|
الكيان الصهيوني
والمسألة اليهودية
1- المسألة
اليهودية في الفكر الغربي المعاصر
منذ القرن
الماضي وهذا القرن تثار قضية عرفت باسم "المسألة اليهودية" عند
عديد من المفكرين تعبر عن وضع اليهود في الغرب، هل هم جزء منه
أم منفصلون عنه، هل هم جزء من كل أم هم كل والشعوب كلها أجزاء
فيه؟ وهي قضية في الفكر الغربي وحده دون غيره من الحضارات غير
الأوروبية. تعرضت إليها معظم التيارات الفكرية مثل الليبرالية
كما قال برونوباور في كتابه "المسألة اليهودية" 1843 أو
الماركسية كما فعل ماركس في "المسألة اليهودية" 1843 والوجودية
كما كتب سارتر "تأملات في المسألة اليهودية " 1954. أراد باور
تحرير اليهود في ألمانيا عن طريق الدولة الألمانية القومية
الليبرالية التي تقوم على الأيديولوجية الألمانية، الوعي
بالذات، الجماعة والحرية، وهي مثل التنوير الألماني. فلا بقاء
للخاص إلا في العام، ولا تحرر للجزء إلا بتحرر الكل. وأراد
ماركس أن يحقق نفس الهدف ولكن عن طريق تحرير المضطهدين في
العالم كله وليس اليهود وحدهم، فالتحرر حق الجميع. وهذا لا
يتم إلا عن طريق القضاء على البرجوازية المستغلة وتوحيد جميع
المضطهدين في العالم ضد الاستغلال العالمي. فلا تحرر لليهود
إلا بتحرير العالم وليس الدولة القومية الليبرالية عند باور.
أما جان بول سارتر فقد جعل السبب الرئيسي للمسألة اليهودية هو
رؤية الآخرين. فاليهودي ما يراه الآخرون أنه يهودي، فالخطأ
من الآخر وليس من الذات. ولما كان الآخرون هم الجحيم فإن
اليهودي ليس مسؤولا عن اضطهاد الآخرين له. وبالتالي ينكر
سارتر الأسباب الموضوعية للمسألة اليهودية ويضحي بها من أجل
وصف العلاقات بين الذوات، تجعل اليهودي ضحية تشيئ الآخرين له.
ومن ثم فتحرر اليهودي ليس من داخله بل من خارجه. فهو الضحية
وليس الجلاد. والسبب الرئيسي للمسألة اليهودية هو باختصار
المعاداة للسامية.
وسبب بروز
"المسألة اليهودية" في الفكر الغربي هو عزلة اليهود في
المجتمعات الأوروبية، وعيشهم في "الجيتو" لا هم من المجتمع،
جزء منه، متساوون مع باقي أفراده في الحقوق والواجبات، ولا هم
خارج المجتمع، مجتمع آخر منفصل عن المجتمع الأم. لا هم وطنيون
ولا هم غرباء، لا هم من أهل البلاد ولا هم من خارج البلاد. ففي
حالة المد الوطني أو القومي في المجتمعات تبرز "المسألة
اليهودية"، وماذا عن اليهود؟ هل هم جزء من المجتمع الألماني
أو الفرنسي أو الإيطالي أم هم خارجه، قومية خاصة؟ وفي حالة
الترابط القومي والاجتماعي كيف يسمح بوجود قوميتين أو مجتمعين
داخل المجتمع الواحد والقومية الواحدة؟ هل اليهود جزء من
الأغلبية أم هم أقلية؟ هل ولاؤهم للمجتمع العام وللدولة
الوطنية أم أن ولاءهم للمجتمع الخاص أو لمجتمع آخر ودولة أخرى
خارج الحدود؟
وقد نشأت
المسألة اليهودية في الدول القومية الكبرى مثل روسيا وألمانيا
وفرنسا. فحركة التطهير العرقي من اليهود إنما تمت في روسيا في
القرن الماضي فيما عرف باسم "البورجوم"، وفي فرنسا بعد حادثة
درايفوس في أواخر القرن الماضي، وفي ألمانيا إبان الحكم النازي
في النصف الأول من هذا القرن. كما نشأت "المسألة اليهودية" في
المجتمعات التي تعاني من أزمة هوية مثل مجتمعات أوروبا
الشرقية، غربية أم شرقية، كاثوليكية أم أرثوذكسية، سلتية أم
سلافية، رأسمالية أم اشتراكية. لذلك خرج كثير من دعاة
الصهيونية من أوروبا الشرقية. كما نشأت كثير من الحركات
الصوفية المعاصرة مثل "الخاسيدين" في أوروبا الشرقية تعبيرا عن
الانكفاء على الداخل والمحافظة على النفس. ونشأت لغة "اليديش"
الخاص بيهود أوروبا الشرقية تعبر عن خصوصيتهم، عبرية سلافية.
2- أصل
"المسألة اليهودية"
وأصل المسألة
اليهودية في وجود نزعتين في تاريخ اليهودية منذ العبرانيين
الأوائل حتى الصهيونية المعاصرة. الأولى النزعة الخاصة التي
تظهر في أسفار موسى الخمسة وأثناء الأسر البابلي والاحتلال
الروماني لفلسطين والصهيونية الحديثة منذ القرن الماضي. وهي
نزعة تقوم على عقائد التوراة مثل العهد والوعد وأرض الميعاد.
فقد عقد الله حلفا خاصا بينه وبين بني "إسرائيل" يعطيهم
بمقتضاه الأرض والمدينة المقدسة والمعبد والهيكل، ويؤيد
بالنصر. فالشعب شعب الله، والحرب حروب الله، والأعداء أعداء
الله، والنصر نصر الله. وفي مقابل ذلك لم يطلب الله منهم شيئا،
لا تقوى ولا طاعة ولا عملا صالحا ولا إيمانا بالله ولا تصديقا
بالأنبياء. فالعهد أحادي الطرف. الله يعطي واليهود يأخذون.
الله يعطي مجانا، واليهود يأخذون بلا مقابل. هو عهد غير
مشروط إنما الالتزامات وحدها من جانب الله، واليهود أبناء
الله وأحباؤه لا التزام عليهم بشيء ولا حتى بمحبة الله. وهو
عهد مادي لا أخلاقي، يعطي الفول والعدس والبصل وأرض مصر ولا
يتطلب الإيمان أو الطاعة أو كمال الأخلاق. وهو عهد جماعي وليس
عهدا فرديا يتم بين اليهود كشعب وبين الله وليس عهدا فرديا
يقوم على الاختيار الحر والمسؤولية الفردية. المسؤولية في
العهد جماعية، والإنقاذ جماعي، ولا عقاب. وكيف يعاقب الله
أبناءه وأحباءه؟ ويتم الإنقاذ للجماعة المذنبة الخاطئة حتى ولو
كان فيها واحد مؤمن. فالأقلية الصالحة تغفر للأغلبية العاصية.
وطالما كان هناك مؤمنون متعبدون في البيع يؤمنون بإله الأجداد
والأباء فإن بوسع الأبناء والأحفاد أن يفعلوا أي شئ حتى ولو
كان القتل والذبح والعدوان والاستيلاء على أراضي ا لغير.
وأصل فكرة
العهد أن العبرانيين عقدوا حلفا مع الأسباط الاثني عشر تقوية
لهم في حروبهم مع باقي القبائل السامية للاستيلاء على أراضيهم
وثرواتهم وذبح أطفالهم ونسائهم. فليس عليهم في الأميين سبيل.
ثم حولوا هذه المعاهدة السياسية بين الأسباط إلى عهد الله، بين
الله وشعبه. تحول الأفقي إلى رأسي، والسياسي إلى ديني،
والإنساني إلى إلهي. فأعطى اليهود لأنفسهم تبريرا شرعيا
للعدوان والاستيلاء على أراضي الغير بأمر إلهي ووعد كوني عند
نوح، تجدد عند إبراهيم، وتجدد مرة ثالثة عند موسى في التوراة.
وفي مقابل
هذه النزعة الخاصة كانت هناك نزعة عامة تضعف وتقوى تبعا للعصور
ومدى قبول العبرانيين ثقافات الشعوب الأخرى وحضاراتهم. فلقد
ثار الأنبياء ضد هذه النزعة الخاصة عودا بالوحي إلى شموله لكل
الشعوب، الإيمان بالله والعمل الصالح، وهو ما أثبته الإسلام،
آخر مرحلة للوحي، باعتباره - جوهر الإيمان. وعادت النزعة
العامة باتصال العبرانيين باليونان عند فيلون السكندري وتأويل
اليهودية بما يتفق مع العقل والفضيلة. وظهرت مرة ثالثة مع
المسيحية، عند الاسينيين الذين كانوا يفسرون اليهودية تفسيرا
روحيا بعيدا عن العنصرية والعدوان. وقد كان المسيح منهم كما
تبين "مخطوطات البحر الميت". ثم ظهرت النزعة الشـاملة داخل
الحضارة الإسلامية لدى يهود مصر والعراق واليمن والمغرب العربي
وأسبانيا. ولم تعرف اليهودية علم كلام أو فلسفة أو فقها إلا
بفضل نماذج هذه العلوم في الحضارة الإسلامية. سعيد بن يوسف
الفيومي مثل الفارابي ومعاصريه، بهيا بن باقورة مثل مسكويه،
ويهودا هاليفي مثل الغزالي، وموسى بن ميمون مثل ابن رشد. ولأول
مرة عرفت اليهودية بالحكمة العقلية والبراهين الفلسفية بعيدا
عن العنصرية والاختيار. وفي الفلسفة الغربية الحديثة ظهرت
النزعة الشاملة في القرن السابع عشر إبان الليبرالية الغربية
عند اسبينوزا الذي نقد العهد اليهودي المحافظ، المادي، أحادي
الطرف، المجاني غير المشروط، ونادى بعهد آخر أخلاقي تبادلي
مشروط، نقلا للديكارتية من المسيحية إلى اليهودية. ونقل موسى
مندلسون الكانطية والفلسفة النقدية إلى اليهودية جاعلا مدينة
القدس أثينا جديدة، عاصمة التنوير. النزعة الخصوصية مورثة من
الداخل والنزعة الشاملة وافدة من الخارج. بل إن بعض التيارات
اليهودية المعاصرة مثل الظاهراتية الاشتراكية عند بوبر أو
الوجودية اليهودية عند روزنزفيج تدعو إلى التحرر عن طريق تحرير
الوجدان والذات والوجود الإنساني الفردي والاجتماعي وليس عن
طريق الكيان الصهيوني.
3- نموذج
الدولة اليهودية في القرن الماضي
كان القرن
التاسع عشر هو عصر القوميات الكبرى، الألمانية والفرنسية
والإيطالية والروسية والأمريكية. الوحدة المتجانسة القائمة على
العرف واللغة والأرض والتاريخ والدين والثقافة. نشأت في العصر
الرومانسي الذي كانت غايته العودة إلى الأرحام والارتباط
بالجذور الأولى حيث منشأ الروح الذي تجلى في التاريخ، واتحد
بالطبيعة. واندلعت الحروب بين القوميات من أجل استقرارها على
الأرض والاعتراف بحدود ثابتة لها طبقا لصراع القوى في ذلك
الوقت. نشأ الفكر القومي اليهودي على هذا المنوال. وترك فلسفة
التنوير عند اسبينوزا ومندلسون. ورفض عرض نابليون على يهود
فرنسا أن يكونوا مواطنين فرنسيين متساوين في الحقوق والواجبات
مع باقي الفرنسيين. وتحولت الصهيونية من نزعة روحية، المحافظة
على التراث اليهودي والتمسك بالهوية الثقافية اليهودية ضد
مخاطر التمثل والاستيعاب والذوبان في باقي القوميات وثقافاتها
في القرن الثاني عشر عند الكالي إلى صهيونية سياسية ترى حل
المسألة اليهودية على النموذج القومي الأوروبي في القرن التاسع
عشر. الدولة كما تصورها هرتزل. ولما ضاقت القوميات بحدودها
انتشرت خارجها وتحولت إلى غزوات استعمارية في أفريقيا وآسيا
وأمريكا اللاتينية خارج الحدود الأوروبية الأمريكية. وللمرة
الثانية تم تصور الكيان الصهيوني خارج حدود أوروبا وأمريكا، في
الأرجنتين في أمريكا اللاتينية أو جابون في أفريقيا أو فلسطين
في آسيا. ولما كانت الصهيونية السياسية في القرن التاسع عشر من
النزعة الخاصة فقد وقع الاختيار على فلسطين. ففيها يتحقق
العودة إلى الأرحام، والنشأة الأولى، وعليها عقد العهد الأول،
عهد نوح وإبراهيم وموسى. وهي أرض الميعاد التي بها المدينة
والمعبد والهيكل. وفي نفس الوقت كانت فلسطين مع العرب من
ممتلكات "الرجل المريض" مطمعا للقوى الأوروبية الناهضة لا
تحميها إلا الجيوش العثمانية. كلها فراغات. فلسطين أرض بلا شعب
واليهود شعب بلا أرض.
ولما كانت
فلسطين جزءا من دولة الخلافة، وأراد اليهود الغربيون شراءها من
السلطان رفض السلطان بيعها. فأمانة التاريخ لا تباع. كما رفض
محمد علي التنازل عنها، وفتح الشام حفاظا عليها وتوحيدا لمصر
الشام والسودان وشبه الجزيرة العربية من أجل رد الحياة إلى
دولة الخلافة بزعامة مصر. ولما خسرت تركيا الحرب الأولى
استعمرت بريطانيا ممتلكاتها في مصر والسودان وفلسطين والعراق
واليمن والخليج. وأستعمرت فرنسا سوريا ولبنان والمغرب العربي.
واحتلت إيطاليا ليبيا والصومال. وبدأت الهجرات التطوعية الأولى
في فلسطين كمواطنين داخل الدولة العثمانية طبقا لنظام الملة.
تحولت بعدها إلى هجرات منظمة بعد احتلال بريطانيا ووعد بلفور
من أجل إنشاء وطن قومي لليهود. وكلما ازدادت الهجرات في
المزارع الجماعية زادت المقاومة الفلسطينية حتى ثورة عز الدين
القسام قبيل الحرب الثانية. وتحت غطاء الإحساس بالذنب للمحرقة
أثناء الحكم النازي لألمانيا ازدادت الهجرات بعد الحرب حتى
تأسيس الكيان الصهيوني في 1948 على نصف فلسطين ثم على ثلاثة
أرباعها بعد هزيمه 1948 وعليها كلها بعد هزيمة 1967. وبفضل
حرب 1973 بدأت مشاريع التسوية في مدريد 1991 وأوسلو في 1994
واتفاقيات القاهرة وواشنطن وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية
على نصف الضفة الغربية حتى محادثات الوضع النهائي. وموازاة
لابتلاع فلسطين تدريجيا ينشأ الكيان الصهيوني ويتوسع شيئا
فشيئا من الهجرات الأولى حتى قيام الكيان السياسي في 1948 حتى
عدوان 1956 ثم عدوان 1967 حتى استسلام الإرادة العربية
والاعتراف به منذ زيارة القدس في 1977، واتفاقية كامب دافيد في
1978، واتفاقية السلام في 1979 ووادي عربة في 1994. ومازال
الكيان الصهيوني يخطط لعصر "إسرائيل" الكبرى التي لا حدود لها
جغرافيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا حتى يرث القومية
العربية، ويصبح هو أداة التحديث للعرب. ويقوم بدور مصر المركزي
بعد تهميشها. وفي عصر العولمة واقتصاديات السوق لا شئ يحول دون
اندماج العرب فيه بأموالهم وأسواقهم دون إرادتهم الوطنية
المستقلة.
4- الكيان
الصهيوني في هذا القرن
كان الهدف من
إنشاء الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي هو إيجاد نقطة
انطلاق للاستعمار الغربي وجسرا يمتد إليه. فهو قلعة متقدمة
للغرب داخل الشرق. وقد قام الكيان بما وُكل إليه في العدوان
الثلاثي عام 1956 بالتعاون مع فرنسا وإنجلترا وفي عدوان 1967
بالاعتماد على الولايات المتحدة. تستغل المياه والأرض والتربة
والعمالة والأسواق العربية. وتقوم على القوة والمادة والربح
ولعب دور الإمبراطوريات الكبرى في القرن الماضي، وتقوم وسط
أفريقيا لحصار مصر والعرب من الجنوب. وتتعامل مع الجمهوريات
الإسلامية في أواسط آسيا حتى الصين لتجفيف منابع التأييد
العربي عن المسلمين في آسيا. وتتحالف مع تركيا لحصار سوريا من
الشمال. وتجد التأييد الفعلي العلمي والصناعي في الغرب
الأوروبي الأمريكي.
وفي نفس
الوقت ينحسر المشروع التحرري العربي من تحرير فلسطين إلى إزالة
آثار العدوان إلى الدولة الفلسطينية على مجموع التراب الوطني
الفلسطيني إلى السلطة الوطنية الفلسطينيه. ويعادي العرب إيران
وما زال مشروعها التحرري لفلسطين هو مشروع العرب الأول. ويخسر
العرب باقي دول الجوار في آسيا مثل تركيا وفي أفريقيا مثل دول
القرن الأفريقي. وتبدأ سلسلة من التنازلات العربية ليس فقط على
الأرض ولكن أيضا في الشعور والوجدان بداية بالاستسلام والإحساس
بالعجز والضياع والهوان وامتهان الكرامة وقبول الأمر الواقع،
والتأقلم مع النظام العالمي الجديد. فالعولمة قدر لا يمكن
الفرار منه، والحداثة تطحن من لا يقوى عليها، ولا مكان للضعفاء
بين الأقوياء. تضيع النخوة العربية شيئا فشيئا، ويشتفى الشر
والخيال من الوجدان. تاريخ الصهيونية الحديث يتقدم من الدولة
اليهودية في ذهن هرتزل إلى الهجرات الأولى إلى وعد بلفور إلى
الجماعات المسلحة الاستيطانية الأولى إلى تأسيس الكيان في 1948
إلى عدوان 1956 إلى الاستيلاء على فلسطين كلها 1967 إلى فرض
الإرادة الصهيونية والمشروع الصهيوني على العرب منذ اتفاقيات
السلام. وتاريخ العرب الحديث من قيام إلى نقوص، محمد علي ثورة
1919، الثورة العربية الأخيرة التي جسدتها الناصرية، من ضياع
نصف فلسطين إلى ضياع الكل إلى عصر تفتت العرب وتشرذمهم
والعدوان فيما بينهم، وتحول الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق.
والسؤال
الآن: هل حلّ قيامُ الكيان الصهيوني المسألةَ اليهودية؟ هل
ساعدت نشأة الكيان الصهيوني على جعل اليهود أكثر قبولا لهم أو
هم أكثر قبولا لجيرانهم؟ لم يحصل اليهود على الأمان المطلوب
بإنشاء الكيان الصهيوني بل عاشوا في جيتو كبير بدلا من الجيتو
الصغير. لا يتعامل مع غيره من غير اليهود. لا يشعر بالأمان إلا
إذا أحيط باليهود من كل جانب. يشعر بالذنب، طرد شعب من أرضه
والاستيلاء على ثرواته. ولا تتقادم السرقات خاصة وأن جسم
الجريمة شعب بأكمله في الخيام وفي المنفى. بل ويرفض اليهود
التعايش مع الآخرين متساوين في الحقوق والواجبات في دولة
متعددة الأطراف والملل لأن ذلك سيفقدهم مقومات وجودهم الخاص.
يعيشون على معاداة السامية. وبقدر ما تقوى النزعة المعادية
للسامية تقوى الصهيونية وتجد مبررا لوجودها. بل إنهم كثيرا ما
يساعدون في خلقها حتى يجدون المبرر لعقدة الاضطهاد. وبقدر ما
يتسع نشاطهم وتقوى سلطتهم الاقتصادية والسياسية بقدر ما يزداد
العداء لهم في السر أو العلن. بل كثيرا ما يكونون وراء سقوط
العديد من الدول العظمى مثل نهاية الاتحاد السوفييتي. ويسيطرون
على مراكز التفكير والقرارات في الولايات المتحدة خارج البيت
الأبيض وداخله. ويتوعدون من يخرج على الطوع أو من يرفض التبعية
مثل الجنرال ديجول بعد عدوان 1967 ومحمد محاضر رئيس وزراء
ماليزيا وتحميلهم مسؤولية الأزمة المالية في آسيا. وما من
منظمة دولية إلا وهم داخلها لتوجيهها لخدمة مصالحهم الخاصة.
وإذا تم
للكيان الصهيوني تأمين نفسه ضد المخاطر الخارجية فإن المخاطر
الداخلية أعظم. فقد نشأ الكيان على أكتاف اليهود الغربيين
الأكثرتحضرا وعلما. ثم تمت هجرة اليهود الشرقيين بعد 1948 من
مصر والعراق والمغرب واليمن. ونشأ صراع مكتوم أو معلن بين
"الاشكناز" و "السفرديم ". بيد اليهود الغربيين كلُ مظاهر
القوة والسلطة، واليهود الشرقيون لهم العمالة والخدمة. كما أن
هناك صراعا بين العلمانيين وهم دعامة الحكم والمتدينين الذين
يوغلون في التطرف الديني كدعامة للتطرف السياسي، حرب داخلية
حول هوية الكيان، قوانينه وأساليب حياته. ولما كانت الصهيونية
قد قامت على أساس عرقي ظهرت مشكلة اللون، اليهود البيض قي
مقابل اليهود السود "الفلاشة" المهاجرين من الحبشة. ويصل
اللون إلى الدم، الدم الأبيض والدم الأسود. بل يوجد صراع مكتوم
بين اليهود والمهاجرين، الرعيل الأول، واليهود المولودون في
فلسطين "الصابرا" الذين لا يعرفون لهم موطنا آخر هاجروا منه
كما فعل الآباء. وأخيراً هناك الأغنياء والفقراء، المسألة
الاجتماعية التي تفرق أبناء الملة. فالصراع الاجتماعي هو الذي
يجلب الصراع الطائفي. والطبقة أحيانا تضم الملة وتحتوي
الطائفة.
وبدلا من حل
المسألة اليهودية نشأت المسألة الفلسطينية. إخراج شعب من أرضه
ونهب ثرواته.
إحضار يهود
العالم من الدياسبورا إلى العاليا، وإبعاد عرب فلسطين من
العاليا إلى الدياسبورا. ونشأت المسألة العربية باحتلال جنوب
لبنان والجولان والتهديد بالعدوان لدول الجوار بل لمنابع النفط
ولإيران، لثروات العرب وثروة المسلمين. وازداد التطرف والعنف
في الوطن العربي، تطرف بتطرف، وعنف بعنف. ويتم التخطيط لتجزئة
الوطن العربي بين عرب وبربر في المغرب العربي، عرب وأكراد
وشيعة في العراق، مسلمين وأقباط في مصر، مسلمين ومسيحيين في
السودان بين الشمال والجنوب، زيدية وشافعية في اليمن، سنة
وشيعة في الخليج، بدو وحضر في شبه الجزيرة العربية، عرب
وأسيويين في عمان والإمارات، أصلاء وبدون، وطنيين ومهاجرين،
علمانيين وسلفيين إلى آخر هذه الثنائيات التي تنحر بالتجزئة
والتشرذم في الجسم العربي.
5- النموذج
الأندلسي
لقد قام
الميثاق الوطني الفلسطيني منذ البداية على أن حل المسألة
اليهودية والفلسطينية إنما يتم في إطار دولة ديموقراطية متعددة
الثقافات والملل، يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات.
وهو ليس حلما طوباويا بعيد المنال أو تكتيكا سياسيا لتصفية
الكيان الصهيوني بل هو النموذج الأندلسي القديم الذي عاش فيه
المسلمون واليهود والنصارى كعرب في طليطلة وغرناطة وأشبيلية
وقرطبة. وكان هو العصر الذهبي للحضارة اليهودية حيث نشأت
علومهم العقلية مثل الكلام والفلسفة والتصوف والأصول، وعلومهم
النقلية مثل اللغة والنحو وعلومهم العقلية في الرياضيات
والطبيعيات بفضل وجودهم في الحضارة العربية. يكتبون بالعربية
أو بالعربية بحروف عبرية، ويعيشون بين المسلمين. بل إن اليهود
كانوا يذهبون للقضاء الإسلامي لأنه اكثرعدلا من القضاء اليهودي
لا يحابي ولا يظلم. وما حدث في الأندلس حدث أيضا في مصر وتونس
والعراق واليمن. فقد جمع اليهود بين العروبة والثقافة
الإسلامية أسوة بالمسلمين والنصارى وكان منهم الأطباء
والحكماء والعلماء في بلاط الخلفاء. كان ابن ميمون طبيب
الكامل. ووصل حسداي ابن شبروط إلى منصب وزير التجارة وله
تجارته وربحه. وراسل حسداي ابن باجة. وظهر حيوى البلخي داعيا
ومصلحا لليهودية قبل اسبينوزا معبرا عن روح الاعتزال. وتكونت
فرقة القرائين على نموذج المتكلمين المسلمين في مقابل
الربانيين. كان القرّاؤون يقولون بالتأويل العقلي للنصوص،
وبالكتاب وحده مصدرا. وينفون التصور العنصري الخاص للميعاد. بل
إن من كبار فلاسفة التنوير اليهودي في العصر الحديث من تلامذة
المسلمين مثل اسبينوزا. وينقد الإسلام بعض الانحراف في
اليهودية من اليهودية إلى الصهيونية بعقيدة العهد أو الميثاق
اللا أخلاقي المادي غير المشروط المناقض لقانون الاستحقاق. كما
ينقد تحريف التوراة والوقوع في الحرفية والصورية والمظهرية
التي قد تخفي غير ما تبطن، وتؤسس النفاق. ويقد العصيان
اليهودي، والغدر بالناس، والكفر بالأنبياء وقتلهم، أي قسوة
وغياب الرحمة، وهي المكونات الرئيسية للصهيونية الدينية
والسياسية.
إن الذي يمنع
اليهود الآن أن يصبحوا يهودا من النزعة العامة وانضوائهم تحت
النزعة الخاصة هو رد فعل على التنوير الأوروبي، ونموذج
القوميات والتغريب. أصبح اليهودي غريبا عن تراثه. يتبنى القيم
الغربية تاركا قيمه الموروثة، يستمد هويته من الأرض والعرق،
ومتصورا أمنه في الحدود الجغرافية الآمنة في العلم والنشيد
والعلاقات الدولية والقوة وليس في أمنه الداخلي، مساواته لغيره
من البشر، لا أكثر ولا أقل. تربطه بالناس قيم أخلاقية وبباقي
الشعوب. مأساة اليهودية الآن مأساتان: الأولى التغريب وتبنيه
قيما ليست نابعة منه، نموذج الدولة القومية الدينية الطائفية
العرقية النازية. لذلك حدث الصدام بينها وبين النازية
الألمانية. هذه هي الصهيونية وليست اليهودية. هوية اليهودي
تأتي من إيمانه بالله وبالأنبياء، بالعقيدة والشريعة. وصدقه
في التزامه بالتوراة. والنازية الأرثوذكسية السياسية التي تقرأ
التراث اليهودي أيضا كما تقرأه الصهيونية العلمانية، وتعيد
إبراز النزعة الخاصة في التوراة والتلمود. لا فرق إذن بين
الصهيونية العلمانية والصهيونية الدينية إلا في المنبع وليس في
المصب، في الوسيلة وليس في الغاية. وكلاهما صهيونية سياسية
تريد العودة إلى جبل صهيون لتأسيس الكيان الصهيوني. أما
التيارات اليهودية الأخرى فما زالت أقرب إلى اليهودية منها إلى
الصهيونية، مثل اليهودية الإصلاحية التي تريد كيانا يهوديا
سياسيا دون صهيونية، دولة يتعايش فيها الجميع، أقرب إلى نموذج
الميثاق الوطني الفلسطيني، واليهودية الأرثوذكسية التي ترفض
الكيان السياسي، ويريد المحافظة على التراث الروحي اليهودي.
فالخلاص ليس بالدولة وليس الآن بل بظهور المخلص في المستقبل،
استمرارا للصهيونية الروحية، التيار الصوفي في التنوير
اليهودي. اليهودية الإيمان بإله موسى في السماء وبالتوراة على
الأرض. وهي اليهودية التي يعبر عنها القرآن في نقده لعقيدة
العهد أو الميثاق في النزعة الخاصة، ودفاعه عن النزعة العامة
التي يمثلها الإسلامي، ويستأنفها ويطورها في ميثاق أخلاقي جديد
من أجل وضع دستور لجماعة مؤمنة جديدة تحقق رسالة الأنبياء على
الأرض، المساواة بين البشر بعد تحرير الضمير.
د. حسن حنفي
مفكّر وكاتب
مصري، أستاذ الفلسفة
بكلية
الآداب، جامعة القاهرة |