من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

محاولة تحليلية – مستقبلية لمبادرة جينيف

 

الدكتور محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

 يمكن النظر إلى مبادرة جينيف على أنها حلقة في سلسلة متصلة من اللقاءات غير الرسمية التي يطلق عليها مصطلح "دبلوماسية الأبواب الخلفية". وهي دبلوماسية مفضلة أميركياً نظراً لطابعها غير الملزم ولقدرتها على الضغط واختبار النوايا. من هنا أهمية التعرف إلى ميول المشاركين في هذه الدبلوماسية وخلفياتهم والمواقف الأميركية منهم. ذلك أن إنتقاء أعضاء الفريقين يخضع لضوابط وقواعد أميركية باتت محددة أميركياً بدقة بعد سلسلة المفاوضات السابقة في الأبواب الخلفية. وهذه السلسلة تجعلنا لا نهمل هذه الإتفاقية أو نصنفها في خانة عدم قابلية التطبيق. خاصة بعد الترحيب الأميركي الحار بها وهو يوحي بإستعداد اميركي لتهيئة أجواء مناسبة لتطبيقها. فقد بادر الوزير الأميركي كولن باول إلى إعلان رغبته في استقبال بيلين وعبد ربه على رغم تحذير نائب رئيس الوزراء "الإسرائيلي" ايهود أولمرت, الذي ادعى بأن المبادرة تشكّل خنوعاً كاملاً لقرار حق العودة, علماً بأن هذه النقطة بالذات كانت السبب الرئيسي في اتهام ياسر عبد ربه بأنه تنازل عن القرار الدولي رقم 194 المتعلق بحق العودة والتعويض. أي القرار الذي شكّل عائقاً أساسياً في طريق المفاوضات السابقة بسبب امتناع ياسر عرفات عن إزالة الأمل الوحيد لأربعة ملايين لاجئ ظلوا أوفياء لقيادته طوال ربع قرن.

إن إدارة بوش تجد في هذه الدبلوماسية عموماً وهذه الإتفاقية خصوصاً ملجاً لتصحيح بعض المآخذ وتجاوزاً للعديد من المآزق والحماقات التي ارتكبها القيمون على السياسة الخارجية لهذه الإدارة. وبالتحديد على صعيد التسوية العربية "الإسرائيلية" التي عالجها بوش بإنقلاب ناجح على سياسة سابقه كلينتون. ولنراجع بسرعة مواقف ادارة بوش من المسألة الفلسطينية:

 

1. البداية كانت بإبدال مصطلح المفاوضات السلمية بمصطلح جديد التزم به كل الناطقين باسم الادارة وهو مصطلح "المسعى السلمي". وكان هذا الفارق اللغوي إعلاناً عن رفض التدخل في المفاوضات وترك الأوضاع مشتعلة لإنهماك الادارة بالموضوع العراقي وتغيير خارطة المنطقة عموماً وفق الإعلانات الأميركية. حيث تبين لاحقاً أنها كانت مصممة على إحداث زلزال جيوسياسي في المنطقة كلها.

2. جاءت زيارة وزير خارجية بوش كولن باول إلى المنطقة لتؤكد على عدم إكتراث الادارة بالموضوع الفلسطيني. فقد أعلن باول أنه لا يريد التحدث بغير الموضوع العراقي. وهو كان يجمع التأييد القسري للحرب الأميركية على العراق. وهو أدرك درجة الإحراج وصعوبة الحصول على هذا التأييد مما جعله يشدد على ضرورة حشد تأييد دولي كافٍ قبل شن هذه الحرب. وهو رأي عارضه الصقور وأهملوه فكانت الورطة العراقية.

3. صرحت كونداليزا رايس (مسؤولة الأمن القومي) أن الحل المتصور من قبل الادارة للصراع العربي "الإسرائيلي" هو إرساء كونفيديرالية تضم إلى "إسرائيل" كل من الدولة الفلسطينية والاردن ودول أخرى (كانت رايس تأمل انضمامها عقب الزلزال العراقي). مع التذكير بأن هذا الطرح لا يختلف كثيراً عن نسق حلف بغداد الذي طرحه ايزنهاور في الخمسينيات ولكن مع تحديثه. وهذه الصيغة المحدثة لحلف بغداد تكاد تكون المعلم الاستراتيجي الوحيد الواضح في استراتيجية اميركا في منطقتنا. وهو قد يأخذ غطاء ضم هذه الكونفيديرالية إلى حلف الأطلسي عوضاً عن إنفرادها. بما يسمح بضم دول غير متاخمة جغرافياً اليها.

4. تقرير ميتشيل الذي دفن بدون مراسم.

5. مبادرة جورج تينيت التي دفنتها تحضيرات الحرب على العراق.

6. خارطة الطريق: وهي الخدعة المميزة لإدارة بوش. وبما أن اتفاقية جينيف من زوائد هذه الخارطة فلا بأس هنا من مراجعة النص الاميركي لخارطة الطريق الملحق بهذه الورقة.

 

 

نقاط الضعف المعلنة لمبادرة جينيف

 لدى مراجعة الوثيقة المعنونة ب " مبادرة جينيف " والمؤلفة من 45 صفحة, يتبين ما هو أخطر من تسويف مسألة حق العودة والتعويض, وان البند المتعلق بالاعتراف المتبادل يشير صراحة إلى الاعتراف باسرائيل كحقيقة واقعة و" كدولة للشعب اليهودي ". وهذا معناه تكريس الاعتراف باسرائيل كدولة حاضنة ليهود العالم, الأمر الذي يرسم علامة استفهام كبرى حول مصير مليون وربع مليون فلسطيني ظلوا صامدين في فلسطين المحتلة منذ عام 1948. ومن المؤكد ان تطبيق هذا البند سيلغي قيام الدولة الثنائية القومية, ويحل المشكلة الديموغرافية الممثلة بطغيان الأكثرية العربية, ويعطي اسرائيل حق التنظيف العرقي الهادف إلى طرد العرب إلى ما وراء الجدار, أي إلى الدولة الفلسطينية الجديدة. وبهذا تكون الوثيقة قد حرمت أربعة ملايين لاجئ من حق العودة... واضافت اليهم مليوناً وربع مليون لاجئ جديد. وترى أكثر من جهة فلسطينية ان "مبادرة جنيف" تعتبر أول وثيقة فلسطينية خوّل فيها موقعوها انفسهم حق التنازل عن ثوابت الشرعية الدولية والقومية والوطنية في الصراع التاريخي مع المشروع الصهيوني. وهي تستهجن قرار التسرع في استنباط الحلول المريحة لاسرائيل بعد نزاع استمر أكثر من نصف قرن. وان الذين تجمهروا في جنيف قدموا لشارون حبل النجاة وأعانوه على تحقيق حلمه لبناء اسرائيل كبرى خالية من أي عنصر غريب. وإذا ما أردنا إستعراض مستوى التنازلات الفلسطينية المطروحة في هذه الوثيقة، التي تشكل سابقة لن يتخلى المفاوض اليهودي عنها على الرغم من عدم رسميتها، فإننا نعدد النقاط التالية:

-   لا اهمية لمن تفاوضوا على هذا الاتفاق وصاغوا بنوده، فكلاهما عاطل عن العمل، ولا يملك حزبا او دعما سياسيا قويا خلفه، وكلاهما (ياسر عبد ربه ويوسي بيلين) انحسرت عنهما الاضواء بعد خروجهما من الوزارة، وباتا يبحثان عن دور، ونجحت الحكومة السويسرية في توفيره لهما، وتقديم الغطاءين المادي والسياسي لمبادرتهما. إلا أن المفاوض الإسرائيلي لن يفوت التركيز على النقاط المناسبة له متجاوزاً إنعدام الأهمية هذا. (سيلاحظ القاريء أننا لا نوافق على هامشية الشخصيات المشاركة في هذه المبادرة لكننا نعرض هنا للمواقف المعلنة الناقدة للمبادرة).

-   انها اول مبادرة سلام يكون احد اطرافها فلسطينياً، وتتنازل عن جوهر الصراع العربي ـ الاسرائيلي، أي حق العودة وتقبل بدولة فلسطينية منزوعة السلاح والكرامة، ولا سلطة او سيادة لها علي معابرها او حدودها او اجوائها او مياهها. دولة خاضعة بالكامل للإنتداب الاسرائيلي المباشر، وتدار سلطتها من تل ابيب، ومهددة بالاجتياح، في اي لحظة.

-   لقد أحيت هذه المبادرة الانقسامات في صفوف الشعب الفلسطيني، وسجلت سابقة خطيرة، بل الاخطر في تاريخ الصراع، فبالإضافة إلى التنازل عن السيادة، وحق العودة، وخارج اطار المفاوضات. فإن بنود مبادرة جنيف ستكون الاساس لأية مفاوضات قادمة بين العرب والاسرائيليين. حيث الأسلوب التفاوضي الإسرائيلي الإحتيالي كفيل بتحويل هذه البنود لتشكل السقف الأعلى للمطالب الفلسطينية، وهذا السقف غالباً ما يتعرض للانخفاض عندما يجلس المفاوضون علي مائدة التفاوض، لان الحقيقة الثابتة في فن التفاوض هي وصول الاطراف المتفاوضة الي حلول وسط، اي اقل كثيرا من سقف مطالبها الاساسية. ولنا هنا مثال المفاوضات مع سوريا حيث تصر إسرائيل على تجاهل النقطة التي وصلت اليها المفاوضات السابقة وتوقفت عندها. 

-    أكد يوسي بيلين على انه بهذه المبادرة يريد ان ينقذ دولة اسرائيل، ويحافظ على الاغلبية الديمغرافية لليهود امام خطر الانقراض والتآكل. وهذا ينسجم تماماً مع مشروع بيلين المنشور في كتابه " موت العم الأميركي ". وفيه يحذر اسرائيل من الزوال بسبب نفاذ الحزان البشري اليهودي. ومن هنا فإن إنشاء دولة تعترف مبادرة جينيف بيهوديتها يجنب اسرائيل اللهاث وراء تجديد تعريف اليهودي وتوسيع إطاره لتأمين أعداد إضافية من المهاجرين اليهود. فلماذا يسهم ياسر عبد ربه بإنقاذ إسرائيل من هذه الورطة ومن القلق العارم من موت العم الأميركي. خاصة وأن المتغيرات الجيوبوليتيكية في المنطقة تؤذن بقرب موت هذا العم. ولماذا يبارك الرئيس عرفات هذا المجهود الذي يصب في مصلحة انقاذ الدولة العبرية اليهودية ؟.

-    على مستوى القيادة السياسية في إسرائيل, فهي أعفت نفسها من أي إلتزام ببنود المبادرة. مما يعني تجنب جعل أي من هذه البنود سقفاً للمطالب الاسرائيلية في أية مفاوضات لاحقة. وذلك على عكس مباركة عرفات للمبادرة. حيث اتفق ارييل شارون وأعضاء حكومته مع ايهود باراك (حزب العمل) ومحازبيه على رفض المبادرة, لأنها صادرة عن شخصين لا يمثلان أي تيار شعبي أو أي سلطة رسمية. ولقد وصفهما ايهود أولمرت بقائدين فاشلين يتقدمان جيشين لا وجود لهما. وهو بهذا الكلام كان يغمز من قناة وزير العدل السابق بيلين الذي فشل في الحصول على مقعد في الكنيست. وينسحب انتقاده على ياسر عبد ربه الذي أخرجه أبو علاء من وزارته لأسباب غير معلنة. فالبعض يقول إن حزب عبد ربه لا يمثل إلا نفسه خاصة بعد فصله من حزب "فدا" الذي لا يشكل أكثر من نسبة واحد في المئة من مجموع سكان الضفة وغزة, وان سواه أجدر بالتمثيل في الحكومة. والبعض الآخر يقول إن أحمد قريع فضل إبعاد ياسر لئلا يتهم بتأييد "مبادرة جنيف", الأمر الذي يحرجه, لأنه يعطي شارون حجة لاتهامه بالخروج على مشروع "خريطة الطريق". لذلك ادعى بأن السيدة زهيرة كمال أخذت حصة ياسر عبد ربه بسبب حرصه على تطعيم حكومته بعنصر نسائي إضافي غير "أم جهاد". ومهما اختلفت أسباب الاقصاء, فإن مبادرة ياسر عبد ربه لاقت ترحيباً لدى جهات إسرائيلية مختلفة لكن غير رسمية, خصوصاً أن صدورها تزامن مع الاحتفال بالذكرى الأربعين لاعتزال ديفيد بن غوريون الحكم.

-   يقول شارون ان مبادرات السلام ولدت خلال السنوات الأخيرة كالفطر, فمن مبادرة ألون - نسيبة, إلى مبادرة ممثلي شاس والفلسطينيين, إلى مشروع مجلس "يشع" إلى مبادرة "شينوي" للمستوطنين, إلى اقتراحات جورج تينيت, إلى تقرير جورج ميتشيل, إلى مبادرة جنيف. وهو يتوقع من واشنطن دعوة مستعجلة للبحث في امكانات تحويل مبادرة جنيف إلى خطة سلام تتبناها حكومة أحمد قريع. كما يتوقع من حوار الفصائل الفلسطينية في القاهرة, الاتفاق على هدنة ثانية مشروطة تمنحه الوقت الكافي لتفشيل أبو علاء ودفعه إلى المصير الذي انتهى اليه أبو مازن (الأمر الذي لم يحدث حتى الآن). وفي تقديره ان الأشهر الستة المقبلة ستكون كافية للإنتهاء من عملية بناء جدار الفصل, وعلى مسرحية ابتزاز جورج بوش في معركة التجديد. وعندها تصبح هذه المبادرة ظاهرة فطرية جديدة تنضم إلى سابقاتها.

 

مستقبل مبادرة جينيف

 من العبث الحديث عن مستقبل المبادرة بمعنى ملكيتها لحظوظ التنفيذ. فقد دفنت مبادرات أكثر تمثيلية وأهمية. ومن السذاجة التفكير بإمكانية نجاح هذه المبادرة بعد دفن تقرير ميتشيل ومبادرة تينيت وحتى سقوط مشروع بوش المسرحي المعنون بخارطة الطريق.

إلا أن الموضوعية تفرض علينا تناول بعض نقاط القوة في هذه المبادرة بغض النظر عن المواقف النقيضة منها. ولعل أهم هذه النقاط التالية:

-   الدعم اللافت الذي حظيت به المبادرة. وهو يوحي بوجود تغطية دولية جادة لها ولنمط دبلوماسية الأبواب الخلفية. وإن كان هذا الإهتمام ينحصر بالدور الوظيفي للمبادرة دون أن يترافق مع رغبة حقيقية لهذه الأطراف بالعمل على تنفيذها. حيث لا يمكننا تفسير إهتمام بوش بخارطة الطريق وبهذه المبادرة خارج سياق تفكيره في معركته الإنتخابية.

-   على الرغم من الهامشية السياسية الظاهرية لقطبي المبادرة (بيلين وعبد ربه) فإنهما غير قابلين للتجاهل. حيث يعتقد كلاهما بملكيته لمشروع إنقاذي. وحيث يستندان إلى جملة تجارب سابقة ناجحة لعل أهمها نجاح دبلوماسية الأبواب الخلفية في إطلاق إتفاق أوسلو. عداك عن كون هاتين الشخصيتين من النماذج الأميركية المفضلة لقيادة مجتمعات الشرق الأوسط. خاصة لجهة قابليتها لتجاهل القناعات الشعبية السائدة لصالح الرؤية الأميركية.

-   إن حاجة الجمهور الفلسطيني للحدود الدنيا من الحقوق وحاجة قطاع كبير من الاسرائيليين للشعور بالأمان يخلقان جمهوراً مؤيداً لأي تحرك يحمل عنواناً سلمياً. وإن كانت هذه الجهات غير متجانسة ونقيضة الأهداف والوسائل. بحيث يمكن إعتبار مجمل اليسار الاسرائيلي مؤيداً لهذه المبادرة.

-   الرغبة الأميركية بتجنب الضغط على اسرائيل من زاوية خارطة الطريق. وذلك خشية فقدان بوش للصوت اليهودي. وبذلك تأتي هذه المبادرة بديلاً مقبولاً لتخليص بوش من إحراج رفض اسرائيل لخارطة الطريق مع متابعتها بناء الجدار الفاصل.

-   أن الوضع الجيوبوليتيكي المستجد عقب إحتلال العراق يهدد بكوارث عربية تهون أمامها تنازلات عبد ربه في هذه الإتفاقية. بمعنى أن المعارضين الكبار لهذه التنازلات مشغولين بالعمل على تجنب ما هو اسوأ منها.

-   أن المشاركين في المبادرة يستجيبون لتعريف اميركا بوش لقادة المجتمع. وشروط هذه القيادة التطوع لخدمة المصالح الاميركية العامة والشخصية. ولا أهمية مطلقاً لآراء ومواقف المجتمعات والجمهور. فقد برهنت حرب العراق إمكانية كبت هؤلاء والسيطرة عليهم عبر سياسة الصدمة والترويع والتجويع. وأرجو أن يشاركني البعض أسفي للنجاح الفعلي لهذه السياسة لغاية الآن.

-   أن البعض يرون في المبادرة مناورة دبلوماسية من قبل عرفات المحاصر بقوة اسرائيلية وباوامر اميركية. خاصة وأن عرفات كان قد صرح تكراراً بقبوله إنشاء دولته ولو في المبنى المحاصر حالياً بداخله.

-   الفوائد الإنتخابية التي تجنيها ادارة بوش من هذه المبادرة.

 

الفوائد الإنتخابية الأميركية للمبادرة

 تأتي المبادرة وكأنها مدروسة لتلبية جملة حاجات ملحة لحملة بوش الإنتخابية. بما يفسر الإندفاع الاميركي الحاد لتأييدها. في المقابل فإن إرتباط المبادرة بتكتيك انتخابي يقلل من أهمية الدعم الرسمي الاميركي لها. ولنا هنا أن نعود إلى نظرية الإستقراء فنذكر لاءات باراك المطروحة حول مبادرة كلينتون السلمية. حين طرحت على أبواب السنة الأخيرة من ولاية كلينتون وهو توقيت طرح بوش لخارطة الطريق. حيث تقاليد السياسة الأميركية تشير إلى تحول الرئيس إلى العجز في سنته الأخيرة. وهذا ما يدعو الصحافة الأميركية لتسميته بالبطة العرجاء ترميزاً لعجزه في سنته الأخيرة. وهذا ما يبرر عدم جدية أية طروحات استراتيجية ومبادرات سلمية من قبل بطة عرجاء. والمعرفة الاسرائيلية الدقيقة لهذا الواقع جعلت باراك يكتفي بطرح لاءاته كما دفعت بشارون لإعلان إعتراضاته الستة عشر على خارطة الطريق. فالمهم هنا هو التسويف لحين نهاية السنة الرئاسية الأخيرة وإستغلال الفترة الانتقالية ما بعد الإنتخابات الجديدة. وهذا أسهل من إعلان اسرائيل عن رفض مشروع سلام أميركي مهما بلغت معارضتها له.

وبما أن كلينتون لم يكن قادراً على خوض الانتخابات فهو تمكن من متابعة الضغط لإنجاح مبادرته السلمية حتى النهاية محرجاً الإسرائيليين بذلك. لكنه لم يلبث وأن تراجع لجلب الصوت اليهودي لزوجته هيلاري التي ترشحت عن نيويورك العام 2000. في المقابل فإن بوش متهالك للعودة إلى البيت الأبيض. مما يجعله عاجزاً عن متابعة مشروع خارطة الطريق. وبذلك تصبح مبادرة جينيف بديلاً مقبولاً يجنبه الحرج مع اسرائيل ويقدم له جملة خدمات إنتخابية أهمها:

-   أنها تنسجم مع توجهات اليهود الأميركيين (وهم الناخبون الهدف لبوش). الذين يميلون تقليدياً للحلول السلمية التي تجنب اسرائيل المأزق الديموغرافي. الذي يرونه أكبر الاخطار المهددة لمستقبل اسرائيل.

-   أنها تقي بوش حرج الضغط على الأطراف المعنية وطلب موافقات دول الجوار في ظل الأزمة العراقية المستفحلة وإضطراب العلاقات الأميركية مع هذه الدول.

-   أنها ترمم الصورة العراقية المشوهة لبوش وتخضعها لعمليات تجميلية تحوله إلى ساع للسلام وداعم لمبادراته.

-   أنها تلفت الأنظار عن إحراج الوضع الأميركي في العراق. وذلك في ظل إنشغال الدول المعنية بالوضع العراقي وتداعياته الجيوسياسية على المنطقة.

-   أنها تضم بنوداً تربط المسألة الفلسطينية بالتطبيع العربي مع اسرائيل. وهو ربط خارج عن نفوذ الفلسطينيين وقدراتهم الدبلوماسية.

-   أنها تمهد لعودة التمثيل الدبلوماسي والتجاري الإسرائيلي في العديد من الدول العربية. مع تسهيل توسيع مثل هذا التمثيل في ظل الضغوط الأميركية. بما يشكل وعوداً مغرية للصوت اليهودي الأميركي.

-   أنها تكرس الإنقسام بين الفصائل الفلسطينية بما يسمح بتصعيد اتهامها بالإرهاب. حيث رفض فصيل ما للمبادرة يترجم أميركياً على أنه ممارسة ارهابية وإصرار على الإرهاب.

-   أنها تصعد الإتهامات للرئيس عرفات وتضعه في وضعية المقامر بمستقبل شعبه وحقوق هذا الشعب.

-   أنها تمهد لتخليق قيادات بديلة بعد أن شاخت القيادات التقليدية وأدنفت على الموت. حيث من المفضل أن يكون هذا التخليق أميركياً.

-   أنها تساهم في تحييد حكومة ابو قريع وتبقيها في دائرة تهم الفساد.

-   أنها تؤجل البحث في المسألة إلى ما بعد الإنتخابات. حيث يأمل بوش العودة إلى الحكم بقوة تتيح له قطف ثمار جولاته الحربية ومتابعة تهديداته متعددة الاتجاهات.

-   أنها تسجل عودة إلى الأسلوب الأكثر عقلانية وهو دبلوماسية الأبواب الخلفية. التي تغطي حماقة إعتماد أسلوب تبني المعارضات الهامشية العاجزة كما في العراق. أو تخليق زعامات تستغيث للهروب من المسؤولية مثل قرضاي أفغانستان. أو إبراز علماء جواسيس لا يعرفهم أحد من الجمهور.

فإذا ما إكتفينا بهذا القدر من الفوائد الأميركية للمبادرة نجد أن المشاركين فيها هم مساهمون فعليون وعن وعي كامل في حملة بوش الانتخابية القادمة. ومن هنا لنا أن نتوقع مكافأة بوش لهم بعد فوزه القادم. ومن هنا يمكن الحديث عن الطابع التكتيكي المؤقت للمبادرة أو حتى عن فشلها المسبق دون أن يمكننا الحديث عن هامشية المشاركين فيها. إذ أن هؤلاء سيشكلون النخبة المنتقاة اميركياً لقيادة مجتمعاتها. لذلك فإنه من الضروري أن نذكر جيداً الأسماء التالية: ياسر عبد ربه / نبيل قسيس / هشام عبد الرزاق (وزراء سابقون) و قدورة فارس ومحمد حوراني (مقربون من مروان البرغوثي) و سمير الرنتيسي وعبد القادر فيصل الحسيني. أما من الطرف الإسرائيلي فنذكر: يوسي بيلين (رئيس حزب الفجر) وعمرام متسناع وابراهام بورغ (حزب العمل) والميجور جنرال جبورا عنبر والدكتور رون بونداك (من مهندسي اتفاق أوسلو) والبروفسور آرييه ارنون عاموس عوز ورئيس الاركان السابق آمنون شاحاك وعضوة الكينيست نحاما رونين وآفي شيكبر (رجل أعمال) وديفيد كمحي (موسادي سابق) وحاييم اورن وشاؤول آرائيلي (عن باراك).

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة