|
التاريخ السري للموساد
... (3 - 3)
وكالة الاستخبارات “الإسرائيلية” “الموساد”، جهاز عريق، وشهرته
تجاوزت المنطقة الجغرافية للكيان الصهيوني نفسه، وأصبحت أسطورة
أحيانا. “إنها قوة سرية تتيح ل”إسرائيل” أن تمارس الضغوط على
الأقوياء، بمن فيهم وكالة الاستخبارات الأمريكية. وأيضاً
اصطياد النازيين واختراق الحكومات ، وتصفية “الإرهابيين” وضبط
المعلومات الأساسية، وأيضا أخطاء في الحسابات وحالات كذب
عاشتها الموساد”.
هذا هو ملخص الكتاب/ التحقيق الذي يحمل عنوان “التاريخ السري
للموساد من 1951 إلى يومنا” ل”غوردن توماس”، الكاتب المتخصص في
عالم التجسس، والذي نشر 37 تحقيقا ترجمت في العالم بأكمله، في
محاولة للتقرب من عالم هذا الجهاز الذي لا يشبه غيره من
الاستخبارات العالمية، والتابع لدولة لا تشبه غيرها من دول
العالم الأخرى.
تأليف: غودون توماس
عرض وترجمة: بشير البكر
العميل إسماعيل صفوان الذي اتهم باغتيال ناجي العلي
فصل آخر في الكتاب يحمل عنوان: “القنبلة والخادمة اللعوب” وفيه
كثيرٌ من الأدوار القذرة التي تلعبها وكالة الاستخبارات
“الإسرائيلية” والتي تتخذ مسارات أخرى، نقرؤها في هذا الفصل
المثير.
في يوم الثلاثاء الفاتح من شهر أكتوبر/ تشرين الأول من سنة
1985 قامت الطائرات “الإسرائيلية” بتدمير المقر العام لمنظمة
التحرير الفلسطينية في تونس. وقد جاء هذا الهجوم الجريء ردا
على قيام الفلسطينيين باغتيال ثلاثة سياح “إسرائيليين” في
لارناكا. هذا الاغتيال الذي أثار موجة سخط كبيرة في “إسرائيل”.
بعدها قامت “إسرائيل” بالعديد من العمليات انتهى بعضها إلى
نتائح مضحكة. ومن بين ذلك قصة السفينة “ليرجات”
Learjet
والتي جاءت لتنتقم من احتجاز الفلسطينيين للسفينة “أكيلي
لاورو” يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأول 1985 وقتلهم لراكب أمريكي،
ولكن احتجاز السفينة الفلسطينية سيجعل “الاسرائيليين” يحصلون
على صفر. كانت توقعاتهم وتوقعات الموساد تشير إلى أن السفينة
تتضمن صيدا ثمنيا وهو يتمثل في القياديين الفلسطينيين
الكبيرين: أبو نضال وأحمد جبريل. كان صيدا مضحكا حيث توَاجَه
المحققون “الإسرائيليون” مع فلسطينيين عاديين ومرعوبين. ولكن
مع ذلك فإن الموساد أراد من هذه الضربة الفاشلة أن يقدم صورة
عن “عدم تفويت أي فرصة لتخويف العرب”، خصوصا وأن وسائل الإعلام
العربية كانت قد بدأت تعبر عن الثقة في النفس.
كي تغسل الموساد فضيحة ومضحكة عدم توقيف أبو نضال وأحمد جبريل،
قررت تنفيذ خطة جهنمية ستؤدي في نهايتها إلى تضييع حياة خادمة
إيرلندية والحكم على عشيقها العربي بحكم سجن لم تعرفه السجون
البريطانية من قبل، والتسبب في أزمة ديبلوماسية كان من بين
الفاعلين فيها الوزير الأول الفرنسي جاك شيراك والمستشار
الألماني هيلموت كول، ووضع سوريا خارج المحفل الدولي.
ابتدات العملية من خلال محاولة مسبقة للإجابة عن بعض الأسئلة:
“هل يمكن للخطة أن تنجح؟ هل يمكن للجمهور أن يصدق بأن الخطة
سارت كما هي؟ وهل يمكن للحقيقة أن تظل مستورة إلى الأبد؟”.
الخطة ترتكز على مجهود عميلين اثنين، هما عميل يهودي يشتغل في
بريطانيا تحت اسم مستعار هو “توف ليفي”، والثاني مخبر فلسطيني
يحمل اسم “أبو”، وقد أصبح الفلسطيني عميلا “إسرائيليا” بعد أن
فاجأته الموساد وهو يبذر أموالا تلقاها من منظمة التحرير
الفلسطينية وموجهة لقرية على الحدود الأردنية “الإسرائيلية”،
هددته بكشف سره وهو ما يعادل الخيانة من قبل مواطنيه وأقنعته
بالسفر إلى لندن. منحته جواز سفر مزوراً لرجل أعمال، وهناك
تلقى التعليمات من قبل الموساد، وقد استطاع من خلال مشاركته في
لعب القمار أن يتلقي بتجار سلاح أثرياء مرتبطين بمنظمة التحرير
الفلسطينية وحصل منهم على معلومات قيمة أتاحت للموساد أن يلحق
ضربات موجعة بالفلسطينيين (بفضل المعلومات التي قدمها “أبو”
استطاعت “إسرائيل” اغتيال خمسة عشر رجلا من رجالات منظمة
التحرير الفلسطينية). ولكن المهمة الكبيرة ل “أبو” كانت في
استدراج شاب فلسطيني، “نزار هنداوي” وهو من أقاربه البعيدين،
وقد استقر ببريطانيا على أمل التقرب من منظمة الجيش الجمهوري
الإيرلندي. وقد استغل “أبو” علاقة قريبه بفتاة إيرلندية سقطت
حاملا من علاقاتها معه. يحتاج الهنداوي إلى الأموال فلا يجد
سوى قريبه لمساعدته. ولكن “أبو” الذي بذّر أمواله في القمار،
لم يجد ما يساعد به قريبه. يلتقي “أبو” برئيسه اليهودي “توف
ليفي”، فيخبره بأن الوقت حان لتوريط السفارة السورية في لندن
وأن “الإسرائيليين” يحتاجون إلى طعم. هنا يتدخل “أبو”، ويقول
لرئيسه “الإسرائيلي” بأنه يعرف الطعم، وهو قريبه وصديقة قريبه
الإيرلندية.
قررت الموساد القيام بضربة كبرى ترغم بريطانيا على قطع
علاقاتها الديبلوماسية مع سوريا وإغلاق السفارة السورية في
لندن. هنا يتوجه “أبو” عند قريبه هنداوي يمنحه 10000 دولار،
جاءت من الموساد، وطلب منه في المقابل مساعدته في الدفاع عن
القضية التي يؤمنان بها معا، وهي الحرب السرية ضد “إسرائيل”.
يقرر هنداوي إرسال صديقته الحامل لزيارة أهله في “إسرائيل”،
ويطلب منها أن تحمل معها هدية بعث بها أحد أصدقائه لخطيبته. في
المطار اللندني، يوقف البوليس البريطاني الشابة الإيرلندية وهي
تحمل في حوائجها مادة شديدة الانفجار. وعلى الفور تقرر
بريطانيا تحميل سوريا مسؤولية ذلك وتقوم بقطع العلاقات معها.
ويصدر الحكم على هنداوي بالسجن خمسة وأربعين سنة، على الرغم من
أنه لم ينفكّ يقسم ببراءته وبدور الموساد في القضية. في حين أن
“أبو” هُرّب إلى “إسرائيل”.
الكثيرون من الساسة الغربيين والمراقبين لم يصدقوا الرواية
البريطانية، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك جاك شيراك،
الذي صرح لصحيفة الواشنطن بوست بأن النظام السوري لا علاقة له
بمحاولة تفجير الطائرة التي حوكم عليها الهنداوي، وأضاف بأن
الأمر يتعلق ب “مؤامرة خطط لها الموساد”. وهو تصريح كاد يقضي
على مستقبل شيراك السياسي.
في فصل معنون ب “رسم (كاريكاتوري) أكثر من اللازم”، يقول
المؤلف إن الاتصالات بين الفلسطينيين (منظمة التحرير
الفلسطينية) والأمريكان قديمة وهي تعود إلى سنة 1973 حيث يكتب
هنري كيسنجر في مذكراته بأن الأمر يعود إلى الفترة التي أعقبت
اغتيال السفير الأمريكي في الخرطوم من قبل منظمة “أيلول
الأسود”. اللقاء تم بين “ياسر عرفات” و”فيرنون والترز” نائب
رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية. ونجم عن اللقاء “معاهدة عدم
اعتداء”، ويعلق كيسنجر بأن الهجمات ضد الأمريكيين توقفت أوعلى
الأقل من قبل المقربين من منظمة التحرير الفلسطينية.
“الإسرائيليون” غضبوا من الموقف الأمريكي، و”خصوصا حين علموا
أن الشخص الفلسطيني المكلف بالتنسيق مع الوفد الأمريكي لم يكن
سوى علي حسن سلامة، الملقب بالأمير الأحمر، رئيس مجموعة أيلول
الأسود، والمخطّط لمجزرة ميونيخ التي استهدفت الرياضيين
“الإسرائيليين”، ثم اغتيال السفير الأمريكي في الخرطوم.
ويستعرض المؤلف العلاقات الوثيقة التي كانت تربط علي حسن سلامة
والمعلومات الثمينة التي قدمّها للأمريكيين وخصوصا تحذيرهم من
مؤامرة دبرتها إيران لإسقاط طائرة كيسنجر، كما أنه أخبر
الأمريكيين بمحاولة لاغتيال السفير الأمريكي في بيروت، كما أنه
في أحد اللقاءات مع الوفد الأمريكي وقّع على “ضمان عدم اعتداد
على كل الدبلوماسيين الأمريكيين في لبنان”.
حاول “الإسرائيليون” إقناع الأمريكيين بوقف التعاون مع سلامة،
الذي كان يمنح الأمريكيين فرصة معرفة كل ما يدور في الشرق
الأوسط، بل وأصبح ضروريا لوكالة الاستخبارات الأمريكية، وحين
قامت “إسرائيل” باغتياله لم يَرُقْ الأمر للأمريكيين وظلت
العلاقات بين الأمريكيين و”الإسرائيليين” باردة خلال فترة
طويلة.
السفير الأمريكي في بيروت كان حزينا على مقتله، وصرح: “أعرف
أنه(سلامة) في أكثر من مناسبة، وبعيدا عن كل إشهار، كان مفيدا
بطريقة استثنائية، بل ذهب إلى حدّ المساهمة، بنشاط، في أمن
المواطنين والرسميين الأمريكيين. أعتبر مقتله خسارة”.
يرسم المؤلف أجواء أعقبت مقتل حسن سلامة، وكيف أن بعض
المقاطعات الباريسية كانت تعج بإرهابيين. ومن هذه المناطق تم
تدبير هجمات على عدة مؤسسات يهودية في باريس، على مطاعم ومتاجر
وأماكن دينية، وفي باريس تم التوقيع على البيان الأول الداعي
إلى وحدة مقدسة للمنظمات الإرهابية الإسلامية ضد الأهداف
“الإسرائيلية” في أوروبا. ويتحدث المؤلف عن ردود الموساد:
“كانت ردود الموساد شرسة، إذ تسلل الكثير من العملاء إلى قلب
الأحياء العربية وقاموا باغتيال المشبوهين في أسرّتهم”.
(415-416)
تقوم “إسرائيل” بتجنيد عميل فلسطيني، وهو إسماعيل صوان،
فتساعده على الدراسة وتقوم بإرساله في بعثات كبيرة في العديد
من العواصم الغربية كما أنها تقوم بإرساله إلى بيروت ثم طرابلس
للتدرب على السلاح ثم تونس حيث القيادة الفلسطينية، وبعدها
تبعث به الموساد إلى باريس (في نفس الوقت يرسل على نفقة منظمة
التحرير الفلسطينية لتعلم اللغة الفرنسية)، لترصد خطوات كارلوس
الذي كان قد مرّغ العديد من وسائل الاستخبارات الغربية في
الوحل. ثم يرسل إلى بريطانيا للمساعدة على تصفية القائد الجديد
للقوة ،17 وهو عبد الرحيم مصطفى، الذي كان قد اتخذ من لندن
قاعدته.
مهمة العميل الفلسطيني اسماعيل صفوان كانت تتمثل في استدراج
القائد الفلسطيني خارج بريطانيا، ومن الأفضل إلى الشرق الأوسط،
حيث يستطيع العملاء “الإسرائيليون” تصفيته. يتعرف العميل إلى
القائد الفلسطيني ويستطيع خلق علاقة ودية معه، ثم يتواعدان على
الالتقاء في الهايد بارك، وهناك يقوم العميل “الإسرائيلي”
الآخر “بشار سمارة”، بتصويره.استمرت الاتصالات بين العميل
والقائد الفلسطيني ما يقرب العام. في هذه الأثناء يتعرف
اسماعيل صوان على بريطانية ويعبر عن رغبته في الاقتران بها.
ولكنه لم يكن يتوفر على شاهد زواج. يتوجه إلى مقر منظمة
التحرير الفلسطينية في لندن، وهناك يلتقي القائد مصطفى، وهو
يمسك بنسخ عديدة من مجلة “القبس” الكويتية التي كانت تطبع في
لندن، وكان كل عدد يتضمن صورة كاريكاتورية للقائد ياسر عرفات.
كانت الصحيفة تناصب منظمة التحرير الفلسطينية العداء. الصور
كانت من ريشة الرسام الفلسطيني ناجي العلي، أهم الرسامين
الكاريكاتوريين العرب في هذا المجال، وكان يقيم في لندن، وكان
يبدو أنه يناصب عرفات عداء جارفا.صرخ القائد الفلسطيني أمام
الجاسوس “الإسرائيلي” اسماعيل صفوان بأن الرسام يستحق الموت،
وإعطاء درس لأسياده الكويتيين. في بداية أمسية 22 يوليو/ تموز
من سنة ،1987 يفتح الجاسوس صفوان التلفاز فإذا به أمام صورة
ناجي العلي، الذي تعرض للاغتيال في لندن أمام مكتب صحيفة
“القبس”. تساءل صفوان عمن يكون قام بارتكاب الجريمة: “لن تكون
الموساد، ولا القوة ،17 لأن قتله خلا من كل مهنية...” يفكر
العميل في تهريب زوجته والالتجاء إلى تل أبيب. يطرق شخص عليه
الباب ويقول له بأن القائد مصطفى يطلب منه الاحتفاظ بحقيبتين
وإخفاءهما على وجه السرعة. يقرر العميل الفلسطيني الاتصال
بالموساد، لا أحد يجيب. يهاتف السفارة “الإسرائيلية” لا أحد
يرد. يتصل بعملاء آخرين، ولا من مجيب. أخيرا يعلن له صوت مجهول
بأن عليه أن يغادر إلى “إسرائيل”.في “إسرائيل”، وبعد يوم واحد
من وصوله يأتيه الأمر بالعودة إلى لندن، لأن كل شيء أصبح تحت
السيطرة، ولا داع للخوف.ومن دون حذر يقرر العودة إلى لندن يوم
الرابع من أغسطس/ آب من عام ،1987 وفي المطار يتم توقيفه من
قبل رجال الأمن البريطانيين، ويتهم باغتيال ناجي العلي. وحين
يصرح بعمالته ل “الإسرائيليين” يضحك المحققون البريطانيون في
وجهه.
يقول المؤلف إنه “تمت التضحية بالجاسوس الفلسطيني كي تحصل
“إسرائيل” على أفضال حكومة تاتشر. إذ إن الأسلحة التي تم
العثور عليها في بيته ستقضي على الجهود التي سيقوم بها لإقناع
المحققين بأنه اشتغل لفائدة “الإسرائيليين”. صحيح أن إيقاف
العميل كان خسارة ل “الإسرائيليين”، لأنه قام بأعمال جيدة، على
الرغم من أنه لم يقم بكل ما كان يرجى منه. ولكنه كانت علامة من
“الإسرائيليين” على إرادتهم على التعاون مع السلطات
البريطانية. العثور على الأسلحة في بيت العميل صفوان يمكنها أن
تقود إلى تخريب العلاقات البريطانية الفلسطينية، وإظهار عرفات
وهو يلعب دورا مزدوجا في علاقاته مع البريطانيين. على كل حال
بإمكان الموساد العثور على صفوان آخر تستميله بوعود جميلة
وكاذبة”. (438-439).
الكتاب عبارة عن تفاصيل عديدة تريد أن تحيط بتاريخ الموساد،
والتفاصيل لا يمكن التطرق إليها جميعا، لأنها تدخلنا في متاهات
لا يمكن للقارئ أن يفهمها بسهولة. ولربما كان لزاما على دوائر
الأمن القومي العربي أن يتنبهوا لها، لأن تكشف طريقة اشتغال
وكالة الاستخبارات “الإسرائيلية”.
يقوم المؤلف في الفصل الذي حمل عنوان “انطلاقات جديدة”، بتوضيح
كيف أن جهاز الاستخبارات “الإسرائيلية” لا يتورع عن التجسس حتى
على الحليف الأمريكي. وقد تسببت فضيحة العميل بولارد في
انتكاسة العلاقات الأمريكية “الإسرائيلية”. ويعزو
“الإسرائيليون” المسألة إلى عدم أخذ الأمريكيين للتحذيرات
“الإسرائيلية” من هجوم مُرتقب للقاعدة على أمريكا، سبق تفجيرات
عام 2001 محمل الجد. كما أنه في هذا الفصل الشيق يكشف المؤلف
عن فشل ذريع للموساد في وضع حد للعمليات
الانتحارية(الاستشهادية) التي بدأت منظمات فلسطينية من بينها
كتائب الأقصى وحماس والجهاد الفلسطيني في تنفيذها. كانت
الموساد تعرف مصادر التمويل لهذه المنظمات الفلسطينية:
“الأموال تأتي من إيران. من دمشق وأثينا، ويتم تبييضها وغسلها
من قبل بنوك مركزية. ثم يتم إرسالها إلى حساب بالقاهرة عبر
الطرق الالكترونية. ثم تحمل إلى غزة كي يتم توزيعها من طرف
لجنة الجهاد” (541). حاول مايير داغان، وهو مسؤول رفيع في
الموساد، أن يجعل من أولوياته العثور على الهدف النهائي لهذه
الأموال على أمل وصول الموساد إلى من يُهيّئون الاستشهاديين،
ولكن المهمة كانت مثيرة لليأس. لأن الاستشهاديين يشتغلون تحت
شكل خلايا صغيرة جدا، في عالَم مخيمات اللاجئين المغلق، يصعب
جدا تجنيد مخبرين من أجل الاستخبارات “الإسرائيلية”. وكل من
يتم إيقافه من هؤلاء تتم تصفيته. (541)
ينتهي هذا الفصل بهذه النهاية اليائسة من اعتراف المسؤول
الاستخباراتي “الإسرائيلي” مايير داغان: “حين لا تتعرض
“إسرائيل”، خلال فترة طويلة، لأي عملية استشهادية، فهذا يعني
أن العملية القادمة قريبة”. (543)
يتطرق الكتاب أيضا إلى تاريخ العراق ويصل إلى مرحلة ما بعد
صدام، تحت عنوان “بعد صدام”، ويعج بالتفاصيل، خصوصا المرحلة
التي سبقت الغزو الأمريكي لهذا البلد وإسقاط القيادة العراقية.
يتحدث عن الكثير من الفاعلين العراقيين وغيرهم، ويرسم صورة عن
شخصية لعبت دورا ما في تضليل الأمريكيين، وهو الجلبي.وينتهي
الكتاب الكبير الحجم(664 صفحة)، بخاتمة اتخذت عنوان: “حصيلة
مؤقتة”.. نقرأ فيه:“إن محكيا يتطرق لأجهزة الاستخبارات يعكس
بالضرورة الوعي الباطن لأمّة ما. إن العملاء الذين يشتغلون على
الأرض والتحليلات ومديري الأقسام وزعماء الموساد قدموا آراءهم
حول اشتغال الموساد وسيرورة القرار وعلاقته مع الأجهزة
الاستخبارية الأخرى. ولا أتذكر أن أحدا منهم كذب عليّ. (...)
إن الموساد يعتبر جهاز الاستخبارات الوحيد في العالم الذي
يتوفر على وحدة اغتيالات، وكتيبته تواصل عمليات القتل. يكرر
مايير داغان، أحد زعماء الموساد، جملته: “إننا نُحارب الشرّ
بالشرّ”. الحقيقة الكبيرة في هذه الفترة تتلخص، بالنسبة لحرب
الرئيس بوش الدولية على الإرهاب التي أطلقها بكثير من التفاؤل
بعد تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول ضد بُرْجي التجارة العالمي
والبنتاغون، في أن كل أجهزة الاستخبارات يتوجب عليها أن تراقب
باهتمام كيفية اشتغال الموساد. بالتأكيد إن الموساد يتعامل مع
أعدائه من دون شفقة. ولكن حين تفشل إحدى مهماته يُعامل في معظم
الأحيان أعضاءه بقسوة لا يفعلها أي جهاز آخر ما عدا
الاستخبارات الصينية. إن هذا الكتاب ليس إطراء على الموساد.
ولكني أتمنى أن يواصل هذا الكتاب “قول الأشياء كما حدثت، وكما
لا تزال عليه” (636).لا يمكن لقراءة تقديمية لهذا الكتاب أن
تتطرق لكل القضايا التي يتناولها المؤلف، والتي تتشعب وتتنوع،
إذِ إن الموساد جهاز يتجسس على العالم بأسره. الكتاب يتطرق
للصراع القاتل ضد الفلسطينيين وضد العرب، ويكشف دور الموساد في
تدمير طيران مصر إبان عهد عبد الناصر، كما أنه يتناول مطاردة
قراصنة الجو الفلسطينيين والمتعاونين معه، كما أنه لا يخلو من
تفاصيل تتطرق للحرب ضد العراق، وأيضا محاربة القاعدة وغيرها من
التنظيمات الجهادية، وغيرها من المواضيع.
الكتاب محاولة لتقديم الرؤية “الإسرائيلية” من الداخل، ولعلّنا
نقرأ، في القريب، روايات للحدث، نفسه، من أطراف عربية وأطراف
أخرى كانت معادية، يوما ل “إسرائيل” حتى تكتمل الصورة وننتهي
من وضع بوزل نهائي للحدث وتداعياته وحقائقه. الحقيقة أحيانا
تخرج حتى من أفواه الخصوم والأعداء.
|