|
كتاب- ندوب الحرب وجروح السلام ـ الحلقة(1)
زيارة السادات للقدس تغير قواعد الصراع وتقلب موازينه
تأليف :شلومو بن عامي
مع العودة، مؤخراً إلى اللقاءات بين القيادات الفلسطينية
والإسرائيلية تتبلور أهمية هذا الكتاب الذي يلقي نظرة جديدة
على الصراع العربي الإسرائيلي من زاوية مختلفة عما اعتدنا
عليه، يقدمها لنا شلومو بن عامي وزير الخارجية الإسرائيلي
الأسبق. وتنبع أهمية مؤلف الكتاب، الذي ولد في المغرب عام 1943
.
وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ، من موقعه كأحد أعمدة
اليسار الإسرائيلي، فضلا عن الدور الذي لعبه في مرحلة من مراحل
المفاوضات خاصة خلال الفترة التي تولى فيها وزارة الخارجية
الإسرائيلية (2000 ـ 2001)، فضلا عن توليه في مرحلة سابقة ـ
يوليو 1999 ـ وزارة الأمن الداخلي. وقد شهد المؤلف مفاوضات
مؤتمر كامب ديفيد 2 التي مثلت المحاولة الأخيرة لتسوية جدية
على المسار الفلسطيني الإسرائيلي وأدى فشلها إلى دخول هذا
المسار في دوامة جديدة ما زلنا نعيش جانبا من تطوراتها حتى
الآن.
على الرغم من الأهمية التي يتمتع بها المؤلف، سواء على مستوى
الحياة العملية أو الخبرة العلمية، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال
من الأحوال أخذ ما يقدمه على علاته، في ضوء الوضع في الاعتبار
أنه يقدم رؤية تعكس مصلحة إسرائيل، وهى المصلحة التي نرى أنه
مهما حكمها الموضوعية إنما تمثل في النهاية تناقضا مع الحقوق
الفلسطينية رغم أن شلومو بن عامي في بعض تناولاته لتطورات
الصراع العربي الإسرائيلي بدا مقتربا من وجهات النظر العربية
إلى حد كبير.
ومع أن المؤلف يغوص في البدايات الأولى للصراع محاولا تقديم
رؤية بانورامية لمجرياته إلا أنه يركز بشكل خاص على تطوراته في
العقود الثلاثة الأخيرة والتي يمكن التاريخ لها بعقد السبعينات
والذي شهد تحركات فعلية على صعيد محاولات التسوية السلمية
للصراع العربي الإسرائيلي سواء من خلال حرب أكتوبر التي رأى
السادات فيها، حسبما يشير شلومو بن عامي، تدشينا لموقف يدفع
بنهج السلام إلى الأمام أو حتى بمبادرة الرئيس المصري الراحل
بالذهاب إلى القدس في كسر لقواعد الصراع العربي الإسرائيلي وهى
الخطوة التي كان لها تأثيرها المفصلي ويصح أن يؤرخ بها
للتحولات الجذرية في مسيرة الصراع.
تأثيرات كامب ديفيد
وفي معرض التعليق على تطورات هذه الفترة، التي أسفرت عن التوصل
إلى اتفاقات كامب ديفيد المصرية ـ الإسرائيلية، يشير المؤلف
إلى أن كامب ديفيد ألقت بتأثيرها على مجمل السياسات في المنطقة
لجهة تسيد الخطاب السياسي وليس خطاب الحرب.
وقد انعكس ذلك في أنه رغم الأزمات المتعددة التي واجهت الصراع
العربي ـ الإسرائيلي ومن ذلك مثلاً حرب لبنان ثم الانتفاضة
الفلسطينية فإن السؤال الذي كان مطروحاً على المستوى العربي
ويعكس تغيراً في النظرة للصراع لم يعد يتعلق بإزالة إسرائيل من
الوجود وإنما ما هو الثمن المطلوب من اجل التوصل إلى تسوية
معها؟
في ضوء استبعاد فكرة وجود علاقات دافئة مع الكيان الإسرائيلي
في الرؤية العربية حتى ذلك الوقت. غير أن المشكلة أن هذا
الموقف العربي صادف تعنتا على الجانب الإسرائيلي حيث انه على
مدى الفترة منذ ما بعد مدريد كامب ديفيد وحتى مؤتمر مدريد في
أكتوبر 1991 كان يقود إسرائيل واحد من أكثر رؤساء الوزارات
محافظة في تاريخها وهو إسحق شامير .
والذي يطلق عليه المؤلف غولدا مائير الثمانينات والذي رفض بشدة
أي تحرك أو حل وسط. ومع ذلك فإن شامير لم ينجح تماما في سد
الطريق أمام السلام حيث أن بيان منظمة التحرير في الجزائر في
نوفمبر 1988 والذي تضمن الاعتراف بإسرائيل وما تبعه من اعتراف
الرئيس ريجان بالمنظمة كان بمثابة تطور مفصلي جديد على طريق
عملية السلام في المستقبل، وهو ما أضعف من تطرف شامير وأدى
بالصراع إلى السير على طريق الحل خاصة إزاء مجموعة من التطورات
الإقليمية والدولية.
فمن ناحية كانت الولايات المتحدة قد بدأت تهيمن على مقدرات
الأمور في المنطقة بشكل غير مسبوق وهو الأمر الذي نشأ عن تدهور
الأوضاع في الاتحاد السوفييتي والذي انتهى إلى تفككه في أوائل
عقد التسعينات، هذا إلى جانب خروج مصر من عملية الصراع أدى إلى
اقتناع المنظمة بأن خط الاعتدال هو الوحيد الذي يمكنه أن يوفر
لها الفرصة للتحرك على طريق تحقيق أهدافها.
مناورات بيغين
يشير المؤلف إلى أن مناحم بيغن كان قد وصل خلال مفاوضات كامب
ديفيد إلى قمة دوره كصانع للسلام، وكشفت سياساته فيما بعد عن
زيفها ويؤكد عدم استحقاقه هذا التوصيف سواء من قبل المؤلف أو
غيره ممن منحوه جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الرئيس السادات.
ومن الملاحظ في هذا الصدد وفيما يكشف عن التزام المؤلف بتقديم
رؤية يسودها نوع من الموضوعية انتقاده لسياسات بيجين.
وفي هذا يشير إلى أن هذا الأخير بمجرد توقيع اتفاق السلام عمل
على وضع العقبات أمام مفاوضات الحكم الذاتي الفلسطيني وقد كان
تعيينه لوزير الداخلية يوسف بورج كأحد المفاوضين الرئيسيين في
المحادثات رسالة مفادها أن الضفة الغربية ليست مجالاً للمساومة
أو مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية وإنما هي مسألة داخلية
إسرائيلية، وهو ما كان يعني أن مفاوضات الحكم الذاتي كانت
بمثابة مضيعة للوقت.
ومن الملاحظ هنا أن الرؤية الأحادية لا تحكم المؤلف على عكس
الكثيرين ممن يتناولون هذا الصراع سواء على مستوى الجانب
الإسرائيلي أو الجانب العربي، وعلى ذلك نجد أنه في الوقت الذي
يشير إلى انتقادات أحاطت بسياسات هذا الجناح أو الزعيم أو ذاك،
إلا أنه يحاول أن يلتمس الجوانب الإيجابية في المواقف المختلفة
بقدر ما ينظر إلى المواقف السلبية من منطلق رؤيته الخاصة
بالطبع. وأهمية هذه النقطة تتمثل فيما سنشير إليه في السطور
التالية خاصة لجهة الجدال الذي يسود وسطنا العربي على خلفيته
ويتمثل في تقييم سياسة السادات السلامية أو الؤستسلامية كما
يحلو للبعض أن يصفها.
أن المؤلف يرى نصف الكوب الفارغ كما يرى النصف الملئ، وعلى ذلك
فإن سياسة السادات لم تكن شرا خالصا لبلاده أو خيرا خالصا، وإن
كان التحليل النهائي، في رأينا لتلك السياسة، حتى وفق السياق
الذي يقدمه المؤلف يشير إلى تأثيراتها الكارثية على صعيدنا
العربي.
المهم أن شلومو بن عامي يشير في صدد حديثه عن مواقف بيغين
والتي مثلت نوعاً من الانقلاب على السلام إلى أنه كان يعتمد في
ذلك على أنه حقق مكاسب استراتيجية من خلال سلامه مع مصر حيث
تمكن من إخراج مصر من دائرة الحرب وهو ما كان يعني أن انهيار
مفاوضات الحكم الذاتي لن تقود بأي حال إلى حرب، وهو ما يشير
إلى حالة الاستقواء الإسرائيلي إثر سلامها المنفرد مع مصر.
وحسبما يشير المؤلف فقد تصور بيغين أنه بمقتضى التطورات
الجديدة يمكن له أن يتصرف مطلق اليدين فكانت مبادرته إلى تدمير
المفاعل النووي العراقي ثم غزو لبنان من أجل التعامل مع التحدي
العسكري والسياسي الذي يمثله الوجود الفلسطيني أو منظمة
التحرير هناك، والتي أنشأت منذ مغادرتها الأردن في 1970 سلطة
توازي نصف دولة. وبتعبير المؤلف في توصيف ما يراه أسس فكر بيغن
في التحرك خلال تلك الفترة فإن سيناء التي تخلى عنها من أجل
التفرغ لهذه الأهداف لا تحتل المكانة المهمة التي تحتلها الضفة
الغربية في فكر جابوتنسكي.
مركزية القضية الفلسطينية
رغم أن السياق الذي يقدمه المؤلف قد يوحي بأن مشاكل بيغن
وإسرائيل بالتالي قد حلت، إلا أنه يؤكد أن الواقع كان يسير على
غير ذلك النحو، في ضوء أن القضية الأساسية للصراع وهى القضية
الفلسطينية لم تحل بعد. وهنا فإنه من النقاط الأساسية الملحوظة
والتي تعكس جوهر فكر المؤلف بشأن الصراع إيمانه الشديد بغض
النظر عن الاختلاف معه في كثير من النقاط، بمحورية القضية
الفلسطينية وأنها أصل الصراع العربي الإسرائيلي والذي دون حله
لن تكون هناك نهاية للصراع ككل.
لقد قام الفكر الإسرائيلي آنذاك على أساس أن حل الصراع مع
الفلسطينيين ينتظر القيادة الصحيحة والظروف المناسبة من أجل
البناء على ما تم إرساؤه في كامب ديفيد، وهو ما كان يعني
انتظار من يقر بالرؤية الإسرائيلية وهو الأمر الذي لم يتحقق،
فضلا عن توافر مجموعة من الظروف أدت إلى نتائج على عكس ما كانت
إسرائيل تسعى إليه.
وذلك رغم أن الأوضاع كانت تسير وفق التصورات الإسرائيلية. فمن
ناحية فإن التخلي المصري عن خيار الحرب لم يترك فرصة أمام
سوريا أو الأردن سوى اللحاق بها، وإن ظلت سوريا متمنعة حتى
مرحلة متأخرة استمرت أكثر من عقد، وهو ما كان يعني تزايد فرص
السلام بين العرب وإسرائيل. من ناحية ثانية فقد بدأت خلال تلك
الفترة بوادر الصحوة الإسلامية بفعل اندلاع الثورة في إيران
وهو ما أدى، حسب وجهة نظر شلومو بن عامي، إلى مجموعة من
التحولات على صعيد الصراع.
وهنا يشير المؤلف إلى ما يراه حقيقة تتمثل في أن ذلك التحول
أوجد مناخا عزز فرص التقارب بين إسرائيل والدول العربية
والولايات المتحدة ومما يذكره في هذا الخصوص أن اغتيال السادات
في ذكرى حرب أكتوبر تم على خلفية توجهاته تجاه الغرب، مع عدم
الإشارة إلى ذلك في الوقت ذاته من قبل من قاموا باغتياله إلى
إسرائيل، الأمر الذي يعزز،حسبما يرى شلومو، مفهوم الخطر الناجم
عن الصحوة الإسلامية نتيجة توجهاتها. لقد انعكس ذلك في بلورة
رغبة مشتركة من أجل التحرك من حالة الحرب إلى السلام
والاستقرار الإقليمي.
وهو ما انعكس في التحول نحو الإيمان أن تدمير إسرائيل لم يعد
هدفا أو أحد الخيارات القائمة. ومنذ تلك اللحظة فإن القضية
المركزية على المستوى العربي لم تعد هي قبول الدولة اليهودية
من عدمه وإنما، كما أشار من قبل، هو السؤال حول الثمن والظروف
التي يتم في إطارها تلك الخطوة.
اختلاف المسارات
هنا يشير شلومو بن عامي إلى أن الثمن المطلوب دفعه من قبل
الجانب الإسرائيلي هذا لم يكن مسألة سهلة خاصة إذا وضعنا في
الاعتبار أنه يتمثل على الجانب السوري في الانسحاب الإسرائيلي
من مرتفعات الجولان الاستراتيجية، وعلى الجانب الفلسطيني في
الوصول إلى دولة مستقلة في غزة وعلى كامل الضفة الغربية.
وفي ذلك يذكر المؤلف بمنطق المقارنة أنه إذا كانت التطورات على
المسار المصري قد سارت بشكل أهدأ فإن ذلك إنما كان بسبب وجود
إجماع في الأوساط الإسرائيلية على قبول إعادة الأراضي المصرية
مقابل السلام معها، أما بالنسبة للمسارات العربية الأخرى فإن
الموقف مختلف ولا يسود إجماع بشأنه.
غير أنه فيما يكشف حتى عن شكوك إسرائيلية تجاه مصر رغم توقيع
اتفاقية سلام معها يكشف عن بعض سياسات بيغن التي تثير الدهشة
ومن ذلك أنه بمجرد نجاحه في الانتخابات الثانية واستمراره على
رأس الوزارة في إسرائيل واختياره ارئيل شارون لوزارة الدفاع
وشامير لوزارة الخارجية بدأ بيغن يعمل على جس نبض الإلتزام
المصري تجاه معاهدة السلام مع بلاده.
كما استطاع بيغن استغلال أجواء تلك الفترة في جذب إدارة ريغان
إلى صفه والتراجع بعملية السلام إلى الوراء أو إلى مرتبة
ثانوية والتوقيع على اتفاق للشراكة الاستراتيجية بين البلدين
في يناير 1981 من خلال التركيز على ما يمثله الخطر السوفييتي،
بشكل يوحي بتعاظمه والإقلال مما يمكن أن تجنيه المنطقة من ثمار
جراء التوصل إلى سلام.
وقد كانت هذه الرؤية موضع اتفاق مشترك بين الحكومة المحافظة
التي يمثلها بيجن في إسرائيل والإدارة اليمينية في الولايات
المتحدة التي يرأسها رونالد ريغان، وهى العلاقة التي يشبهها
المؤلف بتلك التي ربطت بين شارون وبوش الابن في إطار الحرب على
الإرهاب فيما بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر، حيث يتم التركيز على
مخاطر واسعة مشتركة إقليمية ودولية فيما يتم تجاهل أهمية
المبادرة أو الحاجة إلى استغلال الفرص القائمة من أجل التوصل
إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي.
وهنا يكشف شلومو بن عامي عما ما يراه وسيلة من وسائل الحكومات
اليمينية في إسرائيل فيما بعد كامب ديفيد حيث كانت تحرص على
التراجع بأولوية القضية الفلسطينية، من خلال بحثها عن الوسائل
التي تلحق بها هذه القضية في إطار صراع أو قضية دولية باعتبار
ذلك الوسيلة المثلى لإسرائيل من أجل عدم دفع ثمن باهظ للتوصل
إلى سلام مع الفلسطينيين.
تأثيرات التطورات العالمية
في تفسير لطبيعة النظرة الإسرائيلية وتأكيد على صحتها بغض
النظر عن رفضها، يشير المؤلف إلى أنه إذا كان من الصحيح أن
الإتحاد السوفييتي كان الضامن الأكبر لخيار الحرب العربي وأحد
أسباب أو معوقات الطريق إلى السلام، في ضوء استناد الدول
العربية على تأييده لخوض خيار الحرب، فإنه فيما يشير إلى
محاولته التزام الموضوعية يقرر أن ذلك لا ينفي بأي حال من
الأحوال أن اليمين الإسرائيلي وكذلك الإدارة القائمة في
الولايات المتحدة في ذلك الوقت استغلا ذلك من أجل عرقلة عملية
السلام ذاتها وإعادة التراجع في هذه العملية إلى الإتحاد
السوفييتي في ضوء التفسير السابق الإشارة إليه.
وفي إطار كشفه لطبيعة سياسات تلك الفترة على مستوى التعاطي
الإسرائيلي مع الصراع العربي الإسرائيلي واستغلال طبيعة
علاقاتها والظروف المحيطة لصالح انتهاج سياسات معينة، يشير
المؤلف إلى أنه ليس أدل على ذلك من قيام بيغن بعد نحو شهرين من
توقيع الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بضم مرتفعات
الجولان في تجاوزات لاتفاق كامب ديفيد بشأن العمل على تطبيق
القرار 242.
لقد كانت هذه الخطوة بالغة الجرأة من قبل بيغن إلى الحد الذي
مثل إحراجا للإدارة الأميركية ذاتها مما لم تجد معه مفرا من
تجميد الشراكة الاستراتيجية. ورغم أن الخطوة الأميركية كانت
مؤقتة وتم تجاوز الأمر فيما بعد إلا أنها كانت بمثابة إنذار
لإسرائيل.
لقد استهدف بيغن من خلال ضم الجولان أن يشير إلى محدودية عملية
السلام وألا تتخذ الحالة مع مصر بالانسحاب من سيناء كسابقة
يمكن للدول العربية أن تطالب بتطبيقها على بقية الأراضي
المحتلة، وعلى ذلك فإنه منذ تلك اللحظة، فإن المبدأ الذي يجب
أن يحكم المفاوضات ليس الأرض مقابل السلام وإنما السلام مقابل
السلام.
اختراق على الطريق
يتطرق المؤلف إلى المواقف على الجانب الفلسطيني مشيرا إلى أن
البيان الذي أصدرته منظمة التحرير الفلسطينية في نوفمبر 1988
كان بمثابة اختراق على طريق عملية السلام حيث أقر بحق إسرائيل
في الوجود وعلى ذلك شهدت القضية على المسار الفلسطيني بعض
التطورات التي شهدتها على المسار المصري فبدلاً من الاعتماد
الكثيف على الاتحاد السوفييتي فإن عرفات راح يغير استراتيجيته
لجهة التعاون مع الولايات المتحدة.
وقد كان الاعتراف بإسرائيل بالنسبة لعرفات مقدمة للحوار
الفلسطيني مع الإدارة الأميركية أكثر مما كان يستهدف القوى
السياسية داخل إسرائيل. لقد كان بمثابة إذن بافتتاح البوابات
المؤدية إلى واشنطن وليس إسرائيل.
ورغم أن عرفات كان يعلق آمالاً كبيرة على هذه الخطوة في جني
العديد من الثمار لصالح القضية الفلسطينية إلا أن خطوته تلك
يبدو أنها لم تحقق النتائج المرجوة حيث قابلتها واشنطن بتحفظ
إزاء الغموض الذي أحاط بلغة البيان الفلسطيني. كما أن ذلك كان
مقدمة على الجانب الأميركي لما يمكن اعتباره ابتزاز عرفات وإن
لم يقل المؤلف بذلك صراحة على طريق فرض صيغة عليه يعلن
بمقتضاها استنكاره لكافة أشكال الإرهاب.
وفي دلالة على مدى وطأة هذه الخطوة على عرفات يذكر المؤلف نقلا
عن أبو العلاء والذي كان نظيره في المفاوضات وشغل منصب رئيس
الوزراء ما ذكره له من أن عرفات راح في مرات عدة يشير إلى
استنكاره «للسياحة وليس الإرهاب» في تلاعب بالألفاظ الانجليزية
الأصلية..
ويستنتج المؤلف من ذلك أن خطوة عرفات لم تكن تستهدف قلوب وعقول
الاسرائيليين وإنما كانت تستهدف الأميركيين ما انتهى بها إلى
الفشل على صعيد التعاطي معها إسرائيليا على خلاف ما جرى مع
السادات، مضيفا أن عرفات لم يتقن الطريقة التي كان يستخدمها
السادات باقتدار وهي اللعب على العواطف الإسرائيلية.
ثم يتطرق المؤلف إلى بعض الظروف التي قادت إلى مدريد ومساعي
التوصل إلى تسوية للصراع فيما قبل تلك الفترة ومن ذلك المبادرة
المصرية التي طرحها الرئيس مبارك في سبتمبر 1989 والتي كانت
بمثابة محاولة من النظام لتجربة دوره كصانع للسلام وكوسيط بين
أطراف الأزمة وكوسيلة لإضفاء المزيد من الشرعية على سلامه مع
إسرائيل وفي الوقت ذاته تعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة.
وقد طرحت مصر آنذاك مبادرة النقاط العشر والتي تركزت على إجراء
انتخابات في الأراضي الفلسطينية بمشاركة الفلسطينيين المقيمين
في القدس وعلى مبدأ الأرض مقابل السلام، ووقف بناء المستوطنات.
وبعد نحو شهر تقدم جيمس بيكر بمبادرة أخرى من خمس نقاط ركزت
على فكرة الانتخابات الفلسطينية وفيما يمثل دفعة لمبادرة مبارك
اقترح أن تكون القاهرة مقر اللقاء بشأن المفاوضات.
عرض ومناقشة:مصطفى عبد الرازق (البيان )
|