هل يتمتع العرب حقاً بالاستقلال ؟

( باتريك سيل )


      هزَّ مشاعري، شأن سائر الناس، ما أعلن الاسبوع الماضي عن تمزق أجساد خمسة تلاميذ فلسطينيين من غزة، إرباً إرباً، بفعل جهاز مفخخ، وضعته علي طريق التلاميذ الي المدرسة! هذا العمل هو، بالتعريف، عمل ارهابي!
هل طالب أحد حتي الآن بأ
ن يلقي القبض علي مرتكبي هذا العمل الشرير احياء أو أمواتاً . هل أعلن أي زعيم عربي ان علي العالم المتحضر ان يحدد موقفه اما معنا أو ضدنا في مواجهة ارهاب اسرائيل ضد الفلسطينيين، ام ان التلاميذ الخمسة سيضافون، وبصمت كامل، الي قائمة جرائم شارون الطويلة؟
لقد رفض الرئيس جورج بوش ان يلتقي بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، بل انه رفض ان يصافحه في أروقة الأمم المتحدة، ولكن الاستعدادات تجري علي قدم وساق لاستقبال شارون، رئيس وزراء اسرائيل، في البيت الأبيض. فهل هناك دليل أكثر وضوحاً علي الانحياز الأميركي لاسرائيل؟
سيكتشف العرب قريباً جداً ان مهمة المبعوثين الأميركيين الي الشرق الأوسط، انطوني زيني الجنرال السابق في البحرية الأميركية، ووليام برنز مساعد وزير الخارجية الأميركي، محدودة جداً: انها لن تتجاوز - استنتاجاً من أقوال الرئيس بوش، ووزير خارجيته كولن باول - المفاوضة علي وقف اطلاق النار، بهدف الامساك بالعرب داخل التحالف الأميركي ضد الارهاب، لا بهدف التوصل الي تسوية للاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهذه مهمة لا تبشر بالنجاح!
كان ينبغي ان تكون المهمة الجوهرية للمبعوثين الأميركيين هي وقف حرب شارون ضد الشعب الفلسطيني، والمطالبة باجراء مفاوضات علي أساس ما تم انجازه في الأسابيع الأخيرة من رئاسة كلينتون.
ان العنف الاسرائيلي - مثل اغتيال أحد قادة حماس محمود ابو هنود، والتدمير الروتيني للمنازل والحقول الفلسطينية، والحصار المستمر للشعب الفلسطيني - هو الذي يوّلد العنف الفلسطيني، كما حدث هذا الاسبوع عند اصابة بعض الاسرائيليين في العفولة شمال اسرائيل، وفي قطاع غزة. ان هذه المجازر الثأرية تظهر افلاس سياسة شارون الأمنية، كما تؤكد الحاجة الماسة الي ان تفرض الولايات المتحدة حلها وتسويتها. ولكن، يا للأسف، هذا طموح لا يمكن ان يحصل عليه العرب من الادارة الأميركية الحالية، المستغرقة كلياً في حربها ضد الارهاب؟
هل ينبغي محاكمة شارون؟
وضع الصحافي الاسرائيلي أمنون كابليوك، في عدد تشرين الثاني (نوفمبر) من صحيفة لوموند ديبلوماتيك قائمة مفصلة بجرائم ارييل شارون الملطخة بالدماء، ووفقاً لهذه القائمة فقد أقدم شارون علي نسف 45 منزلاً بسكانها الآمنين، في قرية قبية في الضفة الغربية في اوائل الخمسينات. واغار في شباط (فبراير) 1955 علي معسكر مصري في غزة فتسبب في مقتل 38 جندياً، مما دفع بالزعيم عبدالناصر الي الارتماء في أحضان السوفيات. واستتبع جريمته هذه في شهر كانون الأول (ديسمبر) بغارة دموية علي موقع سوري بالقرب من بحيرة طبريا، تسبب في مقتل 65 سورياً. وفي أوائل 1970 قتل مئات من الفلسطينيين في غزة وطرد آلاف البدو من رفح، بعدما أشعل النار في خيامهم، وختم بالشمع الأحمر ينابيع المياه في أرضهم. وفي عام 1982 دمر مستوطنة ياميت ليظهر حقده الأعمي واستنكاره لقرار اسرائيل الانسحاب من سيناء.
ثم بدأ غزوه للبنان في حزيران 1982، وقصفه لبيروت بالمدفعية الثقيلة، مما تسبب في مقتل 15000 مدني لبناني وفلسطيني، وجرح عدد لا يمكن احصاؤه، وبعد شهر واحد أشرف شخصياً علي مذبحة نكراء في صبرا وشاتيلا، فتسبب في ذبح ألف فلسطيني - معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ - وهذه جريمة قد يحاكم عليها في بلجيكا، إذا نجحت مساعي المحامي اللبناني شبلي الملاط. وهناك ما لا يقل عن 700 فلسطيني قتلوا، هذا العام، في الأراضي المحتلة، كما جرح الآلاف، ناهيك عن التشريد والطرد والحرق. هذا هو القاتل الذي يتجرأ ويتحدث عن الارهاب الفلسطيني.
لقد بدأت هذا الاسبوع في فرنسا محاكمة الجنرال اوساريس الذي كان يرأس الوحدات الخاصة الفرنسية في الجزائر. انه متهم بقتل وتعذيب آلاف الأسري الجزائريين خلال عامي 1955 - 1957، ابان حرب فرنسا الاستعمارية ضد جبهة التحرير الجزائرية. وقد برر الجنرال اوساريس أعماله، في كتاب حديث علي أساس ان اجراءات الأمن التي تتخذ في الوقت المناسب يمكن أن تنقذ آلاف الناس . ويتهمه قضاته بأنه يقدم جرائم الحرب تحت نور كاشف ايجابي .
والمثير في هذا الكتاب هو الاعتراف بأنه إذا رفض أحد المتهمين الاعتراف تحت التعذيب، فينبغي قتله. وإذا اعترف فلا بد من تنفيذ حكم الاعدام فيه. واذا ثبت أن له علاقة ولو غامضة وغير مؤكدة بالنشاطات المعادية لفرنسا، فلا بد من اطلاق الرصاص عليه لتجنب الاشكالات القانونية . باختصار، هذه صفحة سوداء في تاريخ الاستعمار الفرنسي يتوجب علي
الفرنسيين أن يتخلصوا منها.
ان شارون، هو الآخر، يخوض حرباً استعمارية مشابهة. انه يبرر الاختطاف والتعذيب، وقتل الناشطين الفلسطينيين متذرعاً بأن ما يفعله هو ضروري لحماية المواطنين الاسرائيليين وقد مرت جرائمه كلها حتي الآن بدون عقاب. وما يثير الدهشة بل والحيرة هو هذا الصمت العربي المطبق. هناك اعتراضات، في أحسن الأحوال، يدلي بها بعض الرسميين العرب علي ما يجري في فلسطين ولكنها اعتراضات ضعيفة، ولا ترقي الي مستوي التنسيق المتكامل.
تهديد العراق
وهناك صمت عربي مطبق أيضاً حول قضيتين في غاية الأهمية علي رغم انهما يتهددان العالم العربي بأفدح العواقب.
القضية الأولي هي النقاش الحاد الدائر حالياً في الادارات الرسمية الأميركية في واشنطن، وفي اجهزة الاعلام حول النظام العربي المرشح للتدمير بعد الفراغ من حرب افغانستان . الملاحظ ان عراق صدام حسين هو النظام المفضل الذي يحظي بنقمة هذه الدوائر، ان لم يكن هو النظام الوحيد !
يحرض ريتشارد بيرل، رئيس مجلس السياسة الدفاعية للولايات المتحدة - للمجلس نفوذ واسع، وله تأثير مباشر في دونالد رمسفيلد وزير الدفاع الأميركي - علي القيام بهجوم اميركي خاطف علي العراق وايران وسورية ولبنان والسودان واليمن والصومال، كما انه يطالب بمعالجة موضوع حماس، وحزب الله بمنتهي الصرامة، مكرراً: هذه المنظمات هي اعضاء في ذات الكونفيديرالية الارهابية كتنظيم القاعدة تماماً .
وفي حديث أدلي به الي صحيفة فرنسية هذا الاسبوع، أظهر بيرل هذا اغتباطه لأن مذهب بوش لا يميز بين الارهابيين والدول التي ترعي أو تساند الارهاب . وهو يقول بكل صرامة: علي الولايات المتحدة، حالما تفرغ من تدمير طالبان والقاعدة، ان تدمر بقية الأنظمة التي تساند الارهاب .
ومما يجعل الأمور أكثر خطورة ان بيرل هذا ليس وحده في الدعوة الي الأخذ بهذا المنطق الهجومي. هناك رسميون، في مناصب رفيعة يحرضون في ذات الاتجاه، ويؤكدون بأن الدبابات وحدها قادرة علي أن تخلصنا من هذه الأنظمة الارهابية مثل العراق، وأنظمــة أخـــري!

هل احتج الملوك والرؤساء العرب، لدي البيت الأبيض علي هذه الدعوة الصريحة السافرة للقتل؟ هل استدعي وزير خارجية بلد عربي ما السفير الأميركي ليفسر له ما المقصود بهذه الأقوال، هل وجهت الجامعة العربية أي احتجاج؟ هل رفعت القضـية الي مجلـــس الأمــن؟
القضية الثانية التي تلفت النظر، من الأسابيع الأجهزة، هي ارتفاع حدة الهجوم في وسائل الاعلام الأميركية ضد نظامي مصر والسعودية. يوصف النظامان بأنهما فاسدان لا ديموقراطيان بل يقال ان مجتمعيهما فاشلان . ويشار اي ان الصحف والجامعات والسلطة الدينية في هذين البلدين تؤكد الكراهية وعدم التسامح والتطرف اللاسامية .
واسمحوا لي ان استشهد بمثال واحد ضمن امثلة كثيرة متوفرة بغزارة مارتن انديك، وهو من الناشطين في اللوبي المناصر لاسرائيل والذي تمكن من ان يصل الي مرتبة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، ثم الي مرتبة سفير الولايات المتحدة في اسرائيل، وكان من ابرز اعضاء طاقم السلام الذي شكله الرئيس كلينتون. لقد نشر انديك هذا مقالاً في الواشنطن بوست هذا الاسبوع طالب فيه الولايات المتحدة باجتثاث بذور الارهاب في المجتمعات العربية! .
واستمعوا الي حجته في هذه المطالبة: ان النظامين في مصر والعربية السعودية، بسبب مقاومتهما للاصلاح، ولجوئهما الي التحريض المباشر، يجعلان من الارهاب ضد اسرائيل مطلباً شرعياً . وبكلمات أخري: اسرائيل هي الضحية الحقيقية للارهاب لا الفلسطينيون! يقول: ينتظر منا ان نستضيف ياسر عرفات في البيت الأبيض، ولكن متي سيتلقي شارون دعوة لزيارة الأمير عبدالله، ولي عهد المملكة العربية السعودية في قصره؟ .
ولا تقل خطورة الانتقادات المباشرة الموجهة الي العرب بعد هجوم 11 أيلول والتي تزعم ان الهجوم الارهابي علي الولايات المتحدة والمقاومة الفلسطينية المستمرة للاحتلال الاسرائيلي هما من نواتج مجتمعات عربية واسلامية مريضة . وعلي هذا فإن سياسة اميركا في الشرق الأوسط، والعنف الاسرائيلي ضد الفلسطينيين ليسا مسؤولين، وبأي شكل من الاشكال، عن
ظاهرة الارهاب .
لم اسمع برفض عربي واضح لهذا الآراء والمواقف، ولم يكن هناك - علي ما أعلم - أي رد فعل منسّق يفسر هجوم 11 ايلول. ولم يصدر اي بيان مشترك حول هذا الموضوع الخطير. وعلي ما اعلم، لم تجر محاولة جادة واحدة للرد علي انديك واظهار ما يتضمنه تحليله للواقع العربي من اخطاء وسوء فهم.
لم تنطلق أية حملة اعلامية عربية لمواجهة هذا الفيض من الانتقادات، والاتهامات الجارحة الموجهة ضد العرب. كل ما في الأمر، ان بعض الاعلانات المدفوعة ظهر في الصحف الأميركية ليتحدث عن بالغ الحزن الذي شعر به العرب، وعن مشاركتهم الشعب الأميركي في مأساته ولم ينس بعض هذه الاعلانات الاشادة بهذا القائد العربي أو ذاك.
ما تفسير هذه السلبية؟ هل هي صدي للانقسام والتجزئة العربية؟ هل هي نتيجة لاحتضار التضامن العربي بعد حرب الخليج 1991 أو لوفاة الجمهورية العربية المتحدة بعدما علق عليها العرب آمالاً كبيرة عام 1961.
ام ان العرب، علي رغم ثرواتهم وعقولهم، والأراضي الشاسعة التي يوجدون عليها، ومواهبهم المتنوعة والواعدة، فقدوا استقلاليتهم وما عادوا قادرين علي الدفاع عن أنفسهم.
 


 كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط .

 الحياة 30-11-2001

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى| رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة