|
ندوب الحرب وجروح السلام - الحلقة 3 - عرفات قبل المشاركة في
مدريد بشروط مذلة أبرزها تشكيل الوفد الفلسطيني
تأليف
:شلومو بن عامي
بعد أن استعرض بالتفصيل تطورات مساعي تسوية الصراع العربي
الإسرائيلي خلال عقد السبعينات والتي تم تدشينها بمبادرة
السادات بالذهاب إلى القدس، ومجريات مؤتمر مدريد للسلام يتطرق
المؤلف إلى اتفاقات أوسلو والتي كانت وفقا له محصلة تفاعل
متغيرات محلية وعالمية، ونتاج بزوغ نظام عالمي جديد، والذي عكس
نفسه من خلال مجموعة تطورات أساء عرفات قراءتها وتقديرها
وبالتالي فشل في استغلال ما توفره من فرص.
والنقطة الأساسية التي ينبغي وضعها في الاعتبار من خلال هذا
التناول، كما أشرنا من قبل، هي ضرورة عدم نسيان أننا نعرض هنا
لوجهة نظر إسرائيلية من الطبيعي أن تحاول إلقاء التبعة على
الجانب العربي وخاصة الفلسطيني رغم ما قد تحمله من بعض الصحة،
ومن ذلك مثلا أنه لا يمكن إنكار صحة المنطق الذي يذهب إليه
المؤلف من أن عرفات بمساندته صدام
إنما أساء للقضية الفلسطينية التي كان يحكم تطوراتها قرار مجلس
الأمن القاضي بعدم احتلال أراضي الغير بالقوة، وهو ما كان يضع
عرفات بتأييده احتلال صدام الكويت بالقوة في تناقض من الصعب
تبريره. يحاول المؤلف انطلاقا من هذا التحليل تفسير ما آل إليه
الوضع في الأراضي الفلسطينية مشيرا إلى أن هذا الموقف العرفاتي
كان بمثابة فرصة للأطراف المنافسة للمنظمة داخل الأراضي
الفلسطينية فصعدت حماس والجهاد الإسلامي.
ويضيف شلومو عاملا آخر لازدياد القناعة الفلسطينية ببدء عملية
السلام السرية يكشف عن جانب قد لا يقر به الكثير من العرب في
ضوء الفكرة الحاكمة لرؤيتهم بخضوع الإدارات الأميركية
المتعاقبة للمواقف الإسرائيلية ويتمثل في رحيل إدارة بوش الأب،
الذي يصفه هو وبيكر بأنهما كانا لا يحبذان اللوبيات اليهودية
وأنهما كانا يصمان آذانهما بشأن بعض الحساسيات الإسرائيلية.
وعلى العكس من ذلك فإن كلينتون لم يستغرق الكثير من الوقت لكي
يؤكد صداقته لإسرائيل وللشعب اليهودي. ويعزز المؤلف فرضيته
بخصوص الحسابات الخاطئة للسلطة الفلسطينية بالإشارة إلى قبول
عرفات لخوض غمار مؤتمر مدريد في ظل الشروط المهينة لطبيعة
المشاركة الفلسطينية وأنها كانت إشارة إلى أن المحارب القديم
يقبل في هذه المرحلة بالحقائق على أرض الواقع.
ويستشهد على طبيعة إدراكه للواقع بالإشارة إلى تصريحه لوفد
صحافي إسرائيلي التقاه في تونس حين قال: أعطوني مثالا آخر من
التاريخ سمح فيه طرف في مفاوضات للطرف الآخر باختيار ممثليه.
ويضيف : لقد وافقنا حتى على هذا الأمر بسبب رغبتنا في السلام.
وفي إشارة إلى الوضع المهين الذي يقصده المؤلف بشأن موقف عرفات
يذكر أن الرئيس الفلسطيني نفسه أوضح للوفد في محاولة لتأكيد
نهجه التصالحي أنه أمر بنفسه باستبعاد صائب عريقات من الجلسة
الثانية للمؤتمر إزاء ما أثاره من غضب الإسرائيليين جراء
ارتدائه الكوفية الفلسطينية في الجلسة الأولى.
الأمر الأكثر دلالة على مدى التصدع الذي لحق بموقف عرفات
والمنظمة ويشير إليه شلومو بن عامي في سياق رصد الموقف
الفلسطيني أن رجال عرفات في مفاوضات أوسلو كانوا أكثر مرونة في
مواقفهم من مواقف الوفد الفلسطيني الذي تشكل من داخل فلسطين من
غير ممثلي المنظمة خلال مفاوضات واشنطن.
بناء على هذه الخلفية وفيما يمثل انتقادا للأداء العرفاتي، وهو
تحليل قد نختلف أو نتفق بشأنه مع المؤلف، يقرر شلومو بن عامي
أن أوسلو كانت بمثابة مناورة سياسية من عرفات تهدف إلى استعادة
سيطرته على الأوضاع الفلسطينية أكثر منها مبادرة سلام. وقد نرى
في تحليل المؤلف انعكاسا إلى حد كبير لما يجري الآن على صعيد
الصراع بين رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن والحكومة
الفلسطينية التي تقودها حماس، ما يجعلنا نقرر ما أشبه الليلة
بالبارحة بغض النظر عن بعض الاختلاف في التفاصيل.
انحياز ضد عرفات
غير أن المؤلف يتمادى في انحيازه ضد عرفات والمنظمة إلى الحد
الذي تشعر معه وكأنهما لم يكونا يريدان السلام وهو أمر غير
حقيقي رغم أجواء المناورات التي سعيا من خلالها إلى تحقيق
أهدافهما. وبتعبير المؤلف، فقد ذهب عرفات إلى أوسلو لكي ينقذ
المنظمة من الهبوط في طي النسيان،
وقد كان في سبيل ذلك يسعى إلى أن يكون له موطئ قدم في الأراضي
الفلسطينية بغض النظر عن التكلفة حتى لو كانت اتفاقا مع
إسرائيل لا يحقق التطلعات الفلسطينية مثل حق تقرير المصير،
وإنهاء سياسة الاستيطان الإسرائيلي والقبول بحل لقضايا القدس
واللاجئين، حيث كانت اتفاقات أوسلو بشأن هذه القضايا إما صامتة
عن بعضها أو تبنت صياغات غامضة بشأن البعض الآخر.
على الجانب الآخر يقدم لنا شلومو بن عامي رؤية وردية بشأن
إسحاق رابين باعتباره الزعيم بعيد النظر حيث أدرك مدى محدودية
نجاح القوة العسكرية في مواجهة الانتفاضة. وعلى ذلك كان سعيه
إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين بالتفاوض مع المنظمة من خلال
مسار أوسلو وعبر بيريز الذي تمكن فريقه من إقناع ممثلي المنظمة
بتخفيض سقف تطلعاتهم إلى الحد الذي لا يمكن لفريق التفاوض
الفلسطيني في واشنطن قبوله، وهو ما كان.
غير أن المؤلف هنا يعيد الإشارة إلى أن عرفات كان يستهدف من
هذا الثمن الرخيص الذي دفعه للتسوية الوصول إلى الأراضي
الفلسطينية للعمل انطلاقاً منها. لقد حصل من خلال اتفاقات
أوسلو على غزة وأريحا. ويضيف شلومو بن عامي أن استراتيجية
عرفات كانت تقوم على مفاوضات دائمة دون أن يحدد هو مخرجها
النهائي
ولم يقدمها لإسرائيل بالشكل الذي يساعدها على تحديد الثمن
النهائي الذي ينبغي أن تقدمه للفلسطينيين من أجل التسوية
الدائمة. ويضيف أن عرفات كان يستغل العمليات التي كانت تقوم
بها حماس من اجل الضغط على إسرائيل لتليين موقفها.
ويذهب المؤلف فيما قد يكون تعزيزا لرؤاه إلى القول بأن عرفات
كان يسعى إلى استغلال اتفاقات أوسلو من أجل العمل الداخلي
والاتفاقيات وفرت له الظروف من أجل شن حرب شاملة ضد إسرائيل،
الأمر الذي سيستخدمه، حسب زعم شلومو بن عامي، في اللحظة
المناسبة.
ففي لقاء فلسطيني في الضفة الغربية بمدينة نابلس يناير 1996
وفيما قبل موجة غير مسبوقة من العمليات الاستشهادية أدت إلى
هزيمة شيمون بيريز في الانتخابات أمام بنيامين نتانياهو، راح
نبيل شعث أحد مساعدي عرفات المقربين يشرح المعنى العميق لإتفاق
أوسلو من وجهة النظر الفلسطينية،
حيث أكد على أنه إذا لم تقبل الشروط الفلسطينية للتسوية مع
إسرائيل فإننا سوف نعود إلى العنف ولكن هذه المرة من خلال 30
ألف جندي فلسطيني وسط سيطرة من قبلنا على أراضٍ نقوم بإدارتها،
ووسط حالة نتمتع فيها بالحرية. وإذا ما وصلنا إلى طريق مسدود
فإننا سوف نستأنف الحرب والصراع تماما على النحو الذي مارسناه
على مدى الأربعين عاما الماضية.
لا شك أن عرفات كان يسعى إلى موطئ قدم في أرض فلسطين، وقد سعى
إلى تحقيق ذلك بكل السبل بما فيها تلك المهينة التي أشار إليها
المؤلف والمتعلقة بصيغة تشكيل وفد مدريد، غير أن عرفات لم يتخذ
ذلك وسيلة لسلام تكتيكي، ومن المتصور أنه لو حصل على أهدافه
المتمثلة في دولة فلسطينية مستقلة أو ما هو قريب من هذا الهدف
لتحول إلى سلام مستقر حتى لحظتنا.
وهنا فإنه لا يخفى أن شلومو بن عامي يحاول أن يجر القارئ نحو
موجة من التفاصيل تبعده عن القضية الرئيسية المتمثلة في أن
إسرائيل دولة احتلال ليس عاديا وإنما اغتصابا كاملا لأرض شعب
آخر، وأنه من الطبيعي أن يبحث هذا الشعب عن كافة السبل التي
يستطيع بها تحرير أراضيه.
إشادة مكشوفة
وتتضح طبيعة نظرة المؤلف التي تفتقد الموضوعية في التحليل الذي
يقدمه لشخصية رابين ما يشي بطبيعة بالغة البراجماتية سواء لديه
أو لدى من يمتدحه وهو رابين. فوفقا لشلومو بن عامي فإن رابين
لم يبحث عن السلام انطلاقا من أفكار مثالية، حسب تصوره، تتعلق
بالحقوق الإنسانية والقومية للفلسطينيين، أو تلك المتعلقة
بالتكامل الفلسطيني الإسرائيلي في إطار الشرق الأوسط الجديد
حسب تصورات بيريز.
إن هدف رابين إنما تمثل في أن يكون الاتفاق بمثابة قاطرة من
أجل المساعدة على انطلاق النمو الاقتصادي والتكنولوجي في
إسرائيل. لقد كان رابين الذي يبالغ المؤلف في امتداحه يسعى إلى
سلام يقوم على الفصل بين الجانبين حتى ولو تطلب الأمر بناء
حائط، وهو الأمر الذي ينتفي معه، من وجهة نظرنا، أي بعد إنساني
في توجهات رابين.
وهنا وفيما يمثل نوعا من المكاشفة يشير شلومو بن عامي إلى أنه
إزاء تزايد الهاجس الأمني لدى الإسرائيليين فإن اختيارهم
لعرفات لم يكن عبثا وكان حكمهم على شريكهم انطلاقا من مدى
المصداقية التي يمكن أن يتمتع بها في توفير الأمن.
وفي هذا الصدد يورد المؤلف تصريحا لأحد أعضاء وفد المفاوضات
الإسرائيليين في مدريد هو يوري سافير يعترف فيه بأن عرفات
اختير كشريك من قبل الإسرائيليين على أمل استخدام سلطته
الجديدة في الأراضي الفلسطينية من أجل تقويض أنشطة حماس
وجماعات المعارضة الأخرى. لقد نظر الإسرائيليون إلى عرفات
كشريك يمكن أن يعمل وكيلا لهم في تعزيز الأمن الإسرائيلي، وقد
كان ذلك هو مجال الاختبار الرئيسي بالنسبة لأداء عرفات.
غير أن المؤلف لا يسير على وتيرة واحدة وإنما يقدم رؤى يحاول
من خلالها أن يبدو موضوعيا أمام قارئه فيشير إلى انه إذا كانت
اتفاقات أوسلو أقل من طموحات الفلسطينيين فإن ذلك إنما يعود
إلى أنها كانت تعبيرا عن توازن القوى، الأمر الذي انعكس في
المرونة الفلسطينية من قبل وفد المنظمة على النحو الذي لم يبد
من وفد فلسطينيي الداخل.
لقد أدى ذلك، وفق المؤلف - وهنا يفصل في استعراض القضايا التي
فرطت فيها المنظمة خلال المفاوضات - إلى التخلي عن عدد من
القضايا الأساسية التقليدية مثل اعتراف إسرائيل بحق
الفلسطينيين في تقرير المصير، والربط بين التسوية المؤقتة
والنهائية. ويعيد المؤلف التذكير بأن الإصرار الفلسطيني على
مثل هذه الأمور هو الذي أدى إلى إفشال مبادرة شولتز في أواخر
الثمانينات، غير أنهم في هذه المرحلة، مرحلة أوسلو، تجاهلوها.
ثمرة هزيلة
لقد كانت ثمرة المفاوضات اتفاقين الأول اعتبر بمثابة إعلان
مبادئ والثاني تمثل في الاعتراف المشترك بين إسرائيل والمنظمة
وحيث ألزمت الأخيرة خلاله بنبذ الإرهاب وكافة أعمال العنف
الأخرى، فضلا بالطبع عن العديد من البنود الأخرى المعروفة
والتي لا مجال لتناولها بالتفصيل ومنها إلغاء أو وقف العمل
بإحدى مواد الميثاق الوطني الفلسطيني التي تنكر حق إسرائيل في
الوجود.
ووفق الرؤية التي يقدمها المؤلف فإن اتفاقات أوسلو كانت تحمل
بذور فنائها، في ضوء الغموض الذي انتاب بعض بنودها، وكذلك
الفجوات العديدة إلى الحد الذي جعل أحد السياسيين الإسرائيليين
يصف الاتفاقيات بأنها مثل الجبنة السويسرية مساحة فجواتها أكثر
من مساحة الجبن ذاتها، وهو ما يعكس، حسب المؤلف، عدم المساواة
أو التوازن في العلاقة بين الطرف القائم بعملية الاحتلال
والطرف الخاضع له.
من ناحية أخرى فقد كان من مثالب اتفاقيات أوسلو، وفق التناول
الذي يقدمه شلومو بن عامي، أنها أطلقت ما يمكن توصيفه بثورة
تطلعات متزايدة، وهى التطلعات التي كان من الطبيعي أن تتحطم
على صخرة الواقع. فضلا عن ذلك فان التطبيق صادف صعوبات على
الجانبين فلم يستطع النظام السياسي الإسرائيلي أو السلطة
الفلسطينية التعاطي مع الوضع الجديد وإنتاج الآليات التي تسمح
باستيعابه بما يساعد على نجاح أوسلو.
فضلا عن ذلك فإن طبيعة بنود الاتفاقات أدت إلى إفشال المفاوضات
المقبلة سواء في كامب ديفيد أو في طابا. فقد تركت الباب مفتوحا
أمام الحل النهائي بحيث يتصوره كل طرف على النحو الذي يريده.
ومن ذلك مثلا ما يذكره المؤلف بشأن قضية الاستيطان، فلقد واصلت
الحكومة الإسرائيلية عمليات الاستيطان في تضييق على حياة
الفلسطينيين غير أن المشكلة أنه لم يكن يوجد نص في الاتفاقات
يقضي بحظر إقامة مستوطنات جديدة.
وهنا يذكر المؤلف أن اللوم في هذه الحالة إنما يقع على
المفاوضين الفلسطينيين الذين أتوا من تونس ولم يكن لديهم
المعرفة الكافية بطبيعة الأوضاع على أرض الواقع، على عكس
المفاوضين المحليين الذين تربوا في ظل سلطة الاحتلال ولديهم
الحساسية الكافية لإدراك أبعاد هذه القضية والذين من المؤكد
أنهم ما كانوا ليسمحوا بتمرير قضية المستوطنات دون النص على
مستقبلها.
ويشير المؤلف في نوع من النقد الذاتي لأداء قادة إسرائيل إلى
أنهم انطلاقا من تأثرهم بالفلسفة الصهيونية بشأن الحدود
السياسية سعى الإسرائيليون إلى التأثير على طبيعة الاتفاق
النهائي من خلال سياسة التوسع في الاستيطان، وهو ما كان رد
الفعل تجاهه من قبل الفلسطينيين أعمال المقاومة والتي يصفها
المؤلف بالإرهاب.
مرحلة باراك
يتطرق بن عامي بعد ذلك لمرحلة حكم باراك والجدل الذي يسود بشأن
مدى حقيقة الفرصة التي سنحت لتحقيق السلام خلالها بين يسار
داخل إسرائيل يتهمه بأنه لم يعرض ما يكفي لتحقيق المطالب
الفلسطينية، وبين يمين متشدد يتهمه بتقديم تنازلات كبيرة لصالح
الفلسطينيين.
وفي طرحه لرؤيته يشير إلى أنه بغض النظر عن أبعاد هذا الجدال
فإن ذلك لا يعني بأي حال أن حكومة باراك لا يقع عليها اللوم
بشأن عدم نجاح التوصل إلى تسوية سلمية خلال فترة توليها الحكم.
ويقرر بشكل واضح أن هناك أخطاء وحسابات خاطئة ارتكبت خلال فترة
باراك،
ومن ذلك يشير إلى أن إصرار باراك على إستراتيجية سوريا أولا
كان له نتائج معاكسة على مجمل العملية السلمية. لقد أدى ذلك،
وفق الطرح الذي يقدمه المؤلف، إلى عدم الالتفات إلى المسار
الفلسطيني سوى بعد أن أجهدت حكومة باراك في الجري وراء المسار
السوري.
وقبل الغوص في تفاصيل الرؤية التي يقدمها المؤلف نشير إلى أن
هذا الطرح يزيف وعي القارئ بشأن حقيقة الأمر حيث يوحي وكأن
سوريا هي التي تمنعت على إسرائيل وأنه بالتالي يعود إليها فشل
مسعى باراك ليس على صعيد التسوية معها فحسب، وإنما على كافة
المسارات الأخرى وبشكل خاص المسار الفلسطيني.
لقد اتبع باراك وفق المؤلف نظرية الكبسولة الإسرائيلية في صنع
السلام والتي تقوم على أساس التعاطي مع الدول العربية وتهميش
القضية الفلسطينية وجعلها في مرتبة ثانوية متأخرة. وعلى ذلك
فإن باراك على خلاف ما نصحه به معظم وزرائه اختار إستراتيجية
سوريا أولا الأمر الذي مثل إذلالا للرئيس الفلسطيني وزاد من
حدة عدائه.
اللعب على المسارات
ومن هنا يقرر مؤلف الكتاب خطأ باراك في ضوء ما يشير إليه من أن
حجر الزاوية في الصراع العربي الإسرائيلي إنما يتمثل في عرفات،
بمعنى أن الأهمية كانت يجب أن تولى للقضية الفلسطينية. ومما
يشير إلى صحة رواية المؤلف هنا ما أشار إليه الرئيس كلينتون في
مذكراته
فقد كانت وجهة نظر عرفات في هذا الشأن أن انسحاب باراك الأحادي
من لبنان وعرضه الانسحاب من الجولان مقابل مفاوضات وترتيبات مع
سوريا قد أضعفه، وكانت مؤاخذة عرفات على هذا النمط من التعامل،
وفق رواية كلينتون أنه على حين تعامل هو بصبر في عملية السلام
استفادت كل من سوريا ولبنان بتبني خط التشدد.
غير أن المؤلف يعود ليتحفظ على تخطئة باراك بشكل كامل مشيرا
إلى أن رهانه على المسار السوري وإعطاءه الأولوية لم يكن أمرا
غير منطقي، لقد كان في ذلك يعمل على تحقيق وعده الانتخابي بسحب
القوات الإسرائيلية من لبنان في إطار أشمل يتضمن تسوية مع
سوريا والتي تعتبر، بحسب الرؤية الإسرائيلية، مفتاح الاستقرار
على طول الحدود مع لبنان بمجرد سحب القوات الإسرائيلية من
هناك.
كما أن خيار سوريا أولا إنما يجد تفسيره وفق رؤية باراك التي
يعرض لها المؤلف في رغبته في تحييد الجبهة الشمالية السورية
قبل التحرك على صعيد التسوية النهائية مع عرفات. ويضيف المؤلف
أن تحرك باراك إنما كان يستهدف إزالة خطر اندلاع الحرب على
جبهتين.
وفي تقييمه لتجربة باراك في الحكم يشير إلى التشابه بينه وبين
رابين لجهة كونه رجلا عسكريا فقد كان يفضل أن يكون شريكه رئيسا
مثل الأسد عسكريا مثله على أن يكون «إرهابيا» أو زعيم حرب
عصابات في توصيف لرؤية عرفات من قبل باراك في إصرار إسرائيلي
على إلصاق تهمة الإرهاب بالفلسطينيين، فالأسد خشن في مفاوضاته
غير أن شروطه للتسوية واضحة ومعروفة بشكل جيد.
كما أنه فيما يتعلق بالنزاع مع سوريا فإن القضية تتعلق بنزاع
على أراض، أما مع الفلسطينيين، فإن التسوية غير واضحة تماما
كما انها لا تتعلق بأراض فقط. لقد كان باراك يشارك رابين رأيه
في أن سوريا وليست المشكلة الفلسطينية إنما تمثل التحدي
الرئيسي والتي في حاجة إلى الحل أو التحييد.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق (البيان )
|