|
ماهية المشروع الصهيوني ومستقبل الصراع
وليد محمد علي 2004
بسم الله الرحمن الرحيم
توطئة:
تنطلق هذه الورقة من رأي سائد في علم الاجتماع السياسي يقول
بعدم إمكانية فهم أية ظاهرة سياسية أو إجتماعية فهماً
موضوعياً، إلا بالعودة لجذور تشكلها، ومعرفة العوامل التي
أسهمت في تبلورها والظروف التي نشأت فيها. دون إغفال دراسة
التطور الذاتي لتلك الظاهرة ومسارها.
فإذا كان الكيان الصهيوني قد تشكل ابتداء نتيجة لتحالف وتقاطع
مصالح بين الحركة الصهيونية والاستعمار القديم (بريطانيا
وفرنسا) وتبلوره كثكنة عسكرية متقدمة برعاية ودعم الاستعمار
الجديد (الولايات المتحدة). إلا أن العلاقة بين الأطراف
الثلاث: الكيان الصهيونية والولايات المتحدة والحركة الصهيونية
تطورت نوعياً منذ فترة من الزمن.
كما ترى الورقة إن ما يسمى "سلام عادل" أو "تسوية" تعيد ولو
شيء من الحقوق ليست أكثر من سراب وتمنيات نابعة من عوامل ذاتية
وموضوعية تشكلت عند من ولج مسار ما يسمى "التسوية السلمية".
إلا أن التنظير الفكري لإمكانية إنجاز تلك "التسوية" إستند إلى
إطروحات "مزيفة" لطبيعة المشروع الصهيوني، ولحقيقة أهدافه
الاستراتيجية والمرحلية. كما استند منظري الاعتماد على
الولايات المتحدة كوسيط "في التسوية" إلى إطروحات خاطئة لطبيعة
العلاقات التي تجمع بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
آمل من خلال هذه الورقة، نقاشها، نقدها وإضافة ما تحتاج إليه.
أن نتمكن من تقديم رؤية علمية لما سبق من نقاط.
لأن ذلك ضروري لتوحيد الصفوف. والبحث المشترك عن صيغ وآليات
مواجهة التحديات ومراكمة عوامل القوة.
أولاً:
ماهية المشروع الصهيوني وكيانه
على الرغم من أن الحركة الصهيونية قد
ترعرعت
في رحم الاستعمار الغربي القديم، إلا أنها تحوّلت إلى أعلى
مراحله.
فقد تجسّدت في ثكنتها المتقدمة "الكيان الصهيوني" آخر مراحل
الاستعمار القديم وأولى طلائع الاستعمار الجديد.
فالكيان الصهيوني كجسم إستعماري مثل الاستعمار القديم. ولكن
بفعل دور الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة) تمّ الحفاظ عليه
وتطويره وحمايته وأصبح يمثل أداة وقاعدة متقدمة لها.
فإذا أمكن أن نطلق على الاستعمار القديم "بريطانيا" اسم الأب
البيولوجي للكيان الصهيوني، فإن الاستعمار الجديد "الولايات
المتحدة" هو الأب الاجتماعي لهذا الكيان.
ولكننا لا نستطيع أن نغفل حقيقة ساطعة، وهي أن الحركة
الصهيونية لم تكن قادرة على تحويل أفكارها النظرية وتنفيذ
وظيفتها الاستعمارية والاستفادة من احتضان الاستعمار الغربي
لها لولا
نجاحها الكبير في استخدام قطاعات واسعة من اليهود المنتشرين في
أنحاء العالم لخدمة مشروعها وتجسيده على الواقع.
فعلى الرغم من أن مؤسسي الحركة الصهيونية كانوا أساسًا من
العلمانيين الذين
لا
يعرفون عن الديانة اليهودية إلا النذر القليل جدًا كما هو حال
مؤسس الحركة الصهيونية
"ثيودور هيرتزل" إلا أنهم سعوا ليظهر مشروعهم كإمتداد للديانة
اليهودية.
ولكن هذا السعي لم يكن سهلا، ولم يتمكن أرباب المشروع الصهيوني
بداية من إخضاع اليهود لمشروعهم. لدرجة أن منظمي المؤتمر
الصهيوني الأول قد اضطروا لتغيير مكان انعقاد مؤتمرهم من مدينة
ميونخ في ألمانيا (كما كان مقررًا) إلى مدينة بال في سويسرا.
وذلك بفعل الموقف العدائي الذي اتخذه مجلس الحاخامية الألماني
وأركان الجالية اليهودية في ميونخ.
كما كانت الحركة اليهودية الإصلاحية في كل
من
الولايات المتحدة وبريطانيا تعارض أهداف الصهيونية السياسية،
ففي
عام 1855 تبنى المؤتمر المركزي للحاخاميين
في أمريكا
مبدأ مفاده أن اليهود يشكلون طائفة دينية ... وفي نفس العام
الذي عقد فيه المؤتمر الصهيوني عام 1897 في خطاب القادة أمام
المؤتمر المركزي الثامن للمجمع الكنسي وصف الحاخام وايز الدولة
الصهيونية بأنها حلم خيالي لا يستند إلى الفكر
اليهودي
بل هو
إنتاج
مؤقت لعقول مريضة، وإخضاع قضية "إسرائيل" المقدسة لرقصة جنونية
يؤديها سياسيون غير متدينين.
أما الحاخام الأمريكي كوفمان كوهلر فقد اعتبر أن المبدأ الأول
من مبادئ الإصلاح الديني اليهودي يقوم على أساس أن "اليهودية
لم تعد
ديناً
قوميًا إلا بقدر ما بقي الرب إلهًا قبليًا. فاليهودية هي نظام
شامل من الحقائق والأخلاق". وأكد كوهلر أن صهيون الروحية لا
يمكن إقامتها بإرادة الإنسان، كما أنه لا يجوز تفسيرها على
أنها قطعة من الأرض". ولاحظ كلود مونتفيوري مؤسس الحركة
الصهيونية الليبرالية في انكلترا أن
القيادة الصهيونية ليس لها اهتمام يذكر بالدين. وإن
هناك خلافًا حتميًا بين الأماني والتطلعات الصهيونية لإقامة
دولة سياسية وبين استمرارية اليهودية كقوة روحية حية.
وفي العام 1904 كتب المؤرخ اليهودي لوسيان وولف يقول إن
الصهيونية "هي حليف طبيعي ودائم للعداء للسامية، بل هي أقوى
مبررات العداء للسامية". واعتبر ان محاولة الصهاينة إقامة دولة
يهودية في فلسطين تشكل تهديدًا خطيرًا لليهودية.
والواقع أن معظم يهود أوروبا الغربية وأميركا الشمالية لم
يكونوا يشعرون بوحدة
مع
تلك الآمال والمشاعر
"الروحية"
التي كان يحملها يهود أوروبا الشرقية وروسيا (حيث تأسست أفكار
الصهيونية السياسية) بفعل الاضطهاد والحرمان الذي كانوا يعانون
منه.
ذلك أن اليهود الغربيين كانوا مندمجين في الحياة الاقتصادية
الاجتماعية ومندمجين في النسيج الثقافي لدولهم واعتبروا
الصهيونية السياسية تهديدًا لسلامة اليهود وأمنهم وحرياتهم
التي اكتسبوها.
فقد أعرب "أدوب مونتاغو" وهو وزير يهودي كان في نفس الحكومة
التي كان "بلفور" وزير خارجيتها.
(ومن
المفارقات أن بلفور الذي كان معاديًا للسامية كان من كبار
داعمي الحركة الصهيونية). وكان وراء الوعد المعروف باسمه بينما
كان ذلك الوزير ذو الديانة اليهودية معادياً للصهيونية
ويراها مذهباً سياسياً مؤذياً وضاراً وغير مقبول ... وهو يعلن
معارضته لوعد بلفور ويرى في الصهيونية خطر على اليهود:
"إن الصهيونية لا تقف عند حد تعريض الحقوق اليهودية في جميع
أقطار العالم للخطر بل هي تتجاوز ذلك".
ولكن هذه المواقف اليهودية الصادرة عن مراجع وجهات دينية
وشخصيات فكرية مميزة من أتباع الديانة اليهودية تبدو غريبة
ومنذ فترة من الزمن، حيث استطاعت الحركة الصهيونية أن تتغلب
على الكثيرين من مناهضيها بين صفوف اليهود. إما عن طريق كسبهم
إلى جانبها عبر مصالح معينة كما حدث مع حركة أغودات إسرائيل
التي دخلت في علاقة تعاون مع الحركة الصهيونية ومشاركتها
السلطة إلى أن أصبحت تياراً من تياراتها (الصهيونية الدينية)
أو بفعل الانتصارات التي حققتها الحركة الصهيونية وكيانها
خاصة عام 1967. فعلى إثرها كان القادة الصهاينة يرددون: " ليس
هناك أي تفسير معقول لهذا النصر السريع والشامل الذي حققناه
منذ الساعات الأولى ... هذا النصر هو يد الله ... حتى فرضيات
بن غوريون التي بموجبها سيتسع التباعد بين العرب
و"الإسرائيليين"، ولا سيما من الناحيتين العسكرية والثقافية،
وتفوق "إسرائيل" الذي يتضاعف من سنة لأخرى ... تبدو وكأنها
بُررت، وبُرهن عنها بهذا النصر العجائبي المدهش".
ولم يبق الآن من الجماعات الدينية اليهودية من يقف في وجه
الحركة الصهيونية وكيانها إلا جماعات وشخصيات متفرقة أبرزها
جماعة ناطوري كارتا (حراس المدينة).
نخلص إلى القول أنه على الرغم من سيطرت الصهيونية على
اليهودية، فإن الإقرار بأن الصهيونية هي اليهودية بعينها، لا
يمكن لها أن تصب إلا في طاحون المشروع الصهيوني.
كما أن القول: إن كل من يقول بضرورة بناء دولة فلسطينية في
الضفة والقطاع إلى جانب "إسرائيل" هو رجل سلام. أمر خطير جداً
يجعل صاحبه بعلم أو دونه يساهم في عملية التضليل الكبرى التي
لا تخدم إلا العدو الصهيوني ومخططاته.
إن النقطة الأساسية التي تميز بين اليهود الصهاينة، واليهود
غير الصهاينة هي الجواب على السؤال التالي: هل يشكل اليهود
شعباً ... هل اليهودية قومية أم هي معتقد ديني؟
كتب ماكس نوردو عام 1902:" النقطة التي تجعل من المستبعد وعلى
الأرجح إلى الأبد إحتمال التفاهم بين اليهود الصهيونيين،
واليهود غير الصهيونيين هي موضوع القومية اليهودية: فكل من
يعتقد أن اليهود ليسوا شعباً لا يمكن أن يكون صهيونياً ...
أما ذلك المقتنع بعكس ذلك أي بإن اليهود شعب لا بد له أن
يصبح بالضرورة صهيونياً، فالعودة إلى بلاد اليهود وحدها التي
يمكن لها أن تنقذ الشعب اليهودي:
ويقول مايكل جه روزنبرغ: "إن اليهودي المحافظ الذي لا يوافق
على ضرورة وجود دولة إسرائيل العصرية ... لا يجوز التساهل معه"
ومنذ البدايات الأولى وضع هرتزل وقادة المشروع الصهيوني برنامج
عمل يسير في اتجاهين يتوقف على النجاح فيهما مستقبل المشروع:
1-
الاتصال بالدول الكبرى للحصول على ما أطلق عليه "البراءة
الدولية": بحيث توافق الدول الكبرى على المشروع الصهيوني
(انطلاقاً من تقاطعه مع مصالحها وخدمته لها) وتقدم الضمانات
اللازمة لتأسيس كيان "يهودي" ودعمه وحمايته.
2-
العمل في أوساط اليهود لإقناعهم بالمشروع الصهيوني عبر
إغرائهم بالهجرة إلى أرض العسل واللبن من جهة واستغلال
معاناتهم في مواطنهم الأصلية من جهة أخرى. ولم يجد الصهاينة
غضاضة في التعاون مع أعداء الطوائف اليهودية أو إرهابهم لدفعهم
للهجرة إلى فلسطين
أو بتزييف وعيهم عبر تصوير المشروع الصهيوني وكأنه امتداد
للديانة اليهودية، فاستخدموا ببراعة الأساطير اليهودية،
وحولوها إلى رموز للحركة الصهيونية، وسعوا لتحويل الإنشداد
الديني للأساطير إلى إنشداد لتركيبة قومية مزعومة تتواءم مع
التشكيلات القومية الناشئة في أوروبا.
إشكالية تلك الأساطير -شأنها شأن كل الأساطير- أنها قائمة بشكل
متعاكس مع نواميس الطبيعة وسنن التاريخ فهي قائمة على إلغاء
الزمان أو تسكينه ووقفه عند مرحلة تاريخية معينة (وإن كانت
مزيفة) كما الإنفصال عن المكان لتعميم أثر الأسطورة وفعلها.
وتتميز الأساطير التي اعتمد عليها المشروع الصهيوني بكونها
أساطير مركبة. محورها الطرفان المستهدفان من قبل المشروع:
-
الطرف الأول: المستهدف بالاقتلاع من المكان المعين (فلسطين)
ونفيه إلى أربع أرجاء الأرض وهو الفلسطينيون.
-
الطرف الثاني: المستهدف بالإحلال في المكان المعين (فلسطين)
بعد جلبه من أربع أرجاء العالم وهو اليهود.
ومن تلك الأساطير:
1- إسطورة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض
الشق الأول من الأسطورة: أرض بلا شعب استهدف إلغاء آلاف السنين
من تاريخ الشعب الفلسطيني فوق أرضه وكأنها لم تكن وإقتلاعه من
المكان المعين (وطنه فلسطين) وإلقائه خارجاً إلى أي مكان آخر
لا يهم.
الشق الثاني من الأسطورة: شعب بلا أرض. استهدف تغييب تاريخ
معتنقي الديانة اليهودية في مواطنهم الأصلية، مواطن آبائهم
وأجدادهم وسلخهم عنها وإرسالهم إلى المكان المعين (فلسطين).
2- أسطورة أرض الميعاد والعودة إلى صهيون
وفقاً لهذه الأسطورة يحق لليهودي القادم من أي مكان في العالم
الحصول على ما يسمى "الجنسية الإسرائيلية"
مجرد أن تطأ قدمه أرض فلسطين المحتلة.
ومن هنا كان ما عرف باسم "قانون العودة" العنصري الفريد من
نوعه في العالم.
أما في المقلب الآخر، فبموجب هذه الأسطورة يحرم الفلسطينيون من
حق العودة إلى مدنهم وقراهم التي ولدوا فيها كما ولد آباؤهم
وأجدادهم. ومن هنا كانت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والدعوات
لتوطين الفلسطينيين خارج فلسطين.
3- أسطورة شعب الله المختار
وهذه الأسطورة تقسم العالم بأجمعه، إلى يهود وأغيار. يهود
مقدسون حرمتهم مطلقة، وآخرون مباحون لا قدسية ولا حرمة لهم.
وتعني أيضاً أن اليهود شعب مختار من قبل الإله، ولكنه منفي
ومشتت في مجتمعات تبقى مضيفة والإقامة فيها مؤقتة حتى لو
استمرت تلك الإقامة آلاف السنين. وبحكم كون "اليهود" وفق تلك
الأسطورة هم الشعب المختار فهم أحرار تماماً في التصرف مع
الأغيار وما يملكون. فهم فوق كل القوانين والتشريعات والشرائع.
في المقلب الآخر فإن هذه الأسطورة تعني أن الفلسطينيين معتدون
أشرار اعتدوا على الشعب المختار. ودنسوا قدسيته وقداسة أرضه
عندما ولدوا عليها وأقاموا فيها. ولا بد من تطهير تلك الأرض
وإزالة هذا الدنس بإخراج الفلسطينيين منها. ولعل أخطر ما في
هذه الأساطير أنها أصبحت عرفاً سائد وحقاً مكتسباً لليهود
عالمياً بفعل الدعم الأميركي اللامحدود للمشروع الصهيوني
الأمر الذي يجعل طبيعة الأفكار التي يتألف منها هذا المشروع
ومرتكزاته الفكرية الأسطورية هي أهم وأبرز عوائق العمل لإنجاز
أي شكل من أشكال التسوية "العادلة" وعلينا معرفة أن استمرار
وجود هذا الكيان رهن بقدرته على استكمال تهويد فلسطين وبناء
الدولة اليهودية الآمنة ليتمكن من القيام بالدور والوظيفة
المناطين به.
ومن ثم تبقى المسألة الديموغرافية. كما المسألة الأمنية
المعضلتين المحوريتين اللتين يتوقف عليهما حاضر ومستقبل هذا
الكيان.
وهذا يبقى مرتهناً من البداية إلى النهاية بالقوة العسكرية،
وبتحول الكيان إلى ترسانة وثكنة عسكرية في صميم تنظيمه وحياته
وجيشه وسكانه.
بعد زيارة عمل قام بها الصحافي الفرنسي جان فرنسيس هيلد إلى
الكيان الصهيوني إثر اجتياح لبنان عام 1982 كتب يقول:
"الجيش هو بوتقة الأمة وعصب بقائها، إنه إسرائيل كل إسرائيل".
"إن أمن إسرائيل يأتي بالمقام الأول ... الأمن بالعبرية بتاحون
وتلفظ بيطرحون . إذا كان هناك من كلمة تعلمتها خلال رحلتي فهذه
هي الكلمة".
هذه القوة التي أصبح يمتلكها الكيان والدعم اللامحدود الذي
يحظى به من الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة) يعيقان
إمكانية لفظه والقضاء عليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلم
يتمكن العالم الإسلامي من إمتصاصه ليصبح جزءاً من هذا العالم
المتسامح الرافض لكل أشكال العنصرية والتمييز بين أبناء البشر.
لذا فإن هذا الكيان سيبقى "عنصر اضطراب وتهيج. ومضاعفات سياسة.
وبتعبير آخر يبقى بؤرة كامنة، ومفجر صدام استعماري –تحرري مسلح
... وهو كذلك يفرض من طرف واحد حرباً دينية ليس الطرف الآخر
مسؤولاً عنها، بل هو يرفضها لأنه لا يعترف إلا التسامح الديني
تقليديا..."
ثانياً:
العلاقات الأمريكية-الصهيونية
لقد جاءت التطورات لتؤكد أن العلاقة بين الولايات المتحدة
والكيان الصهيوني، تتجاوز مسألة الانحياز الأميركي المطلق
لجانب المشروع الصهيوني.
فمنذ أن تنحى الاستعمار القديم (بريطانيا). وتقدم الاستعمار
الجديد (الولايات المتحدة) تولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة
المسؤولية المباشرة عن أمن الكيان الصهيوني ووجوده، وكفالة
تفوقه النوعي في شتى المجالات.
في مطلع السبعينيات كتبت جالينا نيكيتا:
"لو حسبنا مجموع ما قدمته أمريكا لـ"إسرائيل"، لوجدنا أنه يزيد
على مجموع ما قدمته أمريكا لبلاد أوروبا الغربية في إطار
برنامج مارشال. هذا مع العلم أن عدد سكان "إسرائيل" لا يكاد
يبلغ 2 بالمئة من مجموع سكان الدول الغربية المشمولة ببرنامج
مارشال.
وقبل عام من الآن في 6 حزيران/يونيو2003 أصدر الكونغرس
الأمريكي تقريراً حول المساعدات الأمريكية للكيان الصهيوني جاء
فيه أن تلك المساعدات بلغت أكثر من تسعين مليار دولار. ولا
تدخل في ذلك الرقم ضمانات القروض ولا التبرعات الخاصة المحسومة
من الضرائب وهي عشرات من المليارات الإضافية
بالتأكيد فإن للولايات المتحدة مصلحة في تقديم هذا الدعم
للكيان الصهيوني ليتمكن من القيام بالدور المناط
به وليبقى
استثماراً ناجحاً مردوده الاستراتيجي أكثر من كلفته. فالقبض
على بحيرة النفط ليس ضرورة قصوى للاقتصاد الأمريكي وللحياة
الأميركية فحسب. بل هو المدخل الضروري لتتمكن الولايات المتحدة
من فرض تفردها في قيادة العالم خاصة بعد الاختلالات التي بدأت
تظهر
لمصلحة نمو وتعاظم الدور الأوروبي والياباني والصيني. وما يلوح
في الأفق من عودة لدور روسي فاعل بما سينعكس سلباً على استمرار
التفرد الأمريكي. ويجعل من مسألة هيمنة القطب الواحد مسألة وقت
لن يطول في ظل الأزمات
البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد والمجتمع الأمريكي بشكل
عام. وبسبب الفشل الاستراتيجي الذي أصاب الترتيبات الأميركية
في العالم الأمر الذي أجبرها على نشر قواتها على هذا النحو
الواسع.
ولكن عامل المصلحة فقط لا يمكن أن يعطي تفسيراً مقنعاً للعلاقة
الفريدة والخاصة التي تجمعه بين الكيان الصهيوني والولايات
المتحدة بغض النظر على الانتماء الحزبي للإدارة
المتواجدة في البيت الأبيض.
فكما يلمس الجميع التبني المطلق للكيان الصهيوني في مواقف
إدارة الرئيس الأمريكي الحالي جورج دبليو بوش والإدارات
الجمهورية المتعاقبة. فالحال نفسه ينطبق على الحزب الديموقراطي
الذي جاء في برنامجه للعام 1992: "إن لأمريكا علاقة خاصة مع
إسرائيل مؤسسة على قيم مشتركة، والتزام متبادل بالديموقراطية
وتحالف استراتيجي".
هذه العلاقة الخاصة جداً والفريدة من نوعها بين "دولتين" قد
يسهل علينا فهمها إذا ما نظرنا إليها كعلاقة جدلية مثلثة
الأضلاع: الولايات المتحدة-المنظمة الصهيونية العالمية- الكيان
الصهيوني.
فللمنظمة الصهيونية العالمية وضع خاص ومميزٌ جداً داخل الكيان
الصهيوني. واستناداً إلى القانون الصادر عام 1955: "تعترف دولة
إسرائيل بالمنظمة الصهيونية العالمية باعتبارها الوكالة
المفوضة التي ستواصل العمل في دولة "إسرائيل" من أجل تنمية
البلاد واستقرارها، وامتصاص المهاجرين من الدياسبورا،
والتنسيق بين أوجه نشاطات المؤسسات والتنظيمات اليهودية
العاملة في هذه الميادين في "إسرائيل" ... ولم تعد المنظمة
الصهيونية العالمية، تمثل حكومة الظل بالنسبة لـ"إسرائيل"
وإنما هي حاكم فعلي فيها. إنها حكومة عالمية، ويجب أن يقسم لها
كل يهود العالم بالولاء أينما كانوا".
ولتبيان أوضح لطبيعة العلاقة بين المنظمة الصهيونية العالمية
والكيان الصهيوني نورد المثال التالي:
على ضوء انتخابات الكنيست الثاني عشر عام 1988، طُرح على بساط
البحث مسألة تحديد من هو اليهودي-وقانون العودة. وفي مواجهة
هذا تحرك صهاينة ما وراء البحار وضمن تحركهم كان مؤتمر "الاتحادات
اليهودية لأمريكا الشمالية" في مدينة نيو أوليانس تحت شعارٍ
دلالتُه بالغة:
"إننا بحاجة إلى إسرائيل كما أن إسرائيل بحاجة إلينا".
مدير عام مجلس الاتحادات اليهودية قال
في هذا المؤتمر:
"يهود الولايات المتحدة لا يعينون لكم ما إذا كان عليكم أن
تأكلوا أطعمة
الكاشير
أو أن تجندوا أبناء المدارس الدينية فهذه مسألة داخلية دينية
... ولكن بالنسبة إلى مسألة تعديل قانون من هو اليهودي فهذه
مسألة أخرى".
وقد أظهرت تلك القضية مدى تأثير المنظمة الصهيونية العالمية
على القرار داخل الكيان. فقد أرغم هؤلاء الصهاينة إسحاق شامير
على التراجع عن مواقفه والتزاماته تجاه الأحزاب الدينية وأوقف
البحث في تعديل "قانون العودة" وتحديد من "هو اليهودي".
ويدل ذلك بوضوح
على أن القيادة الحقيقية في الكيان الصهيوني لا زالت بيد
"صهاينة ما وراء البحار" حسب تعبير صحيفة
هآرتس.
الذين يعطون لكبار ضباط الثكنة حق التصرف في قيادة الميدان
والعمل لتحقيق الوظيفة المناطة بالكيان.
أما في الولايات المتحدة فإن المنظمة الصهيونية العالمية فضلاً
عن سيطرتها على معظم وسائل الإعلام والثقافة ومراكز الأبحاث
والدراسات. فإنها تستند في عملها على العديد من الركائز أهمها:
1-
اللوبي اليهودي المعروف باسم "إيباك".
2-
المنظمات الصهيونية المسيحية.
خير ما نستقي منه أدق المعلومات عن إيباك هو "بول
فندلي"
العضو السابق في الكونغرس الأميركي طيلة عشرين عاماً، والذي
عمل اللوبي الصهيوني على "حشد جميع طاقاته وجند أنصار
"إسرائيل" في كل مكان طيلة السنوات الثلاث التي سبقت انتخابات
عام 1982 للحيولة دون إعادة انتخابه"
أصبحت إيباك لوبي "إسرائيل" الرسمي في الولايات المتحدة منذ
عام 1951. وجاء في تقرير لصحيفة النيويورك تايمز في عام 1987
أن إيباك "غدت قوة رئيسية في رسم سياسة الولايات المتحدة في
الشرق الأوسط... وأصبحت المنظمة على جانب كبير من القوة يمكنها
من التأثير على اختيار المرشح الرئاسي لرجال إدارته، وفي
التوسط لإقامة العلاقات العسكرية الوثيقة بين البنتاغون (وزارة
الدفاع الأمريكية) والجيش "الإسرائيلي". وتقوم وزارة الخارجية
وصانعو سياسة البيت الأبيض وأعضاء مجلس الشيوخ وقادة الجيش
باستشارة كبار المسؤولين فيها".
