من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

 

 

قراءة في التطورات الأخيرة/ على الساحتين "الإسرائيلية" والفلسطينية

 

 

الأستاذ : جهاد حيدر

 

 

1) أبعاد فوز شارون بمركز حزب الليكود

 

أ- وقائع وحيثيات

احتلت عملية التصويت في مركز حزب الليكود حول تقديم موعد الانتخابات التمهيدية لرئاسة الحزب حيزاً بارزاً في الداخل الإسرائيلي وخارجه، إلى درجة أنه أصبحت حدثاً سياسياً مركزياً يتم ترقب تفاصيله واستشراف مرحلة ما بعد صدور نتائجه، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن أسباب الاهتمام بشأن حزبي داخلي وإن كان لهذا الاهتمام أساس سياسي يتناسب مع حجمه.

يشكل الكيان الإسرائيلي أحد العناصر الرئيسة المكوّنة للوضع السياسي الإقليمي، وبالتالي فإن الإحاطة بتوجهات الجهات السياسية الحاكمة والمؤثرة في القرار الرسمي أضحت أمراً ضرورياً.. وانطلاقاً من طبيعة النظام السياسي والانتخابي يصبح للحِراك السياسي الداخلي والحزبي أهميته كونه يؤشر إلى مسار قد يترك أثراً على مسار الحكم القائم. وبالتالي فإن التعامل مع الحدث السياسي الإسرائيلي الداخلي يشكل جزءاً من الاهتمام بقضايا منطقتنا العربية والإسلامية، مع الإشارة إلى أن هذا التفسير لا ينطبق بالضرورة على دوافع كل المهتمين بالشأن الإسرائيلي بطريقة تصل إلى حد المبالغة يتجاوز الهدف المشار إليه أعلاه.

هذا في الإطار العام. أما كيف أن معرفة هوية رئيس حزب الليكود ستؤثر على مسار الأحداث فذلك ينبع من أمرين اثنين:

- منذ إقامة الكيان الإسرائيلي، في العام 1948، انحصرت رئاسة الحكومة بين زعيم الليكود وزعيم حزب العمل بحكم أنهما الحزبان الأكثر شعبية وتمثيلاً في الكنيست. من جهة أخرى فإن الأكثرية الشعبية في هذه المرحلة ملتفة حول التيار اليميني وهو أمر متسالم عليه، بل إن حزب العمل نفسه يتعامل مع الواقع الشعبي على هذا الأساس. وجُلّ طموحه حالياً هو تحسين وضعه الشعبي والتمثيلي في الكنيست، من دون أن يعني ذلك عدم إمكانية حصول تغير في المزاج الشعبي نتيجة تطور سياسي أو أمني كبير كما حصل في مرات سابقة سواء بهذا الاتجاه أو ذاك.

- وعليه تصبح الانتخابات الداخلية في حزب الليكود هي في الواقع انتخاب لرئيس الحكومة المقبل، خاصة وأن المتتبع للصراعات القائمة في الليكود يدرك أن عملية التصويت في مركز الحزب لم تكن سوى تتويج لمسار من الصراع الداخلي تمظهر بأوجه متعددة، منها الاستفتاء في الحزب على الانسحاب من قطاع غزة والتي هزم فيه شارون، إلا أنه لم يلتزم به، والصراع داخل مركز الليكود على تشكيل حكومة وحدة وطنية... وغيرها من المواقف والمواقف المضادة السابقة واللاحقة، وصولاً إلى محاولة الحؤول دون انعقاد جلسة المركز لمنع عملية التصويت؛ إلا أنه في نهاية الأمر جرت عملية التصويت وانتهت بمعارضة 1433 عضو لتقديم موعد الانتخابات التمهيدية في مقابل 1329 مؤيد للإقتراح أي بفارق 104 أصوات.

وهنا لا بد من شرح بعض النقاط التي تفسر لنا ما حدث:

1.       إن إصرار معارضي شارون على تقديم موعد الانتخابات التمهيدية يأتي ضمن إطار الاختلافات في الرؤية والموقف من التحديات التي يواجهها الكيان "الإسرائيلي"، خاصة في مواجهة المقاومة في فلسطين.

