|
صهيل الأرجوان
هيثم أبو الغزلان
جميل
أن يتقن الإنسان الكلام، وجميل أن يتقن فن الكتابة, والأجمل من
ذلك أن يتقن ـ الإنسان - التعبير عن دمعة طفل، شقت وجهه سهولاً
وودياناً، وعن بسمة شهيد، اختار الموت/الحياة حضوراً مكثفاً
لوجوده، يعطي أرواحنا من خلالها ثورة قوية، وعطاءً لا محدود،
يعبر عن وطن سليب محاصر بين أنقاض اللوعة وغربة الأبناء.
ففي مجموعته
الشعرية «صهيل الأرجوان»، يحاول الأستاذ مروان الخطيب أن يعبر
عن تواري الحزن في غياهب الليالي؛ غضباً وثورة وروحاً وثابة.
فكانت بلاد الزيتون محوراً يمتد من ليالي الحزن الغاضبة إلى
فرح الانتصار القادم يزينه الشهداء؛ ورداً وصوراً ونهجاً لا
يحيد؛ يقول: «... فصرخت ملتاعاً، أقول: /آه أيا برقوقة الحقل
الرحيب... / يا دمعة رقراقة قد بثها قلبٌ خصيبْ / يا نغمة في
دفئها قد صاهرت، أصداءَ لحن من لحون العندليب... / قد زينت من
حسنها تلك الوجوه الغابرة... / وتدثرت بسنائها تلك العيون
الضامرة... / وتقزمت بصفائها تلك النفوس الفاجرة»...
وتُرسم جراح
الوطن ورداً وعوسجاً ووطناً شريداً منفياً، تقهره جراح أبنائه،
تتقاسمه اللوعة حيناً، والجراح أحياناً، ويتسربل بالدم،
والأحلام الندية التي لا تخفق إلا بالرزايا، لترسم حلم الوطن
بسيف الكلمة وجمرها...: «تقهر الليل، وتأتي /ترسم الحاء
نصولاً... /تبعث الباء سيولاً وخيولاً... / أرجوانا
وتماضِرْ... / وتجاهر... / كل من يكتب ذلاً، / كل من يكتب
صلحاً، /مع يهود فهو خائن »...
هنا، يعاد ترتيب
المواقف لتكون واضحة في مرحلة يراد فيها بيع القدس وفلسطين،
فتتوحد النداءات الصادرة عن القدس بلسان الشاعر، لتتداخل فيها
الرموز مع التاريخ، والفكر مع العقيدة، والتراب المروي بالدم
مع سماء المجد في عليائها، ومتحدة بالموقف الواضح وضوح الشمس
في عز النهار...
... فأنا القدس/
أنا الطهر / أنا أم المدائن... / كل من باع تراباً من بلادي...
/ من سماء الطهر في عكا وحيفا / من خليل الله / في أرض المجامر
/ فهو زان / وهو خائن/ مثل نيرون المفاخر / بانغراس القبح في
رحم الجواهر/.
ويحاول الشاعر
التعبير عن آمال شعبه وأمته، فيختار الصراخ بأعلى الصوت، علَّ
البعض يسمع، فيستجيب. وكأنه يريد استحضار المعتصم أو صلاح
الدين ليشعلا الأرض تحت أقدام الغزاة؛ فيموت ليل الأمة، وتصعد
من جديد إلى فجر الانتصار، فيتساءل:
من يرفع ظلماً
عن حيفا عن عكا، عن بحر الأحلام
عن قدس ما برحت
تبكي آثار الذلة والعدوان
ولا يكفي الشاعر
بدعوة أمته إلى النهوض، بل يبين لها ضرر سكوتها عن حقها،
ويحثها إلى النهوض لتأخذ مكانها بين الأمم، وتعيد مجد عزتها،
فهي لا تستطيع أن تكون إلا بقوتها وحضورها:
كيف النكبات
نقصّلها إن تاهت يافا عن نجران؟
إن باتت أجزائي
ثكلى من سامراء إلى بيسان؟
قومي خنساء من
الأكفان واريقي ملحاً في الوجدان.
علَّ الخذلان
يغادرنا فتثور الروح على الأوثان.
ويمضي يدلنا على
طريق الشمس التي ستشرق يوماً، ويسكب في أعماقنا الروح المشرقة
أملاً بالأحلام الندية، ليؤكد أن الفجر القادم سيكون جميلاً:
فتموز الندى آت،
/فتى الأصداف والأبحر، / يُقِلُّ الغيم في يده، /وفي عينيه
مبخرة، /وفي عطفيه أرماح وأشواقٌ، / وفي الترياق من دمه، /
نشيد هادر أبداً لخيل الصبح لا تقهر.
ونعود هنا لنؤكد
أن الشاعر، لا يعتمد على صرخته الثائرة التي تدعو الأمة إلى
النهوض، بل يتعدى ذلك إلى محاولته طرح أسباب العجز والفشل
والإلحاق والتبعية للآخر المتمثلة بالتجزئة:
«بيكو» يخطط
والفئران تتبعه تمزق الستر ثوب السؤدد القَشبِ .
ونكتوي بسياط
العَسْفِ ما برحت تغيب عنا دنا الأبطال في الكتب .
وهنا، يستعيد
الشاعر ماضي الأمة المجيد. والذي يعني بحضوره موت المشروع
الصهيوني؛ لأنه عندما تستعيد الأمة حياتها، فإنها تمضي بقافلة
السلام الحقيقي، تنشره بين الناس حقيقة واقعة، لا سلام الخوف
والقتل، والسلام المزروع بدم الأطفال وأشلائهم...
فهنا لحظة
الحقيقة تتجلى ببنادق الثوار، وتتكثف معاني بطولاتهم عبر
الجراحات قوة وإصراراً وعزيمة لا تلين، وبشهادة توصل العرب
والمسلمين إلى مراحل العزة وقوة اليقين . فالشهداء وحدهم
يجعلون لكلماتنا معنى ، ويعطونا مزيداً من القوة، ومزيداً من
الانتصار، ومزيداً من الحرية. فيقرر الشاعر هنا أنه مهما بلغت
قوة الأعداء إلا أن قوة الحق ستغلب لأنه:
إن ماتت عكا،
مات العرش/ إن ضاعت حيفا، ضاع القدس / إن سقطت يافا، سقط
الهمس، /
وهيهات، هيهات
إن تبقى القدس أسيرة بأيدي العدى، أو ينسى الشعب مقدساته:
أبا عبيدة قم
للسيف لا أحدٌ يحمي السيوف من الأغماد والعَطَبِ
الاَّك أنت
وأفراس الأُلى سبقوا من الأباة، حماةِ الحق عن كثب.
أيلول ثوِّر فما
في العمر متسع صيّر حجارة بيسانٍ إلى شهب.
وبحر
حيفا، أرِقْ في جوفه قَبَساً فيستحيل إلى موجٍ من
اللهب.
يجتاح أبناء
صهيون ويخلصها أرض القداسة من عكا إلى النقب.
فتتواصل أجيال
المقاومة للعدو الغاصب، فتتقرر قاعدة أساسية أن الحق سيغلب،
وان الباطل سيندحر بفعل أولئك الذين يكتبون بدمهم ملحمة الصمود
والتحدي، ويدافعون عن جدار الأمة الأخير، فتغمر دموعهم أيامنا،
وتتجرح قلوبهم، ويصبح دمعهم عصياً، ويستحضر الشاعر النبي
طالوت، فيقول:
أكتب يا طالوت
اليوم / كتاب العهد الأول / إن العمر صراع / بين العين وبين
المخرز /...
ويقول فاشهر
حسامك يا ابن أمي، لا تنمْ النوم في زمن المروءة منكر .
والعَزْف عن درب
الشهادة فاجعٌ ما دام يحيا في بلادي الغادر .
وأخيراً، لقد
حاول الشاعر في مجموعته التعبير عن آلام أمته وآمالها، بأسلوب
واضح، يخلو من التعقيد، وفي بعض الأحيان من خلال استحضار نماذج
تاريخية كالنبي طالوت وأبو عبيدة، أو من خلال توصيف واقع
التجزئة والتقسيم من خلال اتفاقية سايكس بيكو،... وباختصار
المجموعة تنبأ ببشارات كثيرة ليس أولها الأمل، ولن يكون آخرها
الانتصار الأكيد...
الكتاب: صهيل
الأرجوان.
الكاتب: مروان
الخطيب.
الطبعة الأولى:
آب/أغسطس 2001.
صادر عن مكتبة
الحوار، طرابلس، لبنان.
01/08/2002 |