|
رقة الفراشة وصلابة السنديانة
في رحلة الحب والألم
لخنساء فلسطين فدوى طوقان
د. عبد الله بهيج
مع غروب شمس 12\12\2003 كان الموت يغيّب الشاعرة فدوى
طوقان، جسداً، لأنها ستبقى خالدة بإرثها الأدبي، بدواوينها
الثمانية، وكتبها الثلاثة. وما كتب عنها وما سيكتب في
المستقبل.كيف لا، وقد حازت على عشرات الأوسمة والجوائز
التقديرية في حياتها، عربية وعالمية، وتُرجم العديد من
دواوينها إلى لغات عدة. وأخرجت ليانة بدر فيلما تسجيلياً
لحياة فدوى وشعرها وأدبها.
لقد قسَّم كثير من المهتمين بإنتاج فدوى آثارها على
مرحلتين من العطاء،
الأولى:مرحلة الشعر الوجداني قبل حزيران1967.
الثانية:مرحلة الشعر الوطني بعد عام 1967.
وإذا كانت الصفة الغالبة لشعرها تتوافق وهذا التقسيم
إلا أنني أميل إلى الرؤية القائلة بعدم تعميم ذلك على نتاجها،
فقد تضمنت بداياتها ودواوينها الأولى بعض القصائد السياسية
والوطنية المهمة والبارزة.كما تضمن نتاجها المتأخر شؤونا ذاتية
ووجدانية عالية المستوى وحميمة الصدى.
ولعلي في هذه القراءة السريعة لنتاج فدوى أستطيع الإجابة
على عدد من التساؤلات الدائرة حول شخصيتها، وحياتها ومواقفها
السياسية والاجتماعية، وبنيتها النفسية، وأسلوب ترجمة مواقفها
من ذلك كله، مستعينا بقراءة متأنية لما استطعت الوصول إليه مما
كتب حولها.
وكي نستطيع إماطة اللثام عن هذه الفراشة السنديانة، لا بد
لنا من تتبع طفولتها وبيئتها الأسرية والاجتماعية، التي كان
لها بالغ الأثر في تكون شخصيتها وصقل موهبتها،حتى غدت واحدة من
ثلاث شوا عر زاحمت الشعراء على الصعود باتجاه القمم (نازك
الملائكة وسلمى الخضراء الجيوسيي، وفدوى طوقان).
لقد كان مجيئها إلى الدنيا في أوائل الربيع، عام 1917،
وقد أرّخت أمّها لذلك بيوم كانت تنظف فيه أكواز العكوب من
أشواكها، حين جاءها المخاض ، وقد ترافق ذلك أيضا مع وفاة ابن
عم والدتها (كامل عسقلان) ، في الحرب العالمية الأولى ، ما
أصاب والدتها بالحزن الشديد، وقد نصحها الأقارب الرفق على من
في بطنها من فرط الحزن، ولإضفاء مزيد من السوداوية على قدومها
إلى الدنيا تذكر فدوى في سيرتها( رحلة جبلية رحلة صعبة)، أن
والدتها حاولت الإجهاض أثناء الحمل بها عدة مرات ، لكن القدر
حال دون ذلك. فجاءت إلى الدنيا دون ترحيب ، أو هكذا استنتجت من
رواية أمها، فكانت السابعة في الترتيب بين شقيقاتها وأشقائها
العشرة.
توقفت فدوى عن اللعب بالدمى وهي ابنة الثامنة، بسبب زجر
أمها وتبكيتها لها، ما ادخلها في تجاذب وجداني مبكر تجاه الأم،
قادها أن تدعو الله في ليالي القدر أن يحفظ ورقتها في شجرة
الأعمار كي لا تسقط في العام القادم، رغم انزعاجها من زجرها
الدائم لها وانصياعها للأوامر الذكورية الصارمة، وكان لدور
الشيخة المطّلقة، التي تعيش معهم في البيت الأثر في ثنائية
الخضوع و التمرد، عند فدوى وغيرها من أفراد الأسرة.
شعرت فدوى قبل دخول المدرسة في السابعة من العمر
بالنبذ، وسط عائلة كبيرة، وكم بكت وتحرقت، وهي ترى أختها
الجميلة التي تصغرها بسنتين ،تتلقفها الأيدي وترنُّ لها
الضحكات بينما هي مهملة في الزوايا،
" فهنا خيال شاحب لم ترحم الدنيا ذبوله،
هنا خيال طفولة لم تدر ما مرح الطفولة".
