|
القدس في مشاريع التسوية
اتفاقية جنيف نموذجاً
الدكتورة بيان نويهض الحوت
المقدمة
قبل طرح السؤال: أين القدس في اتفاقية جنيف: لعل السؤال الأولى
بالطرح هو : أين اتفاقية جنيف نفسها في "مشروع" بناء الدولة
الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، ودولة الشعب الفلسطيني؟
فلا عاصمة هناك من غير دولة، دولة حقيقية، تتوفر لها المقومات
والشروط السياسية والأمنية والاقتصادية والمعيشية.
ولا عاصمة هناك من غير شعب، فعوضاً عن عودة الفلسطيني إلى
وطنه، وعودة المقدسي إلى مدينته، فهذه الاتفاقية تعلن بوضوح ما
بعده وضوح أن " لا عودة للاجئين". ثم يبرز التساؤل التالي: ما
دامت هذه الاتفاقية غير رسمية، فلماذا التوقف عندها كثيراً أو
قليلاً؟ فهي لا تلزم أحداً، خصوصاً، أن الجانب "ألإسرائيلي"
الرسمي قد تنصل منها وهاجمها بعنف، كما أن الجانب الفلسطيني
الرسمي لم يعلن بعد، سوى مواربة، موافقته عليها.
إن أخطر ما في هذه الاتفاقية هو كونها غير رسمية، والمطلوب ألا
نُنظر إليها بشكل جدي تماماً، وذلك بهدف إشاعة أجواء "السلام"
الذي تسعى إليه ظاهرياً، بينما واقع الأمر هو أنها أكثر
"الاتفاقيات" تجسيداً للتطلعات الإسرائيلية العدوانية، وأكثرها
تنكراً للحقوق الفلسطينية. ومع ذلك، فليس أسوأ ما في اتفاقية
جنيف أنها تسمح لإسرائيل بالاستيلاء على ما لم يحلم به يوماً
هرتسل أو بن غورين، وليس أسوأ ما فيها أن يتم ذلك على حساب
حقوق الشعب الفلسطيني، فتلك هذ العادة؛ غير أن الأكثر سوءاً من
ذلك كله هو أن هذه الاتفاقية تفرض على الفلسطينيين التخلي عن
حقوقهم التاريخية غير القابلة للتصرف بشكل نهائي، أي الإقرار
بتشريع استلاب فلسطين.
الإشكالية الكبرى أن النقاش في هكذا اتفاقية غير "رسمية"، مهما
احتل من مساحات على صفحات الجرائد، أو عبر البريد الالكتروني،
فهو لا يرتفع إلى مستوى الاحتجاج والمجابهة على صعيد المسؤولية
الوطنية أو القومية، كما كان الحال في أعقاب اتفاقيتي كامب
ديفيد مثلاً، وما تلاهما من معاهدة مصرية-إسرائيلية، يوم شعرت
الأمة كلها بأن هناك خطراً كبيراً يتهدد مصيرها، ويوم كان
الأقطاب والموقعون هم كارتر وبيغن والسادات.
فالعالم كله اليوم يعيش في عصر الهيمنة الأميركية الذي استشرى
منذ انتهاء الحرب العالمية الثالثة/الباردة وأفول سياسة
القطبين. ولو رجعنا إلى الوراء قليلاً، إلى منتصف الخمسينيات
من القرن الماضي، وتوقفنا عند مؤتمر باندونغ الشهير وأقطابه
الكبار، نهرو وناصر وتيتو وسوكارنو، لتذكرنا كيف تمكنت دول
العالم الثالث في عز الصراع بين الجبارين من الصعود كقوة ثالثة
يحسب لها حساب، ومع سياسة الحياد الإيجابي التي تبنتها الدول
الآسيو-إفريقية ومع تنامي عددها، وصل بها الأمر إلى أن تصبح هي
صانعة القرارات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما أصبحت
في يومنا هذا الأمم المتحدة نفسها مهددة بالزوال أو الاستبدال،
وفقاً للمصالح الأميركية، وبشكل آخر، وفقاً للمصالح الصهيونية،
ذلك أن العلاقات الأميركية-"الإسرائيلية" في أوجها، والمصالح
بين الولايات المتحدة وإسرائيل تزداد تجذراً.
وأما العالم العربي فهو يمر في مرحلة من التردي بشكل لم يسبق
له مثيل، وليس الاحتلال الأميركي للعراق سبباً، بل نتيجة.
من هذه المنطلقات يجد الكثيرون أن اتفاقية جنيف الأخيرة ليست
أكثر من رزمة أوراق، تعكس اجتهادات مجموعة من غير المسؤولين،
ولا تستدعي التوقف عندها أو التعاطي معها حتى على الصعيد
الفكري المجرد لكونها اتفاقية "غير رسمية".
ولكن ... ماذا في حال تنفيذها بأي شكل كان على أرض الواقع؟
وماذا حتى في حال تنفيذ ولو جزء منها؟ وماذا في حال نجاح توماس
فريدمان في دعوته جامعة الدولة العربية إلى تبني اتفاقية جنيف
ودعوة شارون من أجل تبنيها أيضاً !! وماذا في حال انتقالها
مستقبلاً إلى مستوى معاهدة رسمية، توقع في حديقة البيت الأبيض،
وتصبح معاهدة السلام الفلسطينية-"الإسرائيلية"، على غرار ما
جرى سنة 1979 ما بين مصر و"إسرائيل"، بحضور العراب والشاهد
الأميركي؟
سوف يتضح حينئذ، ولكن بعد فوات الأوان، أن في هذه الاتفاقية من
مخاطر تهدد مصير فلسطين والقدس، أضعاف ما كان من مخاطر في
مسلسل اللقاءات والاتفاقيات العربية-"الإسرائيلية" كلها.
من أبرز إشكاليات الاتفاقية السابقة كان احتواؤها على عدد من
القضايا الكبرى من دون حل، وخاصة في الاتفاقية الأولى، اتفاقية
"إعلان مبادئ حول ترتيبات الحكومة الذاتية الانتقالية: اتفاقية
غزة-أريحا أولاً"، والتي وقعت في 13/1/1993، واشتهرت باسم
اتفاقية أوسلو، إذ لم يرد فيها سوى عناوين القضايا العالقة
والتي يفترض البحث لها عن حلول، عبر مفاوضات لاحقة، وهي كما
وردت في المادة الخامسة من الاتفاقية:
"القدس، اللاجئون، المستوطنات، الترتيبات الأمنية، الحدود،
العلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات الاهتمام
المشترك".
وتم في اتفاقية أوسلو تحديد مرحلة زمنية من ثلاث سنوات لإنهاء
المفاوضات بشأن هذه القضايا الرئيسية، غير أن السنوات الثلاث
الأولى مرت، ومر غيرها، ولم يأت التفاوض بأية نتيجة، بينما كان
التغيير على أرض الواقع لصالح "إسرائيل" مستمراً من عام إلى
عام، بل من يوم إلى يوم.
وأما حين أعلنت الولايات المتحدة عن خطة "خريطة الطريق" في
الثلاثين من نيسان/أبريل2003، برعاية لجنة رباعية دولية تتألف
منها ومن روسيا الاتحادية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي،
فالقضايا الرئيسية على "خريطة الطريق" لم تكن لها طرق ولا
بدايات ونهايات" وأطلق عليها "القضايا المؤجلة" حتى المرحلة
الثالثة!! وهي تشمل على قضايا "الحدود والقدس واللاجئين
والمستوطنات".
مرت عشر سنوات من الوعود بالحلول عن طريق التفاوض (1993-2003)،
لم يتم خلالها التوصل إلى حلول أو نتائج ملموسة، غير أن الغموض
نفسه، في هذه المرحلة التفاوضية، استمر مدعاة إلى الأمل،
واستمر المفاوض الفلسطيني بالتوهم بأنه من غير الممكن أن ينتهي
من بعض التفاصيل، وأما أن يأتي الحسم في مصير هذه القضايا من
خلال اتفاقية "غير رسمية" لصالح الجانب "الإسرائيلي" وحده،
وعلى هذه الصورة، فنهاية لم تكن واردة في أكثر التوقعات
تشاؤماً.
إن الخطورة الكبرى في هذه المرحلة التي نعيشها نحن العرب، وهي
مرحلة اجتياح الولايات المتحدة وحلفائها للعراق عسكرياً،
وللأمة العربية كلها فكرياً ونفسياً، هي أن عملية طرح الحلول
العدوانية للقضايا الرئيسية، باتت وكأنها أمر طبيعي وممكن، كما
أن النهايات المجحفة لمستقبل الفلسطيني، باتت تظهر وكأنها هي
وحدها الحلول المتوقعة! وأما أخطر ما في هذا السياق كله فهو
هذه الحلول العدوانية المجحفة التي من خلال انتشارها تمهد لجعل
المستحيل مقبولاً، وذلك بغض النظر عن الجهة التي تطرحها.
لهذا كله، نحن نتوقف عند اتفاقية جنيف، والأفكار والحلول
الواردة فيها، وإن كانت اتفاقية غير رسمية، منطلقين من طبيعة
المفاوضات التي استمرت بشأنها أكثر من عامين. ما كان لمثل تلك
المفاوضات أن تنطلق أصلاً، وأن تستمر في الخفاء، ثم أن يُسمح
بالإعلان عنها تحت أضواء عالمية، لو لم يكن وراءها أكثر من
دولة كبرى وأكثر من منظمة دولية. أما الدليل الأكثر أهمية على
أن هذه الاتفاقية ليست من صنع سياسيين غير رسميين، فهو مضمون
الاتفاقية نفسها، وهو ما سوف يظهر من خلال هذا البحث.
المصدر الذين نعتمد عليه في نص اتفاقية جنيف، هو النسخة
الإنكليزية المعتمدة، كما نشرتها صحيفة هآرتس مع ا لخريطتين
المرفقتين والمعتمدتين أيضاً، ووزعتها عبر الإنترنت، وقد ورد
في السطر الأخير من الاتفاقية: "النسخة الإنكليزية من هذا النص
هي النسخة الرسمية التي يعتد بها قانوناً.
كنا نود العثور على ترجمة مسؤولة باللغة العربية، لكننا لم
نجد، أما النص العربي للاتفاقية كما تناقلته وسائل الإعلام
المعتمدة من دوريات ومواقع الكترونية، فقد كان معظمه منقولاًَ
عن "الأيام" في رام الله، وهي الصحيفة التي زودتها بالاتفاقية
المجموعة الفلسطينية المشاركة، فنشرت في ملحق خاص بتاريخ
1/11/2003، مع ذكر الملاحظة التالية في نهايتها: هذه ترجمة غير
رسمية".
بعد مراجعة النصوص العربية المترجمة المتعددة، ومقارنتها بالنص
الإنكليزي المعتمد، وجدنا بعض الترجمات مجتزأ، كما وجدنا
اختلافاً في ترجمة بعض الفقرات أو الكلمات. وإن امكن القول إن
بعضها يعود إلى اجتهادات في الترجمة، فهذا القول لا ينطبق على
جميع الحالات والأخطاء، وخاصة تلك المتعلقة بالقدس (وهذا ما
سنتطرق إليه لاحقاً)؛ كما يصعب تفسير الاختلافات في كل من
الخريطتين الملحقتين بالوثيقة؛ ولما كانت هذه الاختلافات
والأخطاء بحد ذاتها ليست موضوع بحثنا، ولا حتى الدوافع الكامنة
من ورائها، فنحن لن نتطرق إليها، إلا في حالة اختلاف المعنى
بشكل يؤدي إلى إخفاء حقيقة النص الأصلي المعتمد.
أولاً: القدس: عاصمة بلا سيادة
هناك مادة واحدة تتعلق بالقدس من أصل سبع عشرة مادة تتألف منها
اتفاقية جنيف، وهي المادة السادسة، غير أن هذه المادة تحتل ستة
صفحات فولسكاب بالنص الإنكليزي، ما يعني خمس حجم الاتفاقية
تقريباً (وعلى وجه الدقة أكثر فنسبتها تبلغ نحو 21%).
تتألف مادة "القدس" من ثلاثة عشر بنداً تعالج مختلف النواحي
القانونية والدينية والسياسية والأمنية والبلدية ... إلخ، حتى
ليبدو ظاهرياً أنه لا يوجد موضوع واحد قد تجاهلته هذه المادة
الغنية بإسهابها. غير أنه سرعان ما يظهر الاختلاف البيّن بين
البنود الأولى وبقية البنود كلها، فما أكدت البنود الثلاثة
الأولى قامت بنفيه وإثبات استحالة تحقيقه البنود العشرة التي
تلتها.
للإيضاح أكثر نقول إن البنود الثلاثة الأولى تحدثت عن التراث
والعاصمتين والسيادة، معلنة أن الأيام القادمة سوف تشهد قيام
دولتين مستقلتين متجاورتين، ومن الممكن اعتبار هذه البنود
مجتمعة مدخلاً قانونياً ومقدمة تنطلق من الأبعاد التراثية
والفكرية والدينية، غير أن بقية البنود تكلفت بتحويل هذه
المشهد إلى حالة ضبابية لا تسمح برؤية أية معالم لعاصمة
حقيقية، أو لقدس عربية، أو لسيادة فلسطينية.
يتناول البند الأول من مادة "القدس" الأهمية الدينية والثقافية
للمدينة، كما يلي:
"أ- يعترف الطرفان بالأهمية العالمية التاريخية والدينية
والروحية والثقافية لمدينة القدس وبقدسية هذه المدينة بالنسبة
للديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية. ومن خلال هذا
الاعتراف، يؤكد الطرفان من جديد التزامهما بالحفاظ على طابع
المدينة وقدسيتها وحرية العبادة فيها وعلى احترام التقسيم
القائم للمهام الإدارية والممارسات التقليدية بين الطوائف
الدينية المختلفة".
"ب- يقيم الطرفان هيئة تضم مختلف الأديان من ممثلي الديانات
السماوية الثلاث وتعمل كهيئة استشارية لدى الطرفين في مسائل
تتعلق بأهمية المدينة دينياً، وتنهض بالحوار والتفاهم بين
الأديان..." (Ar.6/1).
ويعترف البند الثاني بالقدس عاصمة للدولتين:
"يكون لكل طرف عاصمته في القدس الواقعة تحت سيادته. ويعترف كل
طرف بعاصمة الطرف الآخر" (Ar.6/2).
أما البند الثالث فيتناول موضوع السيادة:
"تكون السيادة على مدينة القدس وفقاً لما يرد في الخريطة
المرفقة رقم 2. لن يُجْحِفَ هذا بالترتيبات الوارد عرضها
أدناه؛ كما أنه لن يُجْحَفَ به" (AR.
6/3).
هذه المادة بنصها الواضح تعلن عدم النية وعدم الرغبة بالإجحاف،
غير أن الحكم عليها لا يستقيم في أي حال ما دامت الخريطة
المرفقة رقم 2 باللغة العبرية، وكما نشرتها صحيفة هآرتس مرفقة
مع نص الوثيقة بالإنكليزية، تختلف تماماً عن الخريطة باللغة
العربية التي نشرتها وسائل الإعلام العربية المتعددة نقلاً عن
المجموعة الفلسطينية المفاوضة. لكنه ليس من داع لدخول أية
تفاصيل حول هذا الاختلاف لسبب رئيسي، وهو أن ما يرد في البنود
اللاحقة (من البند الرابع حتى الثالث عشر) يطيح بالسيادة
الفلسطينية على العاصمة الفلسطينية، وبالتالي على كل الدولة
الفلسطينية، وينسفها من الجذور؛ إذن، سواء أكانت العاصمة
الفلسطينية أكبر ببضعة آلاف من الأمتار المربعة، أم كانت أصغر،
وذلك وفقاً للخريطة العبرية أو للخريطة العربية، فالسيادة تبقى
شبه مستحيلة مع تطبيق البنود كاملة، وهذا على النقيض مما حاولت
المادة الثالثة إيحاءه، وهو "عدم الإجحاف"! (ولنا عودة أدناه
إلى خريطة-البلدة القديمة).
ورد معنا أعلاه الإعلان عن اللجان المعتمدة والمفترض إنشاؤها
حين تطبيق اتفاقية جنيف، وقد وصفناها من حيث تكوينها ودورها
ونتائج أعمالها بالاستعمار شبه المباشر، غير أن وجودها وتجمعها
داخل القدس/البلدة القديمة يوحي بالاستعمار المباشر نظراً لما
سوف يكون لها من مكاتب ومبان وموظفين وحركة دائمة، ذلك أن
الغالبية العظمى من هذه اللجان الدولية والثلاثية والثنائية،
سوف يكون مركزها القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، لا
القدس/أورشليم عاصمة الدولة "الإسرائيلية"، وهذا بحكم منطق
الأمور وبحكم الهدف الرئيسي لكل هذه اللجان، ألا وهو مراقبة
الحكم الفلسطيني والأداء الفلسطيني والإنصياع الفلسطيني.
لن نستعرض ثانية أسماء تلك اللجان المتعددة، ولا مهامها
الرئيسية التي تسيطر على كل نواحي الحياة، لا أن تكتفي
بمراقبتها فقط، لكننا نتوقف عند أهمية حتمية وجود الغالبية
العظمى منها في القدس، عاصمة فلسطين. كل من يعرف القدس القديمة
يعرف أنها تقطع سيراً على الأقدام، وكل من يعرف الأحياء
العربية المحيطة بالسور التاريخي، يعرف أنها باتت اليوم مكتظة
بالسكان اليهود الذين أصبح عددهم من سنوات طويلة يضاهي عدد
سكانها العرب، كذلك يعرف الجميع ندرة إيجاد الأبنية للإيجار،
أو ندرة إيجار الأراضي الصالحة للبناء، فكيف يمكن التصور بأن
هذه القدس المحدودة المساحة، سوف تضاف إليها مكاتب كل تلك
اللجان، وأين يقودنا الخيال ونحن نتصور كيف يمكن أن تشاد فيها
–غداً- وزارات الدولة الفلسطينية القادمة ومؤسساتها؟ كيف؟
وأين؟ هل هناك مكان يبعد أكثر من شارع أو أمتار عن مبنى
"للإسرائيليين"؟ (ولنا عودة أدناه حول مساحة القدس من خلال
خريطة البلدة القديمة).
أما الأهم بكثير من المواقع نفسها، فهو اختلاط الأدوار بين
الوزارات والمؤسسات
الفلسطينية وبين اللجان المتعددة. ونختار من اللجان "لجنة
التعاون الإسرائيلي - الفلسطيني" للتوقف عندها، كمثال على
طبيعة التعاون الذي تطفح به اتفاقية جنيف، وهي اللجنة التي
مررنا على ذكرها أعلاه، والتي يفترض أن يؤسسها الطرفان (في
مدينة القدس حتماً) معاً، وأن يكون لها جهاز على مستوى وزاري،
كما يفترض أن يكون لهذا الجهاز رئيسان شريكان على مستوى وزير
كما ورد في المادة الثامنة، المادة المخصصة لهذه اللجنة فقط (Ar.8/1).
أما أهمية تميزها عن سائر اللجان بمادة مستقلة، فمسألة تتضح
لدى قراءة البند الثاني:
"تطور اللجنة وتساعد في تنفيذ سياسات التعاون في مجال المصلحة
المشتركة، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، احتياجات
البنية التحتية والتنمية المستدامة وقضايا البيئة والتعاون
البلدي عبر الحدود والمناطق الصناعية الحدودية وبرامج التبادل
وتنمية المصادر البشرية والرياضية والشباب والعلوم والزراعة
والثقافة" (Ar.8/2).
الفخ الأول هو تسميتها باللجنة، بينما هي في حقيقة الأمر تقوم
بأعمال حكومة;
والفخ الثاني هو وضع كل هذه القضايا الحيوية في الجانب
الفلسطيني تحت الهيمنة الإسرائيلية المباشرة والمستترة وراء
قناع التعاون، خصوصاً أن البند الثالث والأخير من هذه المادة
يتألف من جملة واحدة تقول: "تسعى اللجنة لتوسيع مجال ونطاق
التعاون بين الطرفين"، فأي تعاون هو المقصود من وراء هذا
الكلام؟ هل يحق غداً للجانب الفلسطيني أن يتدخل في أي شأن من
الشؤون المحددة أعلاه في الجانب الإسرائيلي؟ في تنمية المصادر
البشرية اليهودية مثلاُ؟ أو في الثقافة اليهودية مثلاُ؟ وهل
برامج التبادل الواردة هي حقاً برامج تبادل؟ أم برامج سوف تفرض
من قبل الجانب الأقوى على الجانب الأضعف؟
والسؤال الأهم: ما موقع حكومة دولة فلسطين من هذه اللجنة
بالذات؟ من سوف يسبق الآخر بالتخطيط، وبالتنفيذ؟ وماذا لو قال
الإسرائيليون – عبر هكذا لجنة – إنهم غير راضين عن برنامج
وزارة الثقافة في الحكومة الفلسطينية، أو غير راضين عن كتاب في
تاريخ فلسطين القديم أقرته وزارة التربية الفلسطينية، ألا يحق
لمثل هذه اللجنة الاعتراض بحجة "التعاون بين الطرفين"؟
لم نستخلص بعد من صاحب الكلمة العليا قانونياً، أهي هذه
اللجنة، أم الوزارة الفلسطينية المعنية؟ فذلك غير وارد في نص
الاتفاقية، غير أننا من خلال العديد من الاتفاقيات المشابهة،
لم نعثر على اتفاقية حسن جوار واحدة تسمح لإحدى الدولتين
المتجاورتين بالتدخل في شؤون الدولة الأخرى إلى هذه الحدود.
أما فيما لو حصل شيء كهذا، فهو يحصل أساساً لأن احتمال حصول
العكس ليس وارداً. وبوضوح أكثر، إنه من غير الممكن أن يكون
هناك تدخل فلسطيني في الشؤون الإسرائيلية، بالعلوم وبالزراعة
وبالثقافة مثلاُ، غير أن التدخل الإسرائيلي لا يترك شاردة أو
واردة إلا ويتدخل بها بحجة التعاون من قمة الهرم الثقافي حتى
البنية التحتية. وليس اهتمامهم الفعلي بالبنى التحتية في أحياء
السكان العرب ناجماً عن اهتمامهم المفاجئ بالسكان العرب، وراحة
السكان العرب، وتأمين أفضل سبل الحياة للسكان العرب، ولكن
لإتمام برامج حفرياتهم، فهل من شك في ذلك؟
أما في ما يتعلق بالشؤون الأمنية، أو أعمال الشرطة الإسرائيلية
والشرطة الفلسطينية داخل البلدة القديمة خصوصاً، وكيفية
التنقل، أو المخابرات والأمن، فما من موضوع واحد منها، وما من
فقرة واحدة إلا وتشير إلى التبعية المطلقة من الجانب الفلسطيني
تجاه الجانب الإسرائيلي بحجة التعاون أو بحجة الأمن "المقدس".
وسوف نكتفي بمثلين أدناه:
المثل الأول يتعلق بالبلدة القديمة، أي القدس التاريخية داخل
السور، سوف يتواجد ثلاثة أنواع من الشرطة وهي: الشرطة
الإسرائيلية;
الشرطة الفلسطينية;
وحدة "شرطة البلدة القديمة" التي سوف تنشئها "مجموعة التنفيذ
والتحقق" لتقوم بأعمال الارتباط والتنسيق بين الشرطة
الإسرائيلية والشرطة الفلسطينية! وكأن شوارع البلدة القديمة هي
شوارع نيويورك أو موسكو! والأهم أن جميع أعضاء وحدتي الشرطة
الفلسطينية والشرطة الإسرائيلية يخضعون لبرنامج تدريب خاص بما
في ذلك ترتيبات مشتركة تديرها "وحدة شرطة البلدة القديمة" (Ar.6/7/h).
ولنقل أن رجال الشرطة ما زالوا بحاجة إلى تدريب، وهم المدربون
جداً، فلماذا كل هذا التواجد في البلدة القديمة وحدها؟ الجواب
في نص الاتفاقية هو الحجة التي لا يعترض عليها أحد، وهي أن
البلدة القديمة، أي القدس القديمة "ذات طابع مميز وفريد"،
فالطرفان "يوافقان على أن الحفاظ على هذا الطابع الفريد
والحفاظ على رفاه السكان وتعزيزه يجب أن يكونا المرشد في عملية
إدارة البلدة القديمة" (Ar.6/7/a/i).
وهكذا، بحجة التميز والفرادة والأهمية الفائقة للبلدة القديمة،
ضاعت كل معاني السيادة للقدس عاصمة فلسطين، وكأن هذه البلدة
نفسها لم تكن في حمى الشعب العربي الفلسطيني طوال قرون وقرون،
ثم لم تكون في حمى الشعبين العربيين الأردني والمصري منذ العام
1948 وحتى العام 1967، فاتفاقية جنيف تعمل على تحويل الشرطة
الفلسطينية إلى وحدة تأتمر بالأوامر الإسرائيلية، بينما لا
تسمح الشرطة الإسرائيلية لشرطي فلسطيني أن يطرح السؤال: وماذا
يجري هناك في القدس الغربية؟.
أما المثل الثاني فيتعلق بالمخابرات والأمن، ولم يرد الكثير
حولهما، لكن ما ورد يكفي لإقناع من لم يقتنع بعد بأن اتفاقية
جنيف هي فعلاً بالون اختبار، فقد جاء:
"يعمل الطرفان على إنشاء علاقات تعاون استخباراتي كثيف في ما
يتعلق بالبلدة القديمة بما في ذلك تبادل فوري للمعلومات
المتعلقة بالتهديد".
"يتم تأسيس لجنة ثلاثية تتكون من ممثلين عن كلا الطرفين وعن
الولايات المتحدة الأميركية لتسهيل هذا التعاون" (Ar.
6/7/j).
ومرة أخرى، وبحجة أهمية البلدة القديمة، يوافق الجانب
الفلسطيني على إعطاء كل ما يمكن أن يكون لديه من معلومات
أمنية، ولكن هل يتوقع أن تسلمه ما لديها من معلومات؟
ثم، هل يحتاج التعاون بين لجنتين في قلب البلدة القديمة إلى
طول الولايات المتحدة وعرضها كي ترسل مندوبين عنها للجنة
الثلاثية. ما سر هذا الاهتمام الزائد؟ لو كانت هذه لجنة برّ
وإحسان لا لجنة استخباراتية، فهل كانت لتتحمس أميركا؟ إذن،
اتفاقية جنيف قد حددت الدور الرئيسي لرجال الشرطة الفلسطينيين
في القدس بالدور الاستخباراتي.
فهل تبقى شيء من معالم السيادة كي تمارسه هذه العاصمة.
ثانياً: أين "الحرم الشريف" من "المُجمَّع"؟
"الحرم الشريف / جبل الهيكل (المُجمَّع)": هذا هو عنوان البند
الخامس من المادة السادسة عن "القدس" ("Compound"
al-Haram al-Sharif/Temple Mount)،
ويكفي العنوان وحده دليلاً على العدوان الصارخ الذي لم يحدث
مثله في التاريخ على الحرم المقدسي الشريف، وما كان ممكناً
لصانعي اتفاقية جنيف (بالنص الإنكليزي المعتمد) إخفاء كلمة "
المُجمَّع " (Compound)
لأن ما ورد تحت هذا البند يتحدث فعلاً عن " مُجمَّع " بل من
الواضح أنهم ما أرادوا أي تعمية بل هم تعمدوا تكريس الكلمة من
خلال العنوان. وهكذا فالاتفاقية لا تتحدث بأي شكل كان عن حرم
إسلامي شريف تبلغ مساحته خمس مساحة القدس القديمة التاريخية
داخل السور، ولا عن ملكية المسلمين لهذا الحرم، بل تتحدث عن
كيفية تحويل هذا الحرم إلى "مُجمَّع" لا يربط بين المسلمين
وبينه سوى مبنى المسجد الأقصى المبارك ومبنى مسجد قبة الصخرة
(وربما فقط حتى إشعار آخر)! وما عدا ذلك من حائط البراق أو من
الأراضي التي تحيط بالمسجدين، فكله بات تحت رعاية ظاهرهما
"مراقبة دولية" وحقيقتها "هيمنة إسرائيلية".
هذه الاتفاقية التي تتحدث عن مصالحة تاريخية لم تحدد عن أي
مرحلة من التاريخ تتحدث، ومع ذلك، فالحرم الشريف القائم حالياً
ليس تاريخاً فقط، بل واقع حي وشاهد على التاريخ، هو أماكن
عبادة ومقدسات ما زالت قائمة منذ أربعة عشر قرناً، وليست بقعة
الحرم وحدها المقدسة عند المسلمين، فجميع الأبنية التي بداخل
الحرم والجدران المحيطة بها، كلها آثار إسلامية. وحتى الجهات
الخارجية التي تحيط بالحائط الغربي هو حائط البراق، فهي أوقاف
إسلامية لا نزاع فيها منذ خمسمئة سنة دون انقطاع، وهكذا فما
أطلقت عليه اتفاقية جنيف بـ "المُجمَّع" لهو حق شرعي وتاريخي
وديني للمسلمين عبر مئات السنين، حتى جاءت دولة شارون ومن هم
على شاكلته، فابتدأ العدوان الواقعي على المقدسات والآثار منذ
العام 1967. وأما اتفاقية جنيف هذه، فهي أول محاولة في تاريخ
الصراع العربي- الإسرائيلي، لتشريع الهيمنة الواقعية بانتزاع
صك اعتراف بالتنازل من قبل الفريق الأضعف للفريق الأقوى. صحيح
أن اتفاقية أوسلو لم تجرؤ على فرض هكذا تنازل، غير إنه لولا
اتفاقية أوسلو لما كانت تنازلات جنيف.
لا بد هنا من الإشارة إلى أن الترجمات العربية التي أطلعنا
عليها، وأولها الترجمة التي عممها أعضاء من الفريق المفاوض، قد
تجاهلت ترجمة كلمة (Compound)،
واستبدلتها بكلمة (الحرم)، مكررة كلمة الحرم في العنوان نفسه
مرتين. وربما كان الدافع وراء هذا من قبلهم رغبتهم في التركيز
على ما يبدو إيجابيا في هذه الاتفاقية، ما يؤدي بطبيعة الحال
إلى ضرورة التعتيم على أسوأ ما فيها من انتهاك للمقدسات
الدينية واعتداء صارخ على التاريخ. وربما بدا لهؤلاء أن مجرد
استبدال كلمة بأخرى ليس بالخطأ الكبير، فهم استعملوا كلمة
الحرم بدل المُجمَّع، بينما يعرف طلاب المدرسة الإعدادية أن
كلمة "الحرم" لغوياً (وجمعها أحرام) تعني ما لا يحل انتهاكه
وما يجدر الدفاع عنه، ولهذا قيل أصلاً "الحرم الشريف" في بيت
المقدس.
غير أن هذا الخطأ قد قاد إلى خطأ آخر لا يقل أهمية عنه، ففي
الفقرة التي تتحدث عن "الأنظمة الخاصة بالمجمع" ورد العنوان
نفسه عند هؤلاء: "الأنظمة الخاصة بالحرم"، ثم تبع هذا خطأ فادح
في الفقرة التي تلت العنوان، فجاءت الترجمة كما يلي:
بالنظر إلى قدسية الحرم وإزاء أهميته الدينية والثقافية
المميزة بالنسبة للشعب اليهودي، فلن تجري أية أعمال حفريات أو
بناء في الحرم إلا باتفاق الطرفين.."
أما كان يكفي من الفريق الفلسطيني المفاوض على هكذا اتفاقية لا
تقيم أي وزن لحرمة التاريخ والعدالة جريمة التوقيع حتى أتبعها
بجريمة التزوير، فراح يغير في نص الوثيقة ظناً منه أن شعبه سوف
يصدق؟
متى كان للحرم قدسية عند الشعب اليهودي؟ كم مرة كان الاعتداء
على الحرم الشريف؟. هل جاءت اتفاقية جنيف لمصالحة تاريخية –
كما قالوا – أم جاءت لتزوير التاريخ. هل سمع هذا الفريق
الفلسطيني المفاوض، وهل سمع كل من وقف وراءه، بأن هناك تخطيطاً
إسرائيلياً مستمراً لتحويل القدس إلى مدينة يهودية صرف، وأن
على رأس قائمة المشاريع تدمير المسجد الأقصى وإعادة بناء هيكل
سليمان على أنقاضه أي الهيكل الثالث في تاريخ اليهودية؟
أما الترجمة الصحيحة للفقرة المذكورة فهي التالية:
"الأنظمة الخاصة بالمُجمَّع"
"بالنظر إلى قدسية المُجمَّع، وعلى ضوء الأهمية الدينية
والثقافية المميزة لـ (هذا) الموقع بالنسبة للشعب اليهودي، فلن
تجري أعمال حفريات أو تنقيب أو بناء في المجمع إلا إذا وافق
الطرفان..." (Ar.6/5/b/i).
إن الشعب اليهودي، بشكل عام، ومع استثناء القلة منه لا ينظر
بأية قداسة، لا بأية نظرة مميزة، أو حتى بمجرد نظرة احترام إلى
الأماكن الدينية الإسلامية المقدسة، فالفقرة تتحدث عن مجرد
الموقع أو المكان الذي يعتقدون بأنه لهم وأن فيه ترقد بقايا
هيكل سليمان وبأن من واجبهم الاستمرار في الحفريات حتى يكتشفوا
ما لم يكتشف بعد.
قسمت اتفاقية جنيف "الحرم الشريف" الذي أطلقت عليه "المُجمَّع"
مع استثناء المسجدين إلى ثلاثة مواقع تعاطت مع كل منها بشكل
مستقل، وهي: ساحات الحرم الخارجية;
حائط المبكى;
النفق;
وسوف يتضح أن هذه المواقع سوف تكون تحت السيطرة الإسرائيلية
العملية أو الرسمية.
الإشراف الفعلي والمراقبة في "ساحات الحرم" لن يكونا لدولة
فلسطين، بل لمجموعة دولية تتألف من "مجموعة التنفيذ والتحقق
وأطراف أخرى يتفق عليها الطرفان، والتي يمكن أن تضم أعضاء في
منظمة المؤتمر الإسلامي، وسوف تقوم هذه المجموعة الدولية
بإنشاء تواجد متعدد الجنسيات داخل المجمّع، غير أن كل ما يتعلق
بصلاحيات هذه القوة المتعددة الجنسيات وبمهامها وبتشكيلها،
فعليه الانتظار حتى يعد الإسرائيليون له ملفاً في الملحق
المجهول
X!
ولكن .. ما دور فلسطين داخل هذا "المجمّع"؟
حرصت الاتفاقية على إعطائها دوراً مميزاً، فعلاوة على الوظيفة
الأمنية، ودون تحديد صاحب الكلمة العليا، هل هم رجال الأمن
الفلسطينيون، أم القوة المتعددة الجنسيات، حددت الاتفاقية
مسؤولية الدولة الفلسطينية داخل "المجمّع" بتأمين أمن
الإسرائيليين، بحيث لا تستخدم ساحات المجمع في عمليات عدائية
ضدهم، ولا ضد المناطق الإسرائيلية داخل البلدة القديمة وحولها
(Ar.6/5/b/ii).
غير أنه لم يرد في الاتفاقية كلها من سوف يضمن أمن الفلسطينيين
الذين يذهبون إلى يافا أو حيفا أو القدس الغربية، كما ورد عن
أمن الإسرائيليين الزائرين للبلدة القديمة، عاصمة الدولة
الفلسطينية!.
والمستغرب أن يرد بعد هذا كله أنه بعد فترة الانسحاب كما هو
منصوص عليها تبسط دولة فلسطين سيادتها على الحرم (Ar.6/5/c/i)،
ثم يزول الاستغراب حين يرد أن المجموعة الدولية والهيئات
التابعة لها سوف تواصل القيام بمهامها إلا في حال اتفق الطرفان
على عكس ذلك! (Ar.6/5/c/ii).
قبل أربع سنوات كان الشعب الفلسطيني وحده يحمي الحرم الشريف،
ولو كانت في تلك السنة دولة فلسطينية قائمة على مقاس اتفاقية
جنيف، لكن من المفروض أن يجد شارون رجال أمن فلسطينيين في
انتظاره يحمونه ويواكبونه وهو يدخل باحة الحرم، صبيحة اليوم
الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر سنة 2000، غير أن الشعب وحده
كان يحمي الحرم الشريف بصدور أبنائه، فجاءوا قبل وصول شارون من
كل حدب وصوب، ومن قلب إسرائيل، وكان شارون محتاطاً فدخل الباحة
محاطاً بجنود إسرائيليين مدججين بالسلاح، وبأعداد كبيرة، ولكنه
ما إن غادر المكان حتى تساقطت الحجارة على عناصر الشرطة
الإسرائيلية! احتجاجاً على زيارة شارون، وفي اليوم التالي كانت
الانتفاضة قد بعثت مرة ثانية، في القدس وفي جميع المدن والقرى
الفلسطينية مضيفة إلى سجل ثورات الشعب الفلسطيني انتفاضة باتت
تعرف بانتفاضة الأقصى.
ولنعد إلى الوراء اكثر، إلى سنة 1925 يوم طلب اللورد بلفور أن
يزور المسجد الأقصى المبارك، وقد جاء الطلب من قبل المندوب
السامي "هربرت صموئيل" نفسه، وقبل أن يصل بلفور إلى فلسطين
لحضور افتتاح الجامعة العبرية. يومها كان لأسوار الحرم الشريف
بوابات وأقفال، فاتخذ المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى قراره
بمنع دخول بلفور إلى الحرم، وأوصدت البوابات فعلاً، وخبئ
السلاح خلف البوابات. ولما وصل بلفور إلى فلسطين، استقبلته
البلاد بالإضراب، وصدرت الصحف العربية مجللة بالسواد، وفيها
فقرات بالإنكليزية كي يقرأها بلفور من غير مترجم، فكتبت صحيفة
الشورى تخاطبه: "لقد أصبحت الصورة المجسدة للظلم، الشبح
الأسود، والرمز الدائم للكارثة في فلسطين".
هذا هو التاريخ القريب لا البعيد الذي جاءت اتفاقية جنيف
للقضاء عليه.
ثالثاً: حائط البراق
"حائط البراق" لدى المسلمين هو "حائط المبكى" لدى اليهود، ولم
يرد عنه في اتفاقية جنيف سوى فقرة بعنوان "حائط المبكى"، غير
أن هذه الفكرة لم تحتو على أكثر من جملة واحدة:
"يكون حائط المبكى تحت السيادة الإسرائيلية" (Ar.6/6).
من الملاحظ في هذه الاتفاقية كثرة الاعتداءات على السيادة
الفلسطينية وخاصة في البنود الفرعية، غير أن العقول الصهيونية
التي أبدعت هذه الاتفاقية كانت أحياناً تستبق تفاصيل
الاعتداءات بجملة "دون المساس بالسيادة الفلسطينية .."، إلا
هذه المرة، والاعتداء ليس فقط على السيادة الفلسطينية، بل على
حقوق المسلمين في بقاع الأرض كلها، فلم تكن هناك أدنى مجاملة
في موضوع حائط البراق/المبكى، وفي هذا برهان جلي على أن هندسة
هكذا اتفاقية لم تكن من صنع سياسيين قدماء أو سابقين، وان
الذين وضعوا هذه الجملة، بهذا الإيجاز، وهذا الجزم والحسم،
يعرفون تاريخ فلسطين في عهد الانتداب البريطاني جيداً، ويعرفون
أن قضية حائط البراق/المبكى هي القضية الوحيدة التي كان انتصار
الجانب الفلسطيني فيها، انتصاراً مميزاً، على مختلف الأصعدة
الواقعية والقانونية والدولية.
بالنسبة إلى المسلمين، يوجد للحائط الغربي من الحرم الشريف في
بيت المقدس مكانة خاصة من التقديس، وقد أطلقوا عليه حائط
البراق، نسبة إلى البراق الذي امتطاه الرسول (صلعم) ليلة
الإسراء؛ أما بالنسبة إلى اليهود، فهم يعتقدون أن المداميك
السفلية الثلاثة في الحائط الغربي هي البقية الباقية من الهيكل
الأخير الذي بناه هيرودس، وقد اعتاد اليهود الذهاب والبكاء على
هيكل سليمان عند الحائط، وهو الهيكل الذي لم يكتشف بعد أي أثر
له على الرغم من كل الحفريات التي قام بها الإسرائيليون منذ
احتلالهم الكامل للمدينة، أي منذ سنة 1967.
دفاعاً عن حائط البراق، قامت حركة دينية وشعبية في فلسطين منذ
سنة 1928، توجتها المؤتمرات الإسلامية المتعددة منذ تلك السنة،
ثم ثورة البراق الشهيرة سنة 1929، وجاءت لجنة "شو" للتحقيق في
أحداث البراق، وأعقبتها لجنة البراق الدولية تنفيذاً لوصية
لجنة "شو"، واستمعت هذه اللجنة للشهود ولعلماء المسلمين الذين
استدعاهم الحاج أمين الحسيني "رئيس المجلس الشرعي الإسلامي
الأعلى" من دول متعددة، وكانت إفادات الشهود مستندة إلى نصوص
القرآن الكريم وتقاليد الإسلام، وإلى المستندات التاريخية
وسجلات المحكمة الشرعية القديمة، ومن الواضح أن اللجنة قد
اقتنعت بالكثير مما سمعته، ولذلك كان تقريرها الصادر عن قصر
بكنغهام في أيار/مايو 1931، أول تقرير بريطاني رسمي يعترف
بملكية المسلمين للحائط الغربي، كالآتي:
"للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم وحدهم الحق
العيني فيه لكونه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف
التي هي من أملاك الوقف. وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف
الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة
المقابلة للحائط لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات
البر والخير".
ولكن ... على الرغم من إقرار لجنة البراق الدولية بالملكية
المطلقة للمسلمين، كانت ردود فعلهم هي الاحتجاج والرفض، وكان
السبب الرئيسي الذي استند إله المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
أن التقرير لم يقم على المبادئ الحقوقية العامة، فاللجنة قد
نظرت إلى النزاع القائم من الناحيتين السياسية والإدارية فقط.
أما الحركة الصهيونية، فقد شعرت –للمرة الأولى- أن الجانب
الفلسطيني كان المنتصر.
الرد الأول على النصر المعنوي والقانوني للعرب المسلمين بشأن
حائط البراق/المبكى؛ جاء من قبل "الإسرائيليين" بمجرد دخولهم
البلدة القديمة في حرب "النكسة". الحرب ابتدأت يوم الاثنين
الواقع في الخامس من حزيران/يونيو1967، وفي صباح اليوم الثالث
للحرب تمكن الجنود "الإسرائيليون" من دخول السور، أي في صباح
الأربعاء، أما في اليومين الحادي عشر والثاني عشر من
حزيران/يونيو، فقد ابتدأت أعمال الهدم في القدس "العربية"،
فهدمت الجرافات "الإسرائيلية" الحي المقابل لحائط المبكى ويعرف
بحي المغاربة، وقد طالت عمليات النسف والجرف 135 منزلاً كانت
تسكنها عائلات وجماعات ذات أصول من المغرب والجزائر وتونس
وليبيا، لكن السكان الذين بلغ عددهم 650 نسمة لم يعطوا أكثر من
ساعتين للنزوح عن بيوتهم، فتفرقوا مذهولين لا يعرفون إلى أين.
وهكذا كرست "إسرائيل" مبدأ جديداً في التهويد، وهو حقها في
تدمير أحياء بكاملها دون اكتراث لحسيب أو رقيب، بل على أعين
الصحافة التي دعتها لمشاهدة هدم حي المغاربة الذي يعود إنشاؤه
للقرن الرابع عشر.
كذلك شاهدت أعين الصحافة هدم الحي المجاور لحي المغاربة، حيث
طال الهدم مسجدين وسبعمئة مبنى يسكنها نحو ستة آلاف عربي،
وتحتوي على 437 متجراً، تعتاش منها سبعمئة عائلة. وقد قام مكان
هذا كله فيما بعد مجموعة من البيوت والأبنية عرفت بالحي
اليهودي.
هؤلاء المساكين الذين دمرت بيوتهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن
إقرار لجنة البراق الدولية بأن الحي الذي يسكنونه "حي
المغاربة" هو أوقاف إسلامية.
واستمر التهويد الواقعي، سنة في إثر سنة، غير أن "إسرائيل" ما
كان يكفيها ذلك كله، فقد كان المطلوب اعترافات وتوقيعات تلغي
جميع الحقوق الإسلامية في منطقة الحرم الشريف وما جاورها،
وحائط البراق في أولها.
ومن أجل أن تمحو الحركة الصهيونية لجنة البراق الدولية نهائياً
من الذاكرة تخلى مهندسو اتفاقية جنيف الصهاينة عن بعض الكياسة
التي اتبعوها في فقرات أخرى، وتجاهلوا كل ما يتعلق بمصالحة
تاريخية، معلنين أن حائط المبكى قد حسم أمره وانتهى، وسوف يبقى
تحت السيادة "الإسرائيلية".
رابعاً: نفق الحائط الغربي
وصلت اتفاقية جنيف إلى نفق الحائط الغربي، وهو النفق الذي
اشتهر بنفق نتانياهو، ففي عهده كانت أعمال الحفريات بإشراف
دائرة الآثار "الإسرائيلية" في منطقة الحرم وتحت المسجد الأقصى
مستمرة، وفي عهده تم وضع الجهاز الاليكتروني داخل النفق، وأخذ
السياح يتدفقون، ويشاهدون صورة مكبرة للقدس القديمة من دون
المسجد الأقصى، وقد برز مكانه مجسد للهيكل، وحتى الشوارع
الشهيرة بشوارع القدس العتيقة، اختفت تقريباً وراء طابع يهودي
جديد جعل من القدس القديمة بلدة مختلفة تماماً وذات طابع يهودي
صرف. وقام نتانياهو، بتدشين النفق الممتد تحت أساسات المسجد
الأقصى على مرأى من العالم، غير أن الشعب الذي لم يرض يوماً
الاعتداء على مقدساته، قام وانتفض انتفاضته الكبرى في 25
أيلول/سبتمبر1996، وقد عُرفت تلك بانتفاضة النفق.
بعد ثمانية أعوام فقط من هذه الانتفاضة، وبعد أن انتشرت صور
النفق في العالم كله، وبينما أفواج السياح لا تزال حتى الساعة
تتدفق على هذا النفق المعروف جداً، جاءت اتفاقية جنيف لتجعل من
خريطة النفق خريطة سرية، فلماذا؟ وماذا جاء في الوثيقة نصاً؟
"الحائط الغربي كما هو مبين في الخريطة
X،
يخضع للإدارة "الإسرائيلية"، بما فيها:
"إمكانية وصول غير مقيدة "للإسرائيليين" والحق في العبادة
وإقامة الطقوس الدينية... "أعمال الشرطة الإسرائيلية"... (Ar.6/10/a).
لماذا تترك خريطة النفق للخريطة المجهولة، بينما النفق بات
مكانه وطوله وعرضه من الأمور المعروفة، هل هناك حاجة إلى
التفكير للتوصل بأن الآتي أعظم؟ وأنه لولا المخططات الرامية
إلى التوسيع والتغيير لما كانت هناك ضرورة للخريطة المجهولة؟
ثم .. لماذا هناك دور للشرطة "الإسرائيلية" طالما الاتفاق على
أن النفق يخضع للإدارة "الإسرائيلية" فقط، أم لأن الإدارة هي
مرادف للسيادة حين تكون المسألة متعلقة بالمصالح
"الإسرائيلية"؟
ثم .. أليس رجال الأمن الفلسطينيون وفقاً لهذه الاتفاقية
نفسها، وكما ورد معنا أعلاه، لا مسؤولية لديهم أكثر أهمية من
حفظ أمن "الإسرائيليين" حين يتجولون في الحرم الشريف أو في
القدس الفلسطينية، فلماذا لا يتولى هؤلاء أيضاً مسؤولية أمن
"الإسرائيليين" والسياح حين يعبرون النفق المشاد تحت الأقصى؟
الجواب واضح، وهو أنهم يُستبعدون عن أية مسؤولية لحماية النفق،
كي لا يعلموا ماذا يجري تحت الأرض، أو ماذا سيجري.
خامساً: التنسيق البلدي:مشروع وصاية كاملة
التنسيق البلدي بين فلسطينيين و"إسرائيليين" في مدينة كالقدس
مسألة ممكنة، غير أن التنسيق المعروض بتفاصيله هو مشروع وصاية
كاملة على بلدية القدس "الفلسطينية". فاللجنة الخاصة باسم
"لجنة التنسيق والتطوير الخاصة بالقدس" وما ينبثق عنها من لجان
فرعية لا تترك حرية في الحركة ولا في التخطيط لأية بلدية
فلسطينية مستقلة، فمتى احتاجت بلدية في دولة مستقلة إلى دولة
جارة لها كي "تشاطرها" التخطيط وربما التنفيذ في جميع الأمور،
ولو صدقنا أن هذه اللجنة بكل فروعها هي من أجل التنسيق فقط،
فأين هو التنسيق على ارض الجهة الأخرى؟ فهل يستطيع وفد من
بلدية القدس عاصمة فلسطين أن يذهب ليراقب أعمالاً تقوم بها
بلدية أورشليم عاصمة "إسرائيل"؟
فضلاً عن هذا، فالتنسيق عادة هو بين مؤسستين قائمتين أو
جمعيتين أو بلديتين، أما هذا التنسيق في اتفاقية جنيف فهو بعيد
كل البعد عن مفهوم التنسيق الفعلي، ويتلخص بإنشاء لجان جديدة
من الطرفين من أجل التخطيط معاً، فيا لكرم الأخلاق
"الإسرائيلية"، ويا للخبرة الطويلة التي سوف يقدمونها لجيرانهم
الذين لم يمارسوا حكم نصف قرن م الزمان بعد! ولكن ... لماذا
تجاهل مهندسو الاتفاقية من الجانبين الكفاءات الفلسطينية؟ وكيف
حق لهم أن يتجاهلوها؟ وأما في حال تصور تطبيق هكذا اتفاقية،
فما دور بلدية القدس عاصمة فلسطين إزاء هذه اللجنة "التنسيقية"؟
هل تملك بلدية القدس الحق في التخطيط لمشاريع مستقلة، أم أن
مهمتها سوف تقتصر على تنفيذ المشاريع التي سوف تهل عليها من
"لجنة التنسيق والتطوير الخاصة بالقدس"؟
ونختم بتعداد اللجان المطلوب إنشاؤها تحت راية التنسيق: لجنة
التخطيط والتنظيم العمراني، لجنة البنية التحتية المائية: لجنة
المواصلات؛ لجنة البيئة؛ لجنة الاقتصاد والتنمية؛ لجنة الشرطة
وخدمات الطوارئ؛ لجنة البلدة القديمة؛ لجان أخرى حسبما تتفق
عليه "لجنة التنسيق والتطوير الخاص بالقدس" (Ar.6/11/c).
هل بعد هذا كله من يطرح السؤال إن تكن هذه لجنة تنسيق أم لجنة
وصاية كاملة؟
سادساً: خريطة البلدة القديمة في اتفاقية جنيف
هناك خريطتان رسميتان ملحقتان باتفاقية جنيف الأولى، خريطة
"تبادل المناطق المقترح" والثانية خريطة "البلدة القديمة في
اتفاقية جنيف"، أو خريطة "خطة تقسيم البلدة القديمة بحسب
تفاهمات جنيف"؛ ولم ترد حدود للقدس عاصمة فلسطين بشكل رسمي،
إلا أن تكون حدود البلدة القديمة، أي حدود السور من حولها، هي
الحدود التي تمهد لها اتفاقية جنيف، وهذا ما يمكن استنتاجه من
خلال جملة واحدة وردت في موضوع السيادة كالأتي: "تكون السيادة
على مدينة القدس وفقاً لما يرد في الخريطة المرفقة رقم2..." (Ar.6/3).
ومع التمعن في الخريطة المرفقة رقم2 كما هو المطلوب، سرعان ما
يكتشف الناظر أن الخريطة فعلاً هي للبلدة التاريخية القديمة
فقط داخل السور، وكأنه لا توجد أحياء عربية بكاملها خارج
السور، أي أن القدس العربية التي كانت للعرب ما بين حربي
النكبة والنكسة، والمعروفة بالقدس الشرقية، لم تعد موجودة على
الإطلاق، فالمناطق المحيطة بالسور، والتي تظهر باللون الأخضر
الفاتح، وتبدو ضيقة في بعض الأماكن وعريضة بل ومتسعة في أماكن
أخرى، قد تم تعريفها بكل صفاقة تحت عنوان "منطقة عامة"، ومع
التمعن أكثر تبدو شوارع عربية معروفة لم تذكر حتى ضمن تلك
"المنطقة العامة"، وحتى المقبرة الإسلامية المحاذية لسور الحرم
من جهة الشرق والممتدة حتى زاوية السور شمالاً لم تراع حرمتها،
فهي ضمن "المنطقة العامة"، بينما في المقابل يحتفظ الجانب
"الإسرائيلي" بملفاته التي مازالت مجهولة، وبخرائطه التي
مازالت مجهولة، للوصول بسلام وأمن لكل مقبرة وقبر لهم، وحتى في
قلب البلدة القديمة حتى في قلب الضفة الغربية!!
أين شعفاط؟ أين طريق أريحا؟ أين كنيسة الجسمانية؟ أين وادي
الجوز؟ أين باب الساهرة؟ أين الشيخ جراح؟ أين طريق الخليل؟
وأين؟ وأين؟
النص واضح جداً، وهو السيادة على مدينة القدس تكون وفقاً
للخريطة رقم2، وهنا الرقم "2" مهم جداً، ذلك أن النص يتكلم عن
مدينة القدس، بينما تكون الخريطة عنواناً وخطوطاً تتكلم عن
البلدة القديمة فقط! وهكذا، فلا جامع بين النص والخريطة سوى
الرقم !
ولنتعرف على القدس العاصمة ضمن حدود البلدة القديمة كما حددتها
اتفاقية جنيف. يبدو من النظرة العامة أن نحو ثلثي البلدة
القديمة، باللون البرتقالي الفاتح، يبقى تحت السيادة
الفلسطينية، وهي تشمل بشكل عام ما كان يعرف تاريخياً بمنطقة
الحرم الشريف، والحي الإسلامي، والحي المسيحي المعروف شعبياً
بـ"حارة النصارى"؛ وأما وفقاً للنصوص التي وردت في كل ما سبق،
فلا سيادة فعلية هناك على الإطلاق؛ وتؤكد الفقرة
التي تتحدث عن انتقال السلطات على انعدام السيادة "المزعومة"
وخصوصا في منطقة الحرم الشريف، حيث جاء:
"في نهاية مرحلة الانسحاب المنصوص عليها في المادة 5/7، تمارس
دولة فلسطين سيادتها على المجمع"
(Ar.6/5/c/i)
إذا لا سيادة فلسطينية على الحرم الشريف الذي تدعوه الاتفاقية
بالمجمع حين تقوم الدولة، فالنص يتناقض مع الخريطة، وأما عن
الانسحاب ومراحل توقيته، فهذا بعد الإطلاع على النصوص المتعلقة
به( الفقرة الخامسة من المادة السادسة)، يتضح أن الملف المجهول
X
وحده يحتفظ بالأسرار والنهايات.
أما الحي اليهودي، باللون الأزرق، فسوف يبقى تحت السيادة
"الإسرائيلية"، هل من شك؟ وأما الحي الأرمني باللون الزهري،
فهو يبقى تحت السيادة الفلسطينية ولكن بشروط تراعي ترتيبات
مرور خاصة للإسرائيليين، هذا مع العلم أن أهم بوابتين لهذا
الحي من خارج السور، إحداهما تحت السيادة "الإسرائيلية"
مباشرة، والثانية تحت سيادة فلسطينية إسما، وأما فعلا، فهناك
تتواجد قوى شرطة مشتركة! وهذا ما ورد في الخريطة !
بإيجاز، اتفاقية جنيف هذه التي أقرت بأن البلدة القديمة وحدها
( والواقع معظمها وليس كلها)، هي المكان المقترح للعاصمة
الفلسطينية، فهي قد أقرت بأن مساحة هذه العاصمة لن تصل إلى
مساحة الكيلومتر المربع الواحد !!
وتبقى إشكالية بارزة من خلال الخريطة تتعلق بالجنسية التي
يحملها سكان القدس العرب، فالنص بشأن الجنسية يقول:
" الفلسطينيون المقدسيون الذين يعتبرون حاليا مقيمين دائمين في
"إسرائيل" سوف يفقدون هذه الوضعية عند انتقال السلطة في تلك
المناطق التي يقيمون فيها إلى فلسطين "(
Ar.6/12)
هذا نص واضح ومنطقي، لكن الخريطة المرفقة لا تشير فقط إلى
مناطق فلسطينية وأخرى "إسرائيلية"، فهناك أيضا "المنطقة
العامة" حول السور، وهي المنطقة التي لا يشير إليها النص
مطلقا، وبالتالي لا يشير إلى مصير السكان العرب فيها، فهل
تذكّر المفاوض الفلسطيني أبناء القدس هؤلاء؟ أم كانت الفرحة
طاغية بالتوصل إلى أي اتفاق كان ؟
هل هناك من يجيب اليوم بشأن مصير "المنطقة العامة" ؟ ومصير
سكانها العرب؟
سابعاً: تناقضات لا تنتهي
تتميز اتفاقية جنيف بوضوح شديد يوحي بأن التوازن لا بد قائم
بين الدولتين، فالنص يتحدث عن دولتين مستقلتين متجاورتين، عن
العنف والإرهاب في كل منهما، وعن .. وعن .. غير أن المستتر
سرعان ما يظهر لدى التمعن في المقارنة بين هاتين الدولتين على
جميع المستويات، وهكذا تبرز جملة من التناقضات نشير إلى أبرزها
أدناه:
التناقض ما بين السيادة والوصاية:
الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف مقابل
دولة "إسرائيلية" عاصمتها أورشليم، والحديث عن تبادل سفراء بين
الدولتين، يوحي بتوازن ومساواة، غير أن التوقف عند اللجان
المتعددة من دولية وثلاثية وثنائية، والتوقف عند المقر الرئيسي
لكل من هذه اللجان، وهي في معظمها في دولة فلسطين، وخاصة في
القدس "الفلسطينية"، ثم التمعن في المسائل التي تتناولها هذه
اللجان من أمنية ومراقبة وسيطرة وتدخل مباشر، إلخ... فهذا كله
لا يترك مجالا لأية سيادة للجانب الفلسطيني، فلا سيادة مع
الوصاية.
التناقض ما بين الاستقلال والتبعية:
لا دولة مستقلة تتواجد على أرضها معسكرات لدولة أخرى، أو محطات
إنذار، أو مراقبون، سواء إن تخفى هؤلاء أم ظهروا علنا، فهم
هناك موجودون. ولا توجد دولة مستقلة تتألف من شطرين، تبقى
محتفظة بالسلطة الإدارية على النفق الوحيد الذي يجمع بين
شطريها، بينما مراقبة هذا النفق والسيادة عليه تمتلكهما الدولة
الأخرى!
التناقض ما بين المرجعية الدولية والمرجعية الأمريكية أو
"الإسرائيلية":
إن مسألة تأمين الوجود الدولي، بمعنى تواجد قوات دولية مثلا،
لحماية الشعب الفلسطيني من العدوان "الإسرائيلي" المتكرر،
ويوميا، كان في العديد من الحالات مطلبا فلسطينيا، وخصوصاً أن
مرجعية هذه القوات الدولية هي الأمم المتحدة، غير أن اللجان
التي تدعى "اللجان الدولية في اتفاقية جنيف" لا تعني أكثر من
وجود عدد من الدول في هذه اللجنة أو تلك، ومرجعيتها الواقعية
والمستمرة سوف تكون الولايات المتحدة أو "إسرائيل" نفسها، حتى
إن عملية إنهاء عمل هذه اللجنة أو تلك هو شأن "إسرائيلي" محض !
التناقض ما بين المصالحة التاريخية والمؤامرة على التاريخ:
المصالحة التاريخية التي تقوم عليها الاتفاقية مجرد أوهام، ذلك
أنها قائمة في جوهرها على المفهوم الصهيوني للتاريخ، وما لم
يتم الإعتراف المتبادل بتاريخ كل من الفريقين وبحجم ذلك
التاريخ، فما يقال عنه "المصالحة" لا يعدو سوى أن يكون مؤامرة.
يجدر الإعتراف بتاريخ فلسطين على حقيقته منذ أقدم الأزمنة، أي
منذ عهد الكنعانيين الأوائل، فهم أول من بنى حضارة في فلسطين،
ومن بعدهم كانت حضارة بني "إسرائيل" وتلا ذلك حكم
الإمبراطوريات الفارسية واليونانية فالرومانية، ثم كان الفتح
العربي الإسلامي في القرن السابع للميلاد، ومنذ ذلك الوقت عاشت
فلسطين مهد الأديان السماوية في حمى العرب المسلمين، ثم في حمى
الدولة العثمانية الإسلامية. أما شعبها فاستمر في غالبيته من
السكان العرب، مسلمين ومسيحيين ويهودا، وهكذا فلا مصالحة
تاريخية قبل أن يعلن "الإسرائيليون" اعترافهم بأقدمية الحضارة
الكنعانية وباستمرار الحضارة العربية الإسلامية طوال أربعة عشر
قرنا، وإلا باتت المصالحة باطلة لأنها لصالح الأقوى وضد
الأضعف.
التناقض ما بين المقاومة والإرهاب:
المقاومة لا تنشأ من غير سبب، ولولا احتلال "إسرائيل" لفلسطين
وكأنها أرض مشاع، أو كما روجوا أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض،
لما كانت المقاومة.
المقاومة ليست إرهابا، وإنما واجب وحق مشروع، وما كان لأية
اتفاقية أن توقّع ما لم يتم الإعتراف بالظلم الذي نزل على
الشعب الفلسطيني، وما لم يتم اعتراف "إسرائيل" بعمليات التهجير
القسرية ضد السكان الفلسطينيين، أي باقتلاعها للشعب الفلسطيني
من أرضه وباحتلالها بلده، وباستمرارها عبر السنوات بارتكاب
الجرائم ضد الإنسانية بحقه، و إلا فلا بد للمقاومة من أن
تستمر.
التناقض ما بين الممكن والمستحيل
من الممكن ومن المتوقع لهذه الاتفاقية أن تدعو إلى علاقات جوار
طبيعية ما بين الدولتين الفلسطينية و"الإسرائيلية"، أما أن
تتحكم "إسرائيل" بالمناهج وبالثقافة تحت ستار التعاون، فهذا ما
يستحيل على شعب عريق مقاوم طوال قرن من الزمان أن يتقبله.
التناقض ما بين "حرية" اللاجئ في اختيار إقامته وبين "استحالة"
ممارستها:
لعل الأكذوبة الكبرى في هذه الاتفاقية هي حق الفلسطيني اللاجئ
بأن يختار بملء إرادته مكان إقامته الدائمة، والمشكلة في حيرته
بأن يختار نهاية واحدة سعيدة من خمس نهايات. غير أن التدقيق في
هذه الخيارات الخمس يبرهن على أن اللاجئ ليس حرا سوى في أن
يقول ما يريد، لكن لا ضمانات هناك بأن يصل إلى ما يطالب به،
وذلك لأن من وضع الحلول وضع العراقيل.
التناقض ما بين "الحل النهائي" لمشكلة اللاجئين وبين حرمان
اللاجئين من الهوية الفلسطينية:
عاش الفلسطيني اللاجئ نصف قرن من الزمان وهو يحلم باستبدال
الجنسية الفلسطينية بأوراق اللجوء التي يحملها، لكن تلك
الأوراق كانت على الأقل تعترف له بأنه أصلا من بلد اسمه
فلسطين، فهو لاجئ من فلسطين، فهو لاجئ من فلسطين، أما الحل
النهائي الذي تقترحه اتفاقية جنيف فهو يحرم اللاجئ من هذه
الهوية الفلسطينية، مهما تكن، أكانت وثيقة سفر من دولة مضيفة،
أم بطاقة من وكالة الغوث، مقابل لا شيء إلا ما تخفيه السطور.
فالمعروض عليه أن يختار إقامة دائمة، فقط، والاتفاقية العتيدة
لا يعنيها أن تصل به إلى هوية حقيقية، إلى جنسية، إلى انتماء،
بل تكتفي بحرمانه من هويته كلاجئ فلسطيني !
التناقض ما بين المعلن والسري:
على الرغم من الوضوح الذي تميزت به هذه الاتفاقية في بعض
البنود، إلا أنها قد تميزت كذلك بالكم الهائل من الملفات
"السرية" التي لم تفرج عنها بعد، أو التي لم تقم بإعدادها بعد
لأنه ليس هناك من يحاسب أو يحق له أن يحاسب. إن عدد المواضيع
التي أحيلت على الملف الكبير المجهول هي بالعشرات، وحتى
الخرائط، فعلى الرغم من صدور بعضها، إلا أن الجانب الإسرائيلي
يحتفظ بحقه في عدم إطلاع أحد على البعض الآخر.
التناقض ما بين الدولة الفعلية والدولة الإسمية:
يوجد في اتفاقية جنيف ذكر لدولة سوف يكون إسمها فلسطين، لكن
فلسطين لا تبدو من خلال الاتفاقية كلها سوى جزيرة لا يحيط بها
سوى الكيان "الإسرائيلي"، فأين هي مقومات هذه الدولة؟ ما
علاقاتها الخارجية؟ ولماذا تبادل السفراء فقط مع "إسرائيل" ؟
وحتى مع "إسرائيل" فالتبادل والتنسيق الفعليان هما بين بلدتي
القدس "الإسرائيلية" والقدس "الفلسطينية" وليس بين الحكومتين.
أليس عجيبا في هذه الاتفاقية أن البلدية أهم من الحكومة ؟
خاتمة
أن تكون القدس عاصمة لدولة فلسطينية منقوصة السيادة ومقطعة
الأوصال، أو لا تكون، فتلك ليست كل المشكلة، ولكن أن تبقى
القدس مدينة عربية غنية بآثارها وتراثها الإسلامي، متميزة
بتاريخها، ممتلئة جوامعها وكنائسها ومدارسها وجامعاتها
بأبنائها العرب الصامدين الواعدين، مفتوحة أبوابها لأبنائها
الفلسطينيين كما للسياح من كل حدب وصوب، فتلك هي المشكلة.
تفتقر هذه القدس إلى كل مقومات العاصمة الحديثة وحتى القديمة،
فهي تكاد تختنق من أنواع الشرطة المعتمدة لحمايتها، من قوات
أجنبية متعددة ومن "إسرائيلية"، بحجة المحافظة على الأمن
والقضاء على الإرهاب، وكذلك من اللجان المفروضة عليها في مختلف
الشؤون تحت ستار أهمية البلدة القديمة وضرورة حماية المصالح
"الإسرائيلية"! فكل من تلك اللجان لها الحق بأن تراقب وتأمر
وتنهى، وكأنه لا دولة هناك ولا عاصمة ولا حكومة ولا وزارات ولا
حتى بلدية، فالتنسيق الكامل الذي أعدته الاتفاقية بين
البلديتين يلغي كل خصوصية لبلدية مقدسية.
وما كان اعتراف "إسرائيل" بأهمية القدس الدينية وتراث البلدة
القديمة إلا مدخلا للسيطرة الكلية على الأمن والشرطة، فكل ما
ورد بشأن المعالم الدينية يظهر من خلاله التفرد "الإسرائيلي"
بالمكان والزمان.
ما مر عهد وما مر يوم كانت فيه القدس في خطر كما هي اليوم:
الجيش "الإسرائيلي" هو المسيطر على المواقع الدينية الإسلامية،
الدليل الذي يقود السياح إلى داخل الحرم وداخل المسجد
"إسرائيلي" يهودي، حائط المبكى يجدر أن يتحول إلى حائط للفرح
بالنسبة إليهم منذ أن استفردوا به وامتلكوه بقوة الأمر الواقع،
الحفريات تحت الأقصى وفي أي موقع آخر لا يوجد من يحق له
السؤال عنها وعن نهايتها... ولا تنتهي الأمثلة، غير انه يجدر
التوقف عند علاقة اتفاقية جنيف بالنسبة إلى هذا كله، فهي أول
وثيقة تشرع هذا الواقع العدواني.
كانت عملية بناء الجدار العنصري العازل مستمرة يوميا، بينما
المباحثات لاتفاقية جنيف مستمرة أيضا، وراح العالم الغربي
المتأمرك يهلل للاتفاقية بينما كان الجدار العنصري يرتفع،
وبينما كانت أراضي الفلسطينيين تقتطع، والمزارعون يحرمون من
حقولهم، والعمال من الذهاب إلى أعمالهم، حتى العائلة الواحدة
بات أفرادها يجدون أنفسهم في أماكن متباعدة ولا يستطيعون
الاجتماع تحت سقف واحد.
من يصدق أن 58% من أراضي الدولة الفلسطينية الموعودة قد ضاعت
بسبب الجدار، أو على وشك الضياع، ومن باستطاعته أن يتصور كيف
يمكن للمدن والقرى الفلسطينية التي باتت مبعثرة يفصل ما بين
القرية وجارتها طرق التفافية وحواجز لا تنتهي، أن تتواصل
فيما بينها؟ أية دولة منتظره هذه الدولة الفلسطينية الموعودة؟
وأي قدس هي القدس التي ضاعت معالم سورها التاريخي العريق أمام
بشاعة ما أطلق عليه شارون "الجدار الأمني"! وما أطلقه عليه
العرب "الجدار العنصري العازل". أما أصدق وصف له فهو ما ردده
الأهل في قلقيلية وجوارها على شاشة تلفزيون الجزيرة من أنه
"جدار الإرهاب".
إن المتغيرات الناجمة عن هذا الجدار هي الأسرع، وهي الأسوأ،
وحتى مع صدور حكم عن محكمة العدل الدولية بعدم شرعيتة، فأي حكم
هو حكم متأخر وغير ممكن التنفيذ، والقضاء على "جدار الإرهاب"
لن يكون بأحكام قضائية دولية، بل بمقاومة مستمرة.
ليس مهماً أن تطبق اتفاقية جنيف أو لا تطبق، أن تتحول إلى
اتفاقية رسمية أو لا تتحول، فالغاية الرئيسية منها كانت طرح
الأفكار والحلول، تماماً كما تطرح الرياح السموم، وربما ذلك
كله من أجل كسب الزمن ريثما يستكمل شارون الذي أعلن رفضه لها
من بناء الجدار، ومن إنجاز ما سيترتب عن ذلك من عواقب وخيمة
تمس الديموغرافية الحالية في مجمل البلاد.
أما القدس في اتفاقية جنيف فهي عاصمة بلا سيادة ولا هوية، وهي
في أحسن الحالات عاصمة رمزية، من الممكن أن يرفرف على مقر
البلدية فيها علم فلسطين.
وأما القدس في وجدان أمة العرب ولدى المسلمين جميعاً، فقد
كانت، وسوف تبقى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
|