من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

 

 

الخيار الوطني الفلسطيني بعد عرفات:

مشروع تحرر وطني، خيار دولة، أم الاثنين معاً؟

 

 

 

د. عادل سمارة- رام الله

 

ربما يستقيم السؤال بشكل أفضل إذا وضعناه بصيغة: أي تحدٍ يواجه الفلسطينيين في هذه الفترة، سواء بعد عرفات أو قبل رحيله؟ والمغزى أن مجرد رحيل عرفات لم يُحدث متغيرات أوصلت الصراع إلى نقطة تحول إلى هذا الحد، وبتحديد أكثر، فإن النظام السياسي الفلسطيني لم يتغير جوهريا بعد عرفات. وما قد يحدث من متