من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

   

 

 

 

التطهير العرقي لفلسطين ... (2)

 

 

تأليف: ايلان بابيه
عرض وترجمة: عمر عدس

 

عن غرضه من تأليف الكتاب يقول المؤلف: انه يحاول فيه ان يبين ان الحركة الصهيونية قد شنت سنة 1948 حرباً على الشعب الفلسطيني لكي تطبق خططها البعيدة المدى للتطهير العرقي. بينما يزعم المؤرخون “الاسرائيليون”، بمن فيهم “المؤرخون الجدد”، ان الحرب قد شنها العالم العربي ضد دولة “اسرائيل” لكي يقضي عليها، وانها أسفرت عن عمليات طرد للفلسطينيين. ويضيف المؤلف ان العالم العربي حاول ان يمنع ذلك التطهير العرقي، ولكنه كان ممزقاً مشتتاً غارقاً في شؤونه الداخلية، وغير قادر على وقف اقتلاع نصف سكان فلسطين من وطنهم، وتدمير نصف قرى فلسطين وبلداتها وقتل الألوف من سكانها.
ولما كان ذلك التطهير العرقي قد طبق بنجاح في ما يقارب 80% من ارض فلسطين دون ان يكون لذلك اي أصداء عالمية أو اقليمية، فإن “اسرائيل” تواصل تطبيق هذه السياسة منذ سنة 1967 على مساحة ال 20% الباقية من البلاد. ولا يزال خلق دولة يهودية خالصة في فلسطين التاريخية المطهرة من الفلسطينيين، هو البنية التحتية الأيديولوجية التي تقوم عليها “اسرائيل”. وكيفية تحقيق هذه الغاية تشكل قضية خلافية بين الصهاينة اليساريين   الذين يأملون في التفاوض على تسوية تبقي عدداً قليلاً من الفلسطينيين في “اسرائيل” الكبرى، وبين الصهاينة اليمينيين الذين يرغبون في تطبيق سياسة تطهير عرقي اكثر مباشرة في المساحة ذاتها، وعلى الفور.والكتاب في نظر مؤلفه، رسالة متواضعة للفلسطينيين اينما كانوا، واللاجئين منهم بخاصة، تقول ان روايتهم لما حدث، التي لقيت النفي والانكار عبر كل هذه السنوات، مؤيدة في هذا الكتاب ومصدقة بالوثائق والبيانات.كما ان الكتاب، بعرضه الأحداث التي وقعت سنة ،1948 يشكّل نموذجاً يمكن على ضوئه فهم السياسات “الاسرائيلية” في سنة ،2006 حيث تواصل “اسرائيل” تطبيق سياسة التطهير العرقي بعناد وإصرار.ويأمل المؤلف ان يحرّك كتابه الرأي العام في الغرب وفي “اسرائيل”. ويقول: ان الغرب اذا تقبّل المنطق الذي يسوقه في الكتاب، فإن عليه ان يغير مواقفه ازاء الدولة اليهودية. فلم يعد ممكناً جعل “اسرائيل” في حل من جرائمها، في الماضي والحاضر. كما ان على المجتمع “الاسرائيلي”، كما يقول المؤلف، ان ينظر في المرآة، وان يرفض السياسات التي اتخذت باسمه ولا تزال. واذا لم يحدث ذلك “فسوف نتلاشى جميعاً، نحن والفلسطينيون، ضمن عملية مدمرة متبادلة”.عنوان الكتاب هو: “التطهير العرقي لفلسطين” ومؤلفه هو المؤرخ “الاسرائيلي” ايلان بابيه، المحاضر في العلوم السياسية في جامعة حيفا، والمدير الأكاديمي لمعهد الدراسات من اجل السلام في جفعات حفيفة، ورئيس معهد اميل توما للدراسات الفلسطينية في حيفا. وهو مؤلف عدد من الكتب منها (تاريخ لفلسطين الحديثة)، و(الشرق الأوسط الحديث) و(المسألة “الاسرائيلية”/الفلسطينية).
والكتاب صادر عن دار “عالم واحد” في لندن.
شعار الصهاينة: علينا أن نقتل كل يوم لنبقى على قيد الحياة

يرى المؤلف، انه كان ما يزال ممكناً، قبل مارس/ آذار ،1948 تصوير الأنشطة التي كانت تقوم بها القيادة الصهيونية لتطبيق تصورها، على انها رد على الأعمال العدائية الفلسطينية أو العربية. ولكن الحال لم تعد كذلك بعد هذا التاريخ: فقد أعلنت القيادة الصهيونية صراحة -قبل شهرين من انتهاء الانتداب- انها سوف تسعى الى الاستيلاء على البلاد وطرد سكانها الأصليين بالقوة، أي حسب ما ورد في الخطة: دال.
يقول المؤلف ان الخطوة الأولى نحو تحقيق الهدف الصهيوني، المتمثل في الحصول على أكبر قدر ممكن من مساحة فلسطين، مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين فيها، كانت تحديد ما يشكل دولة قابلة للحياة من الناحية الجغرافية.ويضيف المؤلف، ان بن جوريون كتب الى أحد جنرالاته في أكتوبر/ تشرين الأول ،1947 يقول انه يريد خلق قوة عسكرية تكون قادرة على صد هجوم محتمل من قبل الدول العربية المجاورة، واحتلال أكبر قدر ممكن من البلاد، وحبذا لو كان البلاد كلها.وكانت الخطوة الثانية نحو ضمان سير عملية التطهير العرقي من دون عوائق، ما يسميه المؤلف “الاتفاق الضمني مع الأردن” على أن تترك الحركة الصهيونية للأردن 20% من أرض فلسطين (أي الضفة الغربية)، وتستولي على ال 80% المتبقية (وهي 56% من فلسطين وفق قرار التقسيم، بالإضافة الى 24%).والخطوة الثالثة وهي الحاسمة نحو ضمان تنفيذ تطهير عرقي ناجح، هي بناء قدرات عسكرية ملائمة.ويقول المؤلف ان قوام القوة المقاتلة اليهودية، عشية حرب سنة ،1948 كانت 50 ألف جندي، منهم 30 ألف جندي مقاتل، والمتبقون من جنود الاحتياط الذين يعيشون في المستوطنات المختلفة. وبعد عدة أسابيع من بدء الحرب كان التجنيد “الإسرائيلي” فعالاً جداً الى درجة ان الجيش بلغ تعداده في نهاية الصيف 80 ألف جندي. بينما لم يتجاوز عدد القوات النظامية العربية عتبة ال 50 ألف جندي. وبكلام آخر، خلال المراحل الأولى من التطهير العرقي (حتى مايو/ أيار 1948) كانت بضعة آلاف من الفلسطينيين والعرب غير المنظمين تواجه عشرات الآلاف من الجنود اليهود المدربين تدريباً جيداً. ومع تطور المراحل اللاحقة، لم تجد القوة اليهودية التي تساوي ضعف الجيوش العربية مجتمعة تقريباً، صعوبة تذكر في إتمام المهمة.
وعلى هامش القوة العسكرية اليهودية الرئيسية، كانت تعمل مجموعتان متطرفتان أخريان: هما منظمة إرجون، وعصابة شتيرن. وكانت ارجون قد انشقت عن منظمة الهاجاناة سنة ،1931 وكان يقودها في اربعينات القرن الماضي مناحيم بيجن. ومع منظمة الهاجاناة، توحّدت هاتان المنظمتان في جيش عسكري واحد أيام النكبة.وكان جزء مهم من الجهود العسكرية الصهيونية، يتمثل في تدريب وحدات كوماندو خاصة، هي البالماخ، التي تأسست سنة 1941. وكانت أنشطتها موجهة نحو المناطق الريفية الفلسطينية، وقد نفذت بعض عمليات التطهير العرقي الرئيسية في شمال ووسط فلسطين.وقد شكلت هذه القوات مجتمعة قوة عسكرية منيعة تكفي لتعزيز قناعة بن جوريون بمقدرة المجتمع اليهودي على ان يرث حكومة الانتداب، وان يستولي على معظم الأراضي الفلسطينية وما تحويه من أصول وممتلكات. وكان زعماء المجتمع اليهودي يتحدثون في العلن عن سيناريوهات مفزعة ويحذرون اليهود من “محرقة ثانية” توشك أن تقع. ولكنهم في أوساطهم الخاصة لم يكونوا يتطرقون الى هذا الخطاب أبداً. فقد كانوا يعلمون حق العلم بأن حديث العرب البليغ عن الحرب، لم يكن مقرونا بأي استعدادات جدية على الأرض. وكانوا يعرفون جيداً ضعف تجهيزات الجيوش العربية وافتقارها الى الخبرات القتالية، ومحدودية قدرتها على شن أي نوع من الحروب. وكان الزعماء الصهاينة واثقين من ان لهم اليد العليا على الصعيد العسكري، وانهم يستطيعون تحقيق أقصى طموحاتهم وخططهم.
الهاجس الديموغرافي
كان زعماء الحركة الصهيونية لا يكفّون عن مناقشة ما ينبغي فعله مع السكان الفلسطينيين في الدولة اليهودية المقبلة، خلال الشهور التي سبقت نهاية الانتداب، وكانت هنالك فكرة تلح على الجميع في أروقة السلطة اليهودية، هي فكرة “التوازن” ويشير هذا التعبير الى “التوازن السكاني” بين العرب واليهود في فلسطين.وقد خرج زعماء الحركة الصهيونية بردين على هذا المأزق الأول للاستهلاك العام، والثاني مقصور على البطانة الخاصة التي أحاط بن جوريون نفسه بها. فكانت السياسة العلنية التي راح يعبر عنها هو وزملاؤه، لفت الأنظار الى الحاجة الى تشجيع الهجرة الجماعية اليهودية الى البلاد. ولكن الزعماء الصهاينة كانوا يدركون فيما بينهم ان الهجرة المتزايدة لن تكفي أبداً لمعادلة وزن الأغلبية الفلسطينية، ولذلك فلا بد من ان تقترن الهجرة بوسائل أخرى. وكان بن جوريون قد ناقش هذه الوسائل سنة 1937. فكان يقول ان هذا “الواقع”، أي وجود أغلبية فلسطينية في البلاد، سوف يجبر المستوطنين اليهود على استخدام القوة من أجل تحقيق “الحلم”، وهو خلق دولة يهودية بحتة. وبعد ذلك بعشر سنوات، أي في 3 ديسمبر/ كانون الأول ،1947 أوضح بصراحة في خطاب أمام كبار أعضاء حزب ماباي الذي ينتمي اليه، كيفية التعامل مع حقائق الواقع غير المقبولة فقال: هنالك 40% من غير اليهود في المناطق المخصصة للدولة اليهودية في قرار التقسيم، وليست هذه التركيبة أساساً صلباً لدولة يهودية. وعلينا أن نواجه هذا الواقع الجديد بكل قسوته وتميزه. ويثير مثل هذا التوازن الديموغرافي الأسئلة حول مقدرتنا على الاحتفاظ بسيادة يهودية.. ولن تكون الدولة اليهودية مستقرة وقابلة للحياة إلا إذا كانت نسبة اليهود فيها لا تقل عن 80%.
وفي الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني، أي قبل شهر من صدور قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، قال رئيس الوكالة اليهودية، بن جوريون بأشد التعبيرات صراحة ووضوحاً، ان التطهير العرقي هو الأسلوب البديل، أو المكمل لضمان وجود دولة جديدة مقصورة على اليهود. وقال لجمهور مستمعيه، ان الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية، يمكن أن يصبحوا طابوراً خامساً، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يمكن “إما اعتقالهم جميعاً، أو طردهم، والأفضل طردهم”.
ولكن، كيف يتم تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي؟
والآن، اي بعد صدور قرار التقسيم، وبعد ان تحددت معالم الدولة، وبعد ان تحقق التفوق العسكري، كانت الخطوة الرابعة بالنسبة إلى القيادة الصهيونية باتجاه إتمام الاستيلاء على فلسطين، هي تطبيق الوسائل الحقيقية الملموسة، التي سوف تمكنهم من ازالة مثل ذلك العدد الضخم من السكان. وكان يعيش في الأراضي التي ستقوم عليها دولتهم اليهودية المقبلة، في أوائل ديسمبر/كانون الأول سنة ،1947 مليون فلسطيني، من مجموع 1،3 مليون فلسطيني، بينما كان المجتمع اليهودي أقلية لا يزيد عدد أفرادها على 600 ألف نسمة.
البحث عن ذريعة
ويعود المؤلف إلى السؤال الذي طرحه، فيصف الأجواء التي سادت فلسطين في أعقاب قرار التقسيم، يقول، إن اللجنة العربية العليا أعلنت اضراباً مدته ثلاثة أيام ونظمت مظاهرة عامة احتجاجاً على قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، ولم يكن ثمة جديد في رد الفعل ذاك. وكان الناس في نهاية المطاف ينتظرون ما سيسفر عنه قرار التقسيم، غافلين عما تخبئه لهم الأقدار، وعما سيحدث قريباً مما سيشكل فصلاً لا سابق له في تاريخ فلسطين: فلم يكن الأمر مجرد الانتقال من حكم إلى حكم آخر، بل هو طرد الناس الفعلي من الأرض التي يعيشون عليها.أوصى مجلس الجامعة العربية بتزويد الفلسطينيين بالسلاح، وتشكيل جيش الانقاذ، الذي بدأت مجموعات صغيرة منه تدخل فلسطين بصورة متقطعة، الأمر الذي وفر ذريعة مناسبة لكي تبدأ منظمة الهاجاناة، تصعيد عملياتها التي كانت جارية في ذلك الوقت.ولكن موقف الفلسطينيين أنفسهم، كما يقول المؤلف، كان يتمثل في رغبتهم في عودة الحياة إلى طبيعتها، وقد شكلت عودة الحياة إلى مجراها بسرعة، ورغبة الفلسطينيين في عدم التورط في حرب أهلية، مشكلة للقيادة الصهيونية، العازمة على تقليل عدد الفلسطينيين في الدولة اليهودية القادمة بدرجة كبيرة، ان لم يكن طردهم جميعاً، وكانت هذه القيادة بحاجة إلى ذريعة، كانت هذه الذريعة أصعب منالاً بطبيعة الحال لو استمر رد الفعل الفلسطيني المعتدل، ومن “حسن الحظ” بالنسبة إلى هذه القيادة، أن جيش الانقاذ العربي وسع أعماله ضد القوافل والمستوطنات اليهودية، ما سهل على المجلس الاستشاري الذي يديره بن جوريون، وضع سياسة الاحتلال والطرد، كصيغة “للانتقام” المبرر. ولكن هذا المجلس، كان في ديسمبر/كانون الأول ،1947 قد اعتاد على استخدام كلمة “مبادرة” بدلاً من كلمة “انتقام” في وصف الاستراتيجية التي كان ينوي اتباعها إزاء الفلسطينيين في المناطق التي ستقوم عليها الدولة اليهودية، وكانت “المبادرة” تعني القيام بأعمال ضد السكان الفلسطينيين من دون انتظار ذريعة للانتقام وشيئاً فشيئاً غابت الذرائع التي تستوجب الانتقام.
التطهير في التطبيق الفعلي
وفي المرحلة التالية، كما يقول المؤلف، تغير المزاج داخل المجلس الاستشاري الصهيوني من الانتقام إلى الترويع، وفي اجتماع عقده يوم 10 ديسمبر/كانون الأول ،1947 قرر المجتمعون “الانخراط” في حملة ترويع منظمة. وافق بن جوريون، وبدأ تطبيق هذه السياسة الجديدة في اليوم التالي للاجتماع.
وقد اختبرت قريتان لتكونا فاتحة لحملة الترويع تلك، وهما قرية دير أيوب، وقرية بيت عفة.
قبيل الهجوم اليهودي، كانت قرية بيت عفة، التي كانت تقع على بعد 15 كم جنوب شرقي مدينة الرملة، وكان عدد سكانها نحو 500 نسمة، تحتفل بافتتاح مدرسة جديدة تضم واحداً وخمسين تلميذاً، ولكن فرحتها لم تكتمل، عندما اقتحمتها في الساعة العاشرة ليلاً مجموعة تتكون من عشرين جندياً يهودياً، راحوا يطلقون النار عشوائياً على العديد من المنازل. ولم يكن في القرية أي دفاعات شأنها شأن غيرها من القرى في ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، وتمت مهاجمة القرية بعد ذلك ثلاث مرات أخرى، قبل أن يُطرد سكانها بالقوة في ابريل/نيسان ،1948 وتدمر تدميراً تاماً، وقامت القوات اليهودية بهجوم مماثل في ديسمبر/كانون الأول ايضاً، على قرية بيت عفة في قطاع غزة، ولكن اهالي القرية تمكنوا من دحر الغزاة.
ويورد المؤلف ذكر واحدة أخرى من الجرائم المبكرة التي شرعت الحركة الصهيونية بقيادة دافيد بن جوريون في تطبيقها لترويع الفلسطينيين وحملهم على الرحيل، ضمن عملية التطهير العرقي، كانت قرية خصاص، قرية صغيرة وادعة يقطنها بضع مئات من المسلمين ومائة مسيحي، يعيشون معاً بسلام في الجزء الشمالي من سهل الحولة، وقد هاجمها الجنود اليهود في 18 ديسمبر/كانون الأول ،1947 وراحوا يفجرون المنازل بصورة عشوائية في منتصف الليل، بينما كان سكان القرية يغطون في النوم العميق، وأسفرت هذه الجريمة عن مصرع خمسة عشر فرداً من أهالي القرية بينهم خمسة أطفال، وقد ادهش الحادث مراسل صحيفة نيويورك تايمز، الذي كان يتابع الأحداث عن كثب، فذهب يطلب تفسيراً من منظمة الهاجاناة، التي انكرت في البداية قيامها بالعملية، ولكنها اعترفت بها تحت اصرار المراسل، ونشر بن جوريون اعتذاراً علنياً مؤثراً زاعماً ان العملية جرت دون ترخيص منه، ولكنه بعد بضعة شهور، أي في شهر ابريل/نيسان، ضمن العملية ضمن قائمة العمليات الناجحة.وكان المجلس الاستشاري لديفيد بن جوريون قد عقد اجتماعاً آخر يوم 17 ديسمبر/كانون الأول، وانضم إليه ضابطان كانا مكلفين من قبل بن جوريون بصياغة “استراتيجية قومية” قبل تأسيس المجلس الاستشاري، وقد جرى تمديد الاجتماع بعد اتمام عملية قرية خصاص، الناجحة، حيث راح بعض الأعضاء ينادون بتنفيذ عمليات “انتقامية” أخرى، تتضمن تدمير القرى، وطرد سكانها، واسكان مستوطنين يهود مكانهم، وفي اليوم التالي، وأمام الهيئة الرسمية الأكبر من المجلس الاستشاري، وهي “لجنة الدفاع”، عرض بن جوريون ما دار في الاجتماع السابق، وقد أثارت أخبار العملية نشوة الجميع، بمن فيهم ممثل حزب “اجودات اسرائيل” المتزمت الذي قال: لقد قيل لنا ان الجيش يملك المقدرة على تدمير قرية كاملة وطرد جميع سكانها، حقاً، دعونا نفعل ذلك!”.كما وافقت اللجنة كذلك على تعيين ضباط مخابرات لكل من مثل هذه العمليات، وقد لعب هؤلاء فيما بعد دوراً حاسماً في تطبيق المراحل اللاحقة من التطهير العرقي.ويضيف المؤلف، ان السياسة الجديدة، كانت موجهة كذلك نحو المناطق الحضرية في فلسطين، وقد وقع الاختيار على مدينة حيفا لتكون الهدف الأول، ويقول المؤلف ان من الطريف ان هذه المدينة تذكر من قبل مؤرخي الاتجاه السائد في “اسرائيل” ومن قبل المؤرخ التعديلي، بيني موريس، باعتبارها مثالاً على أصالة النوايا الطيبة الصهيونية نحو السكان المحليين، ولكن الحقيقة كانت مختلفة عن ذلك كل الاختلاف، في أواخر سنة ،1947 كما يقول المؤلف، ففي صبيحة اليوم التالي ليوم صدور قرار التقسيم، بدأ سكان المدينة الفلسطينيون البالغ عددهم 75 ألف نسمة، يتعرضون لحملة ارهابية تنفذها معاً منظمة ارجون ومنظمة الهاجاناة. يقول المؤلف، اعتاد المهاجرون اليهود الذين كانا يفدون إلى المدينة على مدى العقود السابقة، ان يبنوا منازلهم في المناطق العليا من الجبل. وعليه فإنهم كانوا يعيشون في منطقة تطل على المناطق التي يعيش فيها جيرانهم العرب، ولذلك كان من السهل عليهم أن يقصفوا بالقنابل، وان يقنصوا السكان العرب في مناطقهم. وقد شرعوا بفعل ذلك مراراً منذ أوائل شهر ديسمبر/ كانون الأول. كما كانوا يستعملون وسائل وأساليب ارهابية أخرى للترويع: حيث كان الجنود اليهود يدحرجون براميل مملوءة بالمتفجرات وكرات فولاذية ضخمة، على المناطق السكانية العربية، كما كانوا يسكبون الزيت الممزوج بالوقود على الطرقات، ثم يشعلون فيه النار. وفي اللحظة التي يهرع فيها السكان الفلسطينيون المذعورون خارج منازلهم لإطفاء تلك الأنهار من النار، كانوا يتعرضون لوابل من نيران البنادق الآلية. وفي المناطق التي كان لا يزال العرب واليهود يتعاملون فيها مع بعضهم البعض، كان أفراد منظمة الهاجاناة، يحضرون سيارات إلى الورش الفلسطينية لتصليحها، وهي محملة بالمتفجرات وأجهزة التفجير، فكانت تزرع الدمار والموت في المناطق الفلسطينية. وكان وراء هذا النوع من الاعتداءات وحدة خاصة من الهاجاناة، تدعى “الفجر” وتتألف من “مستعربين”، وهم يهود يتخفون في أزياء فلسطينية. وكان العقل المدبر لهذه العمليات شخص يدعى داني عجمون، الذي كان يرأس وحدات “الفجر”. وعلى موقع هذه الوحدات على شبكة الانترنت، يعبر المؤرخ الرسمي للبالماخ عن الأمر قائلاً: “كان الفلسطينيون في حيفا منذ ديسمبر/ كانون الأول وما بعده يخضعون للحصار والترويع”. ولكن الأسوأ كان قادماً.. حيث أخذت التجمعات العربية في المدينة تتعرض لعمليات تفجير قنابل، وهو الأمر الذي كان من اختصاص منظمة الارجون.ويتحدث المؤلف عن المرحلة التالية من سياسة التطهير العرقي، وهي المرحلة التي افتتحت فصلاً جديداً في تاريخ فلسطين. فقد قررت القيادة العليا في الهاجاناة، باعتبارها جزءاً من المجلس الاستشاري، ان تجتاح قرية كاملة وتذبح عدداً ضخماً من سكانها. وكانت القرية التي وقع عليها اختيار القيادة العليا هي قرية “بلد الشيخ”، التي تحوي قبر الشيخ عز الدين القسام، أحد أجل الزعماء الفلسطينيين في ثلاثينات القرن الماضي، الذي قتلته السلطات البريطانية سنة 1935. وقبره من البقايا القليلة التي لا تزال قائمة اليوم في هذه القرية التي تقع على بعد عشرة كيلومترات شرقي حيفا.صدرت الأوامر إلى قائد محلي هو حاييم افينوعام لكي “يطوق القرية، ويقتل أكبر عدد ممكن من رجالها، ويخرب الممتلكات، ولكن يمتنع عن مهاجمة النساء والأطفال”. وقد وقع الهجوم في 31 ديسمبر/ كانون الأول واستمر ثلاث ساعات. وخلف أكثر من ستين قتيلاً فلسطينياً، ليس كلهم رجالاً. ولنلاحظ هنا انه لا يزال يجري التفريق بين الرجال والنساء، ولكن المجلس الاستشاري في اجتماعه اللاحق قرر ان مثل هذا التفريق تعقيد ليس ضرورياً في العمليات اللاحقة. وفي الوقت الذي نفذت فيه عملية قرية بلد الشيخ، اختبرت وحدات الهاجاناة في حيفا عملاً أشرس وأقسى: اذ دخلت احدى الضواحي العربية في المدينة، وهي ضاحية وادي رشمية، وطردت سكانها وفجرت منازلها. ويمكن اعتبار هذا العمل البداية الرسمية لعملية التطهير العرقي في المناطق الحضرية في فلسطين. وكانت السلطات البريطانية تتغاضى عن هذه الفظائع وتغض الطرف عنها.وبعد ذلك بأسبوعين، أي في يناير/ كانون الثاني 1948 “استغلت” البالماخ الزخم الذي تولد، لمهاجمة ضاحية حواسة في حيفا، المنعزلة نسبياً، وطرد سكانها. وكانت هذه الضاحية أفقر أحياء المدينة، تتكون في الأساس من أكواخ تضم القرويين المعدمين الذين كانوا قد جاءوا إلى هناك بحثاً عن عمل في عشرينات القرن الماضي، وجميعهم يعيشون في ظروف مزرية. وتم تفجير الأكواخ، وتفجير المدرسة في الضاحية، بينما حمل الذعر كثيرين على الفرار. وأعيد بناء المدرسة على أنقاض حواسة، التي أصبحت الآن جزءاً من ضاحية تل الأمل، ولكن هذا المبنى قد دمر مؤخراً كذلك لافساح المجال لبناء مدرسة يهودية.
التطهير العرقي مستمر
يمضي المؤلف في سرد تطورات خطة التطهير العرقي التي بدأتها الحركة الصهيونية قبل قيام “اسرائيل”، ولا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة، بعد مرور نحو ستين سنة على قيامها.ينقل عن استاذ الجغرافيا في جامعة حيفا، أرنون سوفير قوله المنشور في جريدة جيروزاليم بوست سنة 2004: وهكذا اذا أردنا ان نظل على قيد الحياة، فإن علينا أن نقتل ونقتل ونقتل.. طوال اليوم، وكل يوم. وإذا لم نقتل فسوف نختفي من الوجود.. ان الفصل من جانب واحد لا يضمن “السلام”  بل يضمن دولة يهودية صهيونية ذات أغلبية ساحقة من اليهود”.ويذكرنا المؤلف بأن سياسة التطهير العرقي التي تمارسها الصهيونية و”إسرائيل”، لا تزال متواصلة، فمن مذابح سنة 1947 و،1948 إلى مذبحة كفر قاسم سنة ،1956 إلى مذبحة قبية في الخمسينات أيضاً، إلى مذبحة قرية السموع في الستينات، والتطهير العرقي في قرى الجليل سنة ،1976 ومذابح صبرا وشاتيلا سنة ،1982 وقانا سنة ،1999 ووادي عارة سنة 2000 ومخيم جنين سنة ،2002 وغير ذلك الكثير من عمليات القتل والاغتيالات المستمرة.ويختم المؤلف كتابه بالقول: انه لا الفلسطينيون ولا اليهود، يمكن انقاذ بعضهم من بعض، أو من أنفسهم، إذا لم نحدد بصورة صحيحة الايديولوجيا التي لا تزال تحرك السياسة “الاسرائيلية” نحو الفلسطينيين. ويضيف، ان المشكلة مع “اسرائيل” لم تكن في يوم من الأيام كونها يهودية  فاليهودية لها وجوه عديدة، والكثير منها يوفر قاعدة صلبة للسلام والتعايش؛ بل المشكلة هي الشخصية الصهيونية العرقية لدولة “إسرائيل”. والصهيونية لا تملك هوامش التعددية التي تتوفر في اليهودية، والتي تحرمها الصهيونية على الفلسطينيين بوجه خاص. فهم لا يمكن ان يكونوا جزءاً من الدولة الصهيونية وفضائها، وسوف يستمرون في القتال، ونأمل ان يكون كفاحهم سلمياً وناجحاً. وإلا فسوف يكون يائساً وانتقامياً، ومثل الدوامة، سوف يمتص الجميع ويرفعهم ضمن عاصفة رملية دائمة، لن تعصف بالعالمين العربي والاسلامي وحسب، بل ببريطانيا والولايات المتحدة كذلك، وهما الدولتان، اللتان تقوم كل منهما بطريقتها، بتغذية العاصفة التي تهدد بتدميرنا جميعاً .

دار الخليج

 

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة