الإرهاب والمنطق الأمريكي
إن المقاومة
هي نقيض الإرهاب فهي تحرر الإنسان من المحتلين والمتسلطين
والمغامرين وتعيد له اعتباره وحقه واحترامه لذاته. فمن
الحقوق الطبيعية للإنسان حقه في الحياة والعيش الكريم وفي
الانتماء إلى أرضه والتعبير عن رأيه دون خوف, وإن ميثاق الأمم
المتحدة اعتبر مقاومة الشعوب التي أُحتلت أرضها أو سلبت حقوقها
مقاومة مشروعة.
والسؤال
المطروح هو كيف؟
يمكن إحقاق
حقوق الشعوب ومنها حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحقه في
المقاومة ضد الاحتلال خاصة وأن المفاوضات لم تؤدي إلى نتيجة,
ومن يحمي الشعوب الضعيقة من إرهاب الدولة المتسلطة (الكاوبوي
الكوني) الذي يحاول أن يصادر حق الشعوب في التحرير وحقها في
الاحترام والعيش بسلام. الواقع أن هناك انتقائية في سياسة
أميركا "الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية المعتقد" فهي تتجاهل
انتهاكات حقوق الانسان من طرف "إسرائيل" ضد الفلسطينيين بينما
تصنف المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال "الإسرائيلي" في خانة
الإرهاب.
إن السياسة
الأمريكية يحكمها منطقان متناقضان واحد في داخل الولايات
المتحدة ويرمي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الضمانات
للمواطنين. أما المنطق الثاني فهو في الخارج ويرمي إلى تأمين
المصالح الأمريكية بأي ثمن وبمختلف الوسائل دون أي احترام
لحقوق البشر أو إرادتها في الاختلاف أو التمييز. إن منطق
القوة هو المسيِّر لسياسة أميركا الخارجية وهو الذي تتوجه به
أميركا إلى العالم لإخضاعه وتطويعه حتى تصبح إرادتها هي الأقوى
في العالم, والأحداث التي حدثت في 11 أيلول الماضي والظروف
التي رافقتها مكنت الولايات المتحدة من وضع اليد على الإرادة
الدولية, والحرب التي أعلنتها هذه الدولة على كل الدول التي لا
تنفذ ما تريده الولايات المتحدة, وقول بوش " من ليس معنا فهو
ضدنا" أحرج الدول والعالم ومنعها من اتخاذ موقف محايد وهذا هو
الإرهاب المطلق ويتساءل الرئيس جورج بوش.. لماذا يكرهوننا؟
إذن فهو يعلم وإدارته تعلم بأنهم مكروهون أما لماذا؟ فالجواب
بسيط لأن أميركا دولة منحازة وتكيل بمكيالين, دولة تتعامل مع
الأنظمة ضد شعوبها, تفتش عن مصالحها ولو على حساب تدمير
العالم. إن الإرهاب الذي تمارسه "إسرائيل" تجاه الشعب العربي
في فلسطين من دون أن تتحرك أميركا لإدانته لا يمكن إلا أن يشكل
حالة قرف وكره وإحباط من قبل شعوب العالم تجاه أميركا ويمكن
القول أن الولايات المتحدة لو احترمت الاتفاقات وما تتضمنه من
مبادئ ونصوص لما حصل ما حصل في 11 ايلول, فهي التي تعتبر نفسها
حاملة رسالة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان, نصبت نفسها
شرطي العالم وأيدت ودعمت الأنظمة الدكتاتورية ضد شعوب هذه
الدول, ومن يقرأ تاريخ أميركا لا يجد فيه اي أثر لهذه الرسالة
(أي الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وأنما يجد مذابح كبيرة
ألحقت بالهنود الحمر والزنوج والفقراء والمشردين ونشاطات
أمريكا اللا إنسانية موزعة في العالم كله وخصوصاً في العالم
العربي وبالأخص القضية العربية وهي كلها مخالفات واضحة لأبسط
قواعد الإنسانية فهي تخرق المعايير وتضعها حسب مصالحها
واعتباراتها. أن أميركا لا تفكر سوى بتحقيق مصالحها وهي تنظر
إلى نفسها كحارس لحقوق الإنسان مع أن مبدأ حقوق الإنسان لا
يتجزأ, فكيف تعترض على سجن صحفي يخالف سياسة بلاده وتعد
قضيَّة حقوق إنسان في وقت يموت فيه مئات الآلاف جراء الحصار
ولا تعدها حقوق إنسان وهذا منطق غريب.
السؤال هو
ماذا تريد أميركا من العالم؟ الجواب هو التنازل عن سيادتها,
عن كرامتها, عن قضاياها حتى تحظى بالرضا الأمريكي وتنال شهادة
حسن سلوك وبراءة.
الغاية في
السياسة الأميركية تبرر الوسيلة حسب نظرية مكيافيل أي انها لا
يهمها صحة أو أخلاقية الوسيلة أو خيرتها أمام تحقيق الغاية
المطلوبة, فالسياسة الأميركية مكيافيلية والفلسفة الأميركية
نفعية والاقتصاديون يعلمون الناس كيف يحصلون على المال
والأطباء النفسانيون يهيؤون لهم المكان الذي ينفقون فيه هذا
المال.
إن العرب هم
أكثر المتضررين بما حدث في 11 أيلول وما بعد 11 أيلول ونحن
نتساءل اليوم عن موقعنا ودورنا ومكاننا في هذا العالم بعد
الحدث, وكيف نواجه ما يُخطط لنا. بعض الأنظمة العربية يقول
ان أميركا هي قدر محتوم وخيارنا هو التضامن معها والاستسلام
لمشيئتها, أما لشعب العربي فيقول أن المقاومة هي خيارنا في
حقنا الشرعي والبديهي وهي قدرنا المحتوم.
د.
دولت خنافر
استاذة
علم النفس الإجتماعي
الجامعة
اللبنانية
2002/2/15
|