من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

 

امرأة تسرج صهوة الروح

قصص

طلعت سقيرق

من منشورات اتحاد الكتاب العرب

دمشق – 2003

الجثة

قالوا بشيء من الريبة والشك: إن في الأمر خدعة ما، وأخذوا يخططون للإيقاع بمن يقوم بهذا العمل الغريب العجيب.. لكن كل محاولاتهم ـ كما صرحوا ـ باءت بالفشل والخذلان.. وأصبحت الجثة التي تظهر عند المساء وتختفي تماما عند الصباح، مرعبة مثيرة مزعجة.. وقد وصل الأمر ـ هكذا يقولون ـ إلى حد بقاء الناس في بيوتهم ليلا وهم يرتعشون ويبتلعون ريقا لا يجدون منه إلا القليل خاصة عندما ينظرون إلى شاشات التلفزة وهي تبث المضحك والراقص والمبكي معا..

ومن يضطر للخروج عند المساء، كان يحسب ألف حساب، ويأخذ معه إن استطاع أحد أفراد الأسرة.. ولا ينسى بطبيعة الحال أن يحمل قطعة سلاح أو قطعتين، مع إيمانه المطلب أن السلاح لن يفيد شيئاً، فالجثة لن تزداد موتا، والسلاح لن يزيدها سكونا مهما كان قويا وفتاكا وقادرا على التفجير والتخريب..

ولأن مثل هذه الأمور تنتشر انتشار النار في الهشيم، فقد حضر المصورون والصحفيون والإذاعيون والعاملون في التلفزة، وأخذوا على مدار عدة ليال يصورون وينقلون الأخبار بجمل تحاول أن تصف ما يشاهدون بأمانة وصدق.. والشيء الغريب الذي ما استطاعوا أن يجدوا له تفسيرا أو تبريرا، هو عدم قدرة الكاميرات المتطورة جدا على نقل أي صورة للجثة، كانت كل الصور سوداء لا شيء فيها غير السواد.. عيونهم كانت ترى الجثة.. كلماتهم كانت تصفها بدقة متناهية.. لكن الصور كانت سوداء وأحيانا بيضاء لا تحمل أي شيء.. وهذا ما جعل المشاهدين يعتقدون ويجزمون في كثير من الأحيان أن الأمر كله مجرد نكتة اخترعها أحد المجانين ونشرها فصدق الآخرون أو طاب لهم أن يصدقوا إمعانا منهم في حب الغريب المدهش.. وإلا ما معنى أن تختفي الصورة ولا يظهر منها أي شيء.. أيمكن أن يكون مثل هذا الشيء حقيقة واقعة ونحن في القرن الحادي والعشرين؟؟..

مع الأيام نسي الناس أمر الجثة أو تناسوه وأقنعوا أنفسهم بأنهم مثل الكاميرات لا يرون شيئاً.. وعلى هذا أصبح بمقدورهم أن يخرجوا من بيوتهم كل مساء مطمئنين منشرحي الصدور رافعي الرؤوس.. وقد يرسل بعضهم صفيرا يعبر من خلاله عن استخفافه بالأمر..

//.. والجثة هي الجثة، ممددة على الرصيف.. الرأس مشروخ من الأمام.. العينان مفتوحتان بقلق ورعب.. الفم توقف عند كلمات لم تكتمل.. الرقبة ممزقة بشكل وحشي.. وحين تنزل العينان إلى بقية الجسد تقعان دائماً على شلال دم مفتوح لا يريد أن ينغلق..//..

كان بود الرجل الضعيف النحيل الممصوص سرحان الذي يعود من عمله ليلا أن يصرخ، أن يقول شيئاً… لكن من سيصدق واحدا مثل سرحان، يكفي أنهم يصفونه بالبله وما شابه..!!.. سرحان هذا ما استطاع أن ينسى أو يتناسى أمر الجثة وشلال الدم.. اقترب ذات مساء منها ووجه ضوء المصباح القوي وأخذ يدور به هنا وهناك.. الجثة كما خمن سرحان هي جثة رجل أو أنها تشبه جثة رجل.. لكن الخطر كل الخطر كان مزروعا هناك في العينين وفوران شلال الدم.. وأكثر ما أربكه وجود سؤال على الشفتين يصعب فهمه واستبطان أبعاده..

الرجل النحيل الضعيف سرحان حاول أن يغمض عيني الجثة بيد متخشبة مرتعشة، لكن دون جدوى.. حاول مرة أخرى وأخرى، فما استجابت العينان للضغط عليهما.. وحين انتقلت يده إلى الشفتين لتغلقهما، سمع أنينا مرا قاتلا حارقا وكلمات لم يقلها لأحد، فما كان منه إلا أن أسلم ساقيه للريح وهو يحوقل ويبسمل خائفا مرتعشا مذعورا.. ومن يومها، والرجل النحيل الضعيف سرحان يمشي في الليل وهو يصرخ وينادي طالبا من الناس أن ينهضوا ليستروا عورة الجثة.. كان المسكين يقول : "القيامة قريبة.. يا ناس قوموا.. يا ناس العرض مفضوح".. ولا أحد يسمع أو يستجيب.. وكيف لهم أن يسمعوا من رجل فقد عقله وضيع رشده وما عاد يعي شيئاً مما يدور حوله!!!..

ولأن مثل هذه القصص لا يمكن أن تموت وإن تناساها الناس، فقد قرر بعض الأولاد في الحارة أن يقتربوا من السر خطوات.. كلام الآباء والأمهات لم يقنعهم.. فوجود جثة لا تظهر إلا في الليل أمر يثير الرعب والخوف والتحدي أيضا.. لذلك جمعوا الكثير من الورد وانتظروا حلول الظلام.. كانوا سبعة أو ثمانية لا يملكون غير شيء من الجرأة وحب الاستطلاع.. تصوروا أنهم عندما يكتشفون السر سيكون لهم حضورهم البهي الطاغي في الأحياء والحارات كلها.. في تلك الليلة بدا القمر مكتملا، والرصيف الذي يبدو عند الصباح صغيرا بوسع العالم.. خطوات الأولاد أخذت تقرع الرصيف بشكل احتفالي يحاول على ما يبدو تبديد خوفهم وارتعاش مفاصلهم.. اقتربوا قدر المستطاع من الوجه المطبوع على الرصيف، من العينين المفتوحتين على وسعهما، من السؤال المرسوم على الشفتين.. كل واحد منهم كان يرتجف بشكل يمكن أن يجعل أكثر الأشياء ثباتا في حركة وغليان.. لذلك تصوروا ـ وقد أقسموا بعد ذلك أن الأمر حدث ـ أن الجثة وقفت ومدت يديها وأخذت الورود وطلبت الماء، وأن صراخها ملأ الدنيا وهي تقول "الماء.. الماء.. الماء".. وهنا ـ كما روى كل واحد منهم ـ أخذوا يركضون لاهثين غير مصدقين، وأنهم حين تعبوا من الركض وارتموا على الأرض كالقتلى وجدوا الجثة أمامهم تطلب الماء، وأنها كانت تشير إلى البعيد.. بادئ الأمر لم يفهموا.. لكنهم بعد حين وعندما تحركت الجثة عرفوا أن عليهم أن يتبعوها.. مشت الجثة بخطوات واثقة، ومشوا خلفها.. كانوا كما يقولون مثل المخدرين.. خطواتهم اتحدت مع خطواتها.. وحين وصلت الجثة إلى المكان المطرز بالرصاص والدماء والأسلاك الشائكة صارت طيرا فرد جناحيه وأخذ يرتفع وهو ينزف دما ملأ الزمان والمكان، ثم اختفى..

الأولاد الذين حكوا الحكاية لم يقنعوا أحداً.. لكنهم لم يعودوا كما كانوا من قبل.. كانت رؤوسهم تتقارب كلما اجتمعوا.. يتهامسون ويحكون أشياء كثيرة ويتفرقون.. كبر الأولاد وضاقت الحارة بهم فامتدوا خارجها..

كانت الجثة ـ كما يؤكد أهل الحارة ـ مجرد حكاية.. وكل الأولاد الذين كبروا كانوا يؤكدون أنهم شاهدوا ما شاهدوا وسمعوا ما سمعوا.. وحتى سرحان المعتوه الذي يقول إن الجثة ما زالت في الحارة مجرد رجل خرفان ضيع عقله.. كل شيء عاد إلى حاله.. وما عاد يؤرق صفو أهل الحارة أي شيء..

** هامش على الهامش: الجثة ما زالت في الحارة كما كانت ولا شيء تغير.. ما زالت تنزف وتنزف.. أهل الحارة قرروا  أن يتجاهلوها ويتناسوها رغم أن صرخاتها تصم الآذان.. وحده سرحان المجنون ما يزال ينادي وينادي لعل أحداً يسمع منه في يوم من الأيام..!! لعل!!..

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة