|
دولة ... أم دولتان أم مقاومة شاملة؟
الدكتور عصـام نعمـان
محامٍ وكاتب – نائب ووزير سابق
بموجب "خريطة الطريق"، تقوم دولـة فلسطين، إلى جانب دولة
"إسرائيل"، في مهلة أقصاها2005/12/31.
بموجب خطاب أريئيل شارون أمام مؤتمر الأمن "الإسرائيلي" في
هرتسيليا، أواخر العام الماضي، يبدو أن لا سبيل الى قيام
دولتين، كما في " رؤية " جورج دبليو بوش، لا في
2005\12\31
ولا بعد ذلك.
بموجب تصريحات ياسر عرفات واحمد قريع وصائب عريقات، يبدو أن
السلطة الفلسطينية متمسكة بخريطة الطريق وهي مستعدة لضمان قيام
هدنة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي شرط وقف حكومة شارون
عمليات اغتيال قادة المقاومة وإنهاء حملتها الإرهابية على
الشعب الفلسطيني.
في ظل استمرار سكوت بوش عن إرهاب شارون المنظم ضد الشعب
الفلسطيني، يبدو أن لا أمل بضغط أمريكي ملموس على شارون أقلّه
من الآن لغاية الانتهاء من انتخابات الرئاسة في مطلع تشرين
الثاني / نوفمبر
2004.
في ضوء الاحتلال الأمريكي للعراق، والضغط الأمريكي على سوريا
وتحسّب دمشق لمضاعفات تكثيف الاستيطان الصهيوني في الجولان
وتهديدات "إسرائيل" بشن هجمات جوية عليها، وإنشغال إيران
بصراعها مع الولايات المتحدة في شأن تطوير قدراتها النووية،
وانقلاب ليبيا على سياستها بتخليها عن مشروع بناء قدرة نووية
وبهجتها باحتضان أمريكا وأوروبا لها، وفشل مصر في لجم الهجمة
الشارونية على الشعب والسلطة الفلسطينيين، وعجز زعماء النظام
العربي الرسمي عن عقد قمة عربية مقررة في تونس ... في ضؤ هذه
الوقائع والتحديات، ماذا يستطيع الفلسطينيون ان يفعلوا ؟ وماذا
يستطيع العرب ان يفعلوا ؟ بل ماذا يستطيع الأمريكيون أن يفعلوا
في الفترة الفاصلة بين اليوم وانتهاء المهلة التي حددها بوش
لقيام دولة فلسطين حسب تصوره، أو بالاحرى زعمه، في
2005/12/31
؟
أسئلة لا بد للمسؤولين المعنيين من ان يطرحوها على أنفسهم، أو
أن تطرحها عليهم شعوبهم. فماذا تراهم يجيبون ؟
يبدو أن المسؤولين المعنيين، كلهم او معظمهم، ليسوا في عجلة من
أمرهم. هم لا يشعرون، بعكس الشعوب التي تكابد شتى صنوف الفقر
والقهر، بانهم مضطرون الى الإجابة عـن الأسئلة المطروحة.
هكذا يجد المفكرون والمجاهدون الملتزمون أنهم مدعوون الى
التصدي للإجابة عن الأسئلة المطروحة، بل الى طرح أسئلة إضافية
من اجل محاولة فهم ما يحدث على الأرض، او ما يدور في الكواليس،
او ما يجري التخطيط له في الغرف السرية، بعيداً على الأضواء
وفضول الإعلاميين.
لعل شارون، الذي يعرف تماماً ماذا يريد، مستمر في ما يقوم به
بهمة ونشاط: متابعة عمليات اغتيال قادة المقاومة وكوادرها
الفاعلة، والاستمرار في حملة إرهاب الشعب الفلسطيني بالنار
والقمع وتضييق سبل العيش، وتشديد الحصار على عرفات وفريقه،
والتعجيل في إنجاز الجدار الفاصل، ومباشرة هدم بضع مواقع
استيطانية غير مأهولة لعدم إحراج بوش في أثناء حملته
الانتخابية، وإجراء إستفتاء نتيجة استمرار بعض أجنحة اليمين
المتطرف، داخل ليكود وخارجه، بالاعتراض على تدابيره التجميلية
في سياسته الاستيطانية. كل ذلك في إطار خطته الأصلية القائمة
على أساس تحويل الضفة الغربية مجموعة كانتونات لا رابط
جغرافيّاً بينها، ليجد الفلسطينيون أنفسهم فــي " غيتوات "
تضجّ بالقهر وضنك العيش فيهاجرون، أو يهجّرون، الى الضفـة
الشرقية لنهر الأردن حيث تقوم، في عرفه، دولة الفلسطينيين.
المسؤولون الأمريكيون مشغولون، بسبب المعركة الانتخابية
المتصاعدة، عن المشهد الفلسطيني بالمشهد العراقي ومستعدون، على
كل حال، لغض النظر عن الكثير مما فعله وسيفعله شارون كرمى
وزلفى للصوت اليهودي الأمريكي ذي السطوة والنفوذ.
المسؤولون العرب مشغولون، كلهم أو معظمهم، عن المشهد الفلسطيني
بالمشهد الداخلي في أقطارهم وقد عاد الى الاضطراب لأسباب محلية
مزمنة أو لأسباب أمريكية مستجدة، ولا يبدو ان لدى الجميع
القدرة والرغبة ناهيك عن هامش الحركة اللازم لدعم الفلسطينيين
بشكل محسوس.
المسؤولون الفلسطينيون مشغولون بهموم عدة، سياسية وكفاحية
واقتصادية واجتماعية، لعل أخطرها مستقبل السلطة الفلسطينية
ذاتها المحشورة بين مطرقة شارون العاتية، بقمعها وبطشها
وتدميرها المنهجي للبشر والشجر والحجر وبنائها لجدار الفصل
والعزل من جهة، وسندان المقاومة الصامدة في كفاحها وفي رفضها
أية هدنة مع العدو غير مقرونة بوقف حملته الإرهابية وإنهاء
احتلاله للضفة الغربية وانكفائه عن قطاع غزه من جهة أخرى.
في غمرة البلبلة والحبوط يندلع صوت مغاير من فريق ثالث له حضور
أكاديمي وسياسي في المجتمعين الفلسطيني و"الإسرائيلي".
خيار الدولة الواحدة
في المجتمع الفلسطيني، ينطلق صوت الدكتور علي
الجرباوي (صحيفة "الحياة "
2003/12/28)
ملخصا مفاصل مأزق طرفي الصراع ومقترحاً المخرج منه على النحو
الآتي:
-
توجد موافقة فلسطينية رسمية على التوصل الى تسوية سياسية
للصراع مع "إسرائيل" وفقا لمبدأ إقامة دولتين.
-
الدولة الفلسطينية التي يقبلها الفلسطينيون تقع على خطوط العام
1967،
ويجب ان تكون مستقلة وسيّدة، ولن يقبلوا ما هو أقل من ذلك
بتاتاً.
-
لتأخذ "إسرائيل" مهلة ستة أشهر لتقرر ما إذا كانت معنية بتسوية
الصراع على أساس إقامة دولتين، ولترسل مؤشرات فعلية تأكيدا
لذلك كوقف الاستيطان ووقف بناء الجدار الفاصل، مقابل هدنة تامة
يلزم الجانب الفلسطيني بها نفسه.
-
إذا رفضت "إسرائيل" هذا الخيار، يكون الجانب الفلسطيني مضطراً
الى التخلي عنه باتجاه الخيار الآخر وهو خيار الدولة الواحدة
الذي يبــــدأ بوضعيـة الابارتايد (التمييز العنصري) مرورا
بالدولة ثنائية القومية، وصولا الى دولة واحدة لكل مواطنيها.
-
في هذا السياق، يقوم الجانب الفلسطيني بحل السلطة الفلسطينية
كي تتحمل "إسرائيل" كامل المسؤولية الناجمة عن احتلالها للضفة
والقطاع وأعبائه المختلفة.
-
خيار الدولة الواحدة من شأنه إطلاق العامل الديموغرافي
الفلسطيني من عقاله وإغراق "إسرائيل" في البحر البشري العربي
فتخسر ما حاولت دائما الحفاظ عليه وهو يهودية الدولة العبرية،
مما يدفعها الى إعادة النظر بسياستها التوسعية العنصرية
الحالية والعودة الى خيار الدولتين.
-
باختصـار، يجري طرح خيار الدولة الواحدة من اجل الحصول على
خيار الدولتين، الأمر الذي يستوجب جعل حلّ السلطة الفلسطينية
ذاتياً خياراً ممكناً.
في المجتمع "الإسرائيلي"، سبق ليوسي بيلين، وزير العدل السابق
في حكومة إيهود باراك، ان دعا واشنطن في صحيفة "
انترناشيونال هيرالد تريبيون " (2003/7/29)
الى قبول قرار (محتمل) للحكومة الفلسطينية بتفكيك دولتها
بتاريخ
2005\12\31
اذا ما حــاول شارون المماطلة في شأن مفاوضات الوضع النهائي
بقصد تحويل الاتفـــاق الانتقالي (بما فيه المستـــوطنات
المبنيــة بعد
28
أيلول / سبتمبر
2001)
أمراً واقعا وحلا دائما.
يتضح من دعوة الجرباوي وبيلين في شأن التهديد بخيار الدولة
الواحدة، أموراً ثلاثة :
·
ان التهديد بحل السلطة الفلسطينية هو مجرد تكتيك لحمل
"إسرائيل" على العودة الى خيار الدولتين.
·
ان السلطة الفلسطينية هي المدعوة، في حال اعتماد خيار الدولة
الواحدة، الى حلّ نفسها.
·
ان الجرباوي وبيلين هما، في الأساس، من أنصار خيار الدولتين،
لكنهما يعتقدان بان خطر الطوفان الديموغرافي العربي كفيل بحمل
شارون ومن لف لفه على إعادة النظر بسياسته الحالية والعودة الى
الخيار المفضل وهو خيار الدولتين وذلك للحفاظ على يهودية
الدولة العبرية.
خيار المقاومة في كل فلسطين
هل ممارسة تكتيك التهديد بخيار الدولة الواحدة ممكن ومجدٍ
وفعال ؟
ثمة، في هذا المجال، أسئلة خمس:
أولاً:
هل يوافق الشعبان الفلسطيني و"الإسرائيلي" على خيار الدولة
الواحدة ؟ لقد رسمت منظمة التحرير الفلسطينية ومن ثم السلطة
الفلسطينية سياستها على أساس القبول بدولة فلسطينية تقع شرقي
خطوط وقف القتال في العام
1967،
فهل يمكن دعوة الفلسطينيين، شعبا وسلطة ومقاومة، الى التخلي عن
خيار عمره أكثر من
15
سنة وتبنيّ خيار آخر نقيض له تماما في مدى سنة أو سنتين؟ وهل
يوافق "الإسرائيليون" المهجوسون بـ " الإرهاب " والطوفان
الديموغرافي العربيين على التخلي عن يهودية الدولة العبرية من
اجل خيار مبهم وتكتيكي اسمه الدولة الواحدة ثنائية القومية ؟
ثانيا:
هل يعقل ان توافق منظمات المقاومة على خيار الدولة الواحدة عند
مفترق الطرق الحالي، وبعد كفاح مسلح مرير كان سقفه والتعبئة
التي سبقته وواكبته يقفان موضوعيا وعمليا عند مطلب دولة
فلسطينية تقع على شرقي خطوط وقف النار للعام
1967
؟
ثالثا:
هل توافق السلطة الفلسطينية على ان تحلّ نفسها بعد أن أصبحت
نواة دولةٍ بازغة وترَكّزَ أركانها في المناصب والمؤسسات
وحققوا، في عرفهم، إنجازاً لا يجوز التفريط به لمصلحة مبادرة
تكتيكيـة مجهولة النتائج والعواقب ؟ وأية صدقية تبقى لهذه
السلطة، عربيا وإقليمياً ودوليا، اذا ما أقدمت على اعتماد هذا
الانقلاب الدراماتيكي في أهدافها ونهجها ؟
رابعا:
هل يفضي تكتيك التهديد بحل السلطة الفلسطينية واعتماد خيار
الدولة الواحدة الى تراجع شارون ومن لف لفه عن أغراضه ونهجه
الحالي ؟ أليس من المنطقي والمنتظر ان يتجاهل شارون وحلفاؤه
هذا التهديد غير المدعوم بقوة ميدانية مؤثرة وان يتهــم
الداعين له، ناهيك عمّن يتبناه، بانهم مراوغون، يقولون شيئا
ويضمرون أشياء أخرى، وانه متمسك (على طريقته) بخريطة الطريق ؟
خامسا:
هل ستتفهـم أمريكا والعالم حقا خيار الدولة الواحدة، أو مجرد
التهديد به، لتعاود الضغط على شارون من اجل اعتماد خيار
الدولتين ؟ وأية دولة تبقى للفلسطينيين بعد ان ينقلبوا على
خيار الدولتين ويخسروا التأييد الذي حصلوا عليه أوروبياً
وأمريكياً، رغم محدوديته، طيلة العقد الماضي؟
غير ان كل هذه الأسئلة تبدو وكأن التطــورات قد تجاوزتها. ففي
لقاء بوش – شامير في
2004-4-14
أقدم الرئيس الأمريكي على إجراء تغيير شبه كامل في سياسة
واشنطن من الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي" بإعلانه ثلاثة مواقف
لافتة:
اولا:
اعتباره " من غير الواقعي " التفكير بالعودة الى حدود
"إسرائيل" التي رسمتها اتفاقات الهدنة العام
1949
الأمر الذي يفسح في المجـــال لتعديل " الحدود " القائمة قبل
حرب حزيران / يونيو
1967.
ثانيا:
تأييد احتفاظ "إسرائيل" بكتل استيطانية كبرى في الضفة الغربية
الأمر الذي يشرّع الاستيطان ويتيح المزيد منه.
ثالثا:
تعطيل حق اللاجئين بالعودة الى ديارهم، أي الى بيوتهم وأملاكهم
في الأراضي المحتلة العام
1948،
والدعوة الى إقامتهم في الدولة الفلسطينية المقبلة من دون
إمكانية العودة الى أراضيهم التي تحتلها "إسرائيل".
يقتضي، في ضوء ما تقدم، الإقرار بضرورة الخروج من وَهم خريطة
الطريق وموعد إقامتها الخيالي في
2005/12/31
والعودة الى ممارسة المقاومة بكل الإرادة
والزخم الممكنين في منظور التحرير الكامل للأراضي العربية
المحتلة وعودة اللاجئين الى ديارهم وبيوتهم. فالمقاومة،
المدنية والمسلحة، هي الخيار الوحيد الحقيقي والمتاح أمام
الفلسطينيين. في سياقها وعلى ضؤ فعاليتها ومفاعيلها وما ينشأ
مستقبلاً من تطورات على الأصعدة "الإسرائيلية" والعربية
والإقليمية والدولية، ترتسم ملامح الدولة الفلسطينية المقبلة
ومضمونها وجدوى القبول بها مرحلياً أو رفضها باتجاه التحّول
التدريجي، السياسي والنضالي، الى خيار الدولة الواحدة والنهج
والآليات الممكن اعتمادها على مدى فلسطين التاريخية كلها،
بعربها ويهودها، من أجل تحقيق المطلب الاستراتيجي الجديد.
غني عن البيان ان إقدام شارون على حل السلطة الفلسطينية، أو
على الانسحاب إنفراديا من الضفة الغربية وقطاع غزه بعد الفراغ
من إنجاز الجدار الفاصل والعازل ودونما مفاوضات
أو إتفاق مع الطرف الفلسطيني، يجعل اعتماد خيار الدولة الواحدة
امرا واقعا ما يختصر عملية التوعية وإعادة التوجيه والتصويب
وبالتالي يُبيح تفعيل المقاومة، بكل أشكالها، في طول فلسطين
التاريخية وعرضها... وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم !
مرحلة ما بعد احمد ياسين
تميّزت المقاومة الفلسطينية لغايــة اغتيال الشيخ احمد ياسيـن
– وبفعل قيادته لـِ " حماس " - بمقومات ثلاثة :
(آ) المزاوجة بين القومي والديني في الكفاح المسلح.
فالمقاومـــة كانت منطلقاتها وأهدافها وطنية وقومية وروحها
وقيمها إسلامية، إنما دونما انغلاق على القوى الوطنية الأخرى.
(ب) الممانعة الوطنية والسياسية في ظل حال من اللاتكافؤ الشامل
مع العدو الصهيوني، سياسيا واقتصاديا وعسكريا. مع هذا الاختلال
المقلق في ميزان القوى، على معظم المستويات، لم تكـن ثمة حاجة
ولا جدوى للمفاوضة. فالنتيجة كانت معروفة، وهي حصيلة منطقية
لحال اللاتكافؤ المشكـو منها. لذا عارضــــت " حماس " بحق
اتفاق اوسلو، وجاءت الأحداث لاحقا لتؤكد انها – ومن ذهب مذهبها
في تقدير معطيات المرحلة وأبعادها – كانت على صواب.
(جـ) المقاومة الميدانية لإضعاف إرادة العدو. في هذا السياق
قدمت " حماس " متطلبات الكفاح المسلح على مناورات العمل
السياسي. بل هي راهنت على العمليات الاستشهادية في محاولة
مباشرة لكسر ارادة العدو وحمله على التراجع سياسيا بما يؤمن
للشعب الفلسطيني مساحةً جغرافية وسياسية يستطيع أن يمارس فيها
مقدارا محسوسا من السيادة الوطنية والحرية والبناء الاقتصادي
والاجتماعي.
مع استشهاد الشيخ احمد ياسين – ثم خليفته الدكتــور عبد العزيز
الرنتيسي - وصلت هذه المرحلة بمقوماتها الثلاثة الى نهايتها،
أو لنقل إن استشهاده كرّس نهايتها بعد وقوع ثلاثة أحداث على
التوالي وتكامل تأثيرها ومفاعيلها على الانتفاضة الفلسطينية،
بل على المنطقة العربية كلها.
الحدث الأول:
وقوع هجمات
11
أيلول
2001
في نيويورك وواشنطن واندلاع ما يمكن اعتباره الحرب العالمية
الثالثة بمصطلح " الحرب على الإرهاب ". ذلك ان الولايات
المتحدة التي ضرب الحدث الجلل رمز قدرتها الاقتصادية (مركز
التجارة العالمي) ومقر قوّتها العسكرية (البنتاغون) وهتك
هيبتها السياسية على مرأى من العالم أجمع، سارعت الى الرد بشكل
شمولي وبالغ العنف، موظفةً حق الدفاع عن النفس بفظاظة لدعم
مشروع هيمنـة امبراطوري كانت إدارة جورج دبليو بوش، ومن ورائها
عصبة المحافظين الجدد، قد حدّدت اغراضه ونهج تحقيقه سلفا. أما
أغراضه فهي إحكام السيطرة على نفط منطقة الوسط الإسلامية (من
موريتانيا الى ماليزيا مرورا بالوطن العربي) إنتاجا ونقلاً
وتسويقاً. اما نهجه فهو إعادة تشكيل هذه المنطقة – وقلبها
الوطن العربي – ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بما يؤمن سيطرة مديدة
للغرب الأمريكي سحابةَ القرن الجاري.
الحدث الثاني:
احتلال العراق ذي الموقع الاستراتيجي البالغ الأهمية من حيث
هو المفصل بين عوالم ثلاثة : عربي و فارسي وتركي. مع هذا
الاحتلال أصبحت الولايات المتحدة، عسكريا وسياسيا واقتصاديا،
فـي قلب العالم العربـي والإسلامي، ومن خلاله نقلت الحرب مع
أعدائها الى عقر دارهم، وفي سياقه باشرت مشروعها الامبراطوري
المتكامل مع المشروع الصهيوني. وغني عن البيان ان إسرائيل،
بقيادة أريئيل شارون، سارعت الى إستثمار الوضع الجيوسياسي
المستجد على نحوٍ بالـغ الجرأة والقسوة، وبدعم مكشوف من إدارة
بوش، ما أدى الى إلحاق الأذى البالغ بالانتفاضة الفلسطينية كما
بالقوى القومية والاسلامية والديمقراطية العربية.
الحدث الثالث:
بناء الجدار العازل بين مناطق الضفة الغربية وإسرائيل على
نحوٍ يفصل المجتمع الفلسطيني عن المجتمع الإسرائيلي من جهة،
ويعزل المناطق الفلسطينية بعضها عن بعضها الآخر من جهة أخرى.
في ظل جدار الفصل والمعازل الناجمة عنه، يعتزم شارون مباشرة
تنفيذ " حــل " منفــرد للصــراع العربي – الصهيوني قوامه وضع
الفلسطينيين أمام أمر واقع يضطرون معه الى إقامـــة " دولة "
هي اشبه ما تكون بجمهورية موز هزيلة وهزلية مكوّنة من مجتمعات
– معازل عالية الكثافة السكانية وعديمة الموارد الاقتصادية
ومرشحة تاليا الى معاناة شديدة وضائقة معيشية دائمة لا تنتجان
الاّ الهجرة المتواصلة.
مستلزمات المقاومة الشاملة
بتكامل هذه الأحداث الثلاثة عشية اغتيال الشيخ احمد ياسين،
انتهت مرحلة وبزغت مرحلة أخرى في تاريخ فلسطين ومنطقة الوسط
الإسلامية والعالم. ومع المرحلة البازغة ظهرت معطيات وتحديات
جديدة مغايرة للمعطيات والتحديات التي واجهت الفلسطينيين
والعرب والمسلمين في المرحلة الذاوية. كل ذلك بات يفرض مقاربةً
متطورة للتحديات الماثلة على النحو الآتي :
أولاً: تكاملية المواجهة.
ذلك ان إقامة جدار الفصل والعزل، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي
لمناطق ومواقع مفتاحية في الضفة الغربية، ووحشية الهجمة
الصهيونية ضد الانتفاضة على جميع المستويات، جعلت المقاومة
الميدانية وحدها غير فعّالة وبالتالي غير كافية. فالمقاومة
الميدانية، اي المقاومة المسلحة، يجب ان تقترن بمقاومة مدنية
شعبية ومقاومة سياسية وان تتكامل هذه المقاومات الثلاث لتشكّل
باجتماعها إستجابـةً ومواجهة حضاريتين للمشروعين الصهيوني
والامريكي وبرنامج عمل ونضال للقوى النهضوية القومية
والإسلامية والديمقراطية.
ثانيا : عروبة المواجهة.
ذلك ان القوى الفلسطينية تجد نفسها الآن، كما عقب نكبة
1948،
في موقع العاجز قطريا عن مواجهة تحديات ذات طابع إقليمي
وعالمي. وكما وجدت القوى الوطنية الفلسطينية، خلال الخمسينيات
والستينيات من القرن الماضي، في وحدة النضال العربي ونضال
الوحدة العربية منهجا عمليا لمواجهة التحدي الصهيوني المدعوم
بالاستعمار القديم والإمبريالية الأمريكية الصاعدة، فإنه محكوم
على قوى الانتفاضة الفلسطينية كما على القوى القومية
والإسلامية والديمقراطية العربية في عصـر " الحرب على الإرهاب
"، والمشروع الامبراطوري الامريكي، والعولمة المتعسكرة ان
تواجه كل هذه التحديات الخطيرة في إطار إستراتيجية عربية
متكاملة، قطريا وقوميا وإسلاميا، تنهض بها جبهةٌ سياسية
وتنظيمات ميدانية (قتالية) تلعب دور الناظم السياسي والمرشد
الثقافي والقائد الميداني للمقاومة العربية، القومية
والإسلامية والديمقراطية.
ثالثا : عالمية المواجهة.
ذلك ان قوى التحرر القومي والإسلامي، وقوى الديمقراطية
والحداثة، وقوى السلام والتعاون العالمي بحاجة متواصلة الى سند
ودعم كونيين في عالم الأحادية القطبية. ان السند والدعم
المطلوبين يتمثلان بالشعوب وبحركتها المعادية للحرب والهيمنة
والرأسمالية المتوحشة. فالشعوب والرأي العام العالمي في عصر
ثورة الاتصالات والمعلوماتية هما القطب العالمي الجديد الناهض
لمواجهة القطب الأمريكي في محاولته الانفراد بزعامة العالم وسط
منافسة متصاعدة مع أقطاب الدرجة الثانية (فرنسا، المانيا،
الصين، اليابان وروسيا) وفي وجه مقاومة ناشطة من الشعوب، لا
سيما شعوب العالم العربي والإسلامي وشعوب الجنوب الفقيرة.
هذه المواجهة المغايرة والمتقدمة بطابعها التكاملي والعروبي
والإسلامي والعالمي مرشحة لأن تأخذ منحى صِدامياً ووئامياً في
آن مع النظم السياسية الحاكمة في العالم العربي والإسلامي. فهي
ستكون صِدامية مع النظم التي تقاوم الإصلاح الديمقراطي،
السياسي والاقتصادي والاجتماعي، متذرعةً بشتى الحجج والأعذار
لتطويق الاستحقاقات الإصلاحية المزمنة أو تفاديها. ذلك ان
الركود والاستبداد والتواطؤ مع الوافد الأجنبي، المستعمر أو
المستثمر، كانت علامات فارقة في تجارب انظمة القهر والفساد
والتبعية الأمر الذي يجعل من استمرارها في مقاومة الإصلاح، بعد
كل الذي حلّ بالأمة من نكبات في فلسطين والجزائر والعراق
وغيرها من الأقطار، دليلا ساطعا على تواطئها مع الأجنبي الطامع
والمستعمر والمستثمر أو ضعفها الشديد بإزائه. اما في الحالات
التي تستجيب النظم السياسية القائمة متطلباتِ التغيّر والإصلاح
الديمقراطي والنهوض الحضاري، فان القوى القومية والإسلامية
والديمقراطية الناهضة بموجبات المقاومة والإصلاح ستكون في وئام
مع هذه النظم في مواجهة المشروعين الصهيوني والأمريكي.
بعبارة أخرى، ان العلاقة مع هذه النظم ستكون، او بالاحرى يجب
ان تكون، على شروط قوى المقاومة والإصلاح الديمقراطي وليس على
شروط النظم المدعية أهدافاً وتطلعات كانت، في غالب الأحيان،
متناقضـة في سياق الممارسة، مع أهداف المقاومة وتطلعاتها، وفي
مطلق الأحوال معادية للشعوب العربية والإسلامية ولحرياتها
وصبواتها ولحركاتها الإصلاحية والديمقراطية.
منهج اعادة النظر
في ضوء ما تقدم بيانه، بات محكوما على قوى المقاومة والإصلاح
الديمقراطي، في إدراكها المتطور للتحديات الماثلة، ان تبادر
الى إجراء إعادة نظر شاملة بما ترفعه من شعارات وتدعو إليه من
أهداف وتعتمده من مناهج وآليات من اجل الوفاء بمتطلبات المرحلة
البازغة على المستويات جميعا.
إعادة النظر المطلوبة ستتناول، بالضرورة، النواحي الايديولوجية
والسياسية والتنظيمية بالإضافة إلى المناهج والآليات المعتمدة.
لعلها تبدأ ذاتيا بمبادرة من العناصر القيادية الحية في صفوف
قوى المقاومة والإصلاح الديمقراطي من اجل تنظيم لقاءات
واجتماعات لتحقيق الغايات المرتجاة من عملية إعادة النظر
الشاملة. إذا تعذر ذلك، لأي سبب من الأسباب، أو إذا تأخرت
عملية التوافق على أسس إعادة النظر المطلوبة والمنهج المراد
اعتماده في هذا السبيل، فإن المخرج يكون بمبادرة يتخذها
المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي–الإسلامي ومؤتمر
الأحزاب العربية لتأليف لجنة من عشرة مفكرين وقياديين مجرّبين
في ميادين السياسة والمقاومة والإصلاح الديمقراطي والتجدد
الحضاري من اجل مقاربة قوى المقاومة والإصلاح الديمقراطي
بمختلف مشاربها لتقريب وجهات النظر وتدوير الزوايا في ما بينها
ووضع الأسس اللازمة لإجراء محادثات هادفة والاتفاق تاليا على
الوثائق والتحضيـرات المؤدية الى عقد المؤتمر التأسيسي
المطلوب.
المقاومـة، بل الأمة، باتت على مفترق خيارات صعبة وفي مواجهة
تحديات جمّة، معقدة وخطيرة. فلا سبيــل الى المكابرة، ولا
مصلحة في المماطلة، ولا جدوى من المراوغة ومحالفة الزمن.
في العمل يكمن الأمل. هل من خيار آخر؟
|