من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

   

 

 

 

التاريخ السري للموساد...(2-3)

 

 

تأليف: غودون توماس - عرض وترجمة: بشير البكر
وكالة الاستخبارات “الإسرائيلية” “الموساد”، جهاز عريق، وشهرته تجاوزت المنطقة الجغرافية للكيان الصهيوني نفسه، وأصبحت أسطورة أحيانا. “إنها قوة سرية تتيح ل”إسرائيل” أن تمارس الضغوط على الأقوياء، بمن فيهم وكالة الاستخبارات الأمريكية. وأيضاً اصطياد النازيين واختراق الحكومات ، وتصفية “الإرهابيين” وضبط المعلومات الأساسية،  وأيضا أخطاء في الحسابات وحالات كذب عاشتها الموساد”.
هذا هو ملخص الكتاب/ التحقيق الذي يحمل عنوان “التاريخ السري للموساد من 1951 إلى يومنا” ل”غوردن توماس”، الكاتب المتخصص في عالم التجسس، والذي نشر 37 تحقيقا ترجمت في العالم بأكمله، في محاولة للتقرب من عالم هذا الجهاز الذي لا يشبه غيره من الاستخبارات العالمية، والتابع لدولة لا تشبه غيرها من دول العالم الأخرى.


                هكذا تم اغتيال أبوجهاد والشقاقي ومحاولة اغتيال مشعل

من بين الفصول الأكثر إثارة للرعب والتقزز من الوسائل التي تلجأ إليها الموساد، نقرأ فصلا حمل عنوان “المنتقمون”، وهو يتحدث بالطبع عن الصراع الدامي بين المقاومة الفلسطينية و”إسرائيل”. هذه المرة سيدخل إلى الحلبة إسحاق رابين الحاصل على جائزة نوبل للسلام. يقول المؤلف إن رابين كان يداوم، منذ ثلاث سنوات من رئاسته للحكومة “الإسرائيلية”، على حضور جنازات ضحايا العمليات الفلسطينية التي كانت تطال الكيان. بنفس طريقة اشتغال العملاء والجواسيس “الإسرائيليين” التي رأيناها في غير ما موضع. يورد المؤلف أنّه “خلال شهرين، قام مخبرو الموساد بمراقبة شاملة لفيلاّ أبو جهاد في “سيدي بوسعيد” بالقرب من العاصمة التونسية. طرق الإيصال ونمط ومستوى التسييجات وتنقلات الحرس.. كل شيء تمّ تسجيلُهُ والتحقق منه ومعاودة التحقق منه...” (162)
كما أن المراقبة طالت حتى أم جهاد، زوجة القائد الفلسطيني، فكانت تتعرض للمراقبة حين كانت تلعب مع أولادها، وحين تتوجه إلى صالون الحلاقة. وكان الموساد يتنصت على المكالمات الهاتفية بينها وبين زوجها. وضع الموساد أجهزة تنصّت في مخدعهما الزوجي، سجلت ادق اللحظات الحميمة بينهما.
يورد المؤلف تفاصيل اختراق الكوماندوس لفيلاّ القائد الفلسطيني وتصفية حارسيه، ثم مفاجأته وهو داخل غرفته منهمكا في مشاهدة شريط فيديو لمنظمة التحرير الفلسطينية وقتله بدم بارد. ثم تهديد زوجته ومطالبتها بالاحتماء في غرفتها. بعد العملية تبخر الكوماندوس في الهواء.
وعلى الرغم من انتقاد بعض “الإسرائيليين” لهذا الانتقام الوحشي، فإن الموساد واصلت تصفياتها واغتيالاتها. بعد شهرين من اغتيال أبو جهاد، كشفت جنوب إفريقيا عن قيام “إسرائيل” بتصفية رجل الأعمال “ألان كيدجر”، في جوهانسبورغ بدعوى أنه قام بتسليم إيران والعراق تجهيزات بالغة التقنية للمساهمة في صناعة الأسلحة البيوكيماوية. بعد ستة أشهر قامت الموساد بتصفية ثلاثة من أعضاء الجيش الجمهوري الإيرلندي. ويعود اهتمام “الموساد” بالجيش الجمهوري الإيرلندي إلى الفترة التي دعت فيها حكومة مارغريت تاتشر، في سرية تامة، “رافي إيتان”، لزيارة بلفاست، كي يشرح لموظفي الاستخبارات البريطانية العلاقات الوثيقة، التي تربط بين الجيش الجمهوري الإيرلندي وحزب الله.
يروي إيتان هذه القصة: “وصلتُ ذات يوم ممطر، وأعلمتُ البريطانيين بما كنت أعرفه. ثم توجهتُ إلى الرّيف الإيرلندي إلى حدود جمهورية إيرلندا الجنوبية. من دون أن ألجها خوفا من احتجاج حكومة دبلن، في حالة اكتشافي”. (165-166)
كانت الزيارة مثمرة إذ إنه منذ هذه الزيارة استطاعت “الموساد” بالتنسيق مع الاستخبارات البريطانية تصوير مسؤولين من الجيش الجمهوري الإيرلندي مع قياديين من حزب الله في بيروت. (166)
الفصل يعج بمعلومات، لا عد لها ولا حصر، ومن ضمن ما تتضمنه مطاردة الزعيم الفلسطيني فتحي الشقاقي، زعيم تنظيم الجهاد الإسلامي، ويدخل الكاتب في تفاصيل عن تنقلاته وطريقة عيشه وعلاقاته الوثيقة مع الكثير من القادة العرب والمسلمين، إلى مقتله في مالطا على أيدي الموساد، بعد زيارته للجماهيرية الليبية.
“في هذا المساء الذي حان فيه مصيره بين يدي الموساد، كان الشقاقي يتواجد في بيته مع زوجته “فتحية”. (...) وبينما كان يتمتع بوجبة الكسكس، قال لزوجته إنه لا يخاطر بنفسه في زيارته القادمة إلى الجماهيرية الليبية. وإنه بصدد الحصول على مساعدات إضافية من الرئيس القذافي. كان يأمل العودة بمقدار مليون دولار. وهو المبلغ الذي طلبه عن طريق الفاكس من الزعيم الليبي”.
دامت المطاردة فترة من الوقت. وطوال هذه الأوقات كان عملاء “الموساد” على علم بتاريخ وصوله من العاصمة الليبية. وهنا بعض التفاصيل عن اللحظات الأخيرة من حياة هذا الزعيم الفلسطيني.
“وصل فتحي الشقاقي في هذا اليوم على متن سفينة طرابلس-لافاليت، محفوفا ببعض الحرس الليبيين الذين ظلوا على متن السفينة. وكان الشقاقي قبيل عودته من الجماهيرية قد حلق ذقنه. قدّم نفسه لمسؤولي الجمارك تحت اسم إبراهيم درويش بجواز سفر ليبي. وبعدها نزل في فندق “ديبلومات” وهناك جلس في مقهى الفندق وطلب العديد من كؤوس القهوة التي شربها مع تناول الحلويات العربية. وخلال هذه الفترة أجرى اتصالات هاتفية عديدة.
في صباح اليوم التالي وحين كان متوجّها إلى ممر الإقلاع، ومعه قمصان وعد ابنه بشرائها، ظهر رجلان يركبان درّاجة نارية وتوقفا في مستواه، وقام أحدهما بإطلاق ست رصاصات عن قرب، فمات الشقاقي على الفور.. (178).
بعد مقتل الشقاقي بأربعة أيام، عرف إسحاق رابين، الذي كان قد تحول من صقر إلى حمامة نفس المصير، ولكن هذه المرة على يد قاتل يهودي، وهو إيغال أمير.

محاولة اغتيال مشعل

مسلسل الاغتيالات لم يتوقف بعد مقتل رابين، فقد تولى الحكم بنيامين نتنياهو، كما أن العمليات الفلسطينية لم تتوقف. واكتشف “الإسرائيليون” هدفا فلسطينيا ثمينا يتوجب تصفيته، وهو خالد مشعل.
كان خالد مشعل في الأربعينات من عمره (41 سنة)، ذا هيأة صارمة، وكانت لديه لحية كثيفة. ويقيم بالقرب من قصر الملك حسين، ويبدو “جيدا في كل علاقاته”، كان أيضا زوجا صالحا، وأبا لسبعة أبناء، مثقفا، وخطيبا مُفوَّها، وعرف كيف يظل في الدوائر العليا من الحركة الإسلامية. ولكن المعطيات التي كان يتوفر عليها الموساد كانت تشير إلى أنه هو المحرّض على العمليات الانتحارية (الاستشهادية) ضد المدنيين “الإسرائيليين”. (187).
يطلب نتنياهو من المسؤول “ياتوم” إرسال مجموعة لتصفية خالد مشعل الذي كان يتواجد في عمّان. يستعرض القائد ياتوم الأسباب التي تجعل من قتله بالأردن عملية غير مفيدة للكيان: “إن الاغتيال في الأردن سيدمر كل جهود التقارب التي أرساها سلفه رابين. كما أن مقتله في الأردن سيهدد نشاطات الموساد في هذا البلد، الذي يمرّ عبر أراضيه سيلٌ من المعلومات الثمينة التي تخص سوريا والعراق والتنظيمات الفلسطينية المتطرفة”. ثم يقترح على رئيس الوزراء تصفيته حال مغادرته للأردن. هنا صرخ نتياهو في وجه جليسه قائلا: “تبريرات.. هذا هو كل ما تستطيع أن تقدمه إليّ. أنا أريد أفعالاً. الآن الشعب يريد أفعالا. قريبا سنحتفل بعيد روح “ها شاناه”، سيكون مقتله هو هدية السنة الجديدة”. (186)
الكثيرون من المسؤولين “الإسرائيليين” حاولوا ثني رئيس الوزراء عن إعطاء الأمر بتصفية مشعل في الأردن، ولكنّه رفض، معلّلا ذلك برفضه كلّ شكل من أشكال الانهزامية.
فشلت العملية التي استخدمت فيها الموساد أول مرة سلاحا غير السلاح الناري. وقد أثبت فشل هذه المحاولة أن الموساد لا ينجح في كل ضرباته. وقد اضطرت “إسرائيل” ليس فقط إلى الاعتذار من الأردن ومليكه، بل وأرسلت ترياق المادة السامة التي رشّت بها الزعيم الفلسطيني.
يورد المؤلف أن الملك الأردني حسين صرح لرئيس الوزراء “الإسرائيلي”، بأنه يحس كما لو أنه رجلٌ تعرضت ابنته للاغتصاب من طرف أعز أصدقائه. وأنه قال لنتنياهو إنه يستطيع أن ينفي الأمر جملة وتفصيلا لأن عملاءه اعترفوا بكل شيء، وبأن الشريط في الطريق إلى واشنطن، حيث ستشاهده وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت من دون تأخير. (...) ظل رئيس الوزراء “الإسرائيلي” مشدوها وعاجزا عن الردّ والكلام، ولم يقل شيئا حين أصرَّ الملك حسين على ضرورة إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين وكذلك العديد من الأسرى الفلسطينيين. كانت المكالمة الهاتفية بين الملك حسين ونتنياهو من أسوأ لحظات هذا الأخير في حياته السياسية. (193).
حين كُشِفتْ، على العلن، تفاصيل العملية “الإسرائيلية” الفاشلة، أمام الرأي العام “الإسرائيلي”، تلقّى نتنياهو من الانتقادات، إنْ كان من الصحف “الإسرائيلية” أو الدولية، ما كانت ستدفع أيّ مسؤول “إسرائيلي” أمامه، إلى تقديم استقالته. وبعد ما يقرب الساعة أرسلت “إسرائيل” الترياق إلى الأردن وتمّ علاج خالد مشعل.
الحادث الفاشل جرّ مشاكل لنتياهو، كان في غنى عنها، حيث أن أولبرايت عنفته، كما أن كندا احتجت بقوة بسبب استخدام العملاء “الإسرائيليين” لجوازات سفر كندية، وهو احتجاج قارب قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان.
بعد مرور أسبوع من الحادث أطلقت “إسرائيل” سراح الشيخ أحمد ياسين. أما فيما يخص العميلين الفاشليْن فقد أحيلا إلى وظائف بيروقراطية في مقرّ الموساد. وحسب عميل للاستخبارات “الإسرائيلية” فإن: “حظهما كبير في أن يتم الاحتفاظ بهما كحارسيْ مراحيض..”.

الجاسوس الجنتلمان

في فصل آخر بعنوان “الجاسوس الجنتلمان”، يورد دلائل إضافية على التفرد “الإسرائيلي” في ما يخص العلاقات مع الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن الكثيرين يعتبرون “إسرائيل” مقاطعة أو ولاية أمريكية، فالأدلة هنا في الكتاب وفي هذا الفصل، تشير إلى غير ذلك، تماما. إشارات إلى توتر وإلى سرقات متبادلة وتجسس ضد الآخر، وتفكير في مصالح كل بلد على حدة.
في هذا الفصل عن الجاسوس الجنتلمان بورتريه نادر ل”ديفيد كمحي”، والذي تبوّأ مناصب كبرى في هرم السلطة “الإسرائيلية”. حين استلم آية الله الخميني ورجاله السلطة في إيران، الجار غير البعيد عن “إسرائيل”، أحس كمحي بصدمة كبيرة حين استنتج إلى أي درجة فشلت وكالة الاستخبارات الأمريكية والإدارة الأمريكية في تقدير صحيح للوضعية هناك.
حين تسلم رونالد ريغان السلطة في واشنطن أحسّ “كمي” بأن هذا الرجل ليس صديقا ل”إسرائيل” ولكنه، على العكس، مُحاوَرٌ يمكن خداعهُ إذا تطلبت الضرورةُ. تتبع كمحي عن قرب عمليات الاستخبارات الأمريكية في أفغانستان وفي أمريكا الوسطى. وقد صدمته العديدُ منها بسبب “طابعها الساذج والبطيء، وميلها البذيء نحو المجزرة”. وهو ما جعل الجاسوس الجنتلمان يقلب بصره نحو مصدر آخر للخطر وهو لبنان وإيران.
يورد المؤلف بأن أول فكرة خطرت على بال كمحي حال توليه حقيبة الخارجية “الإسرائيلية”، هي مسألة بيع الأسلحة لنظام الملالي في إيران، بمباركة من الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت الرغبة من وراء ذلك هي إضعاف النظام العراقي، انسجاما مع التكتيك القديم جدا والذي يتعلق “بوضع العدوّ بين نارين”. (222). بعد ثلاث سنوات من هذه السياسة ومن هذه العلاقة مع إيران، جاءت تطورات لتغير من الوضعية، وعلى رأسها مقتل 241 من المارينز الأمريكان إثر انفجار شاحنة ملغومة في بيروت، ومن ثم الشكوك الأمريكية التي كانت ترى أن الموساد كان على علم بها، ومن جهة أخرى أن المخابرات الإيرانية ساهمت في إعدادها. فقررت أمريكا أن تطالب “إسرائيل” بوقف الإمدادات العسكرية لإيران على الفور، وقد تضاعفت الضغوط الأمريكية، خصوصا بعد احتجاز وموت ويليام بوكلي
William Buckley، رئيس قسم الاستخبارات الأمريكية في بيروت. وفي تتابع للأحداث تم اختطاف سبعة أمريكيين في لبنان من قبل تنظيمات أصولية تدعمها إيران.
مع تولي الرئيس ريغان كان عليه أن يعيد الرهائن إلى بلدهم، وكانت تخاطره في البداية فكرة ضربة مباشرة لطهران، ولكن مستشاريه أقنعوه بالبحث عن خطة أخرى. يُورد الكاتب نقاشا جرى بين الرئيس ريغان ومستشاره “روبرت ماك فارلين” 
Robert MacFarlane :
- في نظرك، ما الذي يحتاجه الإيرانيون؟
- عليك أن تقوله لي، يا بوب.
- يريدون الأسلحة من أجل مواجهة العراق.
- إذنْ، امنحهم الأسلحة، وفي المقابل ليطلقوا سراح رهائننا.
كانت الخطة الأمريكية غير واضحة المعالم، أو أنها كانت تضع علاقاتها العربية في حرج ظاهر، وخصوصا مع الدول الخليجية، التي كانت قد بدأت ترتاب من السياسة التوسعية الإيرانية. ومن هنا اقترحت “إسرائيل” أن تقوم هي بإمداد الإيرانيين بالسلاح، حتى لا يبدو وكأن الولايات المتحدة قد أعادت علاقاتها مع إيران وتستمر، في نظر الرأي العام الدولي، السياسة العدوانية الأمريكية التي تطمئن الدول العربية الصديقة. وهكذا: “سيستمر الحصار الأمريكي على إيران، رسميا، كما أن إطلاق الرهائن الأمريكيين لن يقترن ببيع الأسلحة لإيران” (226).
بعد كثير من اللف والدوران وافق الرئيس ريغان على المبادرة، واقترح تعويض كل الأسلحة التي ستقوم “إسرائيل” ببيعها لأيران. ولكن رئيس الوزراء “الإسرائيلي” آنذاك إسحاق شامير، شعر بأنه يجب اتخاذ احتياطات كي “تستطيع “إسرائيل” نفي أي دور لها في القضية حال ظهور مشكل ما” (227).
وكحلّ مسبق وتداركا مسبقا لأي مشكل طارئ، قرر وزير الخارجية “الإسرائيلي” الاستعانة بكثير من الشخصيات من بينها “عدنان خاشقجي”، البيتروملياردير، المشهور بعشقه للكافيار والنساء، وأيضا منوشهر طوربانيفير العميل السابق لجهاز الاستخبارات الإيرانية تحت حكم الشاه(السافاك)، وأيضا ياكوف نمرودي الملحق العسكري السابق ل”إسرائيل” في إيران.
يتحدث المؤلف عن دور خاشقجي في القضية: “اقترح خاشقجي مونتاجا، وهو تأسيس كونسورتيوم موجه لتعويض الولايات المتحدة في حالة ما إذا لم تحترم إيران تعهداتها، وأيضا تعويض إيران إذا لم تكن الأسلحة متوافقة مع الاتفاق. وفي المقابل يقوم الكونسورتيوم باقتطاع عُمولة تصل إلى عشرة في المائة على بيع كل الأسلحة المشتراة، بفضل أموال توفرها الولايات المتحدة. وهكذا يلعب الكونسورتيوم دور الواسطة من خلال ترك إمكانية نفي ما حدث للإيرانيين وللأمريكيين في حال ظهور شيء طارئ. ومن الطبيعي أن يُفلت هذا الكونسورتيوم من كل مراقبة سياسية وسيكون، بشكل حصري، مرتبطا بالبحث عن الربح” (227) .والشيء الذي يشغل بال الأمريكان و”الإسرائيليين” هو ألا يعلم الرأي العام الدولي بما حدث.
الترسانة التي سيبيعها هذا الكونسورتيوم لإيران ضخمة وتتضمن 128 دبابة أمريكية و200000 كاتيوشا و10000 طن من القذائف من كل الأنواع، و3000 صاروخ جو جو، و4000 بندقية وما يقرب من 50 مليون  رصاصة، إلخ... وقد شاركت الكثير من الدول في تلبية طلبات الكونسورتيوم ومن بينها بولونيا وبلغاريا والصين والسويد وبلجيكا.
أما طريقة الإيصال فكانت تتم على هذه الطريقة:
“كل الأسلحة تسلم مع شهادة نقل إلى “إسرائيل”، وحسب عسكريي “إسرائيل” في النقب يقوم الكونسورتيوم بشحن السلاح على متن طائرات إلى إيران. (...) الكيان يكتفي برؤية إيران تضاعف من قدرتها على المقاومة أمام الجيش العراقي. وبالنسبة للجاسوس الجنتلمان كمحي، وزير الخارجية “الإسرائيلي”، فإن عملية السلاح مقابل الرهائن هو مثالٌ ممتاز على مشروعية سياسة “فرّق تَسُدْ”، التي كان من أشد المدافعين عنها”.(228-229).ولكن ما بدا وكأنه عملية “رقيقة”، بدأ يفلت من كل مراقبة. إذِ إن كمحي كان يحسّ بأنه كلما طالت وتمددت عملية السلاح مقابل الرهائن، كان ثمة خطر ظهورها وانفضاحها في وَضَح النهار. وفي شهر كانون الأول/ ديسمبر من سنة 1985 عبر أمام الكونسورتيوم عن رغبته في الاستقالة وعدم الرغبة في البقاء في إدارة أنشطتها، معللا الأمر بضغط العمل في وزارة الشؤون الخارجية.
وهكذا تم استبداله من قبل أميران نير
Amiran Mir  مستشار شيمون بيريز في محاربة الإرهاب. لاحقا سيشرح كمحي الأمر بالتأكيد على أن الكونسورتيوم كان يتجه في طريق التدمير الذاتي. لأنه إذا كان ثمة شخص يستطيع أن يحرفه عن طريقه فهو بالتأكيد “أميران نير”. فهو صحافيّ سابقٌ وذو نزوع جارف إلى اعتبار الجاسوسية كانعكاس لعالَم أفلام جيمس بوند. وعلى كل حال فقد كان يتقاسم هذا الضعف مع العديد من عملاء الموساد، الذين كان في تصورهم أن الصحافيين يمكن أن يُساعدوهم (230).
أما كمحي، الذي يرسم له الكاتب بورتريها فيه بعض التحيز أو التعاطف، ففي “سنة 1999 أظهر من جديد أنه لم يفقدْ شيئا من قدرته على قراءة الوضعية السياسية في الشرق الأوسط. فياسر عرفات، الذي أراد كمحي يوما تصفيته، “لأنه كان عدوّاً دموياً، ولأنّي كنتُ متأكدا من أن رحيلَهُ سيكون انتصارا كبيرا ل”إسرائيل””، أصبح الآن، في نظره، “أفضل أمل للسلام مع “إسرائيل” على المدى البعيد. إن ياسر عرفات لا يزال غير متناسب مع الفكرة التي أُكوّنها عن الجار المثالي”، ولكنه يظلّ الزعيمَ السياسي الفلسطيني الوحيد القادر على القيام بتنازلات ل”إسرائيل” مع المحافظة على دعم شعبه له” (230).
يعلل كمحي تغيّر استراتيجيته بالتأكيد على أنه “وجد نوعا من أرضية تفاهُم مع ياسر عرفات. إذْ إن زعيم منظمة التحرير الفلسطينية اعترف بنفسه بأنه شخصيا تنبّأ، قبل رُبْع قرن، “بالخطر الذي يمكن أن تشكله الأصولية الدينية في فجر الألفية الجديدة” (230). وينتهي البورتريه الذي وضعه المؤلف لكمحي بهذه الفقرة:
“من مكتبه الصغير، المطلّ على حديقة عايش نموّ محتوياتها، كان كمحي، من الآن فصاعدا، قادرا على التلفظ بهذا الحكم المتوازن: “لا يمكن أن أغفر لعدوّي القديم كونه كفل اغتيال مواطني بلدي. ولكني أيضا لن أسمح لنفسي أن أرْفُض لعرفات-ول”الإسرائيليين”- أخيراً فرصةَ وضع حدّ، إلى الأبد، للمجزرة” (230).
إن طرق الموساد من أجل جمع المعلومة وتصفية الأعداء واختطافهم عند الضرورة عديدة ومتنوعة ومن بينها استخدام عامل وسلاح فعّال وحيوي وهو المرأة والجنس. وفي الفضل الذي أعطاه المؤلف عنوان “جنس وكذب وبقشيش”، يروي، ضمن ما يرويه من التفاصيل قصة العالِم النووي “الإسرائيلي” “فعنونو”، الذي فجّر قنبلة من العيار الثقيل حين اعترف بامتلاك “إسرائيل” لترسانة نووية هائلة، لم تفصح عنها من قبلُ. ولأن الأمر صدر من داخل المؤسسة العسكرية ومن شخص يعرف جيدا ما تلفظ به، فقد كان لزاما على الموساد اختطاف هذا العدو الداخلي، الذي أصدر تصريحاته وهو متواجد في خارج دولة “إسرائيل”.
أوكل الموساد المهمة ل”شيري بين توف” كي توقع فعنونو في شباكها. وهذا الدور معروف في الموساد ويتضمن أن تمرّر المرأة نفسها على اساس كونها إما زوجة أو صديقة لجاسوس “إسرائيلي” في مهمة، وتشتغل في العديد من المدن الأوروبية من دون أن تضاجع أيّا كان من “عشاقها” أو “أزواجها”.
أخْبِرَتْ شيري بأن فعنونو تم تحديد مكانه في بريطانيا، وبالتالي فعليها أن تسقطه في شركها، لكن خارج المملكة المتحدة. فقامت بتهيئة حالها على أساس أنها سائحة أمريكية تسافر وحدها في أوروبا بعد طلاق مؤلم. وكي تضيف توابل من المصداقية والجدية في قولها كان عليها أن تذكر كثيرا من التفاصيل التي عاشتها، بصفة شخصية، مع طلاق والديها، ومن حين لآخر يجب أن تشير إلى أختها الموجودة في روما، من أجل هدف نهائي وهو جذب فعنونو إلى العاصمة الإيطالية. في الثلاثاء من سبتمبر/ أيلول من سنة 1986 التحقت شيري بتسعة عملاء “إسرائيليين” يشتغلون في التراب البريطاني، تحت رئاسة وتوجيه “بيني زييفي”.
نزلت “شيري بين توف”، تحت اسم مستعار “سيندي جونسون”، في فندق ستراند بالاس في الغرفة رقم 320 في حين نزل رئيس فرقة الموساد المكلف برصد ومطاردة فعنونو في فندق مونتباتن في غرفة قريبة من غرفة فعنونو 105.
لاحظ الجاسوس تغير مزاج فعنونو فقد كان يبدي علامات توتّر، إذ كانت لندن بالنسبة له محيطا صعبا بالنسبة لشخص عاش في مدينة صغيرة مثل مدينة “بئر السبع”. وعلى الرغم من مجهودات أصحابه فقد كان يبدو منعزلا ومحتاجا إلى رفقة نسائية. وقد كان نفسانيو الموساد قد فكروا، بشكل طبيعي، في هذه الإمكانية.
الأربعاء من سبتمبر/أيلول من سنة ،1986 ألح فعنونو كثيرا كي يسمح له حُماتُهُ وحراسه من مجلة “صانداي تايمز” بالخروج وحده. قبلوا على مضض. تتبعه، من دون أن يعلم بالأمر، أحد الصحافيين الذي فاجأه وهو يتحدث مع امرأة شابة. فيما بعد ستمنح الصحيفة هذا الوصف عن السيدة: “يهودية على الأرجح، عمرها يزيد قليلا على العشرين، طولها متر وسبعون سنتمترا، جسدها مستدير بعض الشيء، شعرها أشقر، أما الحذاء فكعبه عالٍ”. انتهى الحوارُ في بضع دقائق، ولدى عودته إلى الفندق أخبر فعنونو حراسه بخبر التقائه بشابة أمريكية تدعى سيندي. وعبر عن رغبته في معاودة الالتقاء بها. عبر رجال مجلة “صنداي تايمز” عن قلقهم. لاحظ أحدهم أن الالتقاء بسيدة جميلة في المكان الذي جرى فيه اللقاء ليس مصادفة عادية. كنّس فعنونو هذه الاعتراضات. ما كان يعرفه عن سيندي كان يكفيه لمنحه رغبة في رؤيتها ليس في لندن وإنما في بيت أختها في إيطاليا.
سافر زيفي (مسؤول الموساد في بريطانيا) مع أربعة من عملائه في نفس الطائرة التي أقلّت فعنونو وشيري إلى روما. ركب فعنونو وشيري سيارة تاكسي تقلهما إلى الشقة في المدينة. وفي داخل الشقة كان الجواسيس الثلاثة ينتظرونه، وعلى الفور حقنوه بمادة مُشلّة. وفي المساء من ذلك اليوم وصلت سيارة إسعاف إلى العمارة وحملت فعنونو على نقّالة المرضى. أخبر أحد الجواسيس، وهو يتظاهر بانشغال البال، الجيران بأن وعكة صحية أصابت الرجل. غادرت السيارة روما وسارت محاذية الشاطئ في اتجاه الجنوب. وهناك كانت سفينة تنتظر فعنونو. بعد ثلاث ليال كانت السفينة ترسو في ميناء حيفا.
قضى فعنونو أكثر من أحد عشر سنة في السجن الانفرادي. بعدها تحسنت ظروفه قليلا، بسبب الضغوط الدولية القوية التي تعرضت لها “إسرائيل”، في مايو/ أيار من سنة 1998. لم يتلقّ فعنونو أي مقابل من مجلة “صنداي تايمز” نظير اعترافاته. بعد عشر سنوات على الحادثة، شيري التي زاد وزنها قليلا، واستدار جسمها بعض الشيء، ظهرت في أورلاندو. حسب الرواية الرسمية كانت تقضي عطلتها في “ديزني لاند” مع بنتيها.
وحين سئلتْ في نيسان من سنة 1997 من قبل صحافي يشتغل مع “صنداي تايمز”، لم تنف دورها في اختطاف فعنونو. خشيتها الوحيدة هي أن كل الدعاية “تلحق ضررا” ب”وضعيتها” في الولايات المتحدة (275).

 

 

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة