|
سبعة محاور للاستراتيجية الإسرائيلية لشل قدرات الفلسطينيين
تأليف :إيلان بابه
كتاب ـ التطهير العرقي في فلسطين ـ الحلقة (1)
يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعتبر بمثابة شهادة تفصيلية
موثقة وحافلة بالأسماء والأرقام والوقائع يقدمها المؤلف الذي
ينتمي إلى المؤرخين الإسرائيليين الجدد حول حقائق التطهير
العرقي الذي نفذته العصابات الصهيونية المسلحة قبل النكبة في
1948، حيث يوضح أن التطهير العرقي الذي نفذه الصهاينة ضد الشعب
الفلسطيني جاء في إطار إستراتيجية إسرائيلية متكاملة وتجسيد
للنزعة الإيديولوجية الصهيونية التي استهدفت أن تكون فلسطين
لليهود حصرا، عبر إخلائها من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين.
تلازمت مع إقامة دولة إسرائيل أكبر عمليات التهجير القسري في
التاريخ الحديث، والتي أسفرت في البداية عن طرد نحو مليون
فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم، وتعرض أصحاب الأرض الحقيقيون
للمذابح، ودمرت مئات القرى الفلسطينية عمدا في مؤامرة صهيونية
توصف بأنها «تطهير عرقي» بمعايير القرن الحادي والعشرين،
بالرغم من المحاولات الصهيونية لطمس معالمها ومحوها من ذاكرة
العالم، ومن أبرز الأصوات المطالبة بالإقرار الدولي بهذه
المأساة صوت الأكاديمي الإسرائيلي البارز الدكتور إيلان بابه
الذي يلقي كتابه الضوء على هذه القضية.
ويطرح أسئلة تآمرت دول العالم على عدم طرحها لأن الإجابة عنها
تكشف القصة الحقيقية الكامنة وراء ما حدث في عام 1948. وقد غاص
الدكتور بابه في أضابير وملفات إسرائيلية سرية ومحظورة واستطاع
بدأب العالم الباحث أن يطلع على جوانب من مذكرات لاعبين
أساسيين في الحركة الصهيونية فرضت عليها السرية التامة ومنع
نشرها. ويعتبر الدكتور إيلان بابه واحدا من أهم المؤرخين
الإسرائيليين، وهو كبير المحاضرين في علم السياسة بجامعة حيفا،
كما يشغل منصب المدير الأكاديمي لمعهد أبحاث السلام، ورئيس
معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية في مدينة حيفا.
ومن بين مؤلفاته كتب عن «تاريخ فلسطين الحديثة»، و«الشرق
الأوسط الحديث»، و«القضية الفلسطينية - الإسرائيلية». وهو
ينتمي إلى جماعة صغيرة حققت اختراقا سياسيا ناجحا فيما يسميه
المؤلف «المعركة حول الذاكرة في فلسطين» وهي جماعة «التاريخ
الجديد». ويقوم هؤلاء المؤرخون الجدد بمراجعة الادعاءات
الصهيونية عن حرب عام 1948. ويذكر المؤلف في مقدمة كتابه أن
أعضاء هذه الجماعة نجحت مراجعاتهم في فضح زيف الادعاء
الإسرائيلي بأن الفلسطينيين تركوا بلادهم بمحض إرادتهم. وقد
استطاع هؤلاء المؤرخون تأكيد وقوع عدة عمليات طرد جماعي للسكان
من القرى والمدن، وفضح ارتكاب القوات اليهودية لعدد كبير من
الجرائم والمذابح الوحشية.
ويضيف إيلان بابه في مقدمة الكتاب قوله: «بعد الهولوكوست أصبح
من المستحيل إخفاء جرائم واسعة ضد الإنسانية. وبعد تقدم وسائل
الاتصال، وخاصة بعد انتشار وسائل الإعلام الالكترونية، لم يعد
مسموحا بالاستمرار في إخفاء مثل هذه الجرائم عن عيون الجماهير
أو إنكار ارتكابها، ومن بينها تلك الجريمة التي تم محوها
بالكامل من ذاكرة العالم وهي جريمة تخلص إسرائيل من
الفلسطينيين في عام 1948 والتي تعرضت لمحاولات إنكار منتظمة،
ومازالت حتى اليوم محل إنكار باعتبارها واحدة من حقائق التاريخ
ناهيك عن كونها جريمة تحتاج إلى مواجهتها سياسيا وأخلاقيا ذلك
لأن التطهير العرقي جريمة ضد الإنسانية ويعتبر مرتكبوها اليوم
مجرمين يجب أن يمثلوا أمام محاكم خاصة.
ما التطهير العرقي؟
من هنا ينطلق المؤلف مباشرة إلى محاولة تعريف «التطهير العرقي»
معربا عن اعتقاده أنه أصبح الآن مفهوما محددا تحديدا جيدا إذ
نجد أن دائرة معارف هتشينسون تعرفه بأنه الترحيل بالقوة بهدف
تحقيق تجانس سكان منطقة أو إقليم معين مختلطين عرقيا. ويكمن
الهدف من الترحيل إلى إجلاء أكبر عدد ممكن من السكان المقيمين
بجميع الوسائل المتاحة للجهة القائمة بعملية الطرد بما فيها
الأساليب غير العنيفة مثلما حدث للمسلمين في كرواتيا الذين تم
ترحيلهم بعد توقيع اتفاقية ديتون في نوفمبر 1995. وقد قبلت
وزارة الخارجية الأميركية هذا التعريف وأضاف خبراؤها إليه أن
محو تاريخ منطقة ما هو جزء من جوهر التطهير العرقي.
ويلاحظ المؤلف أن أكثر الأساليب شيوعا يتمثل في الخلاص من
السكان في ظل أجواء تضفي شرعية على تصرفات عقابية وانتقامية،
ومن ثم تصبح النتيجة النهائية لهذه التصرفات هي خلق مشكلة
لاجئين. ومن هذه الزاوية كانت وزارة الخارجية الأميركية تنظر
بشكل خاص إلى ما جرى في بلدة بيك غرب كوسوفو في مايو 1999.
وقد أخليت بيك من سكانها خلال أربع وعشرين ساعة بوسيلة واحدة
وهي التخطيط المسبق لتنفيذ عمليات إعدام منتظمة رافقتها أيضا
مذابح متفرقة لتسريع عملية الإخلاء. وما حدث في بلدة بيك في
ذلك العام حدث أيضا بنفس الأسلوب لمئات من القرى الفلسطينية
عام 1948. وقد تبنت هيئة الأمم المتحدة تعريفا مماثلا ونشر
مجلس حقوق الإنسان التابع لها تقريرا يشير إلى أن من بين
أساليب التطهير العرقي فصل الرجال عن النساء، واعتقال الرجال،
وتدمير البيوت، وما يتبع ذلك من إسكان جماعة عرقية أخرى فيما
يتبقى من البيوت.
ويذكر البروفيسور إيلان بابه أن مجموعة من أحد عشر رجلا عقدت
اجتماعا في مساء الأربعاء 10 مارس 1948 في تل أبيب. وقد ضمت
هذه المجموعة عددا من القادة الصهاينة وضباطا من العسكريين
الشبان. وفي هذا الاجتماع تم وضع اللمسات النهائية على خطة
التطهير العرقي في فلسطين. وفي نفس ذلك المساء صدرت الأوامر
العسكرية إلى الوحدات في الميدان للاستعداد للقيام بعمليات
ترحيل منهجية ومنتظمة للفلسطينيين من مناطق واسعة من البلاد.
وقد تضمنت تلك الأوامر وصفا مفصلا للأساليب التي يجب استخدامها
لإجلاء السكان الفلسطينيين بالقوة، ومن بين هذه الأساليب: بث
الرعب والإرهاب على نطاق واسع، وفرض الحصار على القرى ومراكز
التجمع السكاني ثم قصفها، وإشعال الحرائق في البيوت والممتلكات
والبضائع، والطرد، وعمليات النسف، وأخيرا زرع الألغام بين
الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة.
وقد وزعت على كل وحدة صهيونية قائمة بالقرى والضواحي المستهدفة
في الخطة الأصلية التي أطلق عليها اسم «الخطة دي» وقد سميت
بالعبرية «الخطة داليت» وهي في الأصل الخطة التي وضعتها عصابة
الهاغاناه. وقد سبقتها ثلاث خطط أوضحت بشكل غامض كيف كانت
القيادة الصهيونية تفكر في وسيلة التعامل مع وجود العدد الكبير
من الفلسطينيين الذين يعيشون على الأرض التي تطمع الحركة
القومية اليهودية في تملكها. أما الخطة الرابعة والأخيرة فقد
تحدثت بوضوح ودون غموض عن المصير الذي خبأه الصهاينة للشعب
الفلسطيني إذ قضت بصراحة أن «على الفلسطينيين أن يرحلوا».
ويستشهد مؤلف الكتاب بكلمات واحد من المؤرخين اليهود كان أول
من أدرك معنى تلك الخطة سيمخا فلابان الذي قال: «إن الحملة
العسكرية ضد العرب، والتي تتضمن غزو وتدمير المناطق الريفية،
وضعت ضمن الخطة داليت على يد الهاغاناه» غير أن هدف تلك الخطة
كان في الحقيقة، تدمير المناطق الريفية والحضرية في فلسطين.
ويكرس الدكتور إيلان بابه جهده في الفصول الأولى من الكتاب لكي
يوضح أن تلك الخطط هي نتاج حتمي للدوافع الأيديولوجية
الصهيونية لفرض وجود يهودي في فلسطين.
ومما أدهشني وأنا أشرع في عرض هذا الكتاب أن بعض الكتاب
والمسؤولين العرب بدوا وكأنهم فوجئوا بما ردده رئيس وزراء تلك
الدولة الخارجة على القانون وأيده في ذلك الرئيس الأميركي بوش
بشأن وجود دولة يهودية تسمى إسرائيل مما يؤكد تبني الحركة
الصهيونية منذ نشأتها لأيديولوجية عنصرية قائمة على الإبادة
والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني صاحب الأرض والوطن، وهذا ما
يؤكده مؤلف الكتاب وزملاؤه منن المفكرين والمؤرخين الجدد حتى
أنه يستشهد بكتاب نور مصالحة «ترحيل الفلسطينيين» الذي يبين
بوضوح أن مفهوم الترانسفير يكمن في عمق جذور الفكر السياسي
الصهيوني.
منهجان للعمل
يضيف إيلان بابه قوله إن تطهير الأرض كان على الدوام خيارا
قائما بدءا من تيودور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية حتى القادة
الرئيسيين للمشروع الصهيوني في فلسطين الأمر الذي يشرحه واحد
من مفكري الحركة في عام 1917 وهو ليو موتسكين إذ يقول: «إن
همنا هو أن استيطاننا لفلسطين يجب أن يسير في اتجاهين:
الاستيطان اليهودي في أرض إسرائيل، وإعادة توطين عرب إسرائيل
في مناطق خارج الدولة. وقد يبدو تهجير ذلك العدد الكبير من
العرب لأول وهلة غير مقبول من الناحية الاقتصادية، ولكنه مع
ذلك ممكن من الناحية العملية، ولا يحتاج إعادة توطين قرية
فلسطينية في بلاد أخرى إلى أموال كثيرة».
ويعلق المؤلف على ذلك بقوله إن الحقيقة الواضحة هي أن الذين
قاموا بطرد الفلسطينيين هم وافدون جدد على البلاد يشكلون جزءا
من مشروع استيطاني يربط حالة فلسطين بتاريخ التطهير العرقي
الاستيطاني في أميركا الشمالية والجنوبية وأفريقيا واستراليا
حيث ارتكب المستوطنون البيض جرائم مماثلة. وفيما بين
الانتفاضتين الفلسطينيتين عامي 1928 و1929 لم تضع قيادة الحركة
الصهيونية وقتا وأسرعت في العمل على تنفيذ خططها لتحقيق وجود
يهودي صرف في فلسطين.
فبدأت أولا في عام 1937 بقبول جزء متواضع من الأرض، متظاهرة
بقبول توصية بريطانية لتقسيم فلسطين إلى دولتين، ثم ما لبثت في
عام 1942 أن قامت بمحاولة لتطبيق استراتيجية أشد تطرفا وطالبت
بجميع أراضي فلسطين. ومهما تبدلت المساحة الجغرافية التي كانت
الحركة الصهيونية تطمع فيها وفقا للظروف والفرص المتاحة، ظل
الهدف الأساسي دون تغيير وهو أن المشروع الصهيوني يتحقق فحسب
من خلال قيام دولة يهودية نقية بدون «الأغيار»، كما يجب أن
تكون هذه الدولة الجديدة يهودية صرفا لا في بنيتها الاجتماعية
- السياسية فحسب، بل في تركيبتها العرقية أيضا.
وفي نهاية ثلاثينات القرن الماضي (1930 وما بعدها)، وفي ظل
حماية سلطات الانتداب البريطاني، تمكن قادة الحركة من ترجمة
رؤيتهم المجردة ليهودية الدولة الشاملة إلى خطط ملموسة، وبدأت
التجهيزات اللازمة للاستيلاء على الأرض بالقوة إذا لم يستطيعوا
ذلك بالوسائل الدبلوماسية، ومن هنا بدأ بناء منظمة عسكرية
تتمتع بالكفاءة بمساعدة وتعاطف الضباط البريطانيين.
وكان من بين هؤلاء ضابط بعينه اسمه أود تشارلز وينغيت الذي
أقنع القادة الصهاينة بأن على الدولة اليهودية الارتباط بنزعة
عسكرية وبجيش لحماية المستوطنات اليهودية في بداية الأمر ثم ـ
وهو الأهم ـ لأن القيام بهجمات واعتداءات مسلحة يعتبر رادعاً
فعالاً لأية مقاومة يبديها السكان المحليون الفلسطينيون، وعند
هذه النقطة، يصبح الطريق مفتوحاً لفرض التهجير عليهم في أقصر
مدى زمني.
وقام وينغت بتحويل عصابة الهاغاناه لتصبح الذراع العسكرية
للوكالة اليهودية. وكانت تلك العصابة قد أنشئت عام 1920 ويعني
اسمها العبري «الدفاع» ونجح الضابط البريطاني المتعاطف مع
الصهاينة في إلحاق أفراد تلك العصابة بقوات الانتداب البريطاني
وأخذ يدربهم على التكتيكات العسكرية والأساليب الانتقامية ضد
السكان المحليين.
ملفات القرى
كانت هناك حاجة لما هو أكثر من شن هجوم على القرى الفلسطينية
تتمثل في ضرورة وضع خطط منهجية. وتقدم بهذا الاقتراح مؤرخ شاب
من الجامعة العبرية اسمه بن صهيون لوريا، وكان آنذاك، موظفاً
في الإدارة التعليمية التابعة للوكالة اليهودية. وأوضح لوريا
فائدة امتلاك سجل مفصل لجميع القرى العربية واقترح أن يتولى
هذا العمل الصندوق الوطني اليهودي.
ومعروف لدينا نحن العرب أن ذلك الصندوق كان من أهم مؤسسات
الحركة الصهيونية ومهمته الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
ويرى مؤلف الكتاب أن اقتراح لوريا وجد آذاناً صاغية وأضاف إلى
الصندوق مهمة جديدة ترتبط بجرائم التطهير العرقي التي ارتكبت
في فلسطين. وهكذا بدأ تجهيز ما سمي باسم «ملفات القرى».
وقد بدأت المهمة الأولى بوضع خرائط للقرى ثم عين خبير في
الطوبوغرافية لتسجيل معالم الأراضي. واقترح هذا الخبير القيام
بعملية مسح فوتوغرافي من الجو. وتوجد الآن صور الخرائط الجوية
في أرشيف الدولة الإسرائيلية، وهي كل ما تبقى من تلك القرى بعد
عام 1948. وقد عين أفضل المصورين المحترفين للعمل في المشروع
وأقيم معمل للأفلام في منزل امرأة تدعى مارغوت صادح زوجة رئيس
عصابة البالماخ.
وإمعاناً في إخفاء معالم ذلك المعمل عن أعين سلطات الانتداب
البريطاني بدأ العمل فيه تحت ستار شركة ري. وما لبثت تلك
السلطات أن علمت بما يجري ولكنها فشلت في تحديد الموقع السري.
وتوصلت النتائج النهائية لكل من الجهود الطوبوغرافية وجهود
الخبراء الصهاينة إلى وضع ملفات مفصلة لكل قرية من قرى فلسطين.
وفي نهاية ثلاثينات القرن العشرين اكتملت الملفات، وتضمنت
تسجيلاً مفصلاً عن الموقع الطوبوغرافي لكل قرية والطرق المؤدية
إليها ومدى جودة الأراضي وينابيع المياه ومصادر الدخل الرئيسية
وتركيبة القرى الاجتماعية - السياسية والانتماءات الدينية فيها
وأسماء المختارين، وعلاقة كل قرية بالقرى الأخرى، وأعمار
الرجال (ما بين السادسة عشرة والخمسين) وغير ذلك.
وتضمنت الملفات تصنيفاً مهماً لدرجة العداء للمشروع الصهيوني
يتحدد التسجيل فيه بمستوى اشتراك القرية في ثورة 1936 وتم
إعداد قائمة تضم جميع من شاركوا في الثورة وأسماء العائلات
التي فقدت واحداً من أبنائها في النضال ضد البريطانيين. وتركز
اهتمام خاص على الذين ترددت إدعاءات بأنهم قتلوا يهودا. وقد
كلف عدد من أعضاء عصابة الهاغاناه بجمع المعلومات في رحلات
استكشافية إلى القرى.
وفي عام 1940 أعيد تنظيم الملفات على يد رجل اسمه عزرا دانين
الذي لعب دوراً أساسياً في التطهير العرقي لفلسطين. وقد نجح في
ضخ حجم هائل من المعلومات الاستخبارية في مؤسسة ملفات القرى
التي تضمنت بعد عام 1943 وصفاً مفصلاً لمزارع المواشي
والدواجن، والأراضي المزروعة وعدد الأشجار في كل مزرعة،
ونوعيات الفواكه في كل بستان وحتى على الشجرة الواحدة، ومتوسط
مساحة الأرض عند كل عائلة وعدد السيارات، وأسماء الحرفيين في
كل قرية وخبراتهم، وتفاصيل دقيقة عن كل قبيلة وانتماءاتها
السياسية، والتقسيم الطبقي الاجتماعي بين الوجهاء والفلاحين
البسطاء، وأسماء الموظفين العموميين في حكومة الانتداب.
وبعد أن بدأت عملية جمع البيانات في اكتساب قوة دفع ذاتية نجد
إضافات جديدة في حوالي عام 1945 مثل شرح تفاصيل المساجد وأسماء
أئمتها مع سماتهم الشخصية مثل وصف أحدهم بأنه «رجل عادي»، بل
إن تلك الإضافات شملت تحديداً دقيقاً لغرف الجلوس داخل البيوت.
وعندما اقترب موعد إنهاء الانتداب البريطاني أخذت عملية البحث
منحى عسكرياً مثل: عدد الحراس (ويلاحظ المؤلف هنا عدم وجود
حراس في معظم القرى) ونوع وكمية الأسلحة لدى أهل القرى. (مرة
أخرى يلاحظ المؤلف أنها كانت أسلحة قديمة، وحتى أنها لم يكن
لها وجود على الإطلاق).
وفي عام 1947 أجريت عملية التحديث النهائية على ملفات القرى
وتركزت الجهود على إعداد قوائم بأسماء الأشخاص المطلوبين في كل
قرية. وفي عام 1948 استخدمت القوات اليهودية هذه القوائم في
عمليات البحث والاعتقال التي كانت تقوم بها بمجرد احتلالها
للقرية. وتشمل تلك العمليات جمع رجال القرية في صف واحد ثم يتم
التعرف على من وردت أسماؤهم في القوائم بواسطة العميل الذي وشى
بهم والذي يغطي رأسه بقناع به ثقبان للعينين حتى لا يتعرف عليه
أهل القرية. وبعد ذلك يتم إطلاق الرصاص على هؤلاء الرجال في
نفس الموقع.
وكان معيار إدراج أسماء مثل هؤلاء الرجال هو اشتراكهم في
الحركة الوطنية الفلسطينية، أو ارتباطهم بعلاقات وثيقة مع زعيم
هذه الحركة المفتي الحاج أمين الحسيني، أو اشتراكهم في النضال
ضد البريطانيين والصهاينة. وهناك أسباب أخرى لإثبات أسماء
البعض في تلك القوائم وهي مجموعة من المزاعم مثل: «معروف عنه
أنه سافر إلى لبنان» أو «سبق القبض عليه من قبل السلطات
البريطانية.
لكونه عضواً في لجنة القرية الوطنية» ويذكر الدكتور غيلان بابه
أن تهمة الانتماء إلى الحركة الوطنية الفلسطينية عوملت بأسلوب
مطاط يمكن أن يعم جميع القرى، وكان التعاطف مع المفتي أو
الانتماء إلى حزبه السياسي أمراً شائعاً جداً. ومع ذلك كان
حزبه يهيمن على السياسة الفلسطينية المحلية منذ فرض الانتداب
البريطاني على فلسطين عام 1923، وعمل أعضاؤه على الفوز في
الانتخابات الوطنية والبلدية وشغلوا مناصب هامة في اللجنة
العربية العليا.
وقد شكل ذلك جريمة في نظر الخبراء الصهاينة، وإذا ألقينا نظرة
على ملفات القرى عام 1947 لوجدنا أن في القرى ذات الألف
وخمسمئة فرد في العادة ما بين عشرين وثلاثين شخصاً تحوم حولهم
الشكوك ومثال ذلك قرية أم الزينات بالقرب من جبل الكرمل
الجنوبي وجنوب مدينة حيفا، وبها ثلاثون شخصاً مشتبهاً به،
وقرية الدامون وبها خمسة وعشرون.
نتيجة لإنجاز الخرائط والمعلومات الخاصة بملفات المناطق
الريفية استعداداً لمستقبل الاستيلاء على فلسطين، حصلت الحركة
الصهيونية آنذاك أيضاً على فكرة واضحة عن كيفية إقامة الدولة
من الأساس بعد الحرب العالمية الثانية. وكان العامل الحاسم في
ذلك قيام البريطانيين قبل ذلك بتدمير القيادة الفلسطينية
وقدراتها الدفاعية عندما قامت القوات البريطانية بقمع ثورة
1936 ومن ثم السماح للقيادة الصهيونية بالتمتع بوقت وفراغ
كافيين لبدء تحركاتها التالية.
القوة والفرصة
بمجرد زوال خطر الغزو النازي لفلسطين في عام 1942، أصبح القادة
الصهاينة مدركين تماماً أن العقبة الوحيدة في طريق نجاحهم في
الاستيلاء على الأرض تتمثل في الوجود البريطاني لا في أية
مقاومة فلسطينية. ويوضح ذلك على سبيل المثال ما جرى في اجتماع
عقد في فندق بلتيمور في نيويورك عام 1942 إذ نجد أن بن غوريون
وضع المطالب على الطاولة والتي تنادي بإقامة كومنولث يهودي في
جميع أنحاء فلسطين التي تحت الانتداب.
وهنا يسترسل الكتاب في سرد قصة حياة بن غوريون التي أصبحنا نحن
العرب نعرفها جيداً كما نعرف دوره في فرض كيان يهودي في
فلسطين. ويشير إيلان بابه إلى أن البريطانيين عرضوا على
الصهاينة إقامة دولة في عام 1937 ولكن على جزء من الأراضي
الفلسطينية، غير أن بن غوريون قبل الاقتراح البريطاني باعتباره
بداية جيدة ولكنه في حقيقة الأمر كان يتطلع إلى فرض السيادة
اليهودية على أجزاء واسعة من فلسطين كلما أمكن ذلك، وعندئذ حمل
بن غوريون القيادة الصهيونية على قبول سلطته المطلقة، وعلى
اعتناق فكرة أساسية مفادها أن مستقبل الدولة يعني الهيمنة
اليهودية المطلقة.
كذلك نوقشت كيفية إقامة دولة يهودية نقية نحو عام 1937 تحت
إشرافه، وبرزت آنذاك كلمتان سحريتان هما: «القوة والفرصة» أي
أنه لا يمكن الفوز بالدولة اليهودية إلا بالقوة، ولكن يجب
انتظار اللحظة التاريخية الملائمة للتحرك حتى يمكن التعامل
«عسكرياً» مع الحقيقة الديموغرافية على الأرض أي: أغلبية
السكان الوطنيين غير اليهود.
وكان الزعماء الصهاينة قد فهموا أن وعد بلفور يشمل كل فلسطين،
غير أن بن غوريون كان مستعمراً براغماتياً وأدرك أن الخطط
المتطرفة ـ مثل خطة بلتيمور ـ لن تعتبر واقعية فضلاً عن
استحالة ممارسة ضغوط على بريطانيا أثناء حربها مع ألمانيا
النازية في أوروبا، ونتيجة لذلك خفض بن غوريون من مطامعه أثناء
الحرب العالمية الثانية.
وفي الأيام الأخيرة من شهر أغسطس عام 1946 جمع قيادة الحركة
الصهيونية في فندق رويال مونسو في باريس لمساعدته على إيجاد
بديل لخطة بلتيمور الهادفة للاستيلاء على فلسطين كلها. وظهرت
على السطح فكرة قديمة ـ جديدة للحركة الصهيونية هي تقسيم
فلسطين.
وفي نفس الوقت الذي اجتمع فيه قادة الحركة في باريس، كان ناحوم
غولدمان يتوسل لدى الحكومة البريطانية في لندن قائلاً: «أعطونا
الاستقلال ولو حتى على قطعة صغيرة من الأرض». وقد قبل بن
غوريون المبدأ لا المساحات والأبعاد وقال للمجتمعين في باريس:
«سوف نطالب بقطعة كبيرة من فلسطين». ومثلما كان الأمر بالنسبة
لأجيال الزعماء الإسرائيليين من بعده حتى أرييل شارون في عام
2005، وجد بن غوريون أن عليه كبح جماح أشد الأعضاء الصهاينة
تطرفاً وأخبرهم بأن ثمانين أو تسعين في المئة من فلسطين تحت
الانتداب تكفي لإقامة دولة قابلة للحياة بشرط أن يكونوا قادرين
على تحقيق الهيمنة اليهودية.
ولم يتغير ذلك المفهوم ولا تلك النسبة عبر الستين عاماً
التالية. وبعد شهور قليلة من اجتماع باريس ترجمت الوكالة
اليهودية «القطعة الكبيرة» التي ذكرها بن غوريون، إلى خارطة
وزعتها على كل من له صلة بمستقبل فلسطين. ورسمت خارطة 1947 تلك
دولة يهودية تصل سلفاً إلى آخر نقطة في إسرائيل قبل 1967 أي
فلسطين بدون الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبحلول نهاية عام 1946 أدرك بن غوريون أن البريطانيين في
طريقهم إلى مغادرة فلسطين فبدأ مع معاونيه في وضع استراتيجية
عامة يمكن تنفيذها ضد الفلسطينيين بمجرد خروج قوات الانتداب
البريطانية، وسميت تلك الاستراتيجية باسم «الخطة سي». وكان
هدفها إعداد القوات العسكرية اليهودية في فلسطين لشن حملات ضد
المناطق الريفية والحضرية من أجل «ردع» المواطنين الفلسطينيين
عن محاولة مهاجمة المستوطنات اليهودية والانتقام من أية هجمات
على البيوت اليهودية وعلى الطرق وحركة المرور. ويقول الدكتور
إيلان في كتابه إن تلك الاستراتيجية بينت بوضوح الأعمال التي
يمكن تنفيذها على الوجه التالي:
* قتل الزعماء السياسيين الفلسطينيين
* قتل المحرضين الفلسطينيين ومن يدعمهم مالياً
* قتل الفلسطينيين الذين ينشطون ضد اليهود
* قتل كبار الضباط والموظفين الفلسطينيين في جهاز الانتداب
* تدمير الموارد الحياتية للفلسطينيين كآبار المياه والمطاحن..
الخ
* شن هجوم على القرى الفلسطينية المجاورة التي يحتمل أن تساعد
الهجمات في المستقبل
* شن الهجوم على الأندية والمقاهي وأماكن الاجتماع
الفلسطينية.. الخ.
وأشارت الخطة إلى إمكان الحصول على أية بيانات ومعلومات تتعلق
بهذه الأعمال من ملفات القرى بما في ذلك القوائم بأسماء
الزعماء والناشطين والأهداف الإنسانية المحتملة والخرائط
الدقيقة للقرى وهكذا. ومع ذلك وضعت خطة أخرى خلال شهور قليلة
وهي «خطة داليت» التي دفعت بالفلسطينيين إلى مصير محتوم في
المنطقة التي وضع الزعماء الصهاينة عيونهم عليها لإقامة دولتهم
اليهودية.
عرض ومناقشة: صلاح عويس
نقلاًعن البيان
|