2.        كون هذا التصويت أتى بعد استكمال الاندحار من قطاع غزة فإنه يمثل إجراءً عقابياً بحق شارون من قبل معارضيه ولقطع الطريق على تنازلات مفترضة قد يقدم عليها شارون في الضفة الغربية بعد فقدان الثقة به، خاصة وأنه صاحب شعار "نتساريم ليست أقل أهمية من تل أبيب". لكنه عاد وأخلى كل مستوطنات القطاع بدون أي مقابل سياسي من الفلسطينيين.

3.        ما يمكن استنتاجه أيضاً هو أن استطلاعات الرأي التي كانت تؤكد هزيمة شارون في مركز الليكود شجعت المعارضين على المضي في محاولاتهم، خاصة وأن آخر هذه الاستطلاعات تنبأ بفوز لطرح نتنياهو على طرح شارون بفارق يقدّر بـ12%، أي بنسبة تتجاوز حتى هامش الخطأ الذي يؤخذ بعين الاعتبار في هذه الحالات والمقدَّر بـ5%.

وهكذا يبدو أن رهان المعارضين كان يستند على ردة الفعل العاطفية التي ظهرت في أوساط الليكود والمركز نتيجة "المشاهد المؤثرة" التي بثتها وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال عملية نقل عوائل المستوطنين، مما أدى إلى حصول ردات فعل نفسية سلبية تجاه شارون فضلاً عن ظهوره بمظهر المخالف للبرنامج السياسي لليكود الذي انتُخب على أساسه. كما وتمت محاولة استغلال صورة الفساد المالي التي لحقت به وبعائلته والتي بموجبها قُدمت لائحة اتهام بحق ابنه عومري.

في المقابل، كانت هناك مواقف تُقدِّر بأن شارون قادر على النصر خلال عملية التصويت على الرغم مما يُنشر من نتائج لاستطلاعات الرأي، إلا أن صوتها لم يكن عالياً بالقدر الكافي. ومما كان يستند عليه هؤلاء:

4.       إن انشقاق الليكود سيؤدي إلى إضعافه، خاصة في ظل تجارب سابقة أظهرت أنه عندما كانت تدب الخلافات في صفوف المعسكر اليميني ويؤدي ذلك إلى تقديم موعد الانتخابات العامة كانت النتيجة فوز حزب العمل برئاسة الحكومة. هذا ما حصل في العام 1992 عندما فاز إسحاق رابين في مواجهة إسحاق شامير، وفي العام 1999 حين فاز إيهود باراك في مواجهة نتنياهو. واستناداً لهذه التجربة راهن البعض على أن الحرص على وحدة الليكود وقوته واستمراره في الحكم سيكون له دور أساسي في لحظة الحقيقة. وما عزَّز من هذا الانطباع هو انتشار مقولة أنه في حال هزيمة شارون فسينشق عن الليكود ويشكل حزباً بديلاً في ظل تأييد شعبي له يتفوق على تأييد حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو.

5.        أيضاً تقديم موعد الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود كان سيؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة، وهذا يعني تقصير عمر الحكومة التي يترأسها حزب الليكود. فكيف يقدم حزب حاكم على تقصير عمر ولايته بنفسه!

6.       من العوامل الأساسية المؤثرة كذلك موقف وزير الخارجية سيلفان شالوم الذي يمتلك امتداداً معيناً داخل مركز الحزب وهو ما أثَّر إيجاباً لصالح شارون.

7.       وانسجاماً مع ثقافة الفساد السائدة في الكيان "الإسرائيلي"، فقد أجريت عشية التصويت في مركز الليكود، وفقاً لما نقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية، عدة اتصالات من قبل شارون ومعاونيه بالعديد من أعضاء المركز من أجل حثّهم على التصويت وتأييد شارون، كما وتم الإكثار من إطلاق الوعود بالمناصب وما إلى ذلك.

8.       أضف إلى ما سبق وجود تقدير يمتلك قدراً معقولاً من إمكانية الصحة، وهو أن اعتداء شارون العسكري الدموي في قطاع غزة كان له تأثير إيجابي على صورته مما قد يكون غيّر في مواقف البعض منه.

 

ب- مستقبل شارون

الآن وقد رفض مركز حزب الليكود تقديم موعد الانتخابات التمهيدية إلى شهر تشرين الثاني من العام الحالي مع اعتبار ذلك فوزاً لأرييل شارون،

ما هو حجم هذا الانتصار وما هي تداعياته على مجمل الساحة السياسية "الإسرائيلية"؟

1.       لا بد من الإشارة إلى أن جلّ ما تحقق لآرييل شارون هو أنه استطاع أن يدفع عنه الخطر لعدة أشهر ليس إلا، باعتبار أنه من المقرر إجراء انتخابات تمهيدية عامة لرئاسة الحزب في شهر نيسان من العام المقبل.

2.       أما بخصوص ما نُشر من استطلاعات رأي تعطي شارون تقدماً ملحوظاً على خصميه نتنياهو وعوزي لانداو في الفترة الأخيرة، فلا يمكن الركون إلى هذه الاستطلاعات لأنها تمت في أعقاب فوزه في المركز. كما ولدينا سابقة ما زالت حرارتها لم تبرد حتى الآن وهي أن الاستطلاعات كانت تؤكد فوز نتنياهو على شارون ولكن الذي حصل هو العكس.

3.       بعد هذا الفوز المؤقت لشارون، كون أن التحدي الأساسي الذي يحدد مستقبله السياسي ما زال أمامه ويفصله عنه فترة ستة أشهر أو ما يزيد، من الطبيعي أن يركز شارون جهده في المرحلة المقبلة على تثبيت معسكره وتنميته استعداداً للمعركة الفاصلة. وضمن هذا الإطار أجرى شارون في أعقاب فوزه الأخير مشاورات مع مقربيه وأعطى تعليماته لهم بأن "لا يُخلوا الساحة لرجال نتنياهو"، أي كأنه يقول لهم بأن كسب جولة لا يعني بالضرورة كسب المعركة.

 

ج- مفاعيل فوز شارون على الساحة الداخلية

من الطبيعي أن يكون لنتيجة هذا التصويت تأثيرات على بقية الأحزاب، وبشكل خاص على حزب العمل. ومن أولى مفاعيل التصويت أنه أجّل احتدام التنافس داخل بقية الأحزاب على رئاستها، وعلى اختيار مرشحي كل حزب لعضوية الكنيست، لأنه حال دون تقديم موعد الانتخابات العامة. مع العلم أن حزب العمل قرر إجراء انتخابات تمهيدية في تشرين الثاني القادم.

-          أطال فوز شارون من عمر الحكومة. وبهذا الصدد اعتبر رئيس حزب العمل شمعون بيريس "أنه لا يوجد مبرر للإستقالة من الحكومة". وهو ما يؤمِّن شرطاً ضرورياً لاستمرار حكومة شارون بعد تخلي اليمين المتطرف عنه.

-           أيضاً التحدي المقبل لشارون على مستوى الحكومة هو تأمين الأغلبية المطلوبة لتمرير الموازنة العامة، لأنه وفقاً للقانون، إذا لم يصادق الكنيست بالقراءات الثلاث على الموازنة العامة حتى تاريخ 31 آذار، فإن ذلك يُعتبر بمثابة حل للحكومة والكنيست ويصبح تقديم الانتخابات العامة أمراً حتمياً.

ولا يخفى أن هذا الأمر سيفتح الباب أمام نوع من التجاذبات السياسية لإجراء تعديلات فيها (الموازنة العامة) من أجل جعلها - كما عبّر البعض - إجتماعية والتخفيف من مسّها بالطبقات الفقيرة.

في كل الأحوال هناك حقيقة لا يمكن القفز فوقها، وهي أنه على الرغم من فوز شارون، فإن ذلك لا يلغي الانقسام السياسي لحزب الليكود على نفسه، وإن لم يترجم هذا الانقسام، حتى الآن، تنظيمياً. بل إن نتائج التصويت والفارق غير الكبير بين الطرحين يؤكد هذه الحقيقة، خاصة وأن الخلاف لم يكن حول قضية تقنية كما يبدو في الظاهر (تقديم موعد الانتخابات التمهيدية في الحزب) وإنما حول النهج السياسي للحزب.

أيضاً ينبغي على المراقبين، بدءاً من الآن، أن يضعوا نصب أعينهم مسألة ملموسة في الحراك السياسي الإسرائيلي أنه كلما اقتربت مواعيد الانتخابات العامة أو الحزبية الداخلية يصبح الاعتبار الانتخابي طاغياً على الكثير من الاعتبارات الأخرى، وفي أقل الأحوال يصبح جزءاً من الاعتبارات الأساسية.

فهل ينعكس هذا الوضع السياسي الإسرائيلي جموداً على المسار السياسي الفلسطيني المجمد أصلاً واندفاعاً إلى الأمام على المستوى الأمني؟

 

2) التصعيد العسكري "الإسرائيلي" في غزة، خلفياته واهدافه

 

شكَّل التصعيد العسكري الأخير في قطاع غزة نوعاً من المفاجأة من حيث التوقيت كونه أتى بعد أيام قليلة من استكمال خروج الجنود والمستوطنين الصهاينة منه، إنطلاقاً من أنه قد لا ينسجم مع مصالح ورؤى كلا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، الأمر الذي يفرض البحث عن الدوافع التي أدت إلى تصعيد العمليات العسكرية الإسرائيلية فضلاً عن آفاقها وابعادها السياسية. وكون أن هذا التصعيد ليس تتويجاً لمسار سياسي وعسكري كانت له محطاته وظروفه، لا بد من تسليط الضوء على بعض النقاط ذات الصلة بشكل أو بآخر:

منذ إعلان رئيس حكومة العدو آرييل شارون في أواخر عام 2003 عن عزمه على الخروج من قطاع غزة بدأ المعلقون والمسؤولون والطاقم المحيط بشارون نفسه، باستعراض العقبات التي قد تعترض تنفيذ هذا القرار، قبل وخلال وبعد عملية الخروج. ويمكن إيرادها باختصار:

 

أ- هواجس ومخاطر ما قبل الاندحار:

العقبة الأساسية التي مثُلت أمام شارون برزت من داخل حزبه، سواء لأسباب آيديولوجية أو سياسية. وبالتالي كان من الطبيعي أن يكون التحدي الحاسم في تحديد وجهة ومصير هذا القرار يكمن في ما ستؤول إليه الصراعات داخل حزبه وهذا ما تمظهر استقطاباً سياسياً حاداً، داخل الليكود، بحيث أصبح يُطلق على عدد من المعارضين بأنهم "متمردو الليكود" الذين لم يتركوا وسيلة للحؤول دون تنفيذ هذه الخطوة إلا وأقدموا عليها، فكان استفتاء الحزب الذي خسر فيه شارون ولكنه خالف نتيجته.. كما كان مركز الليكود حلبة صراع أخرى من أجل عدم تمكين شارون من تشكيل الحكومة التي تمكّنه من تمرير هذا المشروع (خالية من اليمين المتطرف وتتضمن حزب العمل المؤيد للإنسحاب من غزة) إلا أن شارون استطاع تجاوز هذه العقبة بحزم و"ذكاء" وهو بدا كزعيم ديكتاتوري يفرض على حزب بأكمله برنامجه السياسي

أما على المستوى الأمني فبرزت مخاوف، رفعت من وتيرتها تحذيرات جهاز الشاباك، من أن يقدم أحد عناصر اليمين المتطرف على عملية اغتيال سياسي تستهدف شارون أو أي من الشخصيات السياسية الأخرى أو حتى استهداف المقدسات الإسلامية من أجل قلب الطاولة ولكن الذي حصل أن "فشة الخلق" كانت على حساب المواطنين الفلسطينيين حيث أقدم إرهابيان صهيونيان على ارتكاب مجزرتين بحقهم في شفاعمرو وشيلو إلا أنها لم تؤثر مسار الأحداث المتعلقة بالخروج من قطاع غزة!

 

ب- مخاوف خلال الاندحار

تمحورت المخاوف التي سيطرت على تفكير المسؤولين السياسيين والأمنيين الإسرائيليين حول أمرين اثنين: أسلوب مواجهة المستوطنين أو من يدعموهم، لإخلائهم. الأمر الثاني، هو حول ما ستقدم عليه المقاومة الفلسطينية خلال عملية الاخلاء، أي هل تستغل الخروج الجماعي للجيش والمستوطنين وانشغالهما ببعضهما البعض عبر استهدافهم عسكرياً؟

فيما يتعلق بأسلوب مواجهة المستوطنين يمكن القول بأن السيناريوهات إزاء ما قد يقدم عليه المستوطنون في مواجهة عملية إخلائهم كان فيها الكثير من المبالغة بالقياس إلى ما حصل على أرض الواقع، بل إن عملية الإخلاء قد استكملت في وقت قياسي نسبة لما كان مخططاً له. ولكن البارز في هذا الإطار هو التغطية الإسرائيلية الإعلامية الواضحة الأهداف والدلالة من أجل كسب تأييد وعطف الرأي العام الدولي والظهور بمظهر الطامح للسلام ولكن العقبة في الفلسطينيين أنفسهم!

أما بخصوص المخاوف من عمليات للمقاومة الفلسطينية، فقد كان واضحاً أن قرار فصائل المقاومة هو في عدم المبادرة إلى أي عمل عسكري خلال عملية الاخلاء، نتيجة تقدير يُفيد بأن أي عمل من هذا النوع سيشكل مبرراً لأرييل شارون لكي يرتكب مجازر كبيرة بحق الشعب الفلسطيني يقلب فيها فرحهم باندحار المستوطنين إلى حزن، ويتحول فيها الدم الفلسطيني إلى ورقة انتخابية لكسب ود اليمين المتطرف. وما يعزز من هذا الانطباع هو أنه عندما توفر المبرر للفلسطينيين للقيام بأعمال عسكرية نوعية ضد الجنود والمستوطنين بعد ارتكاب إرهابيين صهيونيين مجزرتين بحق الفلسطينيين، لم يرد الفلسطينيون باستهداف المستوطنين على الرغم من سهولة إلحاق خسائر فادحة بهم في حينه.

 

ج- مخاوف ما بعد استكمال الاندحار من داخل القطاع

شكلت مرحلة ما بعد غزة محور التجاذب الأساسي بين كل من المؤيدين والمعارضين للخروج منها. وعرضت في سياق ذلك العديد من السيناريوهات "المتفائلة والمتشائمة". ويمكن الادعاء بأن تلك المرحلة كانت الهاجس الأكبر المسيطر على تفكير المؤسستين الأمنية والسياسية في "إسرائيل"، خاصة وأن الحكم النهائي على صوابية هذه الخطوة مرتبط بهذه المرحلة بالذات.

وفي هذا السياق، الهدف الذي ينبغي أن يكون حاضراً في الأذهان هو أن مخطط شارون يرتكز بشكل أساسي على فصل قطاع غزة عن الضفة، على كافة المستويات، من ضمن رؤية تنطوي على "تسقيف" الطموح الفلسطيني بهذه البقعة الجغرافية، قد يُضاف إليها بعض المناطق في الضفة الغربية، سواء ضمن إطار تسوية سياسية أو من ضمن إطار فرض الأمر الواقع.

ومن الطبيعي أن يكون المسار السياسي والأمني هو المدخل لتحقيق هذا الهدف وبالتالي كان القرار الإسرائيلي بتغيير المعادلة التي كانت سائدة قبل الانسحاب، أي الرد الفلسطيني بصواريخ القسام (أو غيرها) على أي مجزرة أو استهداف تنفذه قوات الاحتلال بحق كوادر ومجاهدي المقاومة الفلسطينية في الضفة أو القطاع؛ إضافة لنية العدو عدم السماح بتحول غزة إلى منطلق لتنفيذ عمليات داخل المناطق المحتلة عام 1948.

وعليه طرحت العديد من التساؤلات منها: ما هي المعادلة التي ستسود بين جيش العدو والمقاومة الفلسطينية في القطاع؟ ما هو تأثير ما يجري في الضفة على غزة؟ وهل ستكون غزة منطلقاً لعمليات ردعية رداً على مجازر قد يرتكبها العدو في الضفة؟

 

وبغض النظر عن حقيقة أسباب تفجير الوضع، ما يهمنا هو تسليط الأضواء على خلفية الضربات العسكرية الإسرائيلية والشدة التي اتسمت بها.

بعد تجاوز العدو لرد حركة الجهاد بإطلاق الصواريخ في أعقاب اغتياله لثلاثة من مجاهديها في طولكرم، تساقطت صواريخ القسام على المستوطنات بعد انفجار مخيم جباليا في توقيت سياسي حساس بالنسبة لأرييل شارون كان سينعكس عليه سلباً خلال عملية التصويت في مركز الحزب، وهكذا تداخل الاعتبار السياسي المرتبط بمعادلات ما بعد الخروج من غزة بالاعتبار الشخصي لشارون المرتبط بتحسين صورته وظهوره كشخصية قوية تدافع عن أمن المستوطنات بكل ما تمتلك من قوة.. ومن هنا كان القرار بحملة "أول الغيث" التي تخللها ردود شديدة من ضمنها قصف مدرسة تابعة لحركة حماس التي سبق للقيادات العسكرية الإسرائيلية أن تدارست، في فترات سابقة، استهدافها (وفقاً لمصادر العدو)، ولكن لم يتم الاتفاق على ذلك لطابعها المدني.

فيما يتعلق بفرض معادلات جديدة تختلف عما كان سائداً قبل الانسحاب، فقد لخص رئيس شعبة العمليات في جيش العدو، اللواء "يسرائيلي زيف"، الخطة الإسرائيلية على الشكل التالي: "إن الحملة تعبر عن نهاية عهد المعادلات والردود الموضعية. المنظمات لم تعد تقرر جدول الأعمال. هذا انتهى. في الوضع الجديد، محظور تنفيذ أي عملية هجومية ضد إسرائيل من أراضي القطاع. نقطة"، محذراً من أن الجيش الإسرائيلي "سيعمل دون قيد زمني أو يتعلق بالقوة، إلى أن تفهم الرسالة الجديدة بكاملها"!

ضمن هذا الإطار، أتت التطورات الميدانية التي شهدها قطاع غزة والتي تخللها إعلان حركة حماس وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية والالتزام باتفاق القاهرة، إلا أنهم في شعبة الاستخبارات العسكرية "يعتبرون أن السبب الأساسي للانكفاء السريع لحركة حماس كان نتيجة للضغط الجماهيري، أكثر منه نتيجة للضغط الإسرائيلي". فحماس بنظرهم تجيد قراءة ما يختلج داخل نفوس السكان، وبأن استئناف القصف الجوي بعد أقل من أسبوعين من الانسحاب لم يكن مقبولاً لديهم (السكان)، في الوقت الذي تحرص فيه حركة حماس على أن تبدو، بنظر الشعب الفلسطيني، كمدافع عنه وليس كمسبّبة للنكبات التي يتعرض لها.

ويبقى السؤال الأساسي الذي ستجيب عنه فصائل المقاومة بشكل عملي خلال الأشهر القادمة: هل من ضمن استراتيجيتها استخدام غزة كعامل ردعي إزاء ما يجري في الضفة ومناطق أخرى؟.

لكن، كما أن المطلوب من المقاومة أن تطوِّر من تكتيكاتها بما ينسجم مع الواقع المستجد، أيضاً، لا يمكن فصل القطاع عما يجري في الضفة وكأننا نتحدث عن منطقتين، كل منهما في الطرف الآخر من الكرة الأرضية. من هنا يأتي السؤال التالي: ماذا لو تحول قطاع غزة إلى خط خلفي للضفة يمدها بما يلزم؟ هل ستعتبر إسرائيل ذلك مبرراً للإعتداء عليه ولاستهداف كوادر المقاومة والمجاهدين؟ أيضاً ماذا لو نفذ العدو عمليات أمنية في غزة وأنكر صلته بها؟ هل سترد فصائل المقاومة أم أن السلطة ستمنعها من ذلك. وما هو موقف السلطة الفلسطينية من كل ذلك؟.

إلى حين اتضاح كافة ملامح مرحلة ما بعد غزة ما يمكن قوله أنه في حال لم يطرأ مستجد يغير من مسار الأحداث، سيحتل الوضع الداخلي لكل من كيان العدو والسلطة الفلسطينية حيزاً أساسياً في المرحلة المقبلة؛ فبالنسبة للسلطة هي ستكون مشغولة بالاعداد للتوصل إلى تفاهمات مع فصائل المقاومة والإعداد للإنتخابات التشريعية المقبلة في كانون الثاني 2006؛ وبالنسبة للعدو سيركز شارون على ترتيب معسكره داخل حزب الليكود وتثبيته وتنميته استعداداً للمنافسة الحاسمة في نيسان 2006 على رئاسة الليكود. والى جانب ذلك ستحتل مسألة مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية محور التجاذب السياسي بين الأطراف السياسية ذات الصلة بالشأن الفلسطيني، الدولية والاقليمية والمحلية.

في الختام لا بد من خلاصة قد تشكل، إطاراً أو جزءاً من إطار، لفهم واقع وآفاق الاندحار من قطاع غزة:

- ليس صحيحاً القول أن المجتمع الإسرائيلي (اليهود-الصهاينة) منقسم على نفسه بين مؤمن بفكرة أرض إسرائيل الكاملة ورافض لها بالمعنى الحرفي للكلمة، وإن كنا نقرأ ونسمع رفضاً لها على ألسنة بعض المسؤولين الصهاينة. بل الحقيقة أنه على المستوى الفكري يمكن الجزم بأن جميع التيارات الصهيونية تؤمن بأن فلسطين تمثل أرض إسرائيل وبالتالي فهي من حق الصهاينة، سواء من منطلق تاريخي أو طبيعي أو ديني.

-         السجال الإسرائيلي الداخلي حول هذا الشعار لم يكن وليد الظروف السياسية الحالية وإنما واكب مسيرة الكيان الإسرائيلي منذ بداياته، وبوجه من الوجوه منذ ما قبل الإعلان عن قيامه، ولكنه كان يتمظهر في كل مرحلة بعناوين وشعارات تتناسب مع الواقع السياسي في حينه.

-         الفرق بين الحاضر والماضي بخصوص الخلافات المرتبطة بهذه العقيدة كان يتركز حول توصيف الظروف السياسية وموازين القوى، وإن كانت تسمح للصهاينة بتحقيق المزيد من التوسع تطبيقاً لهذا الشعار (أرض إسرائيل الكاملة)، كما حصل بين حزب حيروت الذي كان يتزعمه مناحيم بيغن في الخمسينات والستينات ، والذي كان يدعو لاحتلال واستيطان شرقي نهر الأردن وكامل غربي النهر، وبين حزب مباي وهو كان يترأسه بن غوريون الذي أخذ بعين الاعتبار محدودية الأعداد السكانية لليهود الصهاينة في حينه ومن أجل عدم الاصطدام بالسياسة البريطانية آنذاك.

 وقد أورد المعلق السياسي في صحيفة "هآرتس" ألوف بن (2/12/2003) نقلاً عن إيهود أولمرت الذي اقتبس عن بن غوريون قوله: "لنفترض أننا تمكنا بالأسلوب العسكري أن نحتل كل غربي أرض إسرائيل (أي بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة)، وأنا واثق من قدرتنا على ذلك. ماذا كان سيحصل عندها؟ نقيم دولة واحدة. غير أن هذه الدولة سترغب في أن تكون ديمقراطية. وستكون هناك انتخابات عامة، ونحن سنكون أقلية (…) عندما كنا بين خيارين إما: وحدة البلاد دون دولة يهودية، أو دولة يهودية دون وحدة البلاد، إخترنا الدولة اليهودية بدون وحدة البلاد". أي أن الخلاف في تلك المرحلة كان على تشخيص حدود قوة إسرائيل في تحقيق كامل طموحها وكان يتركز ذلك على التوسع. أما الآن فالخلاف يتمحور في الكيان الإسرائيلي بين من يريد البقاء حيث هو، وبين من يريد التراجع وفقاً لتشخيصه للظروف السياسية وموازين القوى. وداخل كل من هذين المعسكرين توجد أيضاً تنوعات، فالرافضين للإنسحاب من قطاع غزة ينقسمون إلى قسمين: بعضهم من منطلق آيديولوجي (ويتزعمهم عوزي لانداو) والبعض الآخر من منظور سياسي (ويتزعمهم بنيامين نتنياهو). في حين أن الذين يريدون التراجع إلى الوراء والانسحاب من بعض الأراضي الفلسطينية يختلفون أيضاً فيما بينهم في التوقيت والشروط ومساحة الأرض وما إلى ذلك.

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة