|
حكاية "فواز"
ولادة متعسرة ؛ لم تجرؤ القابلة على الانتظار أكثر ؛ هذه المرة
مختلفة ؛ نعم قبلت هذه المرأة مرتين ؛ لكن هذه المرة الولادة
صعبة والأم على وشك
الموت
..
كانت الخيمة بالكاد تتسع لمن فيها ؛ كن خمس بنات وكان
الوالد المريض على فرشة من الشوك المغطى بأغصان الزيتون والعشب
لا يبعد موضع شخص
ثالث عن فرشة الأم التي أنهكها ألم المخاض ؛ حتى أصبح صراخها
بلا صوت ؛ هذه الولادة
السادسة لها؛ اثنتان في البلاد التي لم تعرف الهدوء منذ
انتفاضة عام 36 وولادة
أثناء التهجير في بيت قديم على الطريق واثنتان في الخيام ..
الابنتان الكبيرتان
تبكيان وتلتصقان بجدار الخيمة ؛ تصرخ فيهما القابلة بأن تسكتان
وإلا أخرجتهما من
الخيمة حيث افترش الثلج أرض المخيم .. والآن لم يعد مجال
للانتظار ؛ خرجت القابلة
مسرعة فصاحت بالمقيمين في الخيمة الأخرى ؛ أن يخبر أحدهم موظفي
وكالة الغوث لنقل
المرأة التي تلد إلى مستشفى
..
نقلت
المرأة إلى مستشفى تابع لوكالة الغوث الدولية يبعد بضع
وعشرين كيلومتر عن الخيمة ؛ وهناك ظهرت البشرى من بين الألم
والفقر والحرمان ؛ ظهر
الطفل الذكر الأول في العائلة ؛ كان مجيئه ونجاة الأم فرحة عمت
العائلة وأخرجتها
ولو مؤقتا من عالم مظلم تعيشه منذ سنوات ؛ الوالد الذي أصبح
حبيس المرض منذ فقد كل
ما يملك و ضاعت أرضه وكرامته عام 48؛ اليوم يوم سعيد له ؛ يوم
أنساه ما يقتله يوميا
من رؤيته بناته اللواتي لم تتجاوز أكبرهن التسع سنوات يحملن
الماء كل صباح لبيعه في
القرية المجاورة للحصول على قروش تسد رمق العائلة ؛ ويوم أنساه
أنه منذ عامين ما
تزال البنات وأمهن يرتدين الثياب التي صنعتها الأم من قماش
الخيمة
..
غير أنها فرحة اللاجئين القصيرة؛ فالطفل أصبح عضوا آخر في
الخيمة الصغيرة ؛ أصبح طعامه وملبسه عبئا جديد على العائلة
وأصبح الخوف عليه يزيد
القلق والرعب الذي تعيشه العائلة اللاجئة ؛ في كل يوم يخرج
الطفل من الخيمة يحبو
باحثا عن أمه لترضعه إنها تخرج لجمع الشوك وبيعه للحصول على
بضع قروش ؛ وعندما تعود
الأم إلى الخيمة قد تجد طفلها يلهو بأفعى من تلك الأفاعي
الكبيرة التي ترتع في تراب
المخيم
..
هكذا هم اللاجئون ؛ كلّ منهم له حكاية ؛ وهذه حكاية "فواز
"
الذي يولد طفلا سليما جميلا كأخواته الخمسة ؛ لكنه لا يلبث أن
يتعرض لحمى شديدة في
الشهر الثامن من عمره فيصبح كوالده طريح الفراش ؛ وفي ذاك
الأسبوع يكون فواز ووالده
في حالة الاعياء الشديد ؛ الأم لا تدري كيف تتصرف فلا مال
لديها حتى لطعام العائلة
؛ وعندما يجد " فواز " سريرا له في مستشفى لوكالة الغوث يكون
المرض قد تمكن منه
ليصبح طفلا مشلولا
..
وككثير من الأطفال الفلسطينيين الذين وقعوا ضحية الاحتلال
والمرض والفقر ؛ معركتهم طويلة وشاقة ؛ وكانت طريق فواز خارج
المرض شاقة لكنه تمكن
في الخامسة عشر من عمره من السير بشكل أفضل ؛ وأصبح يستطيع
المساهمة في مصروف البيت
إلى جانب أخواته وأمه ؛ إنهم أصبحوا الآن يتامى ؛ فالأب الذي
أقعدته النكبة قتلته
النكسة
..
كان فواز يبيع " العلكة " في شوارع المخيم وفي المدينة
القريبة ؛ وفي الليل ؛ ينام على صوت أمه تغني أغانيها الحزينة
وهي عائدة من عملها
في أرضها المحتلة وفي مصانع أعدائها ؛ كانت تشدو بحزن وحرقة
تلك الأرض التي أصبحت
ملك سارقيها
:
مريت عن بلادي عصرية مهدمة وحجارها مرمية
مريت عن بلادي في الليل مهدمة وحجارها في الويل
لا يا بلادنا يا ام العنب والتين ليش احنا رحلنا
وغيرنا لمكين
لا يا بلادنا يا ام العنب لسمر ليش احنا رحلنا وغيرنا
توطن
كانت الخيام قد أصبحت غرف من الاسمنت ؛
ولكنها ظلت خيام ؛ وظل فواز ابن الخيام ؛ وهو يقل عن أقرانه
أبناء المخيم في القدرة
الجسدية والعقلية لكنه لا يقل عنهم وعيا وحبا للأرض التي تشدو
لها أمه كل ليلة ؛
فشارك المنتفضين على أعداء وطنه وإنسانيته ؛ ولأنه لا يستطيع
الركض كسائر
المتظاهرين كان يمسكه الجنود ويشبعوه ضربا وتعذيبا بقسوة لا
يحتملها جسد رجل سليم ؛
وبين الرصاص والضرب المبرح وقع فواز ضحية الاحتلال مرة أخرى
ليصبح منذ أحد عشر عاما
مشلولا شللا كاملا
..
"فواز"
حبيس الخيمة الاسمنتية ؛ لا يفارق موضعه إلا إذا
حملته أمه التي تجاوزت السبعين من عمرها ليكون في اتجاه الشمس
؛ نتذكره يوما وننساه
شهورا وسنوات ؛ لكنه لم ينسى...
عندما يقف أحدكم على أعتاب مخيم ؛ فليعلم أن فيه بيوتا تحمل
جرحى من كل نوع ومن كل زمن ؛ جرحى لم يكتبوا على " خارطة
الطريق " لكن لن تكون أي
طريق للسلام دون سلامهم
..
ربيحة علان علان
مخيم الجلزون – رام الله
20-6-2003م
|