|
التسوية بين المسير والمصير
الأستاذ حميدي العبدالله
2004
أسفرت التطورات والتحولات الكبيرة التي عاشتها القضية
الفلسطينية والصراع العربي-"الإسرائيلي" خلال عقدٍ ونصف من
الزمن، عن سلسلةٍ من النتائج الهامة، والتاريخية في آن:
النتيجة الأولى:
اختبار اتفاقات التسوية الناقصة التي أبرمت بين منظمة التحرير
الفلسطينية و"إسرائيل" طيلة عقد التسعينيات. وقد تم اختبار هذه
التسوية في ظل ظروف نموذجية كان يُفترض أن تكون لصالح تحقيق
نجاح ما لهذه الاتفاقات، حيث تأكد أنه رغم الظروف النموذجية
التي توفرت لهذه الاتفاقات فشلت في أن تُفرض على الشعب
الفلسطيني وعجزت كل هذه الظروف المؤاتية عن تسويق اتفاقات
أوسلو، وقبول ما انطوت عليه من تنازلات وإنكار لكثير من ثوابت
الحق الفلسطيني.
ومن بين الظروف النموذجية التي كانت تعمل لصالح اتفاقات ناقصة
ومجحفة:
أولاً:
إنهيار الاتحاد السوفياتي ونظام الحرب الباردة، وتحول كل دولة
بما في ذلك روسيا لأن تكون أجراماً تدور في الفلك الأميركي
داعمة لسياسة الولايات المتحدة ومؤيدة لـ"إسرائيل" ومعادية
للعرب وللقضية الفلسطينية أو شهود زور على ما تقوم به
"إسرائيل" وأمريكا دون تحريك ساكن، وبالتالي حرم العرب
والفلسطينيون من دعم قوة دولية هامة إن لم تكن حليفاً لهم إلا
أنها كانت على الأقل متفهمة لبعض مطالبهم.
ثانياً:
جاءت اتفاقات أوسلو في أعقاب حرب الخليج الثانية، حيث جرى
تدمير قوة العراق العسكرية والاقتصادية وفرض الحصار عليه،
الأمر الذي ترك تداعيات كثيرة أثّرت على معنويات الجماهير
العربية والجماهير الفلسطينية بصورة خاصة وانتشار حالة من
الإحباط الشديد.
ثالثاً:
ركود التحركات الجماهيرية، حيث غابت التحركات عن الشارع
العربي منذ مظاهرات 9 و10 حزيران التي أعقبت استقالة الرئيس
الراحل جمال عبد الناصر على خلفية الهزيمة التي حلّت بالدول
العربية في أعقاب عدوان الخامس من حزيران عام1967.
رابعاً:
استعداد النظام العربي الرسمي بكل دوله الفاعلة باستثناء سورية
ولبنان لدعم مشاريع التسوية المطروحة والتذرع بموافقة منظمة
التحرير على اتفاقيات أوسلو للالتفاف حول هذه التسوية، وغض
النظر عما انطوت عليه من تنازلات وتراجعات عن ثوابت الحقوق
الفلسطينية والعربية.
لقد لعبت هذه العوامل وغيرها مجتمعةً دوراً مؤثراً وفاعلاً في
خلق وضعية استراتيجية كانت في صالح تسويات تقوم على الإذعان
للشروط "الإسرائيلية"، ومع ذلك فشلت هذه التسويات ووصلت إلى
الطريق المسدود.
النتيجة الثانية:
حاولت "إسرائيل" بعد فشل التسوية في عقد التسعينيات واندلاع
انتفاضة الأقصى بذل كل ما بوسعها للقضاء على مقاومة الشعب
الفلسطيني وتمرير تسويات أدنى حتى من تسويات أوسلو، وقد فشلت
"إسرائيل" في القضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني وعلى انتفاضته
رغم كل ما توفر لها من ظروف ملائمة نادراً ما تتوفر في حقبة
قصيرة امتدت حوالي ثلاث سنوات، وهذه الظروف هي:
1-
وجود إدارة أميركية خاضعة بشكل مطلق ولا نظير له لهيمنة أنصار
ليس فقط "إسرائيل" بل اليمين "الإسرائيلي" المتطرف أيضاً، أي
سيطرة ما يعرف بالمحافظين الجدد الذين عرف عنهم معارضتهم
لاتفاقات أوسلو ووقوفهم إلى جانب الأحزاب "الإسرائيلية"
وطروحاتها الأشد يمينية التي وقفت ضد اتفاقات أوسلو، حيث دعمت
هذه الإدارة كل ما قامت به "إسرائيل" على الصعيدين السياسي
والعسكري ووفرت للحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة الغطاء
السياسي لارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين وتوفير الدعم الدولي
لكل ما تقوم به "إسرائيل"، وتقدمت باقتراحات لتسويات تنطلق
دائماً من التصورات "الإسرائيلية"، بحيث يأتي الرفض من
الفلسطينيين، لتحميلهم مسؤولية فشل هذه التسويات المزعومة.
2-
تبوأ شارون وعتاة المتطرفين في "إسرائيل" مقاليد الحكم على نحو
يحدث لأول مرة بهذا الشكل منذ قيام "دولة إسرائيل" وحتى الآن،
حيث قامت هذه الحكومة بوضع كل تصوراتها موضع التطبيق، وخصوصاً
لجهة القضاء على الانتفاضة وإلغاء اتفاقات أوسلو عملياً وتقويض
وجود السلطة في ظل دعم غير محدود من الولايات المتحدة ومن
الاتحاد الأوروبي، وصمت بل تعاون أكثر من نظام عربي، بذريعة أن
العنف لن يحقق أي شيء، وبحجة أن الأعمال الاستشهادية واستهداف
المدنيين تسيء للقضية الفلسطينية.
3-
المناخ الدولي الذي ساد بعد هجمات 11 أيلول وانتشار صيحات
محاربة الإرهاب، وتحول هذه الصيحات إلى شكل من أشكال
الهستيريا، الأمر الذي ساعد "إسرائيل" والولايات المتحدة على
حشد التأييد لمفاهيمها القائمة على الخلط بين المقاومة
والإرهاب، ووصف أعمال المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، وتصنيف
المنظمات التي تقوم بهذه الأعمال من قبل الولايات المتحدة
والاتحاد الأوروبي بالإرهابية، واتخاذ إجراءات مالية وغير
مالية للتضييق عليها وممارسة الضغط على كافة الدول العربية
للحؤول دون تقديم أي دعم ومن أي مستوى كان لفصائل المقاومة
والانتفاضة، وحتى للشعب الفلسطيني، واعتبار أي دعم بمثابة دعم
للإرهاب.
4-
احتلال العراق حيث أرادت الولايات المتحدة ومعها "إسرائيل"
جعله نقطة تحول استراتيجية تساعد "إسرائيل" على القضاء على
الانتفاضة سواء من خلال إثارة أجواء الإحباط، أو الحصول على
دعم الأنظمة العربية، بل وحتى الرهان بأن يؤدي تواتر تنفيذ
المذابح إلى هجرة موسعة من داخل فلسطين إلى خارجها.
5-
انتشار القواعد العسكرية الأميركية والوجود العسكري الأميركي
في غالبية الأقطار العربية، وخصوصاً في مصر والأردن وما يترتب
على هذه العملية من ضغوط على الأنظمة لصالح دعم السياسات التي
تنفذها "إسرائيل" وشجب أعمال المقاومة، والتخلي عن كل شكل من
أشكال دعم الانتفاضة من قبل الأنظمة التي تتواجد القواعد
العسكرية على أرضها لتحاشي غضب الإدارة الأميركية المستعدة تحت
تأثير تحريض جماعات الضغط اليهودية للعبث بأمن واستقرار أي
نظام عربي يمكن أن يتخذ أية مواقف حتى وإن كانت كلامية لا ترضى
بها "إسرائيل".
6-
التأييد الكامل من قبل المجتمع "الإسرائيلي" الذي بلغ مستويات
غير مسبوقة للسياسات التي اعتمدتها الحكومات "الإسرائيلية"
اليمينية ضد الانتفاضة، وتحديداً في ظل حكومة الوحدة، حيث عكست
آخر انتخابات برلمانية جرت في "إسرائيل" هذا التأييد الكاسح
الذي حظيت به السياسات الإستئصالية الموجهة ضد الانتفاضة
والمقاومة وحتى ضد الشعب الفلسطيني.
النتيجة الثالثة:
إن المسارات السابقة -أي اختبار خيار التسوية، والفشل في
القضاء على الانتفاضة رغم الظروف المحلية والإقليمية والدولية
التي لم تكن في مصلحة الفلسطينيين- أدخلت القضية الفلسطينية
والصراع العربي-"الإسرائيلي" حقبة جديدة تتميز بمجموعة من
السمات:
السمة الأولى:
انها المرة الأولى في تاريخ فلسطين منذ عام 1967 التي تعلن
فيها "إسرائيل" عزمها على الانسحاب من دون قيد أو شرط ومن دون
مقابل سياسي من أجزاء من الأراضي التي احتلتها عام1967 أي
الانسحاب من غزة وتفكيك حوالي 17 مستعمرة وحتى الانسحاب من
مناطق الانتشار على الحدود بين فلسطين ومصر، حيث تدشن عملية
الانسحاب الأحادية -إذا تمت، وهي خيار مرجح- إطلاق مسار يشبه
مسار الانسحابات "الإسرائيلية" على مراحل من لبنان بعد أن فشلت
"إسرائيل" في تمرير صفقة سياسية في 17 أيار 1983 وقبض ثمن
سياسي لانسحابها من هناك.
السمة الثانية:
سيؤدي هذا الانسحاب -وفي السياق السياسي الذي يأتي فيه- إلى
تراجع احتمالات التسوية التفاوضية، لأن "إسرائيل" قررت
الانسحاب من طرف واحد من غزة بعد أن أصبحت على قناعة أن
الفلسطينيين أو بالأحرى السلطة الفلسطينية غير قادرة على
الدخول في تسوية وفقاً للشروط التي تطرحها "إسرائيل"، أي
التخلي عن أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وشطب حق اللاجئين
وقبول كيان تابع مقطع الأوصال بوصفه الوطن النهائي
للفلسطينيين.
السمة الثالثة:
في عام 2004 لن تشهد التسوية -وفقاً لملامح الوضع المستقبلي-
أية جهود جدية حتى وإن كانت هذه الجهود في حدود المفاوضات
لتقطيع الوقت أو لملء الفراغ، وذلك بفعل عدد من الأسباب:
السبب الأول:
الانتخابات الأميركية، التي عادةً ما تدفع الإدارة الأميركية
إلى تجميد أية مبادرات أو أي نشاط لا يؤدي إلى تحقيق إنجازات
يمكنها أن تعزز حملة الرئيس الأميركي الانتخابية وتجعل إمكانية
فوزه من الأمور المرجحة أو المحتملة.
السبب الثاني:
المرحلة الانتقالية التي تعيشها "إسرائيل" وحكومة شارون التي
تشهد سلسلة من الصراعات بين صفوفها على خلفية فشل برنامجها
الأمني في مواجهة الانتفاضة وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وفضائح
الفساد التي تفجرت في وجه شارون وأنجاله.
السمة الرابعة:
بات من
الصعب في ظل التطورات العاصفة وغير المسبوقة استشراف آفاق
المرحلة المقبلة على نحو يقيني وقاطع، إذ أن هذه الآفاق
سوف تتحدد ملامحها استناداً إلى مجموعة من العوامل:
العامل الأول:
تطور الوضع في العراق، فكما هو معروف أن قوة "إسرائيل"
العسكرية والسياسية من قوة الولايات المتحدة، وكل نصر تحققه
الولايات المتحدة ينعكس إيجاباً على "إسرائيل"، وكل هزيمة أو
تراجع في نفوذ الولايات المتحدة ينعكس سلباً على قوة
"إسرائيل"، وبما أن العراق يشكل امتحاناً استراتيجياً للقوة
الأميركية في العراق، فإن نتائج المعركة التي يخوضها الشعب
العراقي ضد الاحتلال الأميركي ستترك آثاراً استراتيجية أكثر
أهمية من الآثار التي تركها احتلال العراق.
العامل الثاني:
مدى تطور الوضع الشعبي في البلاد العربية في ظل التحركات التي
شهدها أكثر من قطر عربي، وفي ظل تنامي النقمة على الولايات
المتحدة، وعلى الأنظمة العربية التي لا زالت تواصل التعاون مع
الولايات المتحدة، وتعمل على تنفيذ كل ما تطلبه، وخاصة إزاء
القضية الفلسطينية.
العامل الثالث:
النتائج التي سترتب على تجريب "إسرائيل" لخيار الانسحاب من
طرف واحد، ذلك أن هذا الانسحاب يشكل خطوة غير مسبوقة تطرح
سلسلة من الاحتمالات عن الوضع الذي سوف ينشأ في غزة بعد
انسحاب "إسرائيل".
الاحتمال الأول:
نشوب حالة من الاضطراب والفوضى والاقتتال الداخلي، وهو ما تسعى
إليه "إسرائيل"، بحيث لا تتحول غزة إلى قاعدة محررة تدعم
مواصلة حرب تحرير المزيد من الأراضي.
الاحتمال الثاني:
أن تنجح الفصائل الفلسطينية في بناء وضع يشبه الوضع الذي ساد
المناطق التي انسحبت منها "إسرائيل" في لبنان بعد اجتياح
عام1982، حيث تم التفاهم والتعايش بين القوى اللبنانية
المختلفة لتفويت الفرصة على "إسرائيل"، وبالتالي تحولت هذه
المناطق إلى قاعدة خلفية لدعم المقاومة، وربما تصبح غزة كذلك،
وتتمكن من الحصول على أسلحةٍ أكثر تطوراً من الأسلحة التي
تمتلكها الآن، وبالتالي تقيم ما يشبه توازن الرعب القائم على
الحدود اللبنانية الآن.
الاحتمال الثالث:
تعاون السلطة الفلسطينية مع السلطات المصرية لجعل غزة منطقة
خارج سياق المقاومة بحجة قطع الطريق على عودة "إسرائيل" إلى
احتلالها والاحتفاظ بالمكاسب التي تحققت وفي طليعتها جلاء
الاحتلال والمستوطنين عنها.
لا شك أن الحقبة الجديدة التي دخلتها القضية الفلسطينية
والصراع العربي "الإسرائيلي" عموماً تسمح بتسجيل الخلاصات
التالية:
الخلاصة الأولى:
أن لا تسوية في وقت قريب لا في 2004 ولا في 2005 لأن شروط هذه
التسوية لم تعد متوفرة لا "إسرائيلياً" ولا دولياً على الأقل.
الخلاصة الثانية:
لا مفاوضات جديدة في وقت قريب، وإن كانت ثمة لقاءات واتصالات
قد اتخذت شكل مفاوضات، فهي لتقطيع الوقت وملء الفراغ وليس من
أجل إنجاز تسوية فعلية.
الخلاصة الثالثة:
لأول مرة يطرح على جدول أعمال العمل الوطني الفلسطيني إدارة
جزء من أرض فلسطين قد جرى تحريره عبر الكفاح المسلح والتضحيات
الغالية للشعب الفلسطيني، ومن دون أن يكون لذلك أي مقابل
سياسي.
الخلاصة الرابعة:
فصائل المقاومة التي عارضت الاشتراك في السلطة الفلسطينية -لأن
السلطة هي ثمرة اتفاقات مع "إسرائيل"- ستكون معنية
بالمشاركة في إدارة السلطة التي ستقام في المناطق المحررة
التي ستجلو عنها "إسرائيل" في غزة وربما في بعض أنحاء الضفة
الغربية.
الخلاصة الخامسة:
القضية الفلسطينية تدخل مع مجمل هذه التحولات والتطورات حقبة
نوعية تختلف جذرياً عن الحقب السابقة، ومطلوب العمل على دراسة
هذه الحقبة بعمق كبير للتعرف على سماتها وقوانين حركتها، ورسم
الخط السياسي المستقبلي، ووضع البرامج استناداً إلى هذا الواقع
النوعي الجديد.
|