|
دور المقاومة في التسوية
النائب الحاج محمد فنيش
2004
تمثل تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان ودورها في معادلة
الصراع والإنجازات التي حققتها ظاهرة لافتة ومميزة جديرة
بالتحليل والقراءة..
لتبيان ما هو خاص من ظروف ووقائع أحاطت بحركتها وأثرت في تشكيل
مسارها ويتعذر تعميمه لانتفاء العلة المشتركة مع ظروف مختلفة
غير متماثلة وعدم فصل النتائج عن مقدماتها وأسبابها.
وما هو عام يمكن استخلاصه وانتقاؤه بعد استقراء تفاصيل الأدوار
ليشكل منهجاً قابلاً للإقتداء والتطبيق في حركة صراع أي شعب مع
قوة محتلة غازية، فكيف وأمتنا لا تزال تخوض صراعها الشائك
والمرير مع المشروع الصهيوني وامتداداته.
إنطلاقاً من ذلك تغدو قراءة التجربة ضرورة وحاجة لمراكمة
الخبرات وتواصلها وتمثلها وفق منهج علمي موضوعي يقارب الواقع
ويتفاعل مع متغيراته للوصول إلى الغايات والأهداف.
إن نهج المقاومة في التعامل مع مشروع التسوية ومساراته
المختلفة وموقعها من تطوراته سواء على المستوى الوطني المتعلق
بالأراضي اللبنانية المحتلة، أو على المستويات العربية الأخرى
المرتبطة بالأراضي المحتلة والقضية الفلسطينية يشغل حيزاً
هاماً من أداء المقاومة وتعاملها مع الواقع ومستجداته من
الأهمية بمكان الإضاءة عليه واستكشاف ومعرفة مدى قابليته
للتطبيق وأسسه السياسية والشرعية.
كي يتوضع هذا النهج لا بد من فهم رؤية المقاومة لطبيعة الصراع
مع العدو الصهيوني.
يرتكز فهم المقاومة ونظرتها للصراع مع المشروع الصهيوني أولاً
وأساساً على الإلتزام المبدئي والعقائدي بالإسلام وأحكامه
وقيمه وخاصة فيما يتعلق بقيم العدالة ورفض العدوان والظلم
وضرورة مواجهة الباطل.
ومؤدى ذلك رفض المشروع الصهيوني وإفرازاته، واعتبار ما أنشأه
على أرض فلسطين كياناً قائماً على الظلم والباطل لأنه سلب حق
الشعب الفلسطيني من أرضه بالقوة والقهر وتسبب بتشريده خارج
وطنه. وعلى عدم صحة ادعاءات الحق التاريخي أو الوعد الإلهي
بتفسيرات تلمودية أو توراتية استناداً على الحقائق التاريخية
والقيم الإلهية الواحدة، جوهر الأديان المتتابعة مقاصدها وما
تولده هذه الإدعاءات والمزاعم من اضطراب في العلاقات بين
الشعوب والأمم وما تنشر من مخاطر توسعية لا تتوقف على أرض
فلسطين فحسب، بل تمتد لتشمل سائر الدول العربية الأخرى ومنها
لبنان.
ويستند هذا الرفض لمشروعية الكيان الصهيوني أيضاً على ما يؤديه
من وظيفة لصالح السيطرة والهيمنة الغربية التي كانت أحد أسباب
دعمه غربياً من قبل الدول المسيطرة آنذاك والذي استمر مع تبدل
مواقع الدول المهيمنة على الساحة الدولية، والهدف من دوره
ووظيفته منع وتعطيل أي حركة نهوض غايتها إعادة توحيد الأمة
واستعادة دورها وموقعها في الخريطة السياسية الدولية والمكانة
الحضارية سواء كان المدى السياسي للتوحيد وفق المشروع العربي
أو المشروع الإسلامي.
شكّل هذه الفهم مرتكز المقاومة في انطلاقتها وخوضها للصراع مع
العدو بعدما توسع في احتلاله أثناء غزوه لبنان ليطال العاصمة.
لم تكن المقاومة في بداية انطلاقتها مهتمة للمعادلات السياسية
السائدة التي صنعها الاحتلال أو ساهمت في توسعه، محلياً أو
إقليمياً أو دولياً، بل كانت حركتها رداً على هذه المعادلات
وسعياً إلى تغييرها ورفض الخضوع لمعطياتها ونتائجها السياسية
والأمنية.
فكان الشعار تحرير الأرض وعدم تمكين المحتل من جني ثمار عدوانه
وتعطيل سعي العدو في توظيف الدعم والتغطية الأميركية لإملاء
واقع جديد في لبنان والمنطقة.
ولذا فإن الموقف من اتفاقية 17 أيار كان قاطعاً ومتأتياً عن
رفض منطق التسوية الناتجة عن الشعور بالعجز أمام الخلل في
موازين القوى لصالح المحتل والحسابات السياسية الضيقة لبعض
الجهات الداخلية التي كان جل همها الحفاظ على مواقعها ومصالحها
في النظام السياسي اللبناني من خلال جني ثمار تعاونها مع
المحتل، بعيداً عما تسببه الاتفاقية المذكورة من انتقاص من
سيادة لبنان وإخلال بانتمائه وهويته، وتمكين للعدو من بسط
نفوذه وهيمنته وضمان مصالحه.
كان منطق الرفض هو البديل عن منطق التسوية وخيار المقاومة هو
البديل عن خيار التفاوض.
وهذا ما سعر النزاع الداخلي والحرب مع النظام المتولد عن
الاحتلال وأدواته.
وكذلك فإن رفض الترتيبات الأمنية (مفاوضات الناقورة) يندرج في
نفس السياق ولنفس الغايات وذات المنطق.
واضطرار جيش العدو للتراجع وإعادة الانتشار تلافياً لخسائره
المتزايدة (الانسحاب الأول إلى الأولي؛ والثاني إلى تخوم
الشريط المحتل عام 1978) أعطى لمنطق المقاومة صدقية وأثبت
جدواه وصحته، ودعم مقبوليته الشعبية، لكنه تسبب بتعقيدات
أفرزتها حسابات النفوذ والسيطرة مع استمرار تعطيل دور الدولة
ومؤسساتها وسيطرة الميليشيات المذهبية والحزبية على الأرض
المقسمة والممزقة جغرافياً بحسب الانتشار المذهبي والتقسيم
الجغرافي.
وأدى ذلك إلى بروز تنافر وتعارض المشاريع السياسية والمنطلقات
الفكرية لقوى المقاومة بعدما فرض الاحتلال عليها تجاوز
تبايناتها لينصب جهدها في مجرى الصراع مع العدو.
وزُجّت المقاومة الإسلامية في فتنة داخلية استنزفت الكثير من
طاقاتها ومزقت بنيتها الاجتماعية الحاضنة ولم يتوقف ذلك إلا
بعد نجاح مشروع استعادة الدولة لدورها، وتوفر مناخات إقليمية
مؤاتية لتلاقي إرادات الدول والقوى المؤثرة في الأوضاع
السياسية محلياً وإقليمياً ودولياً لإنضاج تسوية الطائف التي
فرضت تحدياً على المقاومة يتعلق بتمييز سلاح الميليشيات
المطلوب نزعه لعودة السلم الأهلي وسيادة الدولة عن سلاح
المقاومة.
وكان لاستجابة المقاومة لمتطلبات السلم الداخلي مع ضرورة
الاستمرار بمقاومة الاحتلال تأكيد على أن مشروعها السياسي ليس
بديلاً عن مشروع الدولة ولا يتعارض مع سيادتها، بل يعزز سيطرة
الدولة ويحمي سيادتها من خلال التصدي للمحتل المهدد للسيادة
والمصير.
وفر السلم الأهلي وعودة الوحدة الوطنية مناخاً ملائماً وداعماً
لمتابعة المقاومة لدورها في ملاحقة الاحتلال الذي تحصن في
مواقع جغرافية وقلص مساحة انتشاره ووضع حاجزاً بشرياً من
العملاء لحمايته في الشريط المحتل.
وتميزت المقاومة الإسلامية بتفردها في الاستمرار بالفعل
المقاوم كأولوية في برنامج عملها لا يتأثر بالتطورات الداخلية
إلا بقدر حمايته ودعمه وتعزيزه، وتمكنت من التوفيق بين
المشاركة السياسية عبر الانتخابات لتمثل قاعدتها الشعبية في
المجلس النيابي (دون الحكومة) وبين تمسكها بخيار المقاومة
كاستراتيجية تحرير وأولوية أهداف برنامجها السياسي.
وساعد الموقف السوري الداعم للمقاومة على توفير العوامل
المساعدة على تفهم وانسجام السلطة في ممارستها لمسؤولياتها
الأمنية والسيادية مع دور المقاومة واحتفاظها بسلاحها، الموقف
السوري الذي رعى تطبيق اتفاق الطائف، وتمكين الدولة من استعادة
مؤسساتها ودورها.
وبعدما بدأت مسيرة المفاوضات السلمية لإنجاز تسوية للصراع
العربي "الإسرائيلي" في مؤتمر مدريد أثر الاستغلال الأميركي
لغزو النظام العراقي لأرض الكويت وما أعقب ذلك من تداعيات
عسكرية وأمنية وسياسية.
فإن موقف المقاومة كان واضحاً في رفض التسوية القائمة على
تكريس الخلل في موازين القوى والحضور الأميركي المتفرد دولياً
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لمصلحة إضفاء مشروعية على
الاحتلال الصهيوني لفلسطين ودفع الأنظمة العربية بالضغط
والإغراء للالتحاق بالنهج المصري في توقيع اتفاقيات منفردة
وتطبيع العلاقات والاعتراف بـ"إسرائيل".
كان التعارض واضحاً بين منطق الأنظمة وخياراتها ومنطق المقاومة
وتمسكها بالحق وعدم القبول بالأمر الواقع وحسابات موازين
القوى.
تميز أداء المقاومة في هذه المرحلة بقوة حضور ميداني وعمليات
نوعية وقدرة على تطوير وسائلها، وشن حرب استنزاف يومية على
الجيش الصهيوني وموقف سياسي رافض لعملية التسوية وخطاب تعبوي
استنهاضي لإرادة شعوب الأمة متمسك بالحق وغير قابل للخضوع
للمساومات التي بدأت تتكشف بعد فترة من بدء التفاوض وتفكيك
الترابط والتلازم بين المسارات التفاوضية العربية، وكان لهذا
الموقف أن يجر إلى تناقض وتنافر بين المقاومة وسوريا وبين
المقاومة والحكومة اللبنانية باعتبار أن موقف الدولتين القبول
بالتفاوض مع "إسرائيل" وإن كان هذا وفق حساباتهما ورؤيتيهما
لتطورات الصراع والتحولات الدولية والإقليمية، بينما موقف
المقاومة هو الرفض القاطع لأي تسوية مع العدو باعتبار أن مؤدى
ذلك التنازل عن الحقوق والقبول بحلول وسطية على حساب الأرض
والحق البشري وخصوصاً على حساب الحق العربي في فلسطين.
لكن هذا التعارض أمكن حله بفهم الدولتين لحق المقاومة والقوى
الشعبية في التعبير عن رأيها وفهم المقاومة لدواعي انخراط كل
من الحكومتين في العملية الجارية، وثقتها بأن الموقف السوري لن
يفرط بالحقوق وإنما أراد التفاوض لإدارة الصراع وفق استراتيجية
جديدة أملتها المتغيرات مع تمسك باسترداد كامل السيادة على
الأرض وبأهمية وضرورة التلازم بين المسارات.
وهنا ينبغي التدليل على نهج جديد لحركة مقاومة عقائدية تختلف
مع قوة أساسية في الصراع لجهة الموقف من تطورات الأوضاع
المؤثرة في معادلة الصراع، دون أن يكون هذا الاختلاف سبباً
لنزاع أو تصادم، بل يبقى في إطار تمايز الأدوار واختلاف
الأساليب بالنظر إلى موقع كل منهما ومسوؤلياته، وهذا عائد إلى
الثقة المتبادلة، ثقة المقاومة بالقيادة السورية ومنطلقاتها،
وثقة القيادة السورية بتوجهات المقاومة وتطلعاتها البعيدة عن
المزايدة المؤدية إلى صراع سلطة أو نفوذ.
كما أن مرد نجاح المقاومة في تنظيم الاختلاف إلى مبدأيتها في
التمسك بالحقوق وواقعيتها في التعامل مع الأوضاع والتطورات
السياسية والمزج بين الأمرين معاً وفق قواعد التزاحم
والأولويات والضرورات التي تفرضها المصالح.
وهذا يتطلب التزاماً مبدئياً ثابتاً من جهة ومن جهة أخرى وعياً
دقيقاً لحركة الواقع والقدرة على تحليل معطياتها واستشراف
أبعادها مستوياتها (المحلية والإقليمية والدولية).
هذا المنهج هو الذي مكن المقاومة من استمرار عملها وتطوير
أدائها وإزالة المعوقات أمامها وعدم التصادم مع مشروع الدولة
وكسب ثقة المجتمع وقناعته بجدوى عملياتها وصوابية نهجها، وعدم
استغلال نجاحها في مبارزة العدة والتفوق على إجراءاته الوقائية
والأمنية من أجل مكسب داخلي خاص أو حصة في السلطة، بل الابتعاد
عن الغرور في التعامل مع القوى الأخرى وشرائح المجتمع والحرص
على توظيف الانتصارات وتقديمها لمصلحة المجتمع والوطن بأسره.
لم تؤخذ المقاومة بالتسريبات التي رافقت العملية التفاوضية ولا
السيناريوهات الإعلامية ولم تبن نظرتها ورؤيتها على أساس
الهواجس والظنون والشك، بل كانت تجري تحليلها للتطورات
وقراءتها للمعطيات بطريقة علمية موضوعية تصوبها الثقة
المتبادلة، وتؤدي دورها الميداني بعيداً عن الحسابات السياسية
مع الإدراك بأن نجاحها في دورها بزعزعة أمن المحتل وإنهاكه
سيسهم في صلابة الموقف السياسي وتدعيمه أمام الضغوطات مهما كان
الاختلاف في المنطلقات.
تجاوزت المقاومة محنة 13 أيلول الدامية الناتجة عن تعرض أجهزة
السلطة لمسيرة رفض اتفاقية "أوسلو" ولم تستدرج إلى فتنة
داخلية، الأمر الذي أضاف إلى رصيدها ثقة المجتمع بوعي قيادتها
وحكمتها، وعطل أية إمكانية للتصادم بين الجيش وبينها، وأوجد
وضعاً فريداً في علاقة حركة مقاومة شعبية مع جيش نظامي كان له
بالغ الأثر في تجاوز الانقسام الداخلي حول دور الجيش وعقيدته
القتالية خصوصاً بعدما قدم الجيش عدداً من الشهداء والجرحى من
أفراده وضباطه إلى جانب شهداء المقاومة وجرحاها في التصدي
للعدوان الصهيوني.
واستندت المقاومة إلى مبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية
في تأكيد مشروعية عملها وحقها في مواجهة الاحتلال، رداً على
الأباطيل والافتراءات والاتهام بالإرهاب التي استهدفت النيل من
دورها ومشروعيتها رغم أنها لم تكن لتثق بقدرة المجتمع الدولي
على استرداد الحقوق.
وتجلى ذلك في الموقف من القرار 425 والمطالبة بتطبيقه حيث تمت
الاستفادة من مضمون القرار المذكور بحسب قراءة المقاومة وفهمها
لمنطوقة دون أن يعني ذلك الرهان على المؤسسة الدولية لتنفيذه،
بل شكلت المقاومة القوة التنفيذية لهذا القرار بعدما تم تعطيل
مفاعيله لمدى اثنين وعشرين عاماً. ولجوء الصهاينة إلى اعتبار
انهزامهم في لبنان وجنوبه في 25 أيار العام 2000 أنه تطبيق
للقرار 425 إنما هو تغطية لهزيمتهم وإثبات أن القرارات الدولية
ومبادئ القانون الدولي لا تملك القوة الذاتية للتطبيق وتحقيق
العدالة واستراداد الحقوق ما لم تعزز بالقوة اللازمة من أهمها
قوة المقاومة الشعبية المستندة إليها.
يمكن تلخيص دور المقاومة الإسلامية في لبنان وتأثيره في عملية
التسوية بعد إنجاز تحرير معظم الأراضي اللبنانية وإفشال مخططات
العدو التوسعية، والأمنية والسياسية والاقتصادية تجاه لبنان
وعدم تمكينه من تحقيق أي منها بالنقاط التالية:
أولاً:
قدرة المقاومة الذاتية وثباتها في مواجهة العدوان ونجاحها في
مقارعة العدو في مختلف الوسائل الأمنية والعسكرية والإعلامية
والسياسية واكتساب الثقة الشعبية، واحتضان المجتمع لدورها،
واستعداده للتحمل والتضحية.
ثانياً:
مبدأية المقاومة وتمسكها بالحق ورفض منطق المساومة على الحقوق
والبراعة في التعامل مع المتغيرات، وترتيب الأولويات، وتحديد
الضرورات، وعدم التزاحم في المصالح، والتعامل مع الواقع
ومتغيراته، وتنظيم وإدارة الاختلاف مع القوى الأخرى المتباينة
مع مواقع المقاومة أو فكرها، وعدم الإنجرار إلى النزاعات
الداخلية، وتعزيز وتدعيم وحدة المجتمع، وتبديد الهواجس
والظنون، والارتكاز إلى القراءة الواعية لمعطيات الصراع،
وتعزيز الثقة لتوحيد الجهود وتحويلها لخدمة قضية التحرير.
ثالثا:
تقوية العلاقات السياسية مع القوى المؤثرة أو شريكة في الصراع
إقليمياً ودولياً، وشرح وجهة نظر المقاومة وموقفها من
المتغيرات، وفهم وجهة نظر هذه القوى وإبقاء الاختلاف معها في
إطار الأدوار والمسؤوليات المختلفة، وعدم تجزئة القضية الواحدة
والتفكيك بين مساراتها، وترسيخ دور المقاومة خياراً لاستعادة
الحقوق لا يتعارض مع دور الدبلوماسية إنما يدعم الموقف السياسي
ويحصنه أمام الضغوطات.
رابعاً:
الاستفادة من الشرعية الدولية وقراراتها لتأكيد مشروعية التحرك
وعدم الرهان على منطقها العاجز ذاتياً بسبب الإنحياز الأميركي
وتعطليه لدور المؤسسات المعنية بتنفيذ القانون والقرارات
الدولية، بل إظهار عدالة القضية وشرعية التحرك بالاستناد إلى
مبادئ القانون والقرارات الدولية وبناء القدرة الذاتية الكفيلة
بتنفيذها.
خامساً:
الثقة بعدالة قضية المقاومة وحقها المشروع وعدم الخضوع لضغوطات
الزمن وحسابات موازين القوى للتفريط بالحقوق، بل بناء الذات
التي تعني المجتمع وأفراده لتحمل التضحيات والصبر على الشدائد،
والتطلع إلى تغيير الواقع القائم، لأن موازين القوى ليست جامدة
ونهائية لا يمكن تعديلها أو تغييرها، بل البحث عما يعوض الخلل
القائم بالاستفادة من الطاقات الروحية والمعنوية المتوفرة في
أبناء أمتنا ومجتمعاتنا.
أخيراً:
إن مراكمة الانتصارات وعدم الوقوع في مرض الغرور والعجب
والافتنان بالذات وتجيير ذلك لحسابات خاصة يزيل العديد من
المعوقات التي يمكن أن تعترض طريق المقاومة.
لهذا فإن استمرار دور المقاومة الإسلامية وجهوزيتها رغم
التحرير، وتعاملها مع الإنجاز الذي قارب حد المعجزة أفشل
رهانات العدو على إشغال المقاومة وإغراقها بأوحال الإشكالات
الداخلية، وبدد مخاوف قسم من اللبنانيين من حضورها في المنطقة
المحررة، ويستمد مشروعيته من استمرار احتلال "إسرائيل" لمزارع
شبعا وتلال كفر شوبا وأجزاء أخرى من الأراضي اللبنانية وسرقة
مياه الوزاني والحاصباني، كما تقتضيه ضرورة التحسب للتطورات
المستقبلية وموجبات الصراع العربي "الإسرائيلي" ودعم الشعب
الفلسطيني في انتفاضته ومقاومته بعدما تكشف الموقف الأميركي
الداعم لمخطط شارون في تصفية الحق الفلسطيني في العودة وقضم
الأرض بإضفاء شرعية على وجود المستوطنات في الضفة الغربية
وانتهاك مبادئ القانون الدولي، وتجاوز القرارات الدولية ذات
الصلة والإطاحة بمبدأ جواز الاستيلاء على أراضي الآخرين
بالقوة، وإعادة منطق القوة والسيطرة في العلاقات الدولية، وقلب
الحقائق ليصبح من حق المحتل قتل المدنيين، واغتيال القيادات
المقاومة للاحتلال، واعتبار ذلك ممارسة لحق الدفاع عن النفس،
ونكران حق الشعب المحتلة أرضه في المقاومة، ورفض الاحتلال
ونتائجه ونعته بالإرهاب.
تبدت طبيعة التسوية التي تريد الإدارة الاميركية فرضها لمصلحة
المشروع الصهيوني بعدما أعلنت انحيازها السافر وشراكتها ودعمها
للعدو في جرائمه، الأمر الذي يوجب إبقاء المقاومة في لبنان على
جهوزيتها، ويفرض على جميع الحركات الفاعلة في أمتنا وخاصة في
الساحة الفلسطينية توحيد جهودها، والثبات في تصديها للمشروع
التوسعي الصهيوني ومشروع السيطرة الإمبراطوري الأميركي المحطم
لكل ما علقت عليه الأمم والشعوب آمالها في إقامة مؤسسات دولية
تمنع الحروب والعدوان وترسي العلاقات الدولية وفق مبادئ العدل
والإنصاف واحترام حرية الشعوب وحقها في تقرير المصير.
|