وبعد عام على تقرير "النيويورك تايمز" قام الصحفي المستقل إرك
أولترمان بدراسة لإيباك انتهى فيها إلى إطلاق حكم مشابه وقال
في تقرير له:
"إن نفوذ إيباك لا يخيم على الكونغرس وحده بل على البيت
الأبيض، ووزارة الدفاع، ووزارتي الخارجية والمالية أيضاً. وعلى
كثير من الدوائر التابعة لها أيضاً" وفي العام 1988 ذاته كتبت
كاتلين كريستسون المحللة السابقة في وكالة الاستخبارات
الأميركية (سي آي
إيه
تقول: إن إيباك متغلغلة في البيت الأبيض وفي الكونغرس إلى حد
يستحيل معه معرفة أين "ينتهي ضغط اللوبي وأين يبدأ التفكير
الرئاسي المستقل".
أما عن الدور الذي تلعبه المنظمات الصهيونية-المسيحية فيقول
تقرير أصدره مجلس كنائس الشرق الأوسط عام 1988:
"إسرائيل
دولة سياستها تمتاز في نظر الصهيونيين المسيحيين بأنه فوق أي
نوع من المحاسبة بمعايير
إنسانية ... وإن المسيحيين سوف يحاسبون حسب أعماله من أجلها...
ويضيف منظرو الصهيونية المسيحية: إن من يؤمن بالكتاب المقدس
حقاً يرى المسيحية
ودولة إسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم. وإن إعادة
إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948 لهي في نظر كل مسيحي مؤمن
بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد".
إن نصوصاً بسيطة من هذا النوع تظهر الترابط الديني
والأيديولوجي بين الصهيونية والولايات المتحدة فهل
بعد هذه المعلومات والحقائق هناك من يراهن على أن تلعب
الولايات المتحدة دور الوسيط حتى غير النزيه في ما يسمى "أزمة
الشرق الأوسط".
هذا بالطبع لا يعني أن لا اختلافات ولا تعارضات داخل المثلث
(الكيان- الحركة الصهيونية- أميركا). ولكن تبقى العلاقة
الالتحامية غير القابلة للانفصام هي الحقيقة القائمة حالياً
والتي تُخضع كل التعارضات والاختلافات لمصلحتها. وكلما ازدادت
نجاعة الكيان الصهيوني في تأدية المهام المكلف بها لمصلحة
الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة) كلما ازداد ثقل الكيان في
الإطار الصهيوني العام. وازداد ثقل الحركة الصهيونية وتأثيرها
في دائرة الاستكبار العالمي. ويمكن بثقة القول:
إن الأفكار العنصرية الدونية للحركة الصهيونية أصبحت تشكل
الأيديولوجيا السائدة في الإدارة الأميركية.
ثالثاً:
مشاريع التسوية
أساطين الفكر الصهيوني وقادة مشروعه أدركوا مبكراً، أن طبيعة
مشروعهم، واستهدافاته تعني انهم فرضوا على الفلسطينيين وعلى
الأمة العربية والإسلامية معركة صفرية "لا يمكن حسمها إلا عبر
مراكمة الإنجازات" ومرحلة تحقيق الأهداف.
فإقامة دولة يهودية تستوعب يهود العالم، أو على الأقل تشكل
مركز الثقل الأساسي لهم؛ لن تتحقق إلا بتفريغ المنطقة من
أصحابها أما بالطرد أو الإبادة، لذا فقد اشتملت الاستراتيجية
الصهيونية لإدارة تلك "المعركة الصفرية" على: التصدي الحازم
لأي إرهاصات لبناء ركائز قوة قد تشكل خطراً مستقبلياً على
المشروع الصهيوني تارة عبر ا لعمل العسكري المباشر وطوراً عبر
العمل الأمني التآمري المكتوم، وفي أحيان كثيرة على مشاريع
"تسوية" غير جادة تهدف إلى إرباك الطرف الآخر وإدخاله في
متاهات تفاوض لا أفاق لها فالاستراتيجية المتبعة من قبل الكيان
الصهيوني كانت تقوم أساساً على إخضاع الفلسطينيين خاصة والعرب
المسلمين عامة للاعتراف بوجوده والخضوع لمشاريعه.
"فلقد كانت السياسة الإسرائيلية المتبعة المحددة والتي هيمن
عليها بن غوريون طيلة المدة التي كان فيها رئيساً للحكومة ومن
بعده خلفائه مع افتقارهم لواقعيته وقدراته تقوم على محاولة
إقناع العرب، عن طريق القوة الدائمة بأن عليهم قبول وجود دولة
يهودية فيما بينهم. وكانت عناصر السياسة الإسرائيلية الأساسية
كالأعمال الانتقامية والهجومات ضد الفدائيين والتشبث، مرتكزة
على هذا التكتيك المتوقف على إثارة العرب بواسطة القوة
الإسرائيلية لحملهم على تنكيس البيارق".
ومن الآثار السلبية التي تمكن استراتيجيو وقادة المشروع
الصهيوني من تحقيقها عبر مشاريع التسوية وأطروحتها، إيجاد
الانقسامات والخلافات في الصف الفلسطيني كما العربي والإسلامي
بين مؤيد لمشاريع التسوية ومعارض لها. مما يؤدي إلى إرباك في
صفوف الشعب وإحباط وانحسار في التأييد الشعبي لمؤيدي ومعارضي
تلك المشاريع في آن وكثيراً ما وقع جزء من الجانب الفلسطيني
والعربي في فخ مشاريع التسوية فباكراً اقترح وفد الشخصيات
الوطنية الفلسطينية والعربية خلال لقاءاتهم المتكررة مع حاييم
وايزمان وبن غوريون وموشيه شاريت خلال سنوات (1934 – 1936)
استعداده لتقديم تنازلات سخية في مجال الهجرة والاستيطان شرط
تنازل الصهاينة عن فكرة "الدولة اليهودية". وكانوا لا يملون من
تكرار ما يردده مؤيدو "التسوية" هذه الأيام: "إن السلام خيارهم
الاستراتيجي إن كان الطرف الآخر مستعداً لذلك".
فيما تميز الموقف الصهيوني على اختلاف توجهاته الفكرية أو
الانتماءات الحزبية باستراتيجية رفض التنازل عن أي مكسب تمكن
من تحقيقه دون الإفصاح عن الحل الذي يمكن أن يقبل به ويشكل
حداً نهائياً لمشروعه، ولم يكن الكيان الصهيوني يعدم الحجة
لرفض "مشاريع التسوية" فتارة يطالب بالمفاوضات الثنائية مع كل
دولة على حدة، وأحياناً الشكوى من عدوانية العرب الأقوياء وهو
الضعيف المهدد بالرمي بالبحر والإبادة إلى أن اكتشف العالم
أجمع حقيقة موازين القوى في المنطقة المسماة "الشرق الأوسط"
بعد عدوان حزيران 1967.
1.
الالتزام بأمن الكيان الصهيوني واستقراره كدولة يهودية حيوية.
2.
إنهاء انتفاضة الشعب الفلسطيني ووقف مقاومته.
3.
عدم التطرق لحق عودة اللاجئين إلى ديارهم.
4.
إقفال قضية القدس.
الأمر الذي دفع الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الشكوى من عجز
المجتمع الدولي عن مقاومة محور "بوش - شارون" الذي يستهدف
بالأساس إعادة رسم المنطقة وفقاً لسيناريوهات محددة.
ولكن سرعان ما تم استنفاذ أهداف خارطة الطريق. فأقدم الرئيس
الأمريكي بوش على تقديم "وعده" الجديد لشارون: "إلغاء حق
العودة - عدم إلزام إسرائيل بالانسحاب إلى حدود الرابع من
حزيران عام 1967 في أي اتفاق قادم". وذلك مقابل خطة خطة ضبابية
تحدث فيها شارون عن انسحاب من قطاع غزة.
وهو الانسحاب الذي صوت ضده حزب الليكود الحاكم لتكون النتيجة
أن الكيان الصهيوني سجل التزام أمريكي جديد في رصيده دون أي
مقابل.
ومتوهم تماماً من يعتقد أن الإدارة الأمريكية ستعيد حساباتها
أو أن ذلك سيؤثر في موقفها الحامي والراعي للكيان الصهيوني
وستبقى "الأب الاجتماعي" الذي يوفر لأبنه المدلل كل ملتزمات
رفاهة وقوته في آن.
وسبب ذلك بسيط وهو التبني المطلق للمشروع الصهيوني وأهدافه
الاستراتيجية، الأمر الذي لا يتحقق إلا بإكمال تهويد فلسطين
وبقاء الكيان الصهيوني الدولة الأقوى في المنطقة. لذا لم يكن
ممكناً القبول بأي مشروع للتسوية لا يضمن شروط تحقيق تلك
الأهداف.
رابعاً: مستقبل الصراع
ستة وخمسون عاماً مرت على إنشاء الكيان الصهيوني، ولم يصبح
"دولة" وفق المعايير والأعراف الدولية.
فلا حدود نهائية واضحة ومحددة، لا دستور، لا جنسية ولا عاصمة
معترف بها من جل دول العالم.
ورغم قوته العسكرية الضخمة والمتفوقة لم يتمكن من تأمين الأمن
والاستقرار داخل قاعدته الأساسية التي سيطر عليها عام 1948.
فالكيان الصهيوني لم يستطع تغييب الشعب الفلسطيني ليستكمل
تهويد فلسطين، ولم يتمكن من تزييف وعيه (الشعب الفلسطيني)
لإخضاعه لمشروعه واستخدامه لخدمة أهدافه، تحت كذبة الاستفادة
من إيجابية المشروع الصهيوني.
كما عجز عن تطويع أبناء الأمة العربية والإسلامية لمشاريعه
التسووية وبرامجه التطبيعية، رغم نجاحه في توقيع عدة اتفاقيات
مع دول وقوى عاجزة ومهزومة.
وهو لا زال يعاني من معضلتين مفصليتين: المعضلة الأمنية
والمعضلة الديموغرافية إزدادتا وضوحاً مع تطور انتفاضة الأقصى
وتنوع أساليبها الجهادية التي جعلتها بحق تشكل حلقة نوعية
جديدة في سلسلة الجهاد الفلسطيني الممتدة على أكثر من مئة عام.
هذا التطور النوعي في الجهاد الشعبي الفلسطيني، أسهم في إنكشاف
الكثير من الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني فأرض فلسطين ليست
أرضاً بلا شعب، بل أن شعبها مستعد لتحمل الصعاب، وبذل التضحيات
في سبيلها. والكيان الصهيوني ليس واحة الديموقراطية، بل نظام
إجرامي يجسد أسوأ أشكال العنصرية والتمييز العنصري.
الأمر الذي أثر سلباً على التجمع الاستيطاني الصهيوني فوق أرض
فلسطين وعلى يهود "الدياسبورا" الأمر الذي حدّ بشكل كبير من
استقدام المهاجرين الجدد، وساهم في ازدياد حالات خروج اليهود
من فلسطين، وعودتهم إلى أوطانهم الأصلية أو اختيار مهاجر
جديدة. وكذلك عاد إلى الارتفاع مجدداً الصوت اليهودي المعارض
للمشروع الصهيوني.
الأمر الذي دفع "إبراهام بورغ" لكتابة مقال -أثار ضجة لا زال
صداه يسمع- وهو تحت عنوان: "الصهيونية في خطر".
قال فيه عن الكيان الصهيوني إنه "دولة مستوطنات تديرها زمرة لا
أخلاقية من منتهكي القانون الفاسدين الذين صموا آذانهم عن سماع
مواطنيهم وأعدائهم على حد سواء. الدول التي تفتقر إلى العدالة
لا تدوم. ويدرك المزيد من الإسرائيليين هذا الأمر عندما يسألون
أولادهم أين يريدون أن يعيشوا بعد 25 عاماً. ويسبب الأولاد
الصادقون الصدمة لأهلهم عندما يقرون بأنهم لا يعرفون. لقد بدأ
العد العكسي لنهاية المجتمع الإسرائيلي.
الكيان الصهيوني لم يعد دولة العسل واللبن والأمن والاستقرار
الذي حلم به اليهود في العالم عندما تركوا بلدانهم. واستقدمتهم
الحركة الصهيونية إلى فلسطين، فـ"كل مواطن ثانٍ يعتقد أن
"إسرائيل" تمضي في الاتجاه غير الصحيح. وسبعون من كل مئة
يقولون إنه ليس فيها مستقبل لأولادهم. والخمس فقط يعتقدون أنهم
يستطيعون التأثير في طرائقها، كما لو قالوا: دولة في جهة،
ومواطنوها في جهة".
وفي فترة الاحتفالات الأخيرة في الذكرى السادسة والخمسون
لتأسيس الكيان كتب الصحافي البارز في صحيفة يديعوت أحرنوت. ب.
ميخائيل.
"ولد قبل الدولة بعدة أشهر، وكما تبدو الأمور اليوم، سأموت
بعدها بعدة أشهر ... الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط
تحولت إلى إضحوكة، والأبارثايد عديم الخجل يتعاظم بلا منازع".
ذلك التشاؤم بمستقبل الكيان الصهيوني نابع من كون الحركة
الصهيونية تمكنت من نقل مشروعها النظري إلى الواقع وتجسيده فوق
أرض فلسطين عبر الكيان الصهيوني استناداً على ركيزتين:
1-
البراءة الدولية، أي تأييد الدول الكبرى لمشروعها.
2-
كسب اليهود لمصلحة المشروع وجلبهم إلى فلسطين.
ولكن هاتين الركيزتين بدأتا بالاهتزاز.
ففي المؤتمر الذي عقدته ثلاثة آلاف منظمة أهلية من مختلف أنحاء
العالم في مدينة دربان في جنوب أفريقيا والذي اختتم أعماله في
8/9/2001. صدر قرار في غاية الأهمية؛ يدين "إسرائيل" كدولة
عنصرية وكذلك الصهيونية بصفتها عنصرية أيضاً. وللدلالة على
أهمية هذا القرار نشير إلى أنه بتاريخ 22/3/2002 تحدث -أمام
لجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي الاجتماعي في
الأمم المتحدة- ممثلان لمنظمتين غير حكوميتين صهيونيتي التركيب،
فأكد كلاهما
على
أن قرارات مؤتمر "دربان" إنما تعني في حقيقتها إنهاء "إسرائيل".
وفي استطلاع للرأي نشرته المفوضية الأوروبية في تشرين
الثاني/نوفمبر2003،
اعتبر 59% من الأوروبيين أن "إسرائيل" تمثل أكبر تهديد للسلام
في العالم.
ووفق ما ذكره شلومو غازيت في صحيفة معاريف 26/12/2003 فقد جاء
في استطلاع اجرته اللجنة الأميركية لمناهضة التشهير في
الولايات المتحدة في كانون الأول ديسمبر2003، ظهر أن قرابة نصف
الرأي العام الأميركي توصلوا إلى نفس النتيجة التي توصل إليها
الأوروبيون أن "إسرائيل" تشكل الخطر الأكبر على أمن العالم
وسلامته،
في نفس الوقت الذي يعتبر وزراء "إسرائيليون" ونشطاء يهود أن
ذلك عداء للسامية.
في حين تركز
دوائر يهودية ليبرالية في الغرب على خطر سياسي مختلف. فقد ظهرت
في الغرب مؤخراً مقالات (معظمها على أيدي معلقين يهود) تعرض
السؤال عما إذا كان الخطأ أصلاً
يكمن في
قيام "إسرائيل" على أساس عرقي- كدولة يهودية؛
وتأثيرها السلبي عليهم.
البروفيسور اليهودي طوني جاوت كتب في "نيويورك ريفير أون بوكس"
يقول: "إن تصرفات الدولة التي تصف نفسها كدولة يهودية تؤثر على
الطريقة التي ينظر بها الآخرون لليهود".
وكتب صاحب العمود القديم في "واشنطن بوست" ريتشارد كوهين" في
الحرب الأبدية ضد "إسرائيل" فإن أعداءها ينتصرون ... هذا هو
تحذير التاريخ لـ"إسرائيل".
وفي مجلة "ذي نيشن" كتب دانئيل لازار: "لم يعد أمام
الإسرائيليين خيار سوى أن يربطوا مصيرهم بشخص مثل شارون. وهذا
هو المنطق الذي يصعب مواجهته لكن هذا أيضاً انتحار، إلا إذا
عثر شخص على طريقة للإفلات من هذا القفص الأيديولوجي".
وفي الأسبوعية النيويوركية" جويش ديك" وهي واحدة من أكثر
المجلات اليهودية انتشاراً. نشر مقال لمحررها الرئيسي غارت
روزنبلت تحت عنوان "رسالة لطف" وجاء فيها
ان
"النظرة العسكرية الإسرائيلية غير مجدية في المواجهات الدائرة
في الجامعات الأمريكية حول موضوع الشرق الأوسط، وبقدر ما يكون
الموقف أكثر نشازاً بقدر ما تتضاءل فرصة قيام عشرات الآلاف من
الطلاب اليهود بإظهار التعاطف مع الدولة اليهودية".
ويضيف الكاتب الذي سجل تلك المقتطفات: "ينبغي الإقرار بأن
التعاطف في الخمسينيات والستينيات مع اليهود و"إسرائيل" الذي
نبع من مشاعر الذنب تقلص جداً في الجيل الذي لا يتذكر
الكارثة".
هذه التطورات تشير إلى صحوة أوروبية وغربية إزاء حقيقة المشروع
الصهيوني. وما ألحقه من ظلم بحق الفلسطينيين. كما تشير إلى أن
الرأي العام العالمي قد ضاق ذرعاً بالعنصرية الصهيونية وإجرام
مؤسستها العسكرية والأمنية. وازداد تعاطفاً مع شعب فلسطين
وقضيته بعد عقود تأثر فيها بعقدة الذنب الأوروبية تجاه اليهود.
وإلى أن أعداداً متزايدة من يهود العالم بدأوا يدركون خطورة
المشروع الصهيوني على مستقبلهم ومستقبل أولادهم.
في مطلع الثمانينيات حذر الصهيوني المخضرم "ناحوم غولدمان"
من بدايات تؤشر إلى ما أسلفنا وسجلها كهواجس ومخاوف وكنذير شؤم
يؤدي إلى قرب انهيار المشروع الصهيوني وزوال كيانه: "من المؤكد
أن دولة إسرائيلية لا يمكن أن تبقى إلا إذا شكلت ظاهرة لا مثيل
لها في العالم. وإذا وجب أن تصبح كباقي الدول فهذا انتصار
لاستيعاب اليهود على المستوى الجماعي، استيعاب أكثر خطراً من
الاستيعاب الفردي، وبالتالي تفقد "دولة إسرائيل" سبب وجودها
وأهميتها بالنسبة لليهود وغير اليهود نظراً إلى موقعها
المتزعزع،
سيكون لهذه الجزيرة اليهودية المعزولة الضائعة وسط محيط العالم
العربي حظاً قليلاً في البقاء".
ذلك كله دفع بمنظري المشروع الصهيوني ومراكز أبحاثه في
الولايات المتحدة وفي فلسطين المحتلة إلى التوقف وطرح جيل جديد
من مشاريع التسوية ابتداءً من اتفاقية أوسلو مروراً بطرح مارتن
إنديك
فكرة إرسال قوات متعددة الجنسيات وفرض الوصاية الدولية على
الفلسطينيين
وصولاً
إلى وثيقة جنيف
وإلى
خطة الفصل الأحادي التي طرحها شارون كمخرج من المأزق الذي
يعيشه الكيان الصهيوني. إلا أن تركيبة الكيان الصهيوني ومستوى
العلاقة بين مكوناته المختلفة والأهداف التي وجد من أجلها تجعل
من المستحيل تحقيق تلك الخطوات الضرورية لمستقبله، الأمر الذي
ستكون له نتائج كارثية على الكيان الصهيوني، فيما لو تمكن
الجانب الفلسطيني خاصة والعربي والإسلامي عامة الاستفادة منه
وخرج من أوهام مشاريع التسوية وأحابيلها.
يقول غولدمان: "مرور الشعوب، وفي فترة قصيرة جداً من حال العجز
إلى موضع مفاجئ من القوة يزعزع ومن دون شك توازنها النفسي، كما
يمنحها الوهم بأنها تستطيع السماح لنفسها بكل شيء تجاهله الرأي
العام وردة فعل العالم الخارجي وها هم الإسرائيليون مهووسون
بهذه القوة المكتسبة حديثاً ونتج عن ذلك عدم تمكنهم من تحليل
الموقف بموضوعية، إذ يقللون من شأن الأخطار ويبالغون في
تأثيرهم وقدرتهم مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى نتائج مفجعة".
إننا أمام مرحلة يُستقطب
فيها التجمع الاستيطاني الصهيوني في اتجاهين متناقضين، من جهة
هناك الذين بدأوا يشكون في مستقبل "إسرائيل" وبدأوا بطرح
التصورات لإنقاذها. ومن الجهة الثانية هناك الذين ازداد تعصبهم
وتطرفهم بما يذكّر القارئين للتاريخ اليهودي بما عرف بـ "المسادا".
فهل نستطيع إدراك طبيعة المرحلة التي يمر فيها الكيان الصهيوني
وحقيقة المكتسبات الهامة التي حققتها انتفاضة شعب فلسطين
ومقاومته.
ألم تتمكن المقاومة من تحرير أجزاء من قطاع غزة كتجسيد عملي
لما أسميناه مع بداية انتفاضة الأقصى بالمرحلية الميدانية
كقانون من قوانين حرب الشعب المتعاكسة مع المرحلية السياسية
المتوائمة مع مرحلة المشروع الصهيوني؟.
ألا يؤكد هذا صحة قوانين حرب الشعب القائمة على مراكمة عناصر
القوة ونقاط الانتصار وزيادة الأصدقاء وتقليل الأعداء؟.
ألا يساعد في ذلك طرح رؤية حضارية للصراع تنطلق من عمق عقيدتنا
وحضارتنا القائمة على أخوّة الإنسان للإنسان ورفض كافة أشكال
العنصرية والتمييز العنصري؟.
ألا يتطلب ذلك التفكير الجاد في تطوير أدوات عملنا لتصبح
منسجمة مع الدرس التاريخي الذي سجلته الحركة الوطنية
الفلسطينية باكراً "إن تحرير فلسطين واجب وطني وقومي وديني
وإنساني"
وتطوير أطروحتنا لتنطلق من رؤية حضارية للصراع نابعة من عمق
عقيدتنا وحضارتنا السمحاء القائمة على أخوة الإنسان للإنسان
ورفض كافة أشكال العنصرية والتمييز العنصري ومواجهة العدوان
والظلم.
بما يمكن الوصول من زيادة الأصدقاء، والحد من الأعداء.
سؤالاً نطرح برسم مؤتمركم الكريم.
المصادر:
-
جمال حمدان: استراتيجية الاستعمار والتحرير، دار الهلال-
القاهرة الطبعة الثانية 1999.
-
وليد محمد علي: صهيونية الخزر وصراع الحضارات- دار العربي ودار
النهضة بيروت-1999.
-
جان فرنسيس هيلد:
رحلة في قلب "إسرائيل"- شركة المطبوعات الشرقية بيروت 1986,
-
جالينا نيكيتيا- دولة إسرائيل- خصائص التطور السياسي
والاقتصادي دار الهلال- القاهرة تاريخ النشر.
-
مجموعة من الكتاب السوفيات: الصهيونية نظرية وممارسة، دار
التقدم موسكو 1975.
-
حبيب قهوجي: متخذو القرارات في الكيان الصهيوني-مؤسسة الأرض
الفلسطينية-دمشق 1980.
-
بول
فندلي
–الخداع- جديد العلاقات الأمريكية-"الإسرائيلية" شركة
المطبوعات للتوزيع والنشر بيروت 1993.
-
مجلس كنائس الشرق الأوسط –ما هي الصهيونية المسيحية- صدر عام
1988 ترجم إلى العربية عام 1991- توزيع خاص.
-
أعمال ندوة طرابلس-ليبيا: حول الصهيونية العنصرية- المؤسسة
العربية للدراسات بيروت1976.
-
ناحوم غولدمان –"إسرائيل" إلى أين- دار المشرق العربي
الكبير-1984.
لقد كان الكيان الصهيوني يريد دائماً أن يتخلص من قطاع
غزة، وكثيراً ما ردد رابين أمام محادثيه: "انه أحياناً
ينام الليل ويحلم بأن قطاع غزة قد انفصل عن الأرض وسقط
"بكل ما فيه" "ومن فيه" في البحر، ثم يستيقظ ويكتشف إنه
كان حلماً ويتمنى لو أن الحلم كان حقيقة فبسبب كثافة
السكان في قطاع غزة، وبسبب أحوالهم الاقتصادية الاجتماعية
كانت المقاومة هناك ذات طابع أعنف .. لقد كانت إسرائيل
على استعداد أن تعطي قطاع غزة لمصر. وقد فكرت ذات يوم في
الانسحاب من جانب واحد. ولكن عنف المقاومة أضطرها إلى
البقاء حتى لا يبدو انسحابها هروباً. هذا ما كتبه محمد
حسنين هيكل قبل عشر سنوات في كراسة السلام المحاصر.
|