|
حرب 33 يوماً
الحلقة (4)
واشنطن وتل أبيب خططتا مسبقاً للحرب على لبنان
تأليف :جلبرت أشقر، ميشيل وارشفسكي
يشير مؤلف الكتاب في هذه الحلقة إلى أن الأهمية الخاصة لتفحص
الحرب الإسرائيلية ـ اللبنانية في إطار النزاع العام بين
إسرائيل والعالم العربي تكمن في أن هذه الحرب هي في صميم
«الحرب العالمية غير المحدودة» التي تشنها واشنطن، بل إنها
تعتبر في العديد من مظاهرها تجسيداً مبكراً لها.
ويضيف ان الحرب التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين وضد
لبنان ومراميها حيال إيران وسوريا تمثل كلها، من حيث أهدافها
وطرقها، مختبراً لاستراتيجية الحرب العالمية للمحافظين الجدد
الأميركيين والجبهة الأكثر تقدماً في هذه الاستراتيجية. أي أن
رهاناتها تتجاوز كثيراً البلدان المعنية بها مباشرة.بالنسبة
لإسرائيل تكمن أحدى المشكلات السياسية المطروحة عليها في كون
أن حكومة أولمرت لم تحدد أهدافاً واضحة لها سياسياً وعسكرياً.
هذا ما أكّد عليه معلقون عديدون أثناء الحرب وطرحته لجان تحقيق
عديدة بعدها.لقد جرى اتخاذ قرار الحرب مباشرة بعد أسر مجموعة
«كوماندوز» تابعة لحزب الله جنديين إسرائيليين يوم 12 يوليو.
وكل الدلائل تشير إلى أن «إسرائيل كانت تنتظر منذ فترة طويلة
نضوج الظروف الدولية للقيام بحرب كبيرة كانت قد حضّرتها ضد
لبنان»، كما ينقل المؤلف عن الكاتبة الإسرائيلية «تانيا
رينهارت». ويشير المؤلف إلى أنه ليس سراً على أحد أن واشنطن
وتل أبيب كانتا تريدان حرباً ضد حزب الله، وخطف الجنديين كان
الذريعة، إذ لم تكن هي المرّة الأولى التي يقوم بها هذا الحزب
بخطف رهائن لمبادلتهم مع سجناء لبنانيين في إسرائيل. لكن هذه
المرة شعرت إسرائيل بالإهانة خاصة أن عملية الخطف الناجحة جرت
بعد فترة قصيرة من خطف جندي إسرائيلي في قطاع غزة من قبل
مجموعة «كوماندوز» فلسطينية.بدا الهدف الأول للحرب هو إطلاق
سراح الجنديين لكن العديد من المعلقين تساءلوا مباشرة كيف يمكن
تحقيق ذلك عبر عمليات قصف جوي كثيفة وعنيفة. وكانت الذريعة
التي قدمها المقربون من أولمرت تقول ان إسرائيل تحاول أن ترغم
لبنان على حمل حزب الله على إطلاق سراح الجنديين.
وهذا ما يصفه المؤلف بـ «منطق استعماري» تقليدي يقول بضرب
الدولة والشعب اللبناني بأقصى قوة ممكنة مما يدفعهما إلى
الانقلاب ضد حزب الله فهما بذلك «مثل بقية العرب لا يفهمان سوى
لغة القوة».لكن القول انه «توجد في لبنان أغلبية مسيحية تكره
المسلمين، وخاصة حزب الله»، كما ينقل المؤلف عن معلّق في إذاعة
إسرائيلية إنما يعبر عن حالة من العماء بسبب الإيديولوجيا، إذ
أن قصف لبنان وتهديم الجسور والبنى التحتية الأساسية وتهجير
حوالي مليون شخص إنما مثّل جرائم دفعت السكان للحقد على
مرتكبها الجيش الإسرائيلي وليس على حزب الله.وبعد تكشّف عدم
إمكانية تحقيق الهدف المعلن الأول، أي تحرير الجنديين
الإسرائيليين، أعلنت إسرائيل هدفاً آخر هو تدمير حزب الله. لكن
أطنان القنابل لم تؤد إلى صدور إشارة واحدة للاستسلام أو
للإنهاك، بل تزايد عدد القذائف على شمال إسرائيل ووصلت إلى
حيفا. ومرّتان أعلنت السلطات الإسرائيلية بلهجة الانتصار أنها
«دفنت» حسن نصر الله في «حطام مخبئه» قبل أن تتأكد من الخبر.
كما أعلنت أيضاً عن تدمير بنية القيادة العملياتية لحزب الله.
لكن عمليات القصف الكثيف على مجمل التراب اللبناني لم تؤثر على
قدرات حزب الله، ربما باستثناء إصابة قسم مهم من صواريخه ذات
المدى الطويل في الأسبوع الثاني من قصف الطيران الإسرائيلي.
فشل
في هذا الإطار أعادت إسرائيل النظر بأهدافها باتجاه تقليص
مداها عندما اكتفت بمنع وصول الصواريخ والقذائف إلى مدن وقرى
شمال إسرائيل. لكن حزب الله تابع قصفه حتى اليوم الأخير من
الحرب. وبعد الفشل في تحقيق جميع الأهداف المعلنة قررت الحكومة
الإسرائيلية متابعة الحرب من أجل إعادة مصداقية الردع للجيش
الإسرائيلي التي اهتزت بسبب «المقاومة البطولية بمقدار ما هي
فعّالة»، حسب التعبير الحرفي للمؤلف، لمقاتلي حزب الله.
هنا قامت إسرائيل بعمليات قصف لا هوادة فيها وأطلقت مئات
الأطنان من القنابل، بما في ذلك الفوسفورية والعنقودية، ومسحت
قرى بأكملها من الخارطة كي تبيّن للعالم أن إسرائيل لا تزال
قوة عسكرية مخيفة. لكن بهذا الصدد، وربما أكثر أيضاً مما هو
بالنسبة للأهداف السابقة، تكشف فشل الحرب الإسرائيلية.
لكن ذلك كله لم يمنع أولئك الذين كانوا يريدون في إسرائيل
إقناع أنفسهم بأي ثمن أن الحرب لم تكن فشلاً من الحديث عن
«أشياء جيدة تحت ذلك كله» وأن «إسرائيل يمكنها أن تتحرك فجأة
عندما ترى الخطر». إن مثل هذا الإلحاح على متابعة مغامرة
عسكرية، وبأي ثمن، مكتوب لها الفشل يمكن تفسيره على ضوء ما
أسماه الكاتب الإسرائيلي «إسحاق لاور»،
كما ينقل عنه المؤلف، بـ «الفكر العسكري» الذي ساد في الحروب
الاستعمارية، والذي تلخصه الجملة التالية: «اعطوني مهلة
أسبوعين، وهذه المرّة سوف أسحقهم». لكن هناك عامل آخر،
بالتوازي مع ذلك، وهو ذو طبيعة سياسية ويتمثل في أن الاندماج
البنيوي للاستراتيجية الإسرائيلية في «الحرب العالمية غير
المحدودة» لواشنطن والدور المحدد لها في هذا الإطار من قبل
القادة الأميركيين.
تندرج الحروب التي تقوم بها إسرائيل اليوم في إطار الحرب
العالمية، المستمرة والوقائية، التي خطط لها المحافظون الجدد
الأميركيون وشرع بتنفيذها البيت الأبيض بعد 11 سبتمبر 2001
بدعم متزايد من الاتحاد الأوروبي. وكانت إسرائيل قد دعمت
تاريخياً هذه القوة الغربية أو تلك، وخاصة الولايات المتحدة
منذ نهاية عقد الستينات، مقابل دعم دبلوماسي واقتصادي وعسكري.
ولكن كان ذلك التحالف قائماً تاريخياً على قاعدة خدمة مصالح
ظرفية إذ كانت إسرائيل تخدم دائماً كرأس جسر لـ «العالم الحر»
في الشرق الأوسط ضد الاتحاد السوفييتي (سابقاً) وضد القومية
العربية وبالمقابل تقوم القوى الغربية بدعم إسرائيل ومشروعها
الاستعماري.
وقد حدث عدة مرّات تناقض بين المصالح الخاصة لإسرائيل والمصالح
العامة لهذه القوة الغربية أو تلك. هكذا مثلاً أرغمت الولايات
المتحدة إسرائيل عام 1956، ومعها فرنسا وانجلترا، على الانسحاب
من منطقة قناة السويس وصحراء سيناء.
وكان جورج بوش الأب قد علّق ضمانات مصرفية ممنوحة لإسرائيل لأن
حكومة إسحق شامير رفضت الإعلان عن تجميد بناء المستوطنات. ولكن
غالباً كانت إسرائيل أحد المكونات الكاملة، بل والمركزية، في
المعسكر الغربي. إن «الحرب العالمية غير المحدودة» هي
استراتيجية جرى التفكير بها وتحضيرها خلال عقد الثمانينات من
قبل محافظين جدد أميركيين وإسرائيليين كانوا يخططون لشؤون
العالم فيما بعد العهد السوفييتي.
وكان الهدف هو إعادة استعمار العالم وفرض نظام إمبريالي جديد
تسود فيه الليبرالية الجديدة.وفي الوقت نفسه روعي ضرورة أن
تسود الأحادية القطبية في العالم بدلاً من تعددية الأقطاب التي
شهدتها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ باختصار أن تسود
الهيمنة الأميركية في العالم.
وقد أدّى التقارب بين حروب إسرائيل والولايات المتحدة إلى
إثارة النقاش حول معرفة إذا كانت إسرائيل هي التي تخوض الحروب
لحساب «عرّابها» الأميركي أو على العكس أن الولايات المتحدة هي
التي تخدم إسرائيل ومراميها التوسعية. وتتم الإشارة هنا إلى أن
بعض المتطرفين من المحافظين الجدد الأميركيين أبدوا استياءهم
عندما عبّر بعض القادة في إسرائيل عن إرادة وضع حد لحرب بدت
أكثر فأكثر بمثابة فشل كامل.
وينقل المؤلف عن «شارل كروتامر» المحافظ الجديد القريب جداً من
ديك شيني كتابته في الواشنطن بوست: «يوجد نقاش حاد في الولايات
المتحدة حول ما إذا كانت إسرائيل في عالم ما بعد 11 سبتمبر
2001 هي ورقة رابحة للولايات المتحدة أم هي عبء عليها».
صدام الحضارات
إذا كانت هناك بلاد قد أصبح فيها الخطاب حول «صدام الحضارت» هو
فلسفة دولة، بل وحتى إيديولوجية مجتمع بكامله، أو تقريباً
بكامله، فإن المؤلف يحددها بـ «إسرائيل». وينقل عن إيهود
باراك، رئيس وزراء إسرائيل السابق تصريحه عام 1996: «ما زلنا
نعيش في فيللا حديثة ومزدهرة وسط الغابة»، وكان يومها وزيراً
للخارجية.
ويؤكد المؤلف أن هذه الصورة تعكس تماماً الطريقة التي يتصور
الإسرائيليون بها أنفسهم وسط العالم العربي والإسلامي، أي
جزيرة من الحضارة داخل عالم بربري لا همّ له سوى تدمير الحضارة
وبالتالي لا بد من القيام بحرب وقائية لا محدودة، وحيوية ضده.
وهنا يشير المؤلف ـ ذو الجنسية الإسرائيلية ـ أن حرب التدمير
التي تقوم بها إسرائيل ضد فلسطين منذ عام 2000، وإنما التي تمّ
التخطيط لها قبل عامين من ذلك، هي نموذج الحروب الجديدة، وأن
شراستها ليست «عنصراً إضافياً» وإنما ملازمة لاعتبارها «حرب
حضارة»، مثل تدمير العراق وقتل مئات الآلاف بسبب الاحتلال
الأميركي.
ويذكر المؤلف أنه طيلة حرب ال33 يوماً ضد لبنان، تحدث قادة
إسرائيل، وكذلك الصحافيون والخبراء الإسرائيليون، عن اختلاف
«الثقافات» وعدم التجانس الأساسي بين «نحن» ـ بين الإسرائيليين
وبمعنى الحضارة بشكل أوسع التي ينبغي أن تكون الحضارة اليهودية
المسيحية ـ وبين «هم» أي الفلسطينيين والعرب.
كذلك تشكل منطقة الشرق الأوسط هدفاً مركزياً له الأولوية في
«الحرب العالمية» غير المحدودة والوقائية لواشنطن، وبالتالي
يغدو الدور العسكري لإسرائيل لا بد منه أكثر من أي وقت مضى.
وترمي إسرائيل لـ «إخماد» الشعوب المتمردة وترهيب الآخرين بحيث
لا يحلمون حتى بالإفلات من هيمنة واشنطن وبصد المصالح
الإسرائيلية الخاصة.
وما جرى في غزة ولبنان يندرج في إطار مثل هذه السياسة. ولكن،
وبالتحديد، وبسبب ما أدت إليه مقاومة حزب الله من اهتزاز قدرة
ردع الدولة الصهيونية فإن جولة ثانية هي مبرمجة اليوم في
إسرائيل.
خسارة الحرب
منذ الأسبوع الثاني للحرب لم يتردد صحافيون إسرائيليون
وصحافيون مؤيدون لإسرائيل في انتقاد الطريقة التي قادت بها
الحرب رغم أن القسم الأكبر من الرأي العام لإسرائيل كان آنذاك
مؤيداً للمغامرة العسكرية. وبتاريخ 22 يوليو كتب المعلق
العسكري لصحيفة «نيويورك بوست» يقول: «إن إسرائيل هي بصدد
خسارة الحرب، وهذا شيء من الصعب كتابته بالنسبة لمن دعم
إسرائيل طيلة حياته. لكن هذا صحيح، والوضع يزداد تأزماً يوماً
بعد يوم».
كانت العملية الإسرائيلية في لبنان فشلاً يقرّ به الجميع.
وأفضل برهان على ذلك العدد الكبير للجان التحقيق التي قامت،
وبعضها بضغط شعبي. وكان الفشل قبل كل شيء هو فشل أجهزة
الاستخبارات التي جرى اعتبارها دائماً، على نحو خاطئ، الأفضل
في العالم. وإذا كانت بارعة فإنها كذلك في عمليات الكوماندوز
والخطف والاغتيالات، لكنها كانت بائسة مرّة أخرى فيما يخص
الاستخبارات بالمعنى الدقيق للكلمة.
إن الكلمة ـ المفتاح لهذه الحرب يحددها المؤلف في «المفاجأة».
مفاجأة الحكومة الإسرائيلية من قدرة حزب الله على الرد
ولفعالية منظومته الدفاعية على الحدود. كما فوجئت بعدد
الصواريخ والمقذوفات الأخرى التي تستطيع إصابة شمال إسرائيل،
وفوجئت بالسلاح المضاد للمدرعات القادر على إنهاء أسطورة دبابة
«ميركافا ـ 4» التي قيل عنها انها أسطورة لا يمكن تدميرها. وقد
فوجئت خاصة من المستوى العالي لفعالية وتعبئة مقاتلي حزب الله.
بكلمة واحدة، لقد فوجئت في كل ما يميّز بين انتصار واضح وهزيمة
محتملة.
وينقل المؤلف عن مسؤول الاستخبارات العسكرية الجنرال يوسي
«كوبرواسر» قوله لأحد الصحافيين: «إنني لم أتفاجأ أبداً»،
وأضاف: «هذا بالضبط حزب الله الذي أعرفه». لكنه لم ينجح في
إقناع الصحافي الذي وجّه له السؤال التالي: «إذن لماذا يعتري
الجمهور إحساس قوي أن القيادات السياسية والعسكرية قد فوجئت
وهي مكشوفة العورة».
ويتم التأكيد هنا أن المشكلة ليست معرفة إذا كان جهاز
الاستخبارات الإسرائيلية «أمان» والـ «موساد» يمتلكان أو لا
يمتلكان معلومات دقيقة عن حزب الله، وإنما هي تتعلق تحديداً
بكفاءتهما السياسية على تحليلها وخاصة على استخلاص النتائج
الصحيحة منها.
لكن لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي تتعرّض فيها الاستخبارات
الإسرائيلية للمفاجأة. لقد فوجئت عام 1973 بالهجوم الواسع الذي
قامت به الجيوش المصرية والسورية؛ وفوجئت أيضاً عام 1982 بمدى
مقاومة القوات اللبنانية ـ الفلسطينية ضد العدوان الإسرائيلي
وبتعقيد المسرح السياسي اللبناني الذي تورطت فيه مخططات شارون؛
وفوجئت الاستخبارات الإسرائيلية بالانتفاضة الفلسطينية عام
1987
ثم فوجئت برفض الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الانصياع
لإرادة إيهود باراك في كامب ديفيد عام 2000؛ ثم فوجئت بفوز
منظمة حماس في الانتخابات التشريعية بفلسطين عام 2006. ملخص
القول هو أن قائمة «المفاجآت» طويلة أيضاً.
وتتم الإشارة إلى أن عدم القدرة على الفهم وبالتالي على
إمكانية توقع ردود الأفعال هي من الصفات الملازمة للعلاقات
الاستعمارية، وهذا ما أنتجته أصلاً جميع المغامرات الاستعمارية
خلال التاريخ الحديث كله. وتبعاً لمثل هذه النظرة يكون الذي
وقع عليه الاستعمار ـ
وفي الحالة المقصودة هنا، أي بالعلاقة مع الذي تمّ تحديد
التفوق عليه وأنه ينتمي إلى حضارة تم تحديد سماتها والدوافع
التي تحركها مسبقاً ـ ليس بحاجة إلى إجراء دراسة عليه، فهو ما
يكون قد تم قرار أن يكون عليه، وأنه محدود ضمن الإطار الذي كان
قد جرى رسمه له.
وتقاطع الصورة المرسومة للمعنى، أي العربي هي أنه بدائي وجبان
وأن المسلم رجل قاسٍ ومناهض للسامية. أما صورة الإسرائيليين
فهي أنهم متمدنون وحديثون وفعالون، بل وإنهم كرماء أحياناً.
بكل الأحوال هذا ما كانت قد لخصته الجملة التي قالها إيهود
باراك وجاء فيها: «إننا نعيش في فيللا حديثة وسط الغابة».
وهذا ما يجد تفسيره في حرب الحضارة ضد البربرية. وينقل المؤلف
عن الصحافي الإسرائيلي المعروف يوري افنيري قوله ان «القاسم
المشترك لجميع الأخطاء» التي اقترفتها أجهزة الاستخبارات
الإسرائيلية مصدرها احتقار العرب. هذا الازدراء ذو النتائج
الكارثية قد سبب نوعاً من عدم الفهم العام، نوعاً من العماء
فيما يتعلق ببواعث حزب الله وسلوكيته وموقعه في المجتمع
اللبناني، الخ.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين ما يعتقده المستعمر وبين الواقع
والحقيقة. إن المستعمَر (بفتح الميم) مرغم بالمقابل، بسبب ضعفه
في مواجهة المستعمِر (بكسر الميم) أن يبذل جهداً من أجل معرفة
عدوه كشرط من أجل بقائه هو. وقد دلّت التجارب أنه نجح دائماً
في ذلك، وتكفي رؤية كيف تعلّم الفلسطينيون كيف يعرفون
الإسرائيليين على حقيقتهم، وفهم عقليتهم والتناقضات التي يزخر
بها مجتمعهم،
وكيف عرفوا أن يتفحّصوا ويصدروا حكماً بلمحة عين على جندي
موجود على حاجز، وإذا كان روسياً أو مغربيًا، شريراً أو
رقيقاً، ويعرفون كيف يستخرجون من ذلك كله النتائج وبالتالي
محاولة المرور أو تجريب حظهم على حاجز آخر. ثم إن الخاضع
للاستعمار مكره، من أجل بقائه، على تعزيز قدراته وشخصيته بينما
أن المستوطن ـ المستعمر ـ الواثق من تفوقه لا يهتم بنفسه.
وبالتالي يصاب بـ «المفاجأة» وهو معرّض أكثر فأكثر للفشل في
مشروعه.
استخدام الهراوة
وتتم الإشارة في هذا السياق أيضاً إلى خطأ نموذجي آخر يتم
اقترافه من قبل السلطة الاستعمارية وقد تكرر في لبنان، وهو
استخدام الهراوة ـ والمقصود في السياق المعني هو آلاف القنابل
ـ كي يفهم الآخر جيداً كيف عليه أن يتصرف وأن يقبل ما نريده أن
يفعل أو لا يفعل.
وقد تجسد الفهم الاستعماري الإسرائيلي في الاعتقاد أن الشعب
اللبناني، عندما يتم إخضاعه لحمم من القنابل، لا يمكنه سوى أن
يثور ضد حزب الله على أساس أنه المسؤول عمّا حصل له. وكم كان
الخطأ كبيراً في ذلك الفهم إذ أن الشعب اللبناني جابه أولئك
الذين كانوا يدمّرون بلاده.
ويتم التأكيد أيضاً على أن الفشل العسكري الإسرائيلي كان أيضاً
نتيجة للدفاع البطولي ولفعالية مقاتلي حزب الله وكذلك قدرة
المقاومة لدى الشعب اللبناني؛ كما كان بنفس القدر أيضاً نتيجة
للتدهور الخطير الذي يعاني منه الجيش الإسرائيلي وقدراته
العملياتية.
إن واقع مثل هذا التدهور ليس بحاجة إلى لجان تحقيق من أجل
معرفة أسبابه، إذ يمكن تحديد ثلاثة أسباب منها.السبب الأول
يعود إلى واقع الحلف الاستعماري والذي يفسر لماذا كانت
المؤسسات الإسرائيلية عاجزة، مرّة أخرى أيضاً عن توقع ما سيكون
عليه رد الفعل اللبناني على هجومها.
إذ أنه وعلى مرور السنين أدّى إلى أن الاحتقار العنصري للعرب
وعقدة التفوق جعلا الجيش الإسرائيلي لا يقوم بأي جهد خاص من
أجل تطوير قدراته على مستوى التنظيم. وهذا ما يؤكده جميع جنود
الاحتياط الذين جرت تعبئتهم من أجل خوض الحرب في لبنان. إنهم
يؤكدون عدم تلقيهم تدريبات جدية منذ سنوات وأن أسلحتهم قد غدت
قديمة وغير مؤاتية للحرب التي تمّت دعوتهم لخوضها.
ثم إن قيادة الجيش الإسرائيلي التي كانت موكولة للمرّة الأولى
في تاريخها لضابط طيار، اعتمدت على التفوق الكامل للطيران
وأهملت إعداد الجيش البري. لكن وكما تعلّمت الولايات المتحدة
على حسابها ودفعت ثمنه، فإنه لا يمكن إخضاع شعب وكسر مقاومته
بواسطة الطيران فقط، وإنه لا مفر من دخول القوات البرية في
مرحلة أو في أخرى من الحرب.
وكما كان الأمر بالنسبة لنظرائهم الأميركيين، تبدّى أن الوحدات
المدرّعة وجنود المشاة الإسرائيليين لم يكونوا قد تحضّروا لخوض
حرب ضد وحدات من المقاتلين جيدي التدريب والتسليح، بل إنهم
كانوا عاجزين تماماً عن تحقيق ولو هدف واحد من الأهداف
العملياتية التي كانوا قد حددوها.
وهذا يقودنا إلى تبيّن سبب آخر لتدهور فعالية الجيش
الإسرائيلي، وهي أنه خلال أكثر من خمس سنوات لم يخض جنوده أي
«حرب» سوى ضد المدنيين حيث قمعوا النساء والأطفال، وهاجموا
أهدافاً مدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة في مواجهة سكان عزّل
أو ضد مقاتلين قد تدرّبوا قليلاً ولا يملكون تسليحاً جيداً.
لقد أصرّ الجيش الإسرائيلي على تسمية «حرب» لذلك القمع
البوليسي الكبير. وكان المناضلون المعادون للاستعمار قد تحدّوا
خلال مظاهراتهم ضد الاحتلال الجنود وسخروا منهم فيما يخص خلطهم
بين قمع وحيد الجانب وحرب.
كانوا يقولون لهم: «في اليوم الذي سيكون فيه بمواجهتكم خصوم
مسلّحين ومدرّبين، لن تعرفوا ماذا ستفعلون!». وهذا تحديداً ما
حصل في لبنان، فالجنود الإسرائيليون الذين كانوا قد تعودوا على
القيام بعمليات وحيدة الجانب وجدوا أنفسهم حائرين أمام مقاتلين
أشدّاء ومدربين.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
|