الولايات المتحدة بين إرهاب المنظمات وإرهاب الأنظمة

سقوط أبراج المال والتجارة والسياسة في أمريكا

   حدث صباح يوم الثلاثاء 11/9/2001 في سماء واشنطن ونيويوك طبع إسم الكارثة على بداية القرن الواحد والعشرين، هذا الحدث أذهل حوالي ستة مليارات نسمة يتحركون على كوكبما اليوم ولكن الذين لم يذهلوا ولم يخفق لهم قلب الا لجهة نجاح العملية الأسطورة هم قلة معدودة من جنس البشر ولأن العملية قد نفذت بدقة متناهية كما خطط لتنفيذها تماماً منذ أشهر ليست بعيدة يوم كانت أمريكا تعلن عن إغلاق سفارة هنا وسفارتين هناك في عواصم العالم المختلفة.  إن إمكانات تنفيذ هذه العملية من الناحية المادية والمعلوماتية والتقنية تفوق بكثير إمكانات أي دولة في الشرق الأوسط أو في المجموعة العربية، فالسؤال الأول هو كيف يمكن لكثير من الاعلام الغربي الأمريكي أن يتهم منظمات إرهابية عربية أو إسلامية يتنفيذ هذه العملية الأسطورية؟

   هذا مع العلم أن مسؤولي الدول الغربية يدركون تماماً أن أفراد المنظمات المتهمة يجهلون التنقل في شوارع العواصم الغربية والقليل من هؤلاء الأفراد يجيدون التحدث بلغة الغرب.  إن بعض هذه المنظمات وكما يعلم المسؤولين الأمريكيين وغيرهم من أجهزة مخابراتهم قد عجزت عن تفجير سفارة أو سفارتين في أفريقيا في الآونة الأخيرة إذ أن المخابرات الأمريكية الواسعة الانتشار في العالم تعمل على مدار الساعة لحراسة مصالح بلادها وتراقب بدقة مجريات الأحداث حول هذه  المصالح، والعام كله بعلم بأن ميزانية هذه المخابرات تبلغ عشرات مليارات الدولارات.  فالسؤال هنا أين كانت هذه المخاربرات غائبة عن هذا التخطيط الذي يحتاج الى معسكرات تدريب وإعداد مجموعات فنية وإستخبراتية وشبكات تخريب متخصصة في اختراق أجهزة أمن المطارات والحصول على تأشيرات دخول لتستطيع التنقل بحرية عبر المطارات، هذا فضلاً عن الامكانات المادية للتخطيط والتنفيذ في آن معاً.  والسؤال الثاني، أين هي الأقمار الصناعية وأجهزة المراقبة المتطورة التي تعمل ليلاً ونهاراً وتكشف بدقة أي تحرك أو حدث غير عادي خصوصاً في المراكز المهمة في أميركا، لذا يجب علينا هنا أولاً: قبل الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها أن نشير إلى فشل السياسة الأمريكية في الآون الأخيرة ولاسيما السياسة الخارجية منها.  إن وصول بوش الى البيت الأبيض وخروج (( آل غور)) منه  شكل صدمة كبيرة للمنظمات اليهودية في العالم ولـ "دولة إسرائيل" على السواء.

   ثانياً: إن انسحاب "جيش الدفاع الاسرائيلي" من لبنان شكل أكبر خيبة " للدولة العبرية" وقادتها فقد صرح البعض أن دخول لبنان كان خطأ واتهم البعض الآخر خصومه في " الحكومة الاسرائيلية " بأنهم كانوا السبب في غرق "إسرائيل" في الوحول اللبنانية، إن خروج هذا الجيش دون تحقيق أي اهداف استراتيجية أمنية واقتصادية خصوصاً لجهة حماية الجليل ومستعمرات الشمال كما أعلن قائد أركانه يومها (( آرييل شارون )) وهو بحد ذاته نكسة كبيرة لقيادة السياسية والعسكرية " للشعب الاسرائيلي " على السواء.

   ثالثاً: إن خروج الاسرائيليين من جنوب لبنان بخسائر كبيرة نسبياً كما أعلن قادتهم مراراً أوقعهم تحت وطأة الانتفاضة الفلسطينية مجدداً ولكن في هذه المرة انتظرتهم خسائر كبيرة من نوع جديد على صعيد الأمن والإقتصاد والسياحة والخسائر البشرية شبه اليومية خصوصاً على أثر العمليات الانتحارية للشباب الفلسطيني.

   رابعاً: إن حالة اللاحرب واللاسلم في منطقة الشرق الأوسط أربكت " القيادة الاسرائيلية" كثيراً وحصرتها في أحرج زاوية منذ قيام "الدولة الاسرائيلية"، إن بعض الأنظمة العربية لم توقع معاهدة سلام حتى الآن مع

"إسرائيل" وكثير من هذه الأنظمة أصبح يشكك في إمكانية استمرار علاقته مع "الدولة العبرية"وذلك بسبب الانتفاضة ونقمة الشعوب العربية على وجود هذه الدولة في قلب العالم العربي.  إن إدارة الرئيس بوش لم تستطع أن تعيد العرب الى طاولة المفاوضات والصلح وفي الوقت نفسه لم تسمح لإسرائيل بشن حرب محدودة على جيرانها الأعداء بغية فك الحصار عن سياستها وانهاء الانتفاضة واعادة خلط الأوراق في المنطقة لأن إدارة الرئيس بوش تخشى من امتداد هذه الحرب لتحرق الأخضر واليابس في الشرق الأوسط وتنهي بذلك أي وجود أجنبي في هذه المنطقة هذا اذا أخذنا بعين الاعتبار تحرك ملايين العرب على الجبهة المقابلة " لإسرائيل ".

   خامساً:  إن الفشل الواضح لرئيس الحكومة  " الاسرائيلي آرييل شارون" في القضاء على الانتفاضة كان ( القشة التي قصمت ظهر البعير ) ولو نظرنا الى إفادة شارون من كل وسائل السياسة والدبلوماسية المتاحه له عربياً ودولياً ثم نظرنا الى الإمكانات العسكرية والأمنية التي التي استخدمها في قمع الانتفاضة من خلال عمليات واسعة في البر والبحر والجو! هذا إن دل على شىء انما دل على أن (( شارون)) وحكومته وجيشه وقفوا أمام حائط مسدود وأعلنوا عجزهم عن انهاء الانتفاضة، أصبح اليوم قادة "إسرائيل" يصرحون بخشية واضحة عن مستقبل دولتهم الغامض مما جعل الهجرة اليهودية المعاكسة من "إسرائيل" الى خارجها تظهر بشكل واضح حالة الحرب اليهودية على مستقبل دولتهم هذا من جهة، من جهة ثانية بدأ أصدقاء "اسرائيل" الغربيون ولأجل حماية مصالحهم في منطقة الشرق الأوسط بالتودد أكثر فأكثر للدول اللعربية وغيرها بعد أن وصل هؤلاء الأصدقاء الى قناعة تظهر شكهم في قدرة "إسرائيل" على حماية  هذه المصالح بالطريقة التي عودتهم إياها على مدى أربعين عاماً.

   سادساً:  إن هزيمة " جيش الدفاع الاسرائيلي" في لبنان من جهة وتفجير الانتفاضة من جهة ثانية حرك مشاعر عشرات الملايين لا بل المئات من العرب والمسلمين باتجاه القدس ونزلت هذه الشعوب الى الشوارع تطالب باستعادة القدس، إن هذه الشعوب اليوم واثقة من أنها تستطيع محاربة "إسرائيل" والانتصار عليها على غرار تجربة المقاومة اللبنانية، إن ثقافة الشعوب كما ربتها الأنظمة سابقاً بأن "الجيش الاسرائيلي" لا يقهر قد إنقلبت هذه النظرة فجأة في الآونة الأخيرة.  إن القيادة "الإسرائيلية" ومعها اليهود في العالم يراقبون هذه الظاهرة الجديدة عن كثب ويخشون في أي وقت من الأوقات أن تبدأ الشعوب العربية تحركها الفعلي والميداني لإطاحة وجود "الدولة العبرية".

   إن نظرة فاحصة لما ذكرناه من هذه الأحداث الأخيرة وغيرها مما لم نذكره يضعنا أمام حقيقة ثابتة تكشف لنا بوضوح عن ملابسات كارثة يوم الثلاثاء لجهة المستفيد الوحيد من ورائها وهو الذي خطط لها ونفذها:

إن اصحاب هذه العملية الكارثة ينتظرون من ورائها حصاد النتائج المرجوة منها ولو بعد حين إن أول ما فكر به أصحاب هذه العملية هو جر الرئيس بوش وبعض دول الغرب الى تنفيذ سياسة جديدة في الشرق الأوسط تقوم على حد زعمهم بضرب بؤر الإرهاب وهذا ما صرح به ((السيد  بيريز)) في كلمته بداية القضاء على الإرهاب، وبدأ يردده اليوم الرئيس بوش وبعض قادة أميركا وذلك لأخفاء المسؤولين الفعليين عن هذه العملية ولو بطريقة ذر الرماد في عيون ستة مليارات نسمة في العالم وإدخالهم في حرب لا يستطيع أحد أن يتصور مداها وعواقبها وإن كان البعض يستطيع أن يشعل فتيلها لأجل أهدافها الخاصة ومصالحه القومية كما يزعم غافلا بذلك أن هذه الحرب إذا اشتعلت ستحرق الجميع خصوصاً أن "إسرائيل" ستكون الشريك الأساسي لأميركا في الهجمات على خصومها في المنطقة العربية .

   إن الصواريخ التي ستسقط على افغانستان ليس الهدف منها فقط (( بن لادن)) ومنظمته بل الهدف هو الوصول الى تهديد روسيا في مجالها الأمني ثم تثبيت قواعد أمريكية جديدة في المنطقة هدفها إكمال الحصار على إيران من جهة والوصول الى بحور النفط الجديدة في شرق آسيا وتركيا جاهزة لدعم هذا التوسع والباكستان ذهبت طائعة الى واشنطن لتلقى الأوامر لتحقيق هذه الأهداف.

   أما الصواريخ التي ستسقط على العراق بهدف إسقاط نظامه فسوف تمهد لتقسيم هذا البلد الى ثلاثة دول كردية، شيعية وسنية، ثم نقل الفلسطينيين اليه لرفع هذا الكابوس نهائياً عن إسرائيل وهذا يؤسس لمرحلة صراعات عرقية ومذهبية في المنطقة العربية ويعيد الدور "لإسرائيل" لكي تكون هي القوة الأبرز والأقدر على حماية نفسها ومصالح شركائها الغربيين.  أما الصواريخ التي ستطاول دمشق وقد تطاول طهران إذا حاولت الأخيرة الدفاع عن اصدقائها في سوريا ولبنان وفلسطين فستعيد هذه الصواريخ العرب وسوريا ولبنان الى طاولة الصلح مع "إسرائيل" ، وبذلك تكون  حكومة "إسرائيل" والمنظمات اليهودية  في العالم قد حققت كامل النجاح لأهداف هذه العملية.

قبل أن نختم مقالتنا نتوجه بالسؤال الى الذين لم يحسنوا قراءة هذه العملية بشكلها الواقعي من أنظمة وقيادات وسياسيين في العالم:

أ‌-    أين كان الرئيس بوش حين وقعت الكارثة؟ وأين كانت حكومته ومسؤولو البنتاغن ومجلس الشيوخ؟ هل كل هؤلاء كانوا في عطلة أسبوعية يوم الثلاثاء؟؟؟؟؟

ب‌-  من الذي يشرف على أمن المطارات في أمريكا ولماذا كانت المخابرات الأمريكية غائبة عن وظيفتها؟!

ت‌-  هل يريد الرئيس بوش وغيره ممن أنجرفوا وراء الجنات أن يقنعوا العالم أن هناك فشلاً أو تقصيراً في أداء عمل أجهزة مخابراته؟ أم أن الحقيقة بأن بعض رؤوس الـ CIA كان شريكاً مباشراً في هذه العملية مع حكومة ((آرييل شارون)) والمنظمات اليهودية التي القت بثقلها وإمكاناتها لإنجاح هذه الكارثة ثم الصاقها بالإرهاب العربي وبالمسلمين كبيرة لشن حرب محدودة على بعض الدول والمناطق لتأديبها وإعادتها الى تحت مظلة القطب الواحد في العالم؟!

قبل أن نودعكم ننصح قادة هذا العالم ولاسيما أنظمة الدول الكبرى بأن يعيدوا مشاهدة ما حدث يوم الثلاثاء على شاشات تلفزتهم ثم يأخذوا العبرة من ذلك فإن انهيار أعلى أبراج العالم التجارية هو دليل على إنهيار أقوى أنظمة العالم أيضاً، وكما قتل وجرح عشرات الآلاف في دقائق معدودة في العاصمة الأمريكية جراء إنفجارات عدة فقط فسييقتل ويجرح الملايين في أميركا وغيرها من عواصم العالم فيما لو بدأت الكارثة الكبرى وذلك في غضون ساعات قليلة على الشرارة الأولى!

هل من عاقل يكبح جماح هذه الحرب المقبلة ويوقف سفك الدماء عند هذا الحد في هذا العالم أم أن هذا العالم يجب أن يحترق بأسره حتى تخمد الانتفاضة في فلسطين؟ إن العاقل الوحيد في هذا العالم هو هذه الشعوب التي ستحرقها نيران الحرب المدمرة فعلى هذه الشعوب الخروج حالاً وقبل ضياع الفرصة بملايينها في شتى عواصم العالم تصرخ بأعلى صوتها (( لا للحرب ولا للدمار ولا لسفك الدماء)).

عن الروسية

تترجم وتنشر على شبكات الانترنت

تاريخ 22/9/2001

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى| رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة