من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

رثـــــــــــاء

ريم الرياشــــي

 

بقلم الأستاذ / مصطفى بكري - رئيس تحرير صحيفة "الأسبوع" المصرية

كانت ليلة حالمة، ريم تنظر من شباك صغير، لكنها ترى الدنيا واسعة .. تحتضن طفليها الصغيرين عبيدة "3 سنوات" وضحى "18 شهرا" .. تشير بإصبعها إلى هناك، هذه هي أرضكم، هنا غزة، وهذه هي القدس، وهناك حيفا ويافا .. إنها فلسطين الغالية..!!

تنظر إلى عيون طفليها بحنان غريب، تضمهما إلى صدرها الدافيء، حتوحشوني ياحبايبي .. حتوحشني شقاوتك ياعبيدة، وحتوحشني ضحكتك ياضحى، خلي بالك من أخوك لما تكبري.

كان الجو باردا في غزة، لكن أصوات الرصاص والدانات التي تنطلق بين الحين والآخر، لا تتوقف، الأطفال لا يخافون، والقلوب تملكتها الشجاعة، يعود الأطفال إلى فراشهم كل مساء، يحلمون بالحجر في الصباح، يطاردون الدبابات في الحواري، فيهرع الجنود مذعورين بعد أن يطلقوا داناتهم على الآمنين!!

الوقت يمضي بطيئا .. تمسك ريم بالمصحف الشريف، تتلو آيات من الذكر الحكيم، تؤدي الصلاة، ثم تمضي إلى نجليها اللذين غلبهما النعاس، تقترب من زوجها زياد وتوصيه خيرا بفلذات كبدها. في الصباح الباكر يزحف الفلسطينيون بحثا عن لقمة عيشهم، هناك إلى جوار معبر "إيريز" توجد ثكنة عسكرية إسرائيلية، جنود يمسكون بأسلحتهم الرشاشة، أصابعهم على الزناد، وعيونهم تفتش الفلسطينيين الذين سمح لهم بالعمل في أراضي الـ 48، الإجراءات الأمنية صعبة للغاية، والحواجز متعددة، وعمليات التفتيش تبدو دقيقة للغاية.

ريم تتقدم في ثبات .. ترى الصيد ثمينا، لا تهتز، لا ترتجف، لا تتردد .. تجتاز الحواجز الواحد تلو الآخر، تقترب من الثكنة المحصنة، عيون الجنود تطاردها، لكنها تبقى متماسكة، هاهو الحلم يتحقق .. تتأمل وجوه العمال الذين يزحفون كل صباح، تعبنا، نشعر بالمهانة والإذلال في وطننا . متى ينتهي هذا الكابوس؟.

تنظر إلى السماء بإمعان، تطلب الرحمة والمغفرة، تتأمل وجوها ملائكية قادمة من هناك، هذه وفاء إدريس، وتلك دارين أبو عيشة، وهذه آيات الأخرس، وهذه عندليب وتلك هبة وهذه هنادي جرادات .. كأنهن جئن ليزفنني إلى جنة الخلد .. تبتسم في هدوء، تبدو السعادة غامرة على وجهها الطيب .. يطلب منها الضابط ان تتقدم، تجتاز الحاجز وتقترب من لحظة التفتيش الأخيرة.

كان الضوء ينطلق من وجهها ليغشي الآخرين، كان الحلم يشدها إلى حيث اللحظة التي انتظرتها طويلا، تتقدم مسرعة دون انتظار، تضغط على شيء ما في جسدها، في ثوان معدودة يتحول الجسد إلى شظايا متناثرة، تخترق وتحرق القتلة الآثمين، يهتز قلب طفلين صغيرين في حواري غزة الفقيرة، تفتح السماء أبوابها، تصعد روح شهيدة جديدة، يهتز الجسد الفلسطيني بشدة، وتنطلق زغاريد الألم من داخل البيوت في رفح ونابلس وطولكرم وجنين.

يصرخ شارون كالثور الهائج، أربعة قتلى وعشرة جرحى، ترتعد الأيدي الملطخة بالدماء، تتوعد بسفك المزيد، يدخل الصهاينة إلى جحورهم من جديد، يغلقون مطاعمهم ومقاهيهم، إنهم جيش من الجبناء.

بعد قليل تعلن حماس تبنيها للعملية الاستشهادية الجديدة، إنها عملية مشتركة مع كتائب الأقصى .. تطل علينا ريم الرياشي بوجهها الملائكي لتبث فينا الأمل من جديد ولتكشف عوراتنا وتفضح جبننا.

ظهرت ريم في شريط فيديو، مرتدية زيا عسكريا وتضع على رأسها عصابة حملت اسم حركة حماس، تمسك رشاشا بيد ومصحفا باليد الأخرى وقالت بثبات: "أقوم بهذه العملية انتقاما من أعداء البشرية الذين يعيثون في الأرض فساداً".

تنظر إلى الخانعين وكأنها تخاطبهم: " نار الانتقام فينا لم تنطفئ وستظل جذوتها تشتعل يوما بعد يوم حتى يحترق أعداؤنا الانذال جميعا ويرحلوا عن أرضنا" .. تجسد لحظات حلمها الطويل قائلة: " طالما حلمت بتنفيذ عملية استشهادية، لقد أردت دائما أن أكون أول امرأة تنفذ هجوما استشهاديا تتطاير فيه أجزاء جسدي .. كم حلمت وتمنيت يالسعادتي".

كادت الدموع تنهمر من عينيها وهي تتحدث عن طفليها اللذين تحبهما حبا عظيما، كأنها تطلب السماح لأنها تركتهما ورحلت، إنها بالضبط كأم نضال الغزاوية التي منحت أبنها سلاحا وباركت عمليته الاستشهادية.

بعد قليل كان زياد يضم طفليه إلى صدره، انهمرت الدموع من عينيه، اهتز قلبا الصغيرين مجددا، نعم لن يريا أمهما ثانية، لن يقترب منهما ذلك الصدر الحنون والقلب الدافيء .. ضحى لا تزال طفلة رضيعة لا تعي في الدنيا شيئا، وعبيدة أدرك الآن وهو صغير مشاعر اليتم والأمل.

رحلت ريم الرياشي، شجاعة، نبيلة، داست على مشاعر الألم والفراق، قمعت بداخلها مشاعر الأمومة وهان عليها أن تترك طفليها الصغيرين، بعد أن هانت عليها الحياة والروح .. تمردت على الهوان والمذلة وضحت بأغلى ما تملك في الحياة.

إنه حلم فلسطين، حلم التراب والتاريخ والمقدسات، حلم البيوت الشامخة والرايات المرفوعة، حلم الأقصى وكنيسة القيامة، حلم الناس كل الناس من النهر إلى البحر .. انه حلم الحرية التي حرم منها ملايين البشر في فلسطين الحبيبة.

أقرأ تفاصيل القصة مجددا، يهتز وجداني، أمسك بالقلم، أمزق أوراقي وأعيد الكتابة من جديد، كل الكلمات فاشلة، كل الأحرف عاجزة، أشعر بالخجل، أمضي إلى خريطة الوطن العزيز واسأل أين العرب، وإلى متى يستمر مسلسل الصمت والخنوع؟!

الدم الفلسطيني يتفجر في الشوارع والحواري وعلى ناصية الطريق، نساء العرب يصرخن ولا مجيب .. نتركهم وحدهم يواجهون الموت، نخاف أمريكا ولا نخاف الله، نفرض عليهم حصار المطاردة والتجويع، نحاول أن نبرئ ساحتنا أمام سيد العالم الجديد .. نتهمهم بالإرهاب، بينما القاتل شارون تفتح له كل الأبواب.

رحلت ريم لأجل فلسطين، يسقط الشباب والأطفال دفاعا عن حلمنا الغالي .. نذرف دموعا مكبوتة بالألم والحسرة، لكننا أبدا لن نفقد الأمل.

الشعب الفلسطيني ينتصر يأيها المهزومون .. الشعب الفلسطيني لن يقبل بالاستسلام والخنوع، لن يرضى بحياة ذليلة ولن يقبل أقدام سيدكم الأكبر، إنه شعب عظيم، يثبت كل يوم انه الأقوى والأكثر قدرة على التضحية والعطاء.

شعب الجبارين لن يموت، وأرضه المقدسة لن تبقى أبد الدهر أسيرة لجيوش الدنس والاحتلال .. أرواح شهدائنا لن تذهب سدى .. إنها تصوغ حلم الأجيال، وتدفع عنكم مرارة الهزيمة والخذلان!!

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة