|
يوم الأسير الفلسطيني: أم يوم أسر الشعب الفلسطيني
د. فيحاء عبد الهادي
بين نكبة وأخرى تمضي أيامنا.
تتصدَّر النكبة حياتنا وتجللها بالسواد، وحين تتسلل فضة النهار
إلى عتمة الليل، ونسترق لحظة فرح؛ تفاجئنا نكبة أخرى لتظلِّل
ذكرياتنا. وفي اللحظة نفسها، التي نستفيق ونضمِّد جراحنا؛
تطالعنا نكبة نحار في تسميتها! هل هي النكبة الصغرى؟ نسبة إلى
الكبرى؟ ولكن هل تكون أصغر، وهمّنا يكبر؟! هل تكون أصغر وأملنا
يذبل يوماً بعد يوم؟! هل هي النكسة؟ أم الفجيعة؟ أم الكارثة؟
وحين انتعشنا بعد الفاتح من كانون الثاني عام ألف وتسعمائة
وخمسة وستين، بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية، التي اشتد ساعدها
بعد النكبة الثانية، أو النكسة، وبعد أن رفعنا رؤوسنا عالياً،
ومشينا في طريق العزة والنضال، وترسيخ الهوية، وحضنّا مشروعنا
الوطني بمآقينا، وطاولت هاماتنا السماء؛ عدنا إلى نقطة الصفر.
عدنا إلى نقطة البداية، حين اختلطت قيمنا ومفاهيمنا وتشوَّهت،
وحين رفع بعضنا سلاحه في وجه بعضنا، وحين غامت أولوياتنا، ولـم
نعد نعرف أي الـمسالك طريقنا.
يأتي شهر نيسان، من العام ألفين وثمانية، والسابع عشر منه
بالتحديد؛ ليصفعنا بواقع الحركة الأسيرة، وواقع الأسيرات
والأسرى، وليذكِّرنا بسجننا الكبير، في وطننا. يأتي ليذكِّرنا
بنكباتنا الـمتتالية، وآخرها نكبة الوطن الـممزَّق والـمستلب.
آه غزة!
وبدلاً من أن يوحِّدنا العدوان، وتوحِّدنا الـمذابح
الـمستمرَّة؛ نسنّ سكين إعلامنا، ومباضع حقدنا، ونشهرها في وجه
بعضنا. يختلط الحلفاء والأعداء، ولا نعود ندري من هو صديقنا
ومن هو عدونا! يا ألله، أيّة نكبة أكبر من هذه النكبة؟!
üüüüü
"يأتي يوم الأسير الفلسطيني هذا العام 17/4/ 2008 وهناك ما
يقارب من 500ر11 أسير فلسطيني وعربي موزعين على أكثر من 25
سجناً ومعتقلاً ومركز توقيف وتحقيق في دولة الاحتلال، وهناك ما
يقارب من 360 طفلاً أصغرهم ابن 3 شهور، وهناك ما يقارب من 99
أسيرة في سجن هشارون "تلـموند" والجلـمة، وما يقارب من 352 من
الأسرى القدامى، وما يقارب من 81 منهم، أمضوا أكثر من عشرين
عاماً، و13 منهم أمضوا ما يزيد على ربع قرن من الزمان في
السجون الإسرائيلية، واثنان أمضيا أكثر من 30 عاماً متتالية
"الأسير سعيد العتبة ونائل البرغوثي"، وما يقارب من 1200 من
الأسرى في الحكم الإداري، و195 من الشهداء في السجون منذ العام
1967، منهم 48 نتيجة الإهمال الطبي، و7 في العام الواحد
"2007"، بالإضافة لأسير في هذا العام". (الأسرى للدراسات)ü.
ü
تقرير شامل لـمناسبة يوم الأسير الفلسطيني الرابع والثلاثين.
üüüüü
"ارتفع عدد الحواجز العسكرية في الضفة الغربية من 552 حاجزاً
قبل مؤتمر أنابوليس، إلى 580 حاجزاً بعده، كما يوجد 67 سياجاً
على امتداد الشوارع، و28 قناة تمنع مرور السيارات، و84 بوابة
مغلقة في مداخل القرى، حيث يحتفظ الجيش بالـمفاتيح الخاصة
بأقفال هذه البوابات، و208 سواتر ترابية، و24 مقطع شارع يُمنع
الـمرور منها"ü.
ü
تقرير أعدَّه مكتب الأمم الـمتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في
القدس.
üüüüü
داخل السجون لا يَُسمح لذوي الـمعتقلين بالعناق أو الـمصافحة،
بل لا يمكنهم حتى ملامسة الأيدي عبر الزجاج. داخل السجون
الإسرائيلية، يستغل الحرس "الـمحظورات" الثقافية لإخضاع
السجينات ودفعهن إلى الاعتراف، ويمارسون كل أنواع الضغط النفسي
والاجتماعي عليهن. يأخذون الرهائن، رجالاً ونساءً، ويعتقلون
بعض النساء، كوسيلة للضغط على آخرين، ممن هم مطلوبون للجيش
الإسرائيلي، ويتحرَّشون بهن جنسياً. يقوم الإسرائيليون باعتقال
النساء، على أمل الحصول على معلومات حول أشخاص آخرين، بسبب
علاقة القرابة أو الصداقة، ويعتقلونهن أيضاً على خلفية أمنيّة.
ويصف السجناء السابقون، الظروف اللاإنسانية التي يعيشها
السجناء، والطعام الرديء، والأمراض الـمتفشية. يصفون الغرف
الضيقة، والحمّامات القذرة. يتحدَّثون عن الإهانات والسباب
والشتائم. في عسقلان، وبئر السبع، ونفحة، وشطة، وجلبوع، وعوفر
... .
تروي أمهات الأسرى رحلة عذابهن الطويلة، عند زيارة أبنائهن،
يروين رحلة الشقاء والقهر، عبر الجبال والكثبان الرملية. يروين
عن سجن شطّة وجلبوع، فيؤكِّدن أنهما أسوأ سجنين في التاريخ.
تصف الطالبة الجامعية، والأسيرة الـمحررة "ظريفة زيادة عمر"،
من قلقيلية، حياتها في السجن، وحياة زميلاتها الأسيرات، ما
يضيء لـمحة عن واقع حياتهن، داخل أسوار الـمعتقلات الإسرائيلية
الـمزرية:
"انتقلت إلى سجن تلـموند أنا ولينا، وكنا 35 سجينة، مها عواد
روّحت دون حكم، لفّت على الغرف وروّحت، انتقلنا إلى تلـموند،
وصلنا الـمغرب، كان تفتيش للـمخابرات، وصار يحكي: انه إحنا في
السجن، وصاروا يتخوّثوا، دخلت على السجن، غرفة أنا وسها ومريم،
وكمان عبير وندى. الغرفة وسخة، الحمام زبالة، جيت أغسل؛ فش
مجال تشلحي البوت، ظليت لابسة من الوسخ عالأرض، صرت لّما بدي
أتوضا؛ أمسح على الجربات. وأكياسنا إللي جبناها لسه على الأرض،
والتخوت كلها رطوبة، والفرشات ما فيّ أنام عليها، قالوا لي: ما
تتعبي، إحنا بنشتغل متعودين، صاروا يشطفوا ويغنوا، جابوا فرشات
رقيقة، وصارت الكهرباء تضوي وتطفي طول الليل، انعمينا فيها
رسمي، اطلّعت على الغرف والخزائن والحمام؛ شعرت أني داخل على
زريبة حيوانات، عن جدّ الوضع مزري، قالوا لي: انتقلي على غرفة
ثانية، انتقلت على غرفة فيها فقط 6 صبايا، جابوا بطاطا مهروسة،
الأكل هناك أردى من الرملة، الباذنجان بقشره مقطَّع، صيام
جابوا كعكة واحدة، تخيلي تفطري على كعكة بعد صيام، الدنيا برد
كثير آخر 11، حتى البطاطا والباذنجان باردة. أنا مرضت هذيك
الفترة، فش إشي سخن للأكل، والـمنطقة زبايل".
üüüüü
حين أضربت الأسيرة "نورا الهشلـمون" عن الطعام، في الثاني عشر
من كانون الأول من العام ألفين وستة، وبعد ثلاثة أشهر من
اعتقالها؛ لـم تكن تدري أن العالـم قد أصيب بالصمم.
وحين أضربت عن الطعام، في الثاني عشر من آذار من العام ألفين
وثمانية؛ لـم تعرف أن العالـم قد أصيب بالصمم والعمى.
لـم تتدخل الـمؤسسات الدولية، أو منظمات حقوق الإنسان،
لـمساندة نورا، رغم لاقانونية الاعتقال الإداري، ورغم مخالفة
الاعتقال الإداري لاتفاقية جنيف، والقانون الدولي.
خلَّف الإضراب الأول آلاماً في الكبد. وخلَّف الإضراب الثاني
آلاماً في الكلى والـمرارة. أما صمم العالـم وعماه؛ فقد خلَف
آلاماً في ضمير عشاق الحرية.
|