المشترك الأمريكي الإسرائيلي... و"طاقم تفكير" الجنرال اشكنازي!

عبد اللطيف مهنا

لا يكتم الإسرائيليون هذه الأيام مفاخرتهم بأن الأمريكان لم يعودوا مجرد المتهمين بالانحياز الأعمى لهم, أو الواقفين من ورائهم دعماً وحماية وتغطية وتبريراً, وإنما أصبحوا الواقفين معهم جنباً إلى جنب في ذات الخندق, وقد يسبقونهم, كما هو راهن هذه الأيام, في المبالغة في معاداة من يعاديهم, أو حتى يجرؤ على أن يخدش أو يمس, من قريب أو بعيد, الأفضلية وحتى العصمة شبه المطلقة لكيان أمريكا اليهودي المختار المغروس عنوة في قلب الوطن العربي!

نحن هنا لا نبالغ أو نلقي الكلام جزافا,ً إذ تكفي الإشارة لما تعكسه وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه الأيام لتأكيد ما ذهبنا إليه, وخصوصاً بعد أن برأت الولايات المتحدة, عبر أممها المتحدة, ساحة ربيبتها المدللة إسرائيل  من دم الأغيار العرب المسفوح جهاراً نهاراً وأمام عيون كل شعوب الأرض في مخيم جنين الشهيد ومدينة نابلس وسواهما, فكذبت عبر هيئتها الدولية, التي غدت قسماً ملحقاً لوزارة خارجيتها, كل عدسات أجهزة إعلام الكون, وكل وثائق وشهادات جمعيات حقوق الإنسان, وأقوال ذوي الضمائر الحية من كل شعوب المعمورة, ممن كانت لديهم الجرأة على المجازفة بقول الحقيقة أمام سلطان أحادية القطبية المتفردة الجائر... فهاهي بعد أن كانت قد أوعزت, كما هو معروف, للأمين العام لهيئة أممها المتحدة بإلغاء لجنة تقصي الحقائق إثر مذبحة المخيم, في حينها, وقد سارع ففعل, تطلب مؤخراً من تلك الهيئة الدولية المبجلة, أن تنقلب على كل أعرافها ومواثيقها, والأخلاقيات الإنسانية التي سوّغت قيامها, وأعطتها مكانتها الاعتبارية المفترضة بين الأمم التي تنتمي إلى عضويتها, وترتكب مخالفة أبسط ما يقال فيها أنها غير قانونية, ولا يمكن تبريرها,حين تنشر تقريراً حول المذبحة التي كانت قد سبقت وأن ألغت لجنتها لتقصي الحقائق حولها, وتعلن للعالم, هكذا ودون عناء ذاك التقصي, براءة إسرائيلها, بإنكارها وجود مثل هذه المذبحة, التي سبق وأن أكدتها تصريحات مبعوث الأمين العام نفسه تيري رودلارسن بعيد المذبحة مباشرة, عندما اعتبر ما حدث جريمة حرب فاقت التصور, وزيادة على ذلك تحميل الفلسطينيين في هذا التقرير مسؤولية ما حدث في المخيم مناصفة مع المعتدين, أو في المحصلة المساواة بين الضحية والجلاد... لا غرابة في كل ما تقدم, خصوصاً ونحن نسمع هذه الأيام ردود الأفعال الغاضبة الصادرة عن البيت الأبيض رئيساً وناطقاً باسم الرئيس, وسائر رموز الإدارة الأمريكية, صقوراً بنتاغونيين أو حمائم من وزارة الخارجية, إزاء العمليات الفدائية الفلسطينية الأخيرة. وهي ردود أفعال ربما فاقت في تشنجها بعض الأحيان ما يصدر عن الإسرائيليين. بل لعل الرئيس, وإدارته من بعده, كان أكثر غضباً وأشد حدةً, وحتى مرارة من شارون نفسه, وهو يشير شاجباً ومندداً, وأثناء استقباله لملك عربي, إلى العملية الفدائية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في الجامعة العبرية شرقي القدس المحتلة... الأمر الذي أقل ما يمكن القول فيه أن كان شبه معدوم, أو على الأقل لم يبين منه أضعفه, أو يبدو حتى النزر اليسير منه, ولو نفاقاً, من قبل الإدارة ورئيسها, وهم يشاهدون عبر شاشات التلفزة دون أن يرف لهم جفن, أشلاء الأطفال الفلسطينيين التسعة, وباقي جثامين الشهداء من الضحايا الستة عشر, ترفع من تحت أنقاض حي الدرج المنكوب, إبان مجزرة غزة البشعة, والتي كانت أداتها, كما يعلم هذا الرئيس وإدارته, طائرة أف-16, وقنبلة تزن طناً, وكلاهما أمريكيتا الصنع..!

ما تقدم حدا بصحيفة إسرائيلية مثل هآرتس, إلى أن تلاحظ ما دعته بتغيير أساسي "في المنهج الأمريكي تجاه المنطقة", إثر المجزرة, حيث رأت أن من فوائد هذه الجريمة, أو ما تكشف عنها, هو أن "واشنطن وإسرائيلها تصارعان الآن, لأول مرة في تاريخهما, أعداء مشتركين"! لقد أصابت الصحيفة فيما لاحظت إجمالاً, إلا أنها لم تأتي بجديد, وجانبتها الحقيقة في مسألة واحدة, ألا وهي رؤيتها المزعومة لكون هذا الصراع الأمريكي- الإسرائيلي المشترك, ضد عدو هو أيضاً مشترك, أي العرب, قد أصبح مشتركاً لأول مرة! والحقيقة أنه كان دائماً كذلك, لكنه الآن غدا أكثر وضوحاً, وانكشافاً, أو علانيةً, إذ لم تعد ورقة التوت الديبلوماسية ذات جدوى في ستر قبحه, أو هو لم يعد في حاجة إليها, وفق نهج ومنطق الإدارة الأمريكية الحالية. والأمر الذي بدأ أكثر قبحاً ووقاحةً, بل وخطورةً, في موقف مندوب الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن جون نيغرو بونتي,إثناء مناقشة الشكوى العربية بعيد المجزرة, والمسعى العربي الذي لم يكتب له النجاح, لاستصدار قرار من المجلس يدينها. لقد أقدم المندوب الأمريكي على سن بدعة جديدة تحاول بلاده بصفاقة فرضها, من الآن فصاعداً, كسقف يتحكم في كل قرارات هذه المؤسسة الدولية حيال أية مناقشة تتعلق بالمسألة الفلسطينية, عندما اشترط سلفاً أربعة اشتراطات لا مناص منها, لكي تسمح بلاده بتمرير أي قرار تتخذه حولها. وهي: أن يشتمل هذا القرار على "إدانة حازمة", للإرهاب. وأخرى "صريحة" لثلاث حركات فلسطينية مقاومة هي, كتائب الأقصى, وحماس, والجهاد الإسلامي. وعدم المطالبة بانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من المناطق المسماة "أ", التي احتلها أو أعاد احتلالها بعد عملية الأسوار الواقية. وعدم ربط مسألة الانسحاب هذه من عدمها بمطلب أمريكي - إسرائيلي دائم هو وقف ما يدعوه الطرفان ب "العمليات الإرهابية". يضاف إلى ذلك, وهذه إكليشة أصبح لا بد منها, التزام جميع الأطراف بضرورة التوصل إلى تسوية سلمية... وهي تسوية من نافل القول, أنها ذات شكل ومضمون لا يخرجان قيد أنملة عن رؤية بوش الشهيرة ذات الأصل الشاروني لها.

*                      *                      *

وحيث وصل التطابق, بشهادة شاهد من أهله, مرحلة المشاركة الكاملة والمعلنة بين العدوانيتين الأمريكية والإسرائيلية ضد العرب عبر فلسطين وقد يكون قريباً العراق, وتبدى ذلك واضحاً أولاً, في السياسة: عبر مجلس الأمن, والرباعية, وردود الأفعال تجاه الرد الفلسطيني المقاوم على جرائم الاحتلال, وسائر الحركة السياسية الأمريكية في المنطقة, وثانياً في الدعم المعنوي والمادي والعسكري اللامحدودة والمستمر من قبل واشنطن لتل أبيب...وآخر تجليات ذلك, وكغيض من فيض, هو تخصيص الكونغرس لمبلغ 200 مليون دولار, تقدم لإسرائيل فقط لمكافحة العمليات الاستشهادية... يلح علينا كعرب السؤال التالي: ولكن هل ينجح هذا التطابق, وهذا العدوان المشترك, أو هذه الحرب الأمريكية – الإسرائيلية المتصاعدة, التي تشن بكل ما لدى الطرفين أو بالأحرى الطرف الرئيسي فيها, أي الولايات المتحدة, من قدرات عسكرية ومادية وسياسية وحتى ثقافية وإعلامية, في كسر الإرادة العربية الفلسطينية المقاومة للاحتلال؟

قبل محاولة الإجابة ربما علينا أن نعترف أولاً بأن الشعب الفلسطيني الأعزل, والذي هو جزء صغير من هذه الأمة الكبيرة المغيبة, والمخذول من قبل النظام العربي الرسمي, يعيش اليوم لحظة مصرية فادحة التكلفة, يقدم فيها تضحيات غير مسبوقة في جسامتها, وتعد منطقياً فوق قدرته, أو قدرة أي شعب آخر يعيش ظروف مماثلة, أقل ما يقال عنها أنه يواجه فيها وحيداً, وظهره للحائط ,حرب إبادة حقيقية, وفي ظل ميزان قوى مختل بشكل درامي... لكن وعند الشروع في الإجابة نجد أنفسنا تلقائياً نقول أن : هذا الشعب المجاهد, ووفق ما يدلل عليه واقع حال, يكشف مع الأيام عن أعلى درجات الاستعداد المتعاظم لمواصلة هذه التضحيات, ودفع أغلى وأبهظ الأثمان عند الضرورة, مقابل حريته وتحرير ترابه الوطني. وإذ أثبت حتى الآن قدرة غير معهودة على الصمود, , فإنه أثبت في نفس الوقت تميزه في امتلاك

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى| رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة