنطن بدورهم بوقف الحرب لاسيما أن القلق من نتائجها قد
اعتراهم، خاصة في البلدان التي تتواجد فيها أعداد كبيرة من
المهاجرين المسلمين. وخضع توني بلير نفسه لضغط كبير من الأوساط
المحيطة به.
وقدّمت الحرب الجديدة التي قامت بها إسرائيل لفرنسا الفرصة
للتقرب من مواقف حلفاء واشنطن الأغنياء في المنطقة على خلفية
المصالح الاقتصادية. وهكذا طالبت بوقف فوري لإطلاق النار
والبحث عن حلول بديلة.
وانتهى الأمر بواشنطن إلى اتباع نفس النهج بعد أن أعطت
لإسرائيل عدة أيام إضافية من أجل أن تحقق بعض النقاط وتحفظ ماء
وجهها على الصعيد العسكري. وجرى تداول المشروع الفرنسي ـ
الأميركي الأول في الأمم المتحدة يوم 5 أغسطس، وكان يمثل
محاولة واضحة «لاستكمال» الهجوم الإسرائيلي العقيم. لقد دعا
ذلك المشروع إلى «الدعم القوي» لسيادة لبنان وإلى إعادة فتح
مرافئه ومطاراته حصراً «لغايات مدنية يجري التحقق منها». ونص
على فرض «حظر دولي على بيع أو تقديم الأسلحة أو الأعتدة إلى
لبنان، باستثناء ما تسمح به حكومته».
وأكّد المشروع الفرنسي ـ الأميركي على ضرورة تطبيق القرار 1559
مع الدعوة إلى استصدار قرار جديد يسمح بـ «موجب الفصل السابع
من ميثاق الأمم المتحدة» بنشر قوات دولية توكلها الأمم المتحدة
مهمة مساعدة القوات المسلحة والحكومة في لبنان «من أجل استتباب
الأمن والمساهمة في تنفيذ وقف إطلاق نار دائم وفي إيجاد حل على
المدى الطويل».
كانت الصيغة التي تبنّاها مشروع القرار الفرنسي ـ الأميركي
ضبابية بقدر ما هي واضحة فيما كان يرمي في الواقع إلى إنشاء
قوة دولية تمتلك صلاحية الدخول في عمليات عسكرية (تطبيقا للفصل
السابع من ميثاق الأمم المتحدة) بما يتماشى مع القرار 1559
وتنفيذه بالقوة، وبالتحالف مع الجيش اللبناني.
يضاف إلى ذلك أن مشروع القرار لم يحدد المنطقة الجغرافية لساحة
تطبيقه في جنوب نهر الليطاني، أي المنطقة التي كانت تطالب
إسرائيل بخلوّها من أسلحة حزب الله باعتبارها «منطقة أمنية»
بالنسبة لها والتي فشلت في دحر مقاتلي الحزب منها بالقوة. وهذا
يعني أن مشروع القرار كان يعني أنه ربما باستطاعة القوة
الدولية المقترحة أن تتدخل أيضاً في عموم الأصقاع اللبنانية.
فإن المشروع يعني إجمالاً، حسب رأي المؤلف، متابعة العمل الذي
بدأت إسرائيل فيه بواسطة قوة تعمل تحت غطاء الأمم المتحدة
وتمتلك حرية الحركة في لبنان كله.
مع ذلك لم يكن ما حققته إسرائيل على الأرض في المعركة يسمح
بفرض مثل ذلك المشروع، وتم توقيفه في نهاية الأمر. لقد اعترض
عليه حزب الله بقوة وحزم مؤكداً أنه لن يقبل بأية قوة دولية
غير قوات الأمم المتحدة المنشورة على طول الحدود الجنوبية
للبنان مع إسرائيل والمسمّاة «الخط الأزرق» منذ عام 1978.
استجابت الحكومة اللبنانية لما عبّر عنه حزب الله وطالبت
بتعديل المشروع ودعمتها الحكومات العربية بما فيها الدول
الصديقة للولايات المتحدة الأميركية. بالتالي لم يكن أمام
واشنطن أي سبيل آخر سوى إعادة النظر بالمشروع والذي ربما ما
كان له أن يحظى بتصديق مجلس الأمن الدولي عليه.
أضف إلى ذلك أن الحليف الأوروبي للولايات المتحدة، أي الرئيس
الفرنسي جاك شيراك الذي أرادت منه واشنطن أن تكون بلاده على
رأس القوات الدولية وعمودها الفقري، كان قد صرّح بعد أسبوعين
من بداية المعارك أنه لن يكون ممكناً نشر قوات دولية دون
موافقة مسبقة من حزب الله.
وكان تهديد هذا الحزب باللجوء إلى المواجهة العسكرية ضد أية
قوة دولية يتم إرسالها إلى لبنان في إطار الشروط المنصوص عليها
في مشروع القرار الفرنسي ـ الأميركي كافياً ـ أي التهديد ـ
لجعل مثل ذلك المشروع غير قابل للتطبيق في أرض الواقع.
تمرير القرار 1701
بعد الفشل في تمرير مشروع القرار الفرنسي ـ الأميركي الأول
أوحت واشنطن لإسرائيل كي تلوّح بأنها ستقوم بهجوم برّي كبير
والبدء في تنفيذه وكأنه وسيلة ضغط ترمي إلى السماح لإدارة بوش
بالحصول على شروط أفضل من وجهة نظرهما المشتركة في مجلس الأمن.
ومن جهة قام حزب الله، وبغية تسهيل الوصول إلى اتفاق يؤدي إلى
وقف إطلاق النار غداً ملحّاً أكثر فأكثر لأسباب إنسانية، لطّف
من موقفه ووافق على نشر 000 15 جندي لبناني في نفس المنطقة وفي
إطار قوات الأمم المتحدة. وضمن هذا السياق أصبح بالإمكان تبني
القرار 1701 بتاريخ 11 أغسطس.
ولا يتردد المؤلف في القول ان هذا القرار كان ظالماً، إذ لم
يقم بأية إدانة للعدوان الإسرائيلي والحديث عن «هجوم حزب الله
ضد إسرائيل» وعن «المعارك في لبنان والمعارك في إسرائيل».
وطالب القرار إسرائيل ب«وقف عملياتها الهجومية» وحتى دون الطلب
الفوري لرفع الحظر المفروض على لبنان، وكما لو أن الحظر ليس
عملية عسكرية هجومية.
ويأتي الظلم من كون أن قوات الأمم المتحدة الجديدة لا تنشر سوى
فوق أراضي البلد المحتل. ولم يتضمن القرار 1701 أية كلمة حول
حماية الأراضي اللبنانية من الاعتداءات المتكررة لإسرائيل،
القوة المحتلة لجنوب لبنان مدة 18 سنة كاملة.
إن التنازل الرئيسي الذي قبلت به باريس وواشنطن هو التخلّي عن
مشروع إنشاء قوة دولية تمتلك صلاحية القيام بعمليات عسكرية
حسبما ينص عليه البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. بالمقابل
سمح القرار بزيادة عدد عناصر قوات الأمم المتحدة المرابطة في
لبنان إلى 15000 جندي. مما يعني إعادة تنظيم القوات الخارجية
وزيادة عددها.
وكان «الدهاء الرئيسي يكمن مع ذلك في إعادة تحديد مهمة تلك
القوات بطريقة يمكنها معها «مساعدة الجيش اللبناني في
الإجراءات التي يتخذها» من أجل «إقامة منطقة بين الخط الأزرق
ونهر الليطاني لا يتواجد فيها أي عنصر مسلح أو أية أسلحة غير
تلك التابعة للحكومة اللبنانية ولقوات الأمم المتحدة. كذلك نص
القرار على أن قوات الأمم المتحدة تستطيع أيضا «الشروع بأي عمل
ضروري في منطقة انتشار قواتها وحسبما تعتبر أن ذلك من
صلاحيتها، وذلك لتأمين منطقة عملياتها بشكل لا يمكن استخدامها
في نشاطات عدائية مهما كانت طبيعتها».
إن هاتين الصيغتين السابقتين تقتربان كثيرا من المهمات التي
ينص عليها الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويمكن تفسيرهما
بهذا المعنى. أضف إلى ذلك أن القرار 1701 وسّع من رقعة مهمات
«قوات الأمم المتحدة» إلى ما هو أبعد من «مناطق انتشارها»
ومساعدة «الحكومة اللبنانية بناء على طلبها» في جهودها من أجل
«تأمين حدودها ونقاط الدخول الأخرى من أجل منع الأسلحة
والأعتدة الملحقة بها من الوصول إلى لبنان».
ومن الواضح أن هذه الجملة لا تعني الحدود مع إسرائيل، وإنما
بالأحرى الحدود مع سوريا. وتتم الملاحظة في هذا السياق إلى أن
كثافة تواجد قوات «قوات الأمم المتحدة» بكامل عددها بالإضافة
إلى 15000 جندي لبناني تعني أن جنوب لبنان سيكون صاحب الرقم
القياسي العالي بوجود العسكريين بالقياس إلى المدنيين بحيث
يكون هناك جندي لكل سبعة من السكان تقريبا.
قرار القنابل الموقوتة
يرى المؤلف ان القرار 1701 يحتوي بذلك على العديد من «القنابل
الموقوتة»، حيث أن روحيته تبدو وكأنه قد تعامل مع لبنان على
أساس أنه «المعتدي». وهو يكشف بهذا المعنى إرادة متابعة الحرب
الإسرائيلية على لبنان بطريقة أخرى وبقوى أخرى، وهذه إرادة قد
تتم ترجمتها بعمليات حربية على المدى القصير أو المتوسط. ويؤكد
المؤلف هنا أنه لهذا السبب ألحت الولايات المتحدة وإسرائيل على
مشاركة قطع من الحلف الأطلسي في «قوات الأمم المتحدة» المعززة.
وإن ما يجري نسجه الآن هو تكرار لممارسة أصبحت أحد «الأعراض»
في الأزمنة الجديدة، وهي استخدام الأمم المتحدة كغطاء «كورقة
التوت» لعمليات عسكرية تقودها واشنطن مع حلف الأطلسي وحلفاء
آخرين، مثلما هي الحالة في أفغانستان اعتبارا من ديسمبر 2001.
وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى أن المنطق الجيد يقتضي أن
تحتوي قوة الفصل جنودا من بلدان محايدة. وواشنطن وباريس ليستا
محايدتين في الحرب اللبنانية. وبالتالي لا ينبغي اعتبار دولة
حليفة لواشنطن محايدة في نزاع بين حلفائها الرئيسيين ودولة
أخرى. وهذا ينطبق على جميع البلدان الأعضاء في الحلف الأطلسي.
لكن «تحيّز» البلدان الأوروبية المشاركة في قوات الأمم المتحدة
تتجاوز انتماءها للحلف الأطلسي، حسب التحليلات المقدّمة.
تعاونت فرنسا بشكل وثيق مع واشنطن حول الملف اللبناني منذ عام
2004 وألمانيا تكفّلت بمراقبة المياه الإقليمية اللبنانية
وقدّمت غواصات لإسرائيل بينما أعلنت المستشارة الألمانية أن
مهمة بحريتها هي الدفاع عن إسرائيل، وإيطاليا مرتبطة مع
إسرائيل باتفاق تعاون عسكري وقعته حكومة برلسكوني عام 2003
وصدّق عليه البرلمان الإيطالي عام 2005 بدعم الديمقراطيين
اليساريين الذين يقودهم وزير الخارجية الإيطالي ماسيمو داليما.
إن حزب الله أعطى من جهته الضوء الأخضر للحكومة من أجل
الموافقة على القرار الدولي. وهذا ما أعلنه حسن نصر الله في
خطاب له يوم 2 أغسطس تحدّث فيه عما هو «عقلاني ومقبول» بالنسبة
للنتائج التي آلت إليها الحرب والحزم الكبير الذي عبّر عنه
اللبنانيون من مختلف مواقعهم.
ويرى المؤلف أنه أظهر «حكمة سياسية» معتبرا أن أولويته هي «وقف
العدوان» و «عودة المهجّرين» ومشيرا إلى أن إسرائيل هي التي
بدأت بقصف المدنيين اللبنانيين. ومع احتجاجه ضد السمة الظالمة
للقرار 1701 الذي لم يتعرض أبدا لإدانة إسرائيل لعدوانها
وجرائم حربها، لكنه أضاف أنه كان يمكن لهذا القرار أن يكون
«أكثر سوءاً». ويرى المؤلف أن حسن نصر الله وجد نفسه مضطرا
للقبول بتنازلات من أجل تسهيل نهاية الحرب، فأي تشدد كان يمكن
أن يكون له نتائج كارثية على اللبنانيين.
وينقل المؤلف ما كتبه «موشي ارنس»، وزير الدفاع الإسرائيلي
الأسبق، ردا على تبجحات جورج دبليو بوش وإيهود اولمرت حول
الانتصار الذي ترجمه قرار 1701 وجاء فيه: «ما أهمية أن يرى
العالم كله هذه التسوية الدبلوماسية، التي قبلت بها إسرائيل
وهي تتلقى جرعتها اليومية من الصواريخ، كهزيمة ألحقها بإسرائيل
عدة آلاف من مقاتلي حزب الله؟ وما أهمية إذا لم يصدق أحد أن
قوة معززة من قوات الأمم المتحدة سوف تنزع سلاح حزب الله وأن
حزب الله الذي لا يزال يمتلك آلاف الصواريخ في ترسانته المعززة
حقا عبر انتصار حققه خلال شهر ضد الجيش الإسرائيلي القوي سوف
يصبح الآن شريكا من أجل السلام؟ إن اللغة الطنانة المناسبة
بدأت تنتشر».
الحرب بوسائل أخرى
بدأت «متابعة الحرب بوسائل أخرى» في لبنان منذ دخول وقف إطلاق
النار حيّز التنفيذ. ويستعرض المؤلف هنا أربعة أسئلة رئيسية
طرحت نفسها عبر تسلسل زمني. السؤال الأول يخص تشكيلة ومهمات
قوات الأمم المتحدة الجديدة. فإسرائيل رفضت مشاركة قوات من
بلدان عربية أو إسلامية لا تقيم علاقات دبلوماسية معها.
وواشنطن مارست ضغطا كبيرا على فرنسا وهولندا لإرسال قوات
وتجهيزات إلى لبنان. حاول حزب الله إعاقة تنفيذ هذه المرحلة
الأولى بقدر استطاعته لأنه اعتبرها بوضوح ترمي إلى نزع أسلحته
مثلما أراد القرار 1559 واستمرارية للهجوم الإسرائيلي. ويرى
المؤلف أن جهوده هي التي ردعت فرنسا من تنفيذ إرسال حاملة
طائراتها الوحيدة.
لكن موازين القوى الدولية لا تعطي حزب الله قوة الرفض، على
غرار إسرائيل، فاضطر إلى قبول انتشار قوات حلف الأطلسي في جنوب
لبنان وفي المياه الإقليمية اللبنانية، ولكنه استطاع، بمساعدة
دمشق، من منع تواجد تلك القوات على الحدود اللبنانية ـ
السورية.
وخصّ السؤال الثاني مسألة نزع سلاح حزب الله في مناطق انتشار
الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المعززة. إن أقصى ما قبل
به هذا الحزب هو «تخبئة» أسلحته جنوب الليطاني، أي عدم إظهارها
ووضعها في مستودعات سرية. كما فرض حزب الله، من أجل تسليم
أسلحته عدة شروط ابتداء من انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا
ووصولا إلى تشكيل جيش لبناني قادر ومصمم على حماية السيادة
اللبنانية في مواجهة إسرائيل.
والسؤال الثالث يتعلق بما يسميه المؤلف «معركة إعادة الإعمار»
حيث بدا حزب الله كمنافس قوي بدعم من إيران وبميزة علاقاته
الوثيقة مع الجماهير اللبنانيين من الشيعة.
ويخص السؤال الرابع مصير الحكومة اللبنانية. ويتم التأكيد هنا
على أن أي تغييرفي الحكومة لصالح حزب الله وحلفائه سيمس جذريا
تفسير القرار 1701 وذلك ضمن المعيار الذي يتعلق كثيرا بموقف
هذه الحكومة. هكذا طرح الحزب بالتحالف مع ميشيل عون توسيع
الحكومة و«استوزار» عدد من أنصار الجنرال وإعداد قانون انتخابي
أكثر عدالة واعتماده وإجراء انتخابات برلمانية مبكّرة وتشكيل
حكومة جديدة وانتخاب رئيس جمهورية جديد من قبل أعضاء البرلمان
الجديد المنتخب.
والجنرال عون هو المرشح لهذا المنصب. رفض ائتلاف 14 مارس الذي
يمتلك الأغلبية البرلمانية حاليا جميع هذه المطالب، وهكذا سادت
حالة من التوتر غير معروفة النتائج، والمشكلة هي أن البلاد
بمجملها هي التي دفعت وستدفع الضريبة الكبيرة. وهكذا وجد لبنان
نفسه من جديد على مفترق طرق.
|