ظلّت فدوى أسيرة غربتها، واشتدّ ظمأها إلى الحب والتحنان
والحدب، الذي افتقدته داخل حصن آل طوقان المنتصب على حافة جبل
"جرزيم" المطل على سوق نابلس، تتلقف الحياة من أب متعصب
لعروبته وإسلامه متشبث بالتقاليد، سمح الطباع مع الأولاد
الذكور مقيد بمفاهيمه عن الشرف والحجاب للبنات، لقناعته في
تميّز الرجل على المرأة في القيمة الوجودية، وفي محيط ضمّ
ثلاثين شخصا ، أحسّ بمعاناتها شقيقها إبراهيم دون الآخرين،
فالتصقت به وانصرفت نحوه بكل ما في القلب من توق وحبٍّ أخوي،
قادها إلى عشق الشعر ،بعد سماعه أهازيج من فمه، بعدها بدأت
الطبيعة الصفراء الذابلة، تتحول إلى الخضرةاليانعة،
" وروحٌ تفتّح للطبيعة للطلاقة للجمال/ وروحٌ شفيفٌ
رقَّقته لطافة الجوِّ النَّضير/ومفاتن السفح الغني ، وخضرة
الوادي الشجير/روح رهيف الحسّ، متَّقد العواطف والشعور/يهوى
الجمال، يعبُّ لا يُروى من الفيض الكبير."
اعتادت فدوى الانكفاء على ذاتها والتحصّن بالعزلة،
وكانت دائمة التفكير منذ نعومة أظفارها بمأساة الوجود
الإنساني، وكان لهاجس الزمن فعله وبصمته على تفكيرها وبنيتها
النفسية، التي عانت الانكماش فاستمرت في إخفاء الكثير من جوانب
حياتها رغم إصدارها لكتابين في السيرة الذاتية، فقد قالت في
مقدمة كتابها الأول (رحلة جبلية رحلة صعبة): "هناك أشياء عزيزة
ونفيسة نُؤثر أن نبقيها كامنة في زاوية من زوايا أرواحنا بعيدة
عن العيون المتطفلة".
لقد دفعها رُهابها من الأهل والمجتمع إلى الإحساس
بالخجل، وكم أربكها نمو صدرها في بداية مراهقتها، حين راحت
ترقب ذلك بحياء شديد، وكأن ما يحصل بفعل الطبيعة البشرية، هو
بمنزلة ذنبٍ مخجلٍ يستحق العقاب، وقد كبتت خفقات الحب الأولى
التي رافقت رائحة زهرة الفل التي رماها لها صبي صغير من فوق
سور المدرسة ، ّبفعل لكمات شقيقها يوسف الذي سرعان ما أخذ
قرارا نهائيا غير قابل للنقض، بمنعها من الذهاب إلى المدرسة،
أو الخروج من البيت، وهي ابنة الثانية عشرة، لتبدأ مع ذلك
مرحلة الأرق الجميل المليء بالأخيلة والتصورات الهانئة
والمؤلمة، وقد غزت فكرة الانتحار، حرقاً بالكاز، أو بالسمّ عقل
فدوى عدّة مرّات لكنّها لم تجرؤ على ذلك.
وظلّ عقلها كثيَر الانشغال بالموت، بدءاً من موت عمها
(حافظ)، تم معلمتها المحبوبة والمفضلة (زهوة العمد)، ورفيقة
طفولتها ابنة الجيران (علياء)، وشقيقيها (إبراهيم ونمر)،
ووالدها، ووالدتها، وغيرهم من الأصدقاء، غير مبررٍ عندها في
حال من الأحوال، وقد أطلقت ببراءة الأطفال السؤال، (لماذا
ماتوا ورحلوا عنّي؟).
لقد كان لإبراهيم الشاعر والأخ الحنون الدور الأهم في فكّ
القيود وكان بمنزلة بصيص النور الذي يلوح من آخر النفق المظلم،
فقد سعى باكرا إلى تنمية موهبتها وصقلها، ما جعلها فيما بعد
شاعرة فلسطين، وإن كانت فدوى قد عانت الكثير تحت وطأة اليأس
والشّكِ والعجزِ إلا أن إيمانها سرعان ما ساعدها على شقِّ
الطريق عبر الظلام المليء بالأشواك، وقد صار ورودا:
" هناك غَشَتها طمأنينةٌ علويةٌ ما لمداها
حدود
وصاح من أعماقها هاتف ينتظم الأرض صداه البعيد
يا أرض أحزانك مهما قست وطبقت حولي مجالي الوجود
هيهات أن تلمس روحاً سرى فيها من
الله ضياء الخلود"
قرأت فدوى ما بين 1931-1940 البيان والتبيين للجاحظ، والكامل
للمبرد، و أمالي القالي، والعقد الفريد ، والأغاني
للأصفهاني،وغيرها بناءً على نصيحة إبراهيم وتوّجت ذلك بقراءة
القرآن. وظلّت حتى يومها الأخير، تحتفظ في خزانتها بأشياء
صغيرة تخصّ شقيقيها إبراهيم ونمر ( مفكرة جيب، مشط
صغير،وربطة عنق،و…..)في محاولة نفسية لإبعاد الفناء عن الأحبة
بإبقاء أشيائهم حيةً في خزانتها.
لقد عاشت فدوى ثلاث كُرَبٍ ، كربة وطنٍ فُقدت أرضه
وشُرد شعبه، وكربة حبٍّ فقد نغمه، وجف نبعه،وكربة فقد الأشقاء
والأحبة. كما عاشت قصة كفاح البذرة في الأرض الصخرية الصلبة ،
كفاح مع العطش والضجر. ولأن قوى الشر الظاهرة والخفية ، لا
تهادن أبداً ، وتقبع دوماً في الدروب تتربص بنا الدوائر، فلا
بد من العراك والصدام بين إرادة البناء والخير ، وقوى الهدم
والشر منذ الوهلة الأولى، وهذا ما حصل مع فدوى منذ نعومة
أظفارها، داخل البيت وخارجه، ومنذ ديوانها الأول (وحدي مع
الأيام) نراها مسئولة عن تحرير الإنسان من الظلم والقهر والكبت
والاستلاب،
"بي ألف إحساس يحرقني/ متدافع التيار دفّاق/ألف انفعال،
ألف عاطفة/ محمومة بدمي…بأعراقي."
وتعلن رغبتها في السير في طريق الثورة على التخلف والجهل،
والزيف والضلال المتفشي،
" تحديت مجتمعاً زائفاً/ يمثل أكذوبة ماكرة/ فضيلته خدعة
ضخمة/ وتقواه شعوذة فاجرة/ خرجت على الناس بالليل نفسا/ كما هي
عارية سافرة/ فلم َتلبسيها ثياب النفاق؟/ ولمَ تخدعي نفسك
الطاهرة؟"
ولعلّ قراءة رسائل أنور المعداوي إلى فدوى طوقان في
الأربعينيات من القرن الماضي، وقد ارتبطت به الشاعرة بحب
مثالي، تساعد في فهم شعر فدوى، وقد عانت تأرجحاً وجدانياً بين
العرف الاجتماعي، والنقمة عليه، ما شكل ركيزة أساسية
لشاعريتها،
" كم فتاة رأت بشعري انتفاضات/ رؤاها الحبيسة المكتومة/
كان شعري مرآة كل فتاة وأد الظلم روحها المحروسة."
وجدير بالذكر هنا أن المعدّاوي هو الذي قام بنشر قصائد
فدوى الأولى، في مجلة الرسالة التي كان يملكها أحمد حسن
الزيات.وكانت المحاولة الأولى عام 1937 بمقالة عبرت فيها عن
مشاعرها كفلسطينية في أحداث ذلك العام الذي أعقب إضراب 1936
الشهير. ثم كانت قصائدها الأولى بتوقيع(دنانير ) بدءاً من عام
1939.
كان الخروج الأول لها من فلسطين عام 1956، إلى السويد
لحضور مؤتمر السلام العالمي في ستوكهولم، واصلت في الرحلة
نفسها الذهاب إلى موسكو وبكين، لحضور احتفالات العمال، ثم عادت
عن طريق القاهرة لتلتقي هناك بالشخص الذي كانت أحبته،لكن
اللقاء جاء بحيادية تامة وكانت المصافحة باردة. أما سفرها
الثاني كان إلى لندن لتعلم الإنكليزية وهناك أحست للمرة الأولى
بطعم السعادة، وكسرت القيود التي طالما كبلتها،
"لقد سعدت وأسعدت، لقد حييت وجودي ولو لفترة محدودة ،
وهل حياتنا إلا هذه اللحظات المعاشة بعمق."
لقد وجدت الدفء الذي طالما تمنته في تجربتها مع أ.ج. الرجل
المؤنس الوديع، ما جعلها تحس للمرة الأولى أنها في فردوس أرضي
بقربه. كانت دائمة السعي وراء حبٍّ يروي العطش، وسرعان ما
تصطدم بسراب ووهم كبيرين، حين تدرك أن الرجل يلهث دوما وراء
الجانب المادي للعلاقة دون الروحي والإنساني،
" الحب عند الآخرين جفّ وانحصر/ معناه في صدر وساق/حبٌّ
بلا دفءٍ بلا روحٍ بلا حنان."
ويزداد بحثها عن ذاتها،كلما أحسّت بالضياع وبالفراغ
وبوقع الليالي الموحشات تخيّم عليها إثر كل تجربة، فالحياة
تعسة دون احتراق الروح بلهب المحاولة، وهي بهذا تتماهى
بالفراشة في دورانها المتواصل حول الضوء والنار. وتتماهى
بسيزيف في صعوده المتكرر إلى الجبل، وقد تصل إلى حدّ الرضا
بقيود الحبيب،
" حبيبي بما بيننا من عهود/بضحكة عينيك/ إذا أنا ضقت
بأغلال حبي/ وثرت عليها وثرت عليك/ فلا تعطني أنت حريتي/ فقلبي
، قلب امرأة من الشرق… يعشق حتى الفناء/ ويؤمن في حبه
بالقيود."
إنه التناقض الواضح ، في فكر من يريد كسر القيود والتصدي
للظلم، والسبب ذلك الرُّهاب المتأصل بالذات منذ الطفولة، والذي
يدفعها إلى أن تعطي للحبيب ما تعطيه الأم لوليدها من دلال
وغنج،
"أعطيه من ذاتي،وأمنحه/ ما عشت عاطفتي وإيثاري/ أسقيه
من عطري، أوسده/ صدري وأناغيه بأشعاري."
كانت فدوى تلجأ إلى الطبيعة التي تحيط بمنزلها في جبل
"جرزيم"، كلما ضاقت عليها الدنيا بما رحبت ،كي تحس بالصفاء،
مطلقة العنان للأخيلة في حضن الأم البديلة.
لقد عانت فدوى من الجهل المستشري في المنطقة العربية، ومن
نظرة المجتمع المتخلفة، وتعامله مع الأنثى ووجدت في كثير من
أدبياته آلة طحن وسحق لكل ما هو جميل، فخالط قلبها يأس شديد من
إمكانية زحزحة الظلم الذي رأته مثل الصخرة السوداء فشدّت فوق
الصدر، فوق القلب والرئتين محركي الحياة في الجسد،
"عبثا أزحزح ثقلها عني…نسيان نفسي/…ألهو، أغني/في ينابيع
الشباب أغط كأسي/وأعب في نهم شديد/حتى أغيب عن الوجود/……يرتج
في روحي نداء/ويظل يرعد في الخفاء/لن تهربي/إني هنا/لن
تهربي/ما من مفر/ويهب طيف الصخرة السوداء/ممسوخ الصور/عبثا
أزحزحها/سدى أبغي الهروب/فلا مفر".(الصخرة)
ومن هذه الصخرة إلى الصخور التي أكلت القدمين في قصيدة
"هباء" إلى تعثر الخطى في وعورة دربها في"دوامة الغبار"، ألام
متواصلة، وظلم كارثي عايشته، تتجرع كأسه دون أن تفقد الأمل،
"عام قصير/سرنا معا فيه على دربي الوعير/ ، وملء عيوننا دفء
الشعور/والعاطفة/وإذا الحياة على صدى خطواتنا المتآلفة/خضراء
تورق في الصخور".
كانت لشدة معاناتها من التخلف تواقة أن تحلق مع فارس
الأحلام وراء البعيد حيث النقاء والطهر.
"خذني إلى ركن من الأرض/…. ركن نقي الأفق لا تحبو/ للآدميين
عليه ظلال/ سكنه الطير وأنفاسه/ النور والسلام والحب ملونٌ حرٌ
كدنيا الخيال".
وفي هذا إقرارٌ منها بأن ما تسعى إليه غير موجود في
عالم الواقع بل في دنيا الخيال ، وفي سعيها تواصل السير في
الفراغ، الذي ما أن تتوهم أنها على وشك ملئه حتى تعود إليه
بشكل أشد إيلاماً، حين تغدو أيامها بطيئة مملة يسكنها رهاب
لقاء جديد وبحث جديد، ورغم محاولاتها للتماسك والظهور بمظهر
الفتاة القوية التي تتحدى غيرها، نراها عندما تخلد إلى ذاتها،
في جوف الليل مزيلة القناع، الذي حاولت حجب صورتها خلفه، في
مواجهة ذات متصدعة مثلما هو مجتمعها، فتستسلم للمقدور وترفع
التنهيدة عالية بعد أن مسح الحزن النعاس من عينيها:
"أواه يا قلباً يكابد الجحيم والقدر/ ولا مفر/يا مركباً
مهشماً ممزق الشراع/ أضاع في اشتباكه مع الرياح مرفأه/ أواه يا
معركة الأعماق كل أمسية/ عن وجهنا الأصيل نرفع القناع/ وتفلت
الأحزان من إسارها/ ألا يد تمتد للمكبل الغريق تطلقه من شبك
الأقدار من حصارها؟(حصار).
وتصمّم فدوى على مغادرة جزيرة الأحلام بعد أن لاقت ما
لاقت من سراب وملّت السير خلف خيوط واهية، ويئست من وصول بذار
الهوى إلى رحم الأرض التي فارقها موسم الإخصاب بعد أن ملأها
الملح.
"لا تمسكينا يا جزيرة حلمنا/ إنا سنمضي عنك، لن نبقى
هناك/ نعطيك من أشواقنا عبثاً ومن أعمارنا / فيضي وأعط
الآخرين/ من خصبك المغداق."
وهكذا ومن هذه الشواهد القليلة، قد نستطيع القول إن
حياة فدوى على المستوى العاطفي الذاتي كانت مليئة بالألم، ورغم
محاولاتها المتكررة في البحث عن الحب وعن الحبيب لم تنجح، وذلك
لأسباب اجتماعية ونفسية، فهي من عائلة محافظة تتمسك بالعرف
الاجتماعي والتكافؤ الطبقي لاختيار الشريك للفتاة، وبالتالي
إذا لم يتقدم من تتوافر فيه الشروط، كان على الفتاة دخول بيت
العنوسة، ولحرمانها من متابعة الدروس والتحصيل كشقيقاتها بسبب
تلك الوردة، دخلت عالم الخوف والتردد وسيطر عليها رهاب
التجربة، فاختارت عالم الخيال دون عالم الواقع، ولم يساعدها
المحيط الاجتماعي في النصف الأول من القرن الماضي على السير
باتجاه إرواء أنوثتها، ما جعل حياتها كلها أسى ودموع، وأظن أن
ما سبق ، جعلها شاعرة تركت هذه الإرث الأدبي وقد كانت صادقة
عندما قالت:
"حياتي دموع/ وقلب ولوع/ وشوق وديوان شعر وعود/ حياتي،
حياتي أسى كلها/ إذا ما تلاشى غدا ظلها/ سيبقى على الأرض منه
الصدى/ يردد صوتي هنا منشداً/ حياتي دموع وقلب ولوع/ وشوق،
وديوان شعر وعود."
لم تقتصر حياة فدوى طوقان على الجانب الاجتماعي بل
تعدته إلى الجانب السياسي والوطني، فلقد ولد الظلم البريطاني
والصهيوني واللاإنسانية الإسرائيلية إحساساً هائلاً بالألم عند
فدوى جعلها تُدخل آلامها الخاصة بآلام شعبها، وتضع الألمين
معاً تحت مرآة واحدة نظرت إلى كليهما بالمعنى ذاته، فسعت وراء
خيوط من الضوء علّها تنسج منها سلماً يفضى إلى الخلاص، ويوصل
شعبها إلى المرفأ الأمين، وبإحساسها المرهف تتماها وآلام أبناء
شعبها بعد أن غادر الصفاء حياتهم، بفعل الاحتلال والتشريد،
وكما أن الرقابة الاجتماعية الأسرية شكلت قيداً بين فدوى ومن
تحب، فإن الاحتلال جاء ليفصل الأرض ويقطع الجسور ويغرس نقاط
التفتيش مقطعاً أوصال الوطن والناس شرقي النهر وغربه، ما
جعلها ترغب في الطيران في عملية تسامٍ فوق الاحتلال البغيض
وبربريته.
"أود أن أطير يا غزالتي /عبر المدى، أود لو أطير "
ومن الإنصاف القول إن إحساس فدوى الوطني لم يأتي متأخراً
في أعقاب حزيران عام 67 بل جاء مبكراً فقد أثارت خيالها شعبية
القائد فوزي القاوقجي في مجابهته الاستعمار البريطاني عام1936،
يوم أنشدت تقول:
"بطل أبطال يا زين الشباب هات حدثنا
عن الأمر العجاب"
كما هزتها نكبة عام 1948 وما رافقها من انتشار لمخيمات
اللجوء والتشرد في معظم دول الجوار بما فيها الضفة الغربية
ومدينتها نابلس فانطلقت فدوى تبخس الخنوع واليأس والتخاذل.
" مازلنا في غرف التخدير/ على سرر التخدير ننام/
والعام يمر وراء العام… والأرض تميد بنا والسقف/ يهيل ركاماً
فوق ركام/ والكذب يغطينا من قمة هامتنا حتى الأقدام."
وتعيب على الأمة التقاعس عن نصرة المظلومين، باستحضار
التاريخ عله يسعفها في تحريك القلوب الميتة والضمائر المباعة.
"وا خجلتاه!! حتّام أهوائهم تغرقهم في لجّها
الملتطم
أحنوا رقاب الذّل يا ضعفهم واستسلموا للقادر
المحتكم
هم الأنانيون قد أغلقوا قلوبهم دون
البلاء الملم".
وتفخر الشاعرة بصمود المصرين عام 56 وتصديهم
للعدوان الثلاثي في بور سعيد فتراهم حاملين لشعلة الحرية حتى
غدا وجه مصر مهيب الكبرياء.
"هذه الشعلة إرث البشرية/ ارفعيها يا مصر ارفعيها بالملايين
الذين حنى أعناقهم ذلّ السنين."
ومع اتضاح صورة الوضع في أعقاب هزيمة حزيران 67 كانت
هناك بعض بؤر المقاومة للفدائيين الذين استعصوا على الهزيمة
ومنهم الشهيد مازن أبو غزالة الذي نفذ عملية استشهادية، بتفجير
ما يحمل من قنابل وسط مجموعة من الضباط والجنود الصهاينة
فخلدته فدوى بقصيدتها "الفدائي والأرض"، وتتابع مرحلة الرفض
والتحدي والمقاومة التي أعقبت الهزيمة وتهب مع غيرها من أصحاب
الأقلام لمواجهة الإعصار والطوفان في وقتٍ كان يراد للأمة أن
تستسلم لكن حدس فدوى كان بالمرصاد فالشجرة العربية ضاربة
الجذور في الأرض وستطلق ساقها من جديد فتخضرّ الأغصان وتمتلئ
بالأوراق بعد أن ترويها دماء الشهداء.
"ستقوم الشجرة والأغصان/ ستنمو في الشمس وتخضر/ وستورق
ضحكات الشجرة في وجه الشمس/ وسيأتي الطير/ لا بد سيأتي الطير".
إنه فعل الإيمان القوي واليقين التام بالشعب وقدرته
على النهوض رغم استخدام العدو لكل أدوات القتل وأساليب
الإرهاب، فالذل والمهانة طعمٌ يرفضه كلّ حرٍّ وشريف، لذا
رأيناها تتماهى بِ "هند بنت عتبة" في قصيدتها (أهات أمام شباك
التصاريح) يوم اصطفت كغيرها في موكب الذل عند جسر "اللنبي" بين
الضفتين تتلقى شتائم جنود الاحتلال وصلفهم وغرورهم وإذلالهم
للناس
"ليت للبراق عيناً/ آه يا ذلّ الإسار، حنظلاً صرت، مذاقي
قاتل/ حقدي رهيب موغل حتى القرار/ صخرةٌ قلبي وكبريتٌ وفوارة
نار/ ألف هند تحت جلدي/ جوعُ حقدي/ فاغرٌ فاه سوى أكبادهم لا/
يشبع الجوع الذي استوطن جلدي/ آه يا حقدي الرهيب المستثار/
قتلوا الحب بأعماقي وأحالوا/ في عروقي الدم غسليناً وقار."
وبعد هذه القصيدة تعرضت فدوى لحملة واسعة من التهديد
والتعليقات ووصفت بآكلة أكباد البشر وقد أثار ذلك اهتمام
المسئولين الصهاينة بما فيهم وزير الحرب الأسبق موشي دايان
الذي استدعاها وبعد أن تحدث إليها قال أمام وجهاء نابلس (لديكم
شاعرة تستطيع بقصيدة واحد صنع عشرة مقاتلين) وكلفها نقل رسالة
إلى جمال عبد الناصر للتفاوض حول سيناء وإنهاء الحرب
كما حملها رسالة أخرى إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
تسوق فدوى، عدة دلائل على حقد الصهاينة وتصميمهم على
فكرة استمرار الحرب بكل أشكالها ضد الفلسطينيين وتذكّر بقول
(بيغن) الذي زُرع في ضمير الصهاينة ( لن يكون هناك سلام،
وستستمر الحرب بيننا وبين العرب حتى لو وقعوا معنا معاهدة
صلح)…
وتذكر قول الشاعر الصهيوني أفرايم تسيدون ( لو
تخلى الفدائيون عن أسلحتهم وعقيدتهم/ وأرسلوا بطاقات التهنئة
لكل بيت يهودي/ حتى لو شاركتنا المنظمة في بناء المستوطنات
للمهاجرين الجدد/ حتى لو أعلنوا أمام الملأ بأن الضفة الغربية
هي أرض يهودية/ حتى لو قامت فتح تنسج قبعات ليهود إسرائيل …
فلن نجالسهم أبداً ولن نحاور/.
ورغم محاولتها التمييز في التعامل مع بعض اليهود الذين
لمست لديهم دفئ القلوب الإنسانية والحرص على بناء جسور تفاهم
والمحبة بين الشعبين؛ إلا أنها تعود لتذكر بتعريف جابونتسكي
للصهيونية، بأنه" التجمع والاقتحام، أو الاستيطان والتوسع،
أي أنها رديف الحرب والعدوان، والهدف تفريغ الأرض من سكانها
الأصلين والأسلوب (دمّر احرق، انهب، لأنك مسيطر متفوق ومصطفى".
ورغم مساوئ الاحتلال البغيض عام 67، قام جسر بين شقتي
البيت الفلسطيني المحتل عام 48 والمحتل عام 67، فجاءت
الابتسامات التي تندى بدموع الانكسار ونزف القلوب ألماً، تحت
الاحتلال فالتقت فدوى بالمعلمين الكبار حاملي شرارة النار
المقدسة والمبشرين بانتصار الحياة، من (أمثال توفيق فياض، إميل
حبيبي، إميل توما، صليبا خميس، علي عاشور، سميح القاسم، توفيق
زياد، محمود درويش).
وكانت فكرة المقاومة الفلسطينية التي أطلقت رصاصتها
الأولى حركة فتح في 1/1/1965 كرفض عمليٍ للاحتلال ومنطق
الاستسلام، قد بدأت تلقى تجاوبا واسعاً من جماهير الأمة على
امتدادها في أعقاب نكسة 67، وواكبت فدوى العمل المقاوم
بقصائدها، وهالها ما حدث من مجازر في عمان والأحراش عام 1970،
حين استُهدفت المقاومة الفلسطينية بحملة دموية رأت فيها فدوى
مهرجاناً للموت.
"ألف مذبوحٍ وألفان وآلاف/ ألا هل من مزيد/ هات يا بحر
الجنون/ شهوة الموت تلظت هات/ والمائدة امتدت/".
وتهدي إلى أرواح شهداء عملية دلال المغربي قصيدتها "النورس
ونفي النفي" تخاطب فيها طير البحر قائلة:
"سباق الموت على الشطآن/ كيف إذا جاء الطوفان/ تغتسل
الأرض من الأحزان/ يا طير البحر الطالع من قاع الديجور/ بشرّك
الله بكل الخير / الآن عرفت/ شيء حدث/ انفتح الأفق وحيا الدار
النور."
وما أن تأتي لحظة الانتصار في تشرين عام 1973 حتى ترى
فدوى أن زمن السنين العجاف قد ولّى فصوتها عاد لها، ورغبتها في
الحب عادت بكل مضامينه، من عبق الحلم إلى العناق إلى الحمل
والولادة، وتستحضر مريم ابنة عمران، وولادة النور الذي جاء
ليعلم البشرية ويخلصها من ظلمات الجهل والقهر،كي يبعث السلام
في ارض السلام،
" مجيئك عيد الأخاديد، زغرودة الأرض، لم الشتات/ يا
عبق الحلم قلبي بحار اشتياق ذراعاي نهرا عناق، وعيناني لهفة
حبٍ تنامان تستيقظان على مرج خضرتك اليانعة"
ويوماً إثر يوم كان انتماؤها الثوري لحركة النضال
الفلسطيني والعربي ينمو ويتزايد فتستصرخ الأمة علّها تجد فيها
معتصماً أو خالداً
"في زمان اليتم والحكم اليهودي المقدر، ليس لي معتصم
يأتي فيثأر/ ولا خالد في اليرموك يظهر".
فلا تغيير إلا بالمجابهة، وشعلة الحرية لا يمكن أن تعلو
إلا في ثنايا المعركة وساحات الوغى، فالزمان زمان الشعوب التي
تمتد جذورها في أعماق الأرض.
"وهذا زمان انفجار الشعوب وللشعب ظفرٌ وللشعب ناب/
فلسطين شعبك جذر عتيق يغوص بأعماق هذا التراب/ لأقسم باسمك لن
يستريح ولن ينثني قبل يوم الحساب".
وبهذا الإيمان نظرت إلى أطفال الحجارة في انتفاضتهم،
بعد أن نام الكبار فوجدتهم صقوراً يعانقون الموت من أجل
الحياة، فالفجر الجديد رؤيا ترافقهم على درب الفداء جعلتهم
يربطون الأرض والوطن المقدس بالسماء حتى ارتعشت الأرض من وقع
المطر الأحمر المتساقط من فتيةٍ كالنجوم، وجوههم إلى الأعداء
وأيديهم ممتلئة بالحجارة والرفض والإصرار، يسقط فوج فيأتي آخر،
حتى غدت الانتفاضة أهم حدث في التاريخ الفلسطيني والعربي
المعاصر.
وتتحول نظرة فدوى للموت من نظرة القلق لفقد الأحبة
أهلاً وأصدقاء، إلى عشق الموت في مواسم البطولة، حين يغدو
الاستشهاد صوفية الاندماج والالتحام بأرض الوطن. وإذا كان
الموت العادي يحمل في طياته معنىً من معاني الغياب والفناء،
فإنّ الاستشهاد هو حياة مستمرة في وجدان الشعب وجنان الخلد،
وهكذا رأت فدوى موت جمال عبد الناصر واستشهاد وائل زعيتر عندما
تقول له:
"نم على الصدر الذي يفتحه "عيبال" من أجلك/ اسند رأسك
الشامخة اليوم إلى القبة / فالصخرة في القدس احتوتك الآن، حين
الموت أعطاك الحياة/ نم هنا في الوطن الحاني/ فأنت الآن فيه يا
بعيداً وقريباً يا فلسطيني أنت/ أيها الرافض للموت قهرت الموت
حين اليوم مت/".
ولن يغب عن بالها أولئك الأبطال خلف أسوار المعتقلات
الصهيونية فمنذ الخمسينيات كانت تتابع أخبارهم، وفي قصيدة
أهدتها للشاعر الشهيد كمال ناصر خلال سجنه عام ،1958 نراها على
يقينٍ بأن الحديد الذي يحجب الأبطال عن الحرية أعجز من أن يحجب
صوتهم المغرد بكلمة الحق.
"يا طائري السجين اصدح لنا/ رغم هوان القيد رغم
الظلام/ المجد للنور فلا تبتئس/ والنصر للحرية الرائعة/".
وهكذا مضت فدوى فخورة بأبناء شعبها المقاوم تلتقي معه ،
تمد إليه اليد وترفع جبهتها للشمس فهي ابنة جبل النار، ابنة
نابلس، ابنة فلسطين.
"إلى يدكم أمد يدي، وعند رؤوسكم ألقي هنا رأسي، وأرفع جبهتي
معكم إلى الشمس"
قد تكون فدوى خسرت أكثر من معركة في حياتها لكنها لم
تهزم، ناضلت حتى الرمق الأخير صمدت في وجه الجهل والتخلف
والظلم والمرض الذي ألزمها السرير أواخر أيامها، سلاحها ثقةٌ
بشعبها، يقينٌ وتسليم بقضاء الله وقدره وعظمته وقدرته، وهي
التي دأبت على اللجوء إلى الله أوقات الشدة، وإن كانت قد سقطت
في بعض الألفاظ التي حملت معاني كفرية في بعض قصائدها، في
مرحلة من المراحل، أظن أنها قد لامت نفسها على ذلك، ففي
أوراقها القديمة بيتين من الشعر يعكسان صحة عقيدتها وإيمانها
الراسخ بالله عز وجل ،
"يا رب أدرك بقايا شعلة همدت قد كان يطمس شكي
نور إيماني
إن كنت موقدها فابعث لها مدداً أو كنت مطفئها
فاغفر لنكراني".
لقد جذبها الفكر الإسلامي وفلسفاته وهذا ما
أثبتته في كتاب سيرتها الذاتية "رحلة جبلية رحلة صعبة".
لعلي في نهاية هذا العرض أسمع صوتاً قادماً من
أعماق فدوى ومن رماد الإحباط والخيبات المتتالية هاتفاً: حين
يختل التوازن وحين يستشري الظلم ، ويتغطرس صانع الدمار، يوقظ
فينا الحركة ويبعث في الانتفاضة النضارة والخصب، ذلك أن شعباً
أنجب أطفال الحجارة وأنجب فدوى ومثيلاتها وأمثالها استثنائي
بكل المقاييس، فهو بحق فوق الفناء وفوق الاندثار بالمعنى
السياسي للكلمة، لا شيء بل لأنه امتلك وعياً سياسياً وعقائدياً
حماه من الضياع، وعياً تتأكد فيه هويته وشخصيته الفريدة. فهل
أدركت الأمة ذلك فاعتصمت بالوعي ذاته خاصة أصحاب القلم والفكر
كما فعلت فدوى طوقان التي جمعت بين رقة الفراشة وصلابة
السنديان في رحلة حبها وألمها، التي امتدت على مدى 86 عاماً من
العطاء والبذل دون انقطاع.
]
د. عبد الله بهيج
ماجستير في علم النفس
دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها
تحضير أطروحة دكتوراة دولة في اللغة العربية وآدابها
|