من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

 

 

غزة بين الفكر الصهيوني والواقع السياسي

 

د. عبد الستار قاسم

 

تثير فكرة انسحاب القوات الصهيونية من قطاع غزة تساؤلات فكرية ودينية عدة مثلما أثارت مسألة الانسحاب من سيناء من قبل. والشيء الذي يتبادر بداية إلى الذهن يتعلق برؤية الصهاينة اليهود الدينية والفكرية للأرض ومدى تمسكهم بها. من المعروف أن قطاع غزة كما هو الأمر بالنسبة لسيناء ومواقع جغرافية أخرى بنظر هؤلاء الصهاينة هي عبارة عن جزء من أرض "إسرائيل" الكبرى ويستندون في ذلك إلى روايات صنعها أحبارهم في التوراة المحرفة. وإذا كانت هذه الأرض مقدسة، وأمر الرب بالمحافظة عليها، أو اعتبر التفريط بها خيانة للدين، وكذلك بالنسبة لعدم استرجاعها إذا فلتت من أيدي اليهود، فكيف بالكيان الصهيوني أن ينسحب منها؟ أليست هذه أرض مقدسة؟ ألم يعتبر الصهاينة العودة إليها عند احتلالها عام 1967 عملا دينيا يرضي الرب ويدفعه إلى مد المزيد من العون "لشعبه المختار؟" وإلا من الممكن أن يغضب الرب إن تركوها لأعدائهم من الفلسطينيين، فيسلط عليهم سوء العذاب على شكل هزائم أو أمراض أو مجاعة؟ ألم يعد ربهم بالنعم الكثيرة إن هم أطاعوا وصاياه، وبالعذاب الأليم الدنيوي السريع إن هم عصوا؟

ومن ناحية ثانية، فإن الحركة الصهيونية ومنذ العام 1897 وحتى صدور صك الانتداب لعام 1922 عن عصبة الأمم، ومن ثم تقسيم فلسطين إلى دولتين عام 1947. طالبت الحركة الصهيونية بأرض واسعة قالت أنها أرض "إسرائيل" الكبرى وسعت لدى الدول العظمى في حينه للموافقة على ما تطرحه جغرافيا. ويردد العديد من الكتاب الصهاينة مسألة "إسرائيل" الكبرى حتى الآن على اعتبار أن "إسرائيل" لم تحصل حقيقة إلا على القليل من المساحة الجغرافية المطلوبة. فهل ستعمد "إسرائيل" فعلا إلى الانسحاب من أجزاء من الأرض الفلسطينية التي احتلتها بعد كل هذه الحروب ضد العرب والانتصارات العسكرية التي حققتها؟ هل فعلا تقول "إسرائيل" لمستوطنيها الذين أتوا إلى أرض المنّ والسلوى وأنهار اللبن والعسل أن كل القيم الجغرافية التي تعلموها لم تعد صالحة وأنه لا مفر من التراجع؟ وهل سيؤثر هذا على التماسك الأخلاقي للتنظير الصهيوني والتطلعات الصهيونية؟ أم أن المسألة تبقى ضمن المناورة السياسية والإمكانيات السياسية المتوفرة؟

من زاوية ثالثة، فإنّ المتتبع للتطورات السياسية تسيطر عليه الدهشة عندما يعرف أن الذي يطرح فكرة الانسحاب من قطاع غزة هو الليكود، الحزب المعروف عنه أنه قومي يميل نحو التدين. إنه حزب قومي متمسك جدا بالأيديولوجيا والتي تشمل الجغرافيا والتاريخ وطرق التعامل مع الآخرين. وعرف عنه عدم الرغبة في مهادنة العرب على حساب "المعتقدات" الصهيونية واليهودية، وعدم الرغبة في الوصول إلى حلول سلمية لا تنطوي على التسليم بتطلعات "إسرائيل". فهل يعني هذا أن الحزب يناقض فعلا ما يقول، أم أنه يناور سياسياً لأهداف قد تكون خفية حتى الآن؟ وإذا كان جادا فعلا، فماذا عن مواقف الأحزاب الصهيونية الأخرى التي لا تتمسك كثيرا بالأيديولوجيا؟ هل نشهد بذلك على بداية انهيار الأيديولوجيا لصالح المواقف السياسية العملية؟ أم أن المسألة مجرد سياسة تكتيكية مؤقتة لن تدوم طويلا؟

 

الخلفية الدينية

من الناحية الدينية التاريخية، تعتبر غزة جزءاً من "أرض إسرائيل" سواء على مستوى "أرض إسرائيل الكبرى" أو على مستوى "أرض الميعاد"، لكنها ليست كذلك فيما يتعلق بمملكة داوود. فكما هو معروف، لا يوجد تحديد واضح وواحد لمملكة "إسرائيل" أو لتلك الأرض التي يقول اليهود أنها لهم، وإنما هناك مستويات متعددة تختلف في جوهرها باختلاف الحقب التاريخية التي كتبت فيها الروايات التوراتية، وباختلاف التطلعات والآمال اليهودية لتلك الحقبة. حتى أن هذا التعدد ينطبق على التطلعات الصهيونية التي صاغت خارطة جديدة متداخلة مع مختلف الطروحات الجغرافية التاريخية لكنها لا تتطابق معها. فيما يلي تلخيص لتلك المستويات:

أولا: أرض "إسرائيل" التاريخية والتي تعني الأرض التي قطعها الرب لأب اليهود، حسب قول التوراة، إبراهيم عليه السلام. وعد الرب إبراهيم عند وصوله إلى المدينة الكنعانية شكيم (نابلس اليوم) أن يعطيه ونسله من بعده الأرض التي يرى شمالا وشرقا وجنوبا وغربا. وحددها له بقوله أنه يقتطعه (أي إبراهيم) الأرض التي يرى من النهر الكبير ناحية الشرق إلى البحر الكبير ناحية الغرب. وفي قول آخر إلى نهر مصر في الغرب.

يرى مؤرخون أن هذا الاقتطاع الرباني يشمل الأرض الواقعة بين الفرات والنيل والنصف الشمالي من شبه الجزيرة العربية بما في ذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة. وقد أكد أطلس "إسرائيل" على ذلك في خرائطه المنشورة حول تاريخ "إسرائيل". (تبين الخارطة رقم 1 هذا التأكيد). ويرى مؤرخون أن نهر مصر المذكور ليس نهر النيل، وإنما هو وادي مصر الجاف الذي يجري من الجنوب إلى الشمال بالقرب من مدينة العريش في سيناء. لكن هذا الرأي ضعيف لأنه ليس في الوادي نهرٌ جارٍ. وعلى كل حال، غزة مشمولة ضمن هذا المستوى.

ثانيا: مستوى أرض الميعاد والذي يشمل الأرض التي وعدت لموسى. يفصل سفر الخروج التوراتي حدود هذه الأرض والتي قدم أطلس "إسرائيل" رسما لها يجده القارئ هنا في الخارطة رقم (2). يشمل هذا المستوى أرض كنعان والتي هي الجزء الجنوبي الغربي من أرض الشام وهو الجزء الخصيب الذي يتمتع بوفرة المياه. إنه يضم فلسطين الانتدابية عدا الطرف الجنوبي من النقب، والجزء الشرقي من سيناء بما فيه العريش، لبنان الانتدابية عدا طرابلس، وجنوب غرب سوريا الصغرى بما في ذلك دمشق، وشمال الأردن بما في ذلك إربد والحمة ونهر الأردن وبحر الملح (الميت).

3- ينطوي المستوى الثالث على مملكة داود التي أقيمت حوالي سنة 1000 ق م. استطاع الملك داود (النبي داود) أن يوحد أسباط بني إسرائيل، حسب المؤرخين اليهود ويقيم مملكة موحدة وعاصمتها أورسالم الكنعانية (المسماة عبرانيا أورشليم) وهي القدس اليوم. أقام داود جيشا قويا وهاجم محيطه ووسع حدود مملكته. ضمت هذه المملكة الجنوب الغربي من أرض الشام مع شرق الأردن حتى بادية الشام. لكنه لم يستطع أن ينتصر على مملكتين وهما مملكة صيدا في أواسط الساحل السوري ومملكة غزة في جنوبه.

أنشأ مملكة غزة القبائل الفلستينية التي أتت أرض كنعان حوالي سنة 1200 ق م. أصول هذه القبائل غير معروفة تماما، لكن عددا من المؤرخين يشيرون إلى أنها أتت من جزر البحر الأبيض المتوسط وأقامت في أرض كنعان ردحاً من الزمن. يقال إن هذه القبائل قد غادرت بأغلب أعدادها، لكنها خلفت لأرض كنعان اسماً جديداً وهو فلسطين.

المهم هنا أن غزة وقطاعها غير مشمولين بمملكة داود لأنهما كانا خارج السيطرة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الصهيونية قد ساقت إقامة مملكة داود مبررا للعودة إلى فلسطين، فإن قطاع غزة يبقى غير مشمول به. قالت الصهيونية أن مبررها بالعودة إلى الأرض المقدسة، فلسطين، استند إلى أن الرب قد وعدها شعبه المختار وهو وعد مستمر المفعول، وإلى أن اليهود أول من أقام دولة في البلاد في عهد الملك داود والملك سليمان من بعده. تدخل غزة ضمن الوعد الرباني كما أشير سابقا، لكنها لا تدخل في المملكة.

4- هناك نص في التوراة التي بين أيدي اليهود يقول لليهود بأن كل أرض تطأها أقدامهم فهي لهم. يستند هذا على قدسية اليهود لأنهم شعب الله المختار، وحيثما وطئت أقدامهم تصبح الأرض مقدسة، ولا يجوز عندها لغير المقدسين من الأميين (أي الشعوب الأخرى غير المقدسة) أن تسكن تلك الأرض وتمتلكها. هذا يعني أن لا حدود لأرض اليهود، وأن أرضهم تمتد بامتداد أقدامهم أو بالمسافات التي تقطعها عرباتهم، وفق التطورات التقنية الحديثة.

 

غزة في التطلعات الصهيونية

من الصعب إفراد قطاع غزة كموضوع مستقل في التطلعات الصهيونية نحو غزو فلسطين وإقامة الوطن القومي اليهودي أو دولة اليهود فيها. غزة وما حولها من مساحة جغرافية ضيقة تأتي ضمن السياق العام للطرح الصهيوني بمختلف توجهاته، علما أن القطاع القائم الآن بجغرافيته الحالية جاء نتيجة وقائع ظرفية وليس نتيجة تخطيط مسبق ومعد قبل عشرات السنين. وعليه فإن فهمنا للتعامل السياسي "الإسرائيلي" الآن مع القطاع لا يتأتى عزلا للقطاع كفكرة مستقلة وإنما كجزء من مخططات صهيونية تستهدف المنطقة. وقبل تبيان ذلك، أورد اللمحة التاريخية التالية للوجود اليهودي في أوروبا:

طرد اليهود من أرض الشام على يد الرومان وحظر عليهم البقاء في الأرض المقدسة، وتشتتوا نتيجة لذلك في كل أنحاء العالم. خرجوا يبحثون عن المأوى ولقمة العيش في ديار غريبة مشتتين إلى مجموعات صغيرة أو أفراد. منهم من توجه إلى الشرق، وآخرون إلى شمال أفريقيا، بينما حل بعضهم في البلاد الأوروبية. وكما هو متوقع لكل مشرد أو مطرود من مكان سكنه، لم تكن الحياة سهلة ولا الطريق إلى الاستقرار ممهدة، وكان عليهم أن يواجهوا الكثير من المعاناة والآلام والضياع. تعرض اليهود للتمييز ومختلف أنواع الاضطهاد لأسباب متعددة منها الذاتي ومنها غير الذاتي، والمجال هنا لا يتسع للخوض فيها.

نتيجة لما آلت إليه أمورهم في أوروبا، ظهرت لدى اليهود حركات عبرت بشكل أو بآخر عن أوضاعهم الخاصة التي عاشوها. فمثلا ظهرت حركة المسيائية بعد طرد اليهود من إسبانيا وقالت أن الرب سيرسل المسيح لإنقاذ اليهود. أما الحسيدوت فركزت على تقرب الإنسان إلى الله. لكن حركة الهسكلاه كانت نهضوية ودعت اليهود إلى تغيير ما هم فيه والانفتاح على الشعوب والثقافات كحل لمشكلتهم المتفاقمة. وظهر أيضا مفكرون على مدى القرون محاولين جمع اليهود على هدف واحد. فمثلا، ظهر في القرون الوسطى في مصر رجل دين يهودي اسمه موسى بن ميمون أخذ على عاتقه جمع عدد من التعاليم والاجتهادات حول التوراة. وتبعه في ذلك يوسف كارو. كان يهودا الكلعي السفاردي من يهود بلغاريا أول من دعا إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين وذلك في كتاب نشره عام 1839. تلاه كاتب آخر يدعى تسفي كاليشر والذي كتب كتابا بعنوان دريشات صهيون أو طلب صهيون دعا فيه إلى ضرورة اجتماع قادة اليهود للتخطيط لاستيطان ما أسماه بأرض "إسرائيل". وقد تعاون مع جمعية فرنسية لإقامة المدرسة الزراعية التي أقامها اليهود في يافا عام 1870. ظهر في تلك الفترة موشي هس الذي نشر كتابا بعنوان روما والقدس. أشاد هس بما أسماه القومية اليهودية وقال بأن الأمم تعلمت الفكر القومي من اليهود الذين تعاملوا مع أنفسهم على أنهم قومية منذ ظهور التعاليم الدينية اليهودية. وأضاف بأن حل المشكلة اليهودية يكمن في بعث الأمل في صفوف اليهود والعمل على إقامة دولة يهودية على أرض الأجداد. ونصح اليهود بأن يعملوا على تثقيف العرب والأفارقة الذين وصفهم بالقطعان والمتوحشين وأن يجعلوا القرآن والإنجيل يدوران حول التوراة. أما ديفيد غوردون الذي كان من المثقفين غير المتزمتين فدعا عبر صحيفة كان يحررها إلى شراء الأراضي في فلسطين والاستيطان فيها. المعنى أن العديد من الكتاب اليهود تطلعوا إلى فلسطين كوطن لهم قبل ظهور الحركة الصهيونية.

 

اكتسبت الحركة الفكرية في الأوساط اليهودية الأوروبية زخما كبيرا في القرن التاسع عشر وامتدت عبر القرن العشرين. تنوعت الأفكار حول طرق حل المشكلة اليهودية المتمثلة بالاضطهاد وتعددت، لكنه من الممكن تلخيصها في الاتجاهات التالية: الاندماجي الذي ركز على اندماج اليهود مع الشعوب الأخرى، والتحرري الذي ركز على الانفتاح، والقومي الذي ركز على الهجرة إلى أرض الأجداد.

ولدت الحركة الأدبية والفكرية خطوات عملية بادرت إليها جمعية أحباء صهيون. وعليه فقد نظمت عام 1882 أول هجرة جماعية إلى فلسطين منذ أن طرد الرومان اليهود، بفارق زمني مقداره 1747سنة. بدأ مهاجرو أحباء صهيون يفدون إلى فلسطين تباعا وأخذوا ببناء البيوت والبحث عن أراض زراعية توفر لهم مصدر الرزق. أقامت الجمعية عددا من المستوطنات في أماكن متفرقة ومتباعدة في فلسطين.

 

الطرح الصهيوني

أتت الحركة الصهيونية عام 1897 لتؤكد ما طرحه الكتاب وجمعية أحباء صهيون. وقد ورد في برنامجها المعلن في مؤتمرها الأول أن هدفها إقامة وطن قومي لليهود على أرض "إسرائيل" وأن تسعى إلى الحصول على الاعتراف به وفق القانون العام، وإلى استيطان أرض "إسرائيل" بالعمال والفلاحين والحرفيين الذين يقومون بتطويرها بشكل منظم.

ثار جدل منذ البدء بين صهيونيين أصروا على ضرورة هجرة اليهود تحت مظلة قانونية بغرض حمايتهم وبين آخرين قالوا إن الوطن القومي لا يقوم إلا بفرض الأمر الواقع، أي بالهجرة إلى فلسطين حتى لو لازمها بعض المخاطر. عرف الفريق الأول بالصهيونيين السياسيين الباحثين عن مخرج سياسي للطموح اليهودي وعرف الآخر بالصهيونيين العمليين. تزعم هرتسل الفريق الأول وعمل على كبح الهجرة إلى فلسطين. نجح إلى حد ما، إلا أن الصهيونيين العمليين استمروا في تشجيع الهجرة وبناء المستوطنات. بسبب فشل هرتسل وفشل من تبعه في الحصول على مخرج سياسي أو قانوني للهجرة أخذت الصهيونية العملية تكتسب قوة تدريجية خاصة بعد وفاة هرتسل عام 1904. تصاعد نفوذ العمليين إلى أن فازوا في الانتخابات الداخلية للمنظمة الصهيونية وسيطروا على اللجنة التنفيذية عام 1910.

بالنسبة للسياسيين، لم يكن هناك إصرار قطعي على فلسطين كوطن قومي لليهود، على الرغم من وجودها على رأس سلم أولوياتهم. السبب يعود إلى أن هؤلاء لم يكونوا عقائديين ومتدينين، وإنما كانوا يبحثون عن ملجأ يعيش فيه اليهود بأمان بعيدا عن الاضطهاد الأوروبي. لم تكن الفكرة الدينية التي تمجد أرض الأجداد قوية، وكان لديهم الاستعداد للقبول بأوغندا أو الأرجنتين أو أي قطعة أخرى تمنحهم إياها القوى العظمى في حينه. أما بالنسبة للعمليين، فقد انحدر أغلبهم من فكر قومي يميل إلى التدين أو من فكر ديني، وكانت فلسطين بالنسبة لهم تجسيدا للتطلعات القومية والدينية. وقد سادت في أوساط هؤلاء، وما تزال تسود حتى الآن، مقولة إن اليهودي الجيد هو الذي يهاجر إلى فلسطين، وأن صلاح ديانة الشخص لا يكتمل إلا بجوار المدينة المقدسة التي يعتبرونها قلب "إسرائيل".

أيد السياسي الاستيطان في فلسطين وكذلك العملي. كلاهما نظر إلى البلاد على أنها خاصة اليهود، وإلى العرب على أنهم طارئون. لكن السياسي كان أخف حدة في هجمته الاستيطانية الإحلالية، أما العملي فكان هجوميا ويفكر باستمرار باستعمال القوة ضد العرب كوسيلة وحيدة للتفاهم معهم. المهم في الموضوع، أن الطرفين تحدثا بداية عن فلسطين كوطن قومي لليهود دون تحديد جغرافي دقيق. تحفظ السياسيون بداية على الإعلان عن إقامة دولة يهودية في فلسطين، لكن العمليين كانوا يبوحون بالفكرة، إلى أن أعلنوها صراحة في مقررات المؤتمر الصهيوني الذي عقد في بلتيمور في الولايات المتحدة عام 1942.

بالنسبة لغزة ومحيطها، لم يستثنها أي من الأطراف الصهيونية. حتى تلك الأطراف الثانوية مثل الصهيونية الاشتراكية لم تستثنها.

 

غزة في الخرائط

على الرغم من الاختلافات الآيديولوجية التفصيلية بين شيع الحركة الصهيونية، إلا أن الجميع في النهاية يتفقون على ضرورة إقامة الوطن القومي لليهود في أرض الأجداد. تقدمت الحركة الصهيونية إلى مؤتمر الصلح لعام 1919 بخريطة لهذه الأرض وطلبت المصادقة عليها (أنظر الخريطة رقم 4). تطالب الخريطة بأرض فلسطين الانتدابية القائمة حاليا وبجنوب لبنان وبالطرف الجنوبي الغربي من سوريا الصغرى والجزء الغربي من شرقي الأردن لتقف عمان عند الحدود شرقا. وهذا ما طالبت به الحركة الصهيونية عصبة الأمم عند بحث صك الانتداب على فلسطين. أرادت الحركة اقتطاع الجزء الذي تطالب فيه كأرض "إسرائيل" ليكون تحت الانتداب البريطاني تمهيدا لإقامة الوطن اليهودي. هذا المطلب لم يتحقق في النهاية.

أما الأرغون، المنظمة الصهيونية الإرهابية التي سارت على أفكار جابوتنسكي وغلاة الصهاينة، فقد طرحت شعارها الخاص الذي حمل الخريطة التي تعتقد أنها هي أرض الأجداد. (أنظر الخريطة رقم 5) تشمل هذا الخريطة فلسطين الانتدابية والطرف الجنوبي من لبنان وهضبة الجولان وكل شرق الأردن الانتدابية. وقد رأى مؤخرا بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء "إسرائيل" الأسبق، أن "إسرائيل" اليوم تقوم على 15% فقط من أرض "إسرائيل"، وأن العرب يستولون على 80% بعدما استعادت "إسرائيل" 5% في حرب 1967، أي بعد احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة.

غزة ومحيطها مشمولان في الخرائط الصهيونية على اختلاف مصادرها على اعتبار أنها جزء من أرض "إسرائيل".

لكن القطاع غير مشمول بخريطة تقسيم فلسطين التي أقرتها الأمم المتحدة في قرار الجمعية العامة رقم 181، قسمت الأمم المتحدة فلسطين إلى سبع قطع، كانت منطقة ساحل فلسطين الجنوبي بما فيها قطاع غزة من نصيب الفلسطينيين، أو جزءا من الدولة الفلسطينية المقترحة حينئذ. لم يرق ذلك للصهاينة، ولهذا توسعوا جنوبا في حرب عام 1948 وضيقوا قطاع غزة إلى ما يقرب من 365 كم2 فقط. خصصت الأمم المتحدة للفلسطينيين في مشروع التقسيم 44% من أرض فلسطين الانتدابية، لكنه لم يتبق بعد الحرب وبعد تسليم الملك عبد الله لقطاع المثلث إلا حوالي 22%.

 

بعد حرب 1967

تردد حزب العمل بعد عام 1967 بإقامة مستوطنات يهودية في قطاع غزة، بينما انطلق الليكود في بناء تلك المستوطنات. أراد حزب العمل الذي يتمتع بصبغة اشتراكية أن يترك مجالا للتفاوض مع العرب سعيا للوصول إلى حل سلمي. رأى حزب العمل من الناحية التاريخية أن غزة جزء من أرض "إسرائيل"، لكن الواقع السياسي كان يتطلب تفاوضا بهدف الوصول إلى صلح مع العرب ينهي النزاع. أما الباقون من المتدينين والقوميين المصبوغين دينيا فقد رأوا عكس ذلك. رأى المتدينون ضرورة الاستيطان في كل أرض "إسرائيل" التي تتعدى حدودها حدود فلسطين الانتدابية، وكثفوا جهودهم الاستيطانية في مختلف أنحاء فلسطين بما في ذلك قطاع غزة.

نشأت في هذه الأثناء حركة غوش إيمونيم التي تدين بفكرها للصهيوني جابوتنسكي (وهو يهودي آمن بكل أرض "إسرائيل" الكبرى، واعتبر العرب جراذين يجب سحقهم وطردهم من أرض إسرائيل الكبرى التي تتعدى الخطوط الحالية، إنه الأب الروحي لليكود وللمستوطنين الذين يعتبرون الاستيطان الحجر الأساس في قوة "إسرائيل" وتوسعها). قامت الحركة الجديدة برعاية من حكومة الليكود الجديدة التي فازت في انتخابات الكنيست عام 1976 بنشاطات استيطانية واسعة بما في ذلك في قطاع غزة على اعتبار أن القطاع أرض مقدسة لا تنفصل بتاتا عن أرض "إسرائيل". التخلي عن قطاع غزة، بالنسبة لهم، عبارة عن عمل متناقض مع نصوص التوراة ويقود إلى غضب الرب الذي يمكن أن يتمثل بمصائب مرعبة تنزل على رؤوس اليهود.

في هذا السياق، أشارت غوش إيمونيم إلى أنه من الضروري ضم القطاع إلى أرض "إسرائيل" مع ضرورة طرد السكان. طرحت عدة أحزاب صهيونية موضوع سكان القطاع وما ينجم عنهم من مشاكل أمنية، لكن الحركة الاستيطانية هذه طرحت طرد السكان كحل. هذا حل ديني لأن الرب يأمر في التوراة طرد الأنجاس (الشعوب الأخرى) من بين صفوف اليهود لما لهم من آثار سلبية على تلويث اليهود وأخلاقياتهم. طرحهم هذا يضيف بأن بقاء "الأنجاس" بين اليهود يغضب الرب أيضا وأن قتلهم أو طردهم يتمشى مع الأوامر الربانية ويشكل عبادة يرتاح لها الرب.

 

المتاعب الأمنية "الإسرائيلية" في غزة

قطاع غزة مزدحم بالسكان، ويبدو كأنه مدينة واحدة من شماله إلى جنوبه وذلك بسبب ضيق مساحته. من المعروف عسكريا، أن المناطق الآهلة بالسكان تشكل مصاعب وعراقيل كثيرة أمام أي قوة غزو أو احتلال. يمكن تلخيص الأسباب بالتالي:

1-            يسهل على المقاوم الاختفاء بالأماكن الآهلة والمزدحمة بالسكان، على عكس الأماكن الخالية من السكان والبيوت، ويسهل عليه أيضا نصب الكمائن.

2-            صعوبة عمل الجيش أو القوات الخاصة داخل الأماكن السكنية لما يترتب على ذلك من مخاطر أمنية وصعوبة في الانتشار العسكري. يسهل اقتناص الجنود داخل الأماكن السكنية، على عكس الوضع في ميادين المعركة المكشوفة.

3-            صعوبة استعمال الأسلحة الثقيلة داخل الأماكن السكنية بسبب الاحتمالات العالية لسقوط أناس لا علاقة لهم بالقتال قتلى وجرحى ولتكبدهم خسائر كبيرة في الممتلكات. هذا إن حصل يؤلب المزيد من الناس ضد قوات الغزو ويؤدي إلى ازدياد أعداد المقاومين.

4-            توريط القوة المحتلة أمام دول العالم ووسائل الإعلام بأنها تواجه مدنيين وتقتل أبرياء.

5-            تكلف حرب المدن من الناحية المادية الشيء الكثير بسبب الاحتياجات الدقيقة اللازمة من الناحية العسكرية، وتكلف أيضا مهارات تدريبية عالية وخاصة للجنود.

6-            تسبب حرب المدن أزمات نفسية لدى الجنود بسبب انشغالهم بأعمال حربية مع غير محاربين خاصة من النساء والأطفال، وتؤثر كذلك على احترافية الجنود التي من المفروض أن تكون موجهة لمواجهة قوات معادية محترفة وليس مجرد أطفال يقذفون الحجارة أو شباب لا يملكون إلا أسلحة بدائية.

أعرب ضباط "إسرائيليون" كثر عن استيائهم من الأوضاع الأمنية في قطاع غزة، وعبروا عن متاعبهم الأمنية الكثيرة منذ بداية الاحتلال. وقد ازدادت هذه الأعباء والمتاعب مع انتشار المستوطنات هناك. أقامت "إسرائيل" حوالي 21 مستوطنة كلها صغيرة الحجم مقارنة مع مستوطنات الضفة الغربية، ويغلب عليها النمط الزراعي. أدت حركة الاستيطان إلى إقامة العديد من المستوطنات التي تطلبت حماية أمنية خاصة. فإذا كان قطاع غزة يتطلب توظيف 1500 جندي، أصبح مع الاستيطان يثقل على الجيش "الإسرائيلي" ويتطلب ثلاثة أمثال هذا العدد. المستوطنات نفسها بحاجة إلى مزيد من معسكرات الجيش لحمايتها، والمستوطنون بحاجة إلى مزيد من الجنود لحراستهم في تنقلهم وتجوالهم وعملهم في المزارع.

ومع هذه الحركة الاستيطانية، كان هناك عبء على الميزانية "الإسرائيلية". حيث تتطلب أعمال الحراسة الطارئة المزيد من النفقات المالية، وكذلك رفاهية المستوطنين. عندما يكون الاستيطان هدفا بحد ذاته فإنه يختلف عن كونه مجرد بناء مساكن لباحثين عن مأوى. اعتبرت حكومات "إسرائيل" الاستيطان عملا قوميا يهدف إلى زرع الأرض بالبيوت والسكان وذلك لفرض أمر واقع على الفلسطينيين وعلى العالم أجمع. انهمكت في هذه السياسة، وأنفقت عليها الأموال مبررة ذلك أمام دافع الضرائب اليهودي بان المهام الوطنية الكبرى تحتاج إلى تضحية. ولهذا كانت نفقات الإقامة في قطاع غزة، ومستويات الدعم التي حظي بها المستوطن أعلى من نفقات الإقامة ومن مستويات الدعم في الأرض المحتلة عام 1948.

آخذين هذه الأمور بعين الاعتبار، خرج أحد رؤساء وزراء "إسرائيل" متحدثا عن الوضع متمنيا أن تبتلع مياه البحر قطاع غزة فيختفي. أنهك قطاع غزة حكومات "إسرائيل" أمنيا واقتصاديا وعسكريا على الرغم من حجمه الصغير، ووضع أعباء عليها بصورة لا تتناسب مع فوائد الاحتلال. أي أن المسألة في النهاية أصبحت مسألة حسابات، مسألة ربح وخسارة، وليست مجرد مسألة قومية مقدسة يجب الدفاع عنها. أي أن المقدس والقومي أخذ يتآكل مع الزمن لصالح العودة إلى الواقعية السياسية بدل التشبث بالمسائل الأيديولوجية.

لم يختلف الأمر بالنسبة لليكود عنه بالنسبة للعمل. أتى رئيس الوزراء الحالي شارون بنفس قوي واعدا الناس بأنه سيقضي على الانتفاضة القائمة خلال مئة يوم، وإذا بالانتفاضة تتحول إلى مقاومة. لم يستطع أن يسيطر أمنيا أو عسكريا على القطاع على الرغم من الهجمات العسكرية المتكررة على مختلف مناطق القطاع، وعلى الرغم من الخسائر الهائلة التي تكبدها أهالي القطاع في النفوس والممتلكات. هنا تراجعت الأيديولوجيا، وبدأت الحكومة "الإسرائيلية" الليكودية تجنح نحو الواقعية السياسية. بالطبع؛ الجنوح نحو الواقعية لا يعني بالضرورة إلغاء الأيديولوجيا، لكنه على الأقل يعني وضع الأيديولوجيا في حالة سبات.

تجدر الإشارة إلى أن عددا من المسؤولين الصهاينة في حكومات متعاقبة طرحوا على السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاق أوسلو فكرة إقامة دولة فلسطينية في غزة وترك مسألة الضفة الغربية للمستقبل. طرح بعضهم خلال هذه الانتفاضة على رئيس السلطة الفلسطينية نقله من رام الله إلى غزة ليصنع دولة هناك. طبعا لم يكن من المعروف تماما ماذا عنوا بدولة فلسطينية؛ هل دولة فلسطينية حقيقية تسيطر على الحدود وعلى مناهجها التعليمية وتتمتع بجيش خاص بها ضمن مفاهيم أمنية فلسطينية، أم مجرد كيان يقوم بالحفاظ على المصالح الأمنية "الإسرائيلية" مقابل بعض المال الذي يمكّن هذا الكيان من العيش؟ بغض النظر، المقصود من الطرح هو التخلص من قطاع غزة بسبب ما يشكله من أعباء كبيرة على الصهاينة، وإلقاء الهموم الأمنية على الفلسطينيين الذين يمكن أن يقتتلوا فيما بينهم.

 

الانسحاب من غزة

أعلنت "إسرائيل" أنها تريد أن تفكك أغلب المستوطنات القائمة في قطاع غزة، وبالتحديد سبع عشرة من أصل واحدة وعشرين، وقالت أنها تفكر بالانسحاب من القطاع من جانب واحد (أي بدون تنسيق مع السلطة الفلسطينية). وأعلنت في وقت لاحق أنها ستفكك كل المستوطنات في القطاع والتي يبلغ عددها واحدة وعشرين. لكنها مع هذا الإعلان، كثفت هجماتها العسكرية على القطاع وقادة التنظيمات الفلسطينية المقاومة. فلماذا كل هذه الهجمات الوحشية الدموية على القطاع؟ فيما يلي ما يمكن أن يلخص الإجابة:

أولا: اعتمدت "إسرائيل" ومن قبلها الحركة الصهيونية فكرتي التفريغ السكاني من خلال الإرهاب، والضرب الوقائي لمنع الاعتداء. عمدت الحركة الصهيونية قبل قيام الكيان الصهيوني إلى تنفيذ المجازر ضد الشعب الفلسطيني بهدف بث رعب يؤدي إلى هجرة السكان. نفذت مجازر في حيفا واللد والطنطورة ودير ياسين والدوايمة وغيرها مما أشاع انطباعا بأن اليهود يقتلون الناس في كل مكان، استدعى الجزء الأكبر من الفلسطينيين في الجزء المحتل عام 1948 إلى الرحيل. أما من بقي من السكان فقد دفع ثمنا باهظا من القمع والاضطهاد والملاحقات. لم تقم "إسرائيل" بعد حرب حزيران (يونيو) بذات المجازر، لكنها عمدت إلى التضييق على الناس بحيث جعلت أمنهم واستقرارهم الاقتصادي مستحيلا. نظرا لذلك، رحل آلاف الفلسطينيين خارج الضفة الغربية. لم يكن الرحيل سهلا على أهل قطاع غزة بسبب عدم ارتباطهم القانوني مع الأردن.

تعتبر "إسرائيل" أن الحرب الوقائية ضد العرب والفلسطينيين هي الأكثر فعالية لأنها تفاجئ العدو وتختصر الزمن وتحقق نتائج سريعة. تقول النظرية الأمنية "الإسرائيلية" أن على "إسرائيل" ألا تترك قوة العرب تنمو إلى درجة التحدي، وأن على "إسرائيل" أن تحتفظ دائما بقوة عسكرية متفوقة تجعل من محاولات العرب للحاق بها غير مجدية. إنها تترك العرب يراكمون قوة إلى الحد الذي يظنون فيه أنهم ينطلقون نحو التوازن العسكري فتواجههم بضربات عسكرية تجعلهم لا يستمتعون بما أحرزوا. هكذا فعلت أعوام 1956، 1967 و 1982.

انطلاقا من هذه الركائز الأمنية، تكثف "إسرائيل" هجماتها على القطاع دون أن تعيد بسط سيطرتها العسكرية المباشرة كما فعلت بالضفة الغربية. قطاع غزة مزدحم بالسكان وتتلاصق مدنه وقراه مما يحد من قدرة أي جيش نظامي على الحركة السريعة والمناورات الناجحة. ولهذا فهي تفضل أسلوبي الإرهاب والاستباق لتصفية قدرة الفلسطينيين على الأداء العسكري وتدمير رغبتهم في تطوير وسائل وأساليب جديدة للانتقام منها.

ثانيا: أعلنت "إسرائيل" أنها تريد مغادرة القطاع عسكريا لكنها لم تقل أنها لا تريد ملاحقته أمنيا أو أنها تتخلى عن سياستها الأمنية. يوجد جيش "إسرائيلي" الآن في القطاع خاصة حول المستوطنات وعلى نقاط العبور. (احتفظت "إسرائيل" بحوالي 40% من مساحة القطاع بموجب اتفاقيات أوسلو، علما أن مساحة القطاع الكلية حوالي 365 كم2). ولهذا فإنه من المتوقع أن تخلي النقاط العسكرية الموجودة حول المستوطنات لكن دون أن تتخلى عن سياستها الأمنية. ستبقي على تواجدها العسكري عند نقاط العبور، لكنه من المتوقع أن تزيل أي تواجد فلسطيني سكني قريب من هذه النقاط تظن أنه من الممكن أن يشكل هاجسا أمنيا مستقبلا مثلما تصنع في مدينة رفح.

ثالثا: تفضل "إسرائيل" القضاء على من تعتبرهم خطرا على أمنها قبل أن تخرج رسميا من القطاع. إذا كانت أعمالها العسكرية الآن تأتي بنوع من الانتقاد لسياساتها، فإن أعمالا من هذا القبيل ستأتي بانتقادات أكثر حدة في حال انسحابها. السبب أن الدول المعنية بالصراع تفضل ترك القضايا الأمنية للسلطة الفلسطينية بعد الانسحاب، وهذا ما يشكل أيضا اختبارا لقدرة السلطة ونواياها فيما يتعلق بالفصائل الفلسطينية المقاتلة. وقد ورد على ألسنة بعض المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين أنهم يملكون القدرة على ملاحقة الفصائل ومنعها من القيام بأعمال عسكرية.

رابعا: إذا كانت مسألة ملاحقة المقاومين الفلسطينيين وزجهم بالسجون تشكل إحراجا للسلطة الفلسطينية فإن أعمال "إسرائيل" الإجرامية توفر الكثير من الإحراج الفلسطيني. ولا يغيب عن الذهن تقديم رئيس أركان "إسرائيل" قبل فترة بسيطة الشكر للأمن الفلسطيني على تعاونه في منع ما أسماه بعمل عسكري كبير من جانب فلسطينيين عمل بعضهم في سلك الشرطة. المعنى أن "إسرائيل" تقوم بأعمال قد تؤدي إلى انهيار السلطة أو أجهزتها الأمنية إن هي قامت بها مستقبلا. وحقيقة أن التصريحات التي تصدر عن أمنيين وعسكريين "إسرائيليين" تشير إلى وجود تعاون أمني على الرغم من نفي الجانب الفلسطيني.

خامسا: من المتوقع أن تستمر الأعمال العسكرية "الإسرائيلية" ضد أهل القطاع وضد من تظن أنهم مقاومون بعد الانسحاب. ربما تعطي "إسرائيل" السلطة الفلسطينية مهلة لتأخذ زمام المبادرة وتقوم بواجباتها الأمنية المنصوص عليها بالاتفاقيات، لكنها لن تتنازل عن سياستها القائمة على الإرهاب والاستباق.

أي أن المسألة التي نحن بصددها يتم اختصارها بأن "إسرائيل" استبدلت فكرة السيطرة على القطاع بدل الاحتلال. السيطرة لا تعني الوجود العسكري المباشر، وإنما من الممكن أن تتم من خلال وكلاء، أو من خلال أعمال عسكرية ضد أهداف محددة بين الحين والآخر. فبدل أن يكون جنود الصهاينة في القطاع مع المتاعب التي يسببها وجودهم لهم ولعائلاتهم ولحكومتهم، يتولى طرف آخر مهمة الحفاظ على الأمن وفق المتطلبات الصهيونية. أو إن لم يتحقق ذلك، تبقى "إسرائيل" معتمدة على ذراعها العسكرية الطويلة من خلال الطائرات والمدافع بعيدة المدى.

لكن "إسرائيل" تفضل أن تُوجد من يحل محلها أمنيا. ولهذا فهي تحاول مع الولايات المتحدة ومع مصر من أجل إيجاد ذلك البديل القوي الذي يسهر على مصالحها الأمنية ويوافق على السيطرة "الإسرائيلية" غير المباشرة على القطاع. السلطة الفلسطينية هي الجهة المطروحة لكي تكون البديل، لكن الصهاينة يشككون بقدرة السلطة على القيام بذلك مبررين أن تجربتهم أثبتت عجز السلطة عن الوفاء بالتزاماتها الأمنية إما لأنها غير قادرة أو أنها غير راغبة. وعليه فإنها تحاول عبر الطرفين الأمريكي والمصري أن تجد صيغة مناسبة وأكثر فاعلية في إحكام السيطرة الأمنية عن بعد وعلى أيد عربية.

لكن الكرة يجب ألا تبقى على قدم طرف واحد. من واجب فصائل المقاومة الفلسطينية أن تأخذ الاحتياطات الأمنية الضرورية للحماية الذاتية. تم إطلاق صرخات كثيرة من قبل العديد من المفكرين والكتاب والعلماء من أجل اتخاذ التدابير الأمنية التي تقي الفلسطينيين وتحافظ على حياة المقاتلين لكنها جميعها ذهبت أدراج الرياح. التخبط الأمني الفلسطيني ما زال يبتلي الساحة الأمنية، وذات الأخطاء الأمنية والتجاوزات ما زالت تتكرر. قليلون جدا هم الذين يرون مخرجا في الترتيب الأمني على أسس علمية، وكثر هم الذين يضعون الاستعراض والتسيب الأمني على رأس قائمة أولوياتهم.

 

 

 

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة