|
ما قاله الشهيد في الشهيد
"غسان
كنفاني .. موهبة وصمود"
بقلم: أبو
علي مصطفى
الهدف
فلسطين تموز
2001
بذكرى استشهاده التاسعة والعشرين أسجل كلمة قصيرة، مهما
كانت مشفوعة بالبلاغة أو معطرة بروح المشاعر تجاه إنسان ما أن
تعرفه حتى يدخل القلب
والوجدان باقتحام صاعق، فيه من القوة بقدر ما فيه من المحبة،
هي كلمة لا تفي
الإنسان حقه فما بالك أن يكون هذا الإنسان هو غسان؟
عرفته قبل أن أراه بسنين
عرفته بما كتب وأبدع الكتابة لفلسطين، يوم أن كانت تأتينا
بالتهريب في النصف الأول
من الستينات مجلة (نشرية) متواضعة ملحق لجريدة المحرر
اللبنانية واسمها (فلسطين) هي
متواضعة الإصدار، هذه حقيقة لكنها مليئة بالدلالات والمعاني،
إنها قرع طبول الذاكرة
الفلسطينية، أيها الفلسطينيون أفيقوا .. اقرعوا جدران الخزان.
كان وكنا من
الجيل الذي صهرته نار النكبة بلظاها، واستفقنا على نفي وتشريد
... بل وإلغاء للذات
والهوية ... وكان لابد من إطار يحمل الهموم والآمال ... فكانت
حركة القوميين العرب
مجالنا وأداة فعلنا وثقافتنا الوطنية والقومية ... صحونا فيها
على أوجاعنا وأوجاع
الأمة. صرخ غسان بأوجاع فلسطين على أمته العربية ... قالوا له
"طريق الوحدة يؤدي
إلى فلسطين" ... صمت ثم قال: "أكملوها أيها السائرون وفلسطين
طريقكم للوحدة"، فكانت
النشرية (ملحق المحرر) دربه للتعبير من الغلاف إلى الغلاف ...
رسماً مطرزاً لعلم
فلسطين ... حتى الكلمة الرصاصة.
تلك هي المحطة الأولى التي التقينا في رحابها
...
وكانت ممهدة للمحطة الثانية.
من جرح حزيران 1967 انطلقنا من جديد بإعلاء
صوت البندقية في رسم رحلة طريق طويلة ... رحلة الكفاح المسلح
... من جبال الضفة
وريفها ومخيماتها ... إلى بيارات غزة وشاطئها بداية ونشوء ...
إلى الأغوار التي
أصبحت خطنا الأول ... بعد أن كانت الثاني (الرديف) في احتضان
الظاهرة العلينة
(قواعد
ومعسكرات) بعد تراجع المجموعات الأولى خطوة إلى الخلف من موقع
(الأساس).
في ذاك الوقت، وكان قد حل عام 1968 التقيت غسان وجهاً لوجه
لأول
مرة، بزيارته للقواعد العسكرية في الأغوار. سألني كثيراً عن
الداخل وبدايات التجربة
في العمل المسلح ... سألني عن الناس وعن الجغرافيا. وكان يدون
ملاحظاته ... سألني
عن الصواب والخطأ في البدايات ... سألني عن الإمكانات التي
بدأنا بها ... سألني عن
التنظيم عن الحالة الشعبية ... عن المشاعر. بعد مشي وصعود، في
إحدى القواعد العسرية
المتقدمة لمقاتلي الجبهة الشعبية، على شفا النهر في الأغوار
... صمت طويلاً وأنا
أشير بيدي نحو جبال فلسطين التي تطل علينا من ذاك الموقع، ولم
أكن أسمع صوته
...
فإذا به غارق يفكر فيما أجبت على الأسئلة المنطلقة من داخله ..
قال بعد
صمت:
عندي مشروعي التوثيقي التحليلي عن ثورة فلسطين 1936 خلصت إلى
حصيلة مما
أعرفه ورأيته، وسمعته منك، إنها ليست كما ثورة 1936، حيث كانت
الأرض كلها لنا
...
وكان الشعب كله عليها ... وكان لنا التفوق لو أحسنا عملاً ...
مع فارق واحد لصالح
الصهاينة متمثلاً بوجود قوات الاستعمار البريطاني.
إننا اليوم، ثورة الشتات
نحو الداخل ... ثورة من خارج الوطن، من أجل أن نكون في الوطن،
وعلى الأرض ... ثورة
شعب غالبه مشرد ... بمواجهة كيان صهيوني له أنياب قوية ...
وأضاف بالقول ولا تنسى
أن أرض النظام العربي إن لم تكن معادية للثورة فهي ليست مؤاتية
لنا.
قلت له
وماذا ترى؟ قال: إن استطاعت الثورة الحفاظ على نفسها ... لضمان
استمرارها فنحن
نقترب من الوطن، إلا أن هذا لن يتم إلا بالاستناد إلى قاعدة
ارتكاز استراتيجية
...
كي تصل إلى الوطن وهي قوية ... ثم سألني هل أنتم كثوار على ثقة
بأننا في هذا المكان
نحظى بها؟ أو هي (القائمة) الآن أمينة وآمنة للمستقبل الواعد؟
كان جوابي
لغسان ... هي محاولة نعمل من أجل الوصول لها .. لكنها اليوم
ليست كذلك .. فهي ليست
آمنة، بل نحن عرضة لاحتمالات الانقضاض علينا من الأمام .. ومن
الخلف، من أحدهما
تارة أو من كلاهما إن استوجب حالهم ذلك تارة أخرى.
غادرنا غسان بعد زيارة
امتدت ليومين على أمل أن نلتقي مرة ثانية وفي أقرب وقت ..
وكانت المرة الثانية في
عمان عشية تأسيس مجلة "الهدف" عام 1969 التفت إلى عيناي في
المكتب العسكري بعمال
وقال: يا رفيق أبو علي هل تذكر ما قلناه في زيارتي السابقة؟
قلت له نعم، ولا زالت
في رأسي .. قال وهل من تحسن؟ أجبته تحسن ممكن لكن ما زال بدون
ضمانات.
ثم
كان ما كان من حروب عمان الكبرى ضد المقاومة أيلول 1970 وحروب
جرش وعجلون 1971
الهادفة لإنهاء فكرة قاعدة الارتكاز الاستراتيجية وهذا كان.
في المحطة
الثالثة التقينا، لكن هذه المرة في بيروت في شهر أيلول 1971
تذاكرنا وتذكرنا، ومن
وحي اللقاء كتبنا تقييماً سريعاً في مجلة "الهدف" وكان لغسان
الفضل في صياغة رؤية
جديدة، تجسدت في التحضير لمادة المؤتمر الوطني الثالث (آذار
1972) مهام المرحلة
الجديدة.
فيما بعد الخروج من الأردن، أعقاب حرب الجبل (جرش، عجلون /
تموز
1971)
صارت مكاتب مجلة الهدف مركز لقاء قيادي للوافدين من خارج
لبنان، وكان غسان
بمكانته وثقافته وروحه العالية ودماثة خلقه، مركز جذب لنقاش
حيوي نقدي هادف، بعيداً
عن المزايدة اللفظية الثورية التي انتعشت آنذاك على يد فريق
مال للتأسيس لانشقاق
انتهازي تحت دعاوي نظرية (بالمضمون طفولية يسارية) وكان لغسان
قول مأثور حينها
يكرره عندما يشتد الجدل مع أبو أنمار (من الفريق الذي انشق
لاحقاً باسم الجبهة
الثورية) "إن اليساري الذي لا يتقن القدرة على التحليل العلمي
للظواهر، هو يتقن فن
لحس حواف الكتب الثورية، ولا يفهم مضمونها".
غسان رغم ما كان يعانيه من مرض
السكري، الذي كان يحتاط له بحمل أدوات الحقن بالأنسولين،
وأحياناً يستخدمها في
المكتب، يقول لك وأنت جالس معه في مكتبه عن إذنك (ويرفع قميصه
ويعطي نفسه الحقنة)
وهكذا يعود لحيوية العمل بلا مبالاة بالمرض وعوارضه.
جلود .. مواظب .. لا
يتعب من العمل كان يكفيه في الأسبوع يوم واحد يمضيه مع أسرته
المكونة من أم فايز
وفايز وليلى، وبكن لم بكن يقدم على ذلك، قبل أن يطمئن على صدور
العدد الجديد من
"الهدف".
هو معلم أيضاً، في فن التحرير والإخراج كان يعلم الذي لا
يتعلم،
ويجعل منه شيئاً مرموقاً فمرة أتاه شاب من برج البراجنة اسمه
محمود الداورجي، وطلب
منه عمل .. سأله غسان وماذا تتقن من الأعمال؟ أجابه محمود ..
كرة القدم، ضحك غسان
حتى سمع ضحكته كل من في مكاتب المجلة .. ثم هدأ .. ونظر لمحمود
نظرة محبة وقال له:
اسمع يا محمود أنت شاب فلسطيني من المخيم والحياة أمامك ..
سأعلمك عملاً لم تعرفه
من قبل هل أنت مستعد؟ أجاب محمود بتلهف الباحث عن عمل نعم،
مستعد .. وكان له ما
أراد وعلمه الإخراج وهو من المهن الصحفية الهامة، وأصبح محمود
خلال سنة من أفضل
مخرجي الصحافة. والحال ينطبق على محررين وكتاب صفحات، وهم كثر،
من تلامذة غسان
الذين أغنوا وأثروا الصحافة العربية.
تميزت صحيفة "الهدف" بجرأة الكلمة،
وصوابية الاتجاه، والتبشير بالفكرة. ولغسان كان يعود الفضل،
وفي عدد من أعدادها في
نهاية عام 1970 كتب مقالاً عن إحدى دول النفط العربي، اعتبر
بموجب قانون الصحافة
اللبناني ماساً بالذات الملكية في تلك البلد، مما أدى لصدور
حكم بسجن غسان لأسبوعين
وتغريم المجلة، وبسبب من أوضاع غسان الصحية، تم تحويله لمستشفى
في بعبدا تحت حراسة
الشرطة حتى انقضاء الأسبوعين.
غسان لم يضع الوقت، ومارس هواية الرسم التي
يتقنها أفضل من خيرة المحترفين، وأقام علاقات طيبة مع الحراس
وعاملي وعاملات
المستشفى، وتوزعت رسوماته عليهم، ومن أجمل ما رسم آنذاك لا زال
رسماً متداولاً
يتصدر البيوت والمكاتب حتى اليوم وطبع عنه الكثير (لوحات،
أغلفة، صحافة، معلقات
نحاسية) كلمة فلسطين بالألوان والرموز.
كان يقع تحت مكاتب مجلة "الهدف" مطعم
شعبي صغير (مطعم أم فريد) نلتقي فيه أحياناً في موعد الإفطار
(حمص وفول وشرب الشاي
مع النعناع) لدرجة أن هذا المطعم الشعبي أصبح من معالم مجلة
"الهدف" بموقعه، ورغبة
الرفاق للقاء فيه، عندما لا يكون غسان في المكتب.
فيما بعد عملية مطار اللد
20/5/1972
وفي لقاء مع وديع حداد في أحد المنازل البيروتية، قال لعدد من
الرفاق
وكنت منهم، إحذروا، فالعدو يعد لضربة مؤلمة للجبهة وقيادتها
بعد ضربة مطار
اللد.
وأضاف، انتبهوا لغسان لأن إحدى المجلات نشرت له صورة مع
يابانيين
قالوا "أنهم من الجيش الأحمر" اقترحت عليه أن يلتقي غسان،
وكذلك نحدثه نحن عن ضرورة
اتخاذ إجراءات احترازية. وكان غسان وقتها وأسرته يسكنون في حي
الحازمية من ضواحي
بيروت، وهو بعيد عن إمكانية الحماية والسيطرة من قبلنا.
وكان أن أخذ الدكتور
وديع بالاتفاق مع غسان إجراءات احترازية، مكتب بديل غير معروف،
شقة سكنية بديلة،
سائق للسيارة، تغيير ساعات التردد وكسر الروتين، إلا أن غسان
لم يكن يكترث بهذه
الإجراءات.
في صباح يوم السبت 8/7/1972 وكنا ملتقين في مطعم (أم فريد)
الشعبي نأكل الحمص والفول ونتمتع بشرب الشاي مع النعناع، وقد
قاربت الساعة الحادية
عشر، وإذا بأحد رفاقنا (زكي هللو) يهبط من سيارة أجرة بباب
المطعم، وفي عيونه
الدموع يصرخ علينا "أن قوموا أيها الرفاق لقد أغتيل غسان" يا
له من خبر نزل على
رؤوسنا كالصاعقة، بل أصاب بيروت بالذهول، وأصاب الصحافة وعواصم
العرب وفلسطين
بالصدمة!!!
ذهبنا لمنزل الشهيد لنجد الشرطة وهيئات التحقيق وقد سبقتنا وهي
تفحص بقايا السيارة وتجمع ما تناثر من جثتي غسان ولميس (ابنة
شقيقته).
وهكذا
كان من نهاية لجسد غسان الإنسان المبدع، والموهوب الذي تتمثل
فيه صورة فلسطين،
المجسد لطموحات شعب بصموده وروحه.
الشهيد غسان مات جسداً وبقي روحاً وفكراً
ونبضاً لا زال فينا بل في كل أجيال فلسطين .. دعانا غسان لنقرع
جدران الخزان، وها
نحن نقرع جدران العالم وسنبقى إلى أن يعود جثمان غسان إلى
عكا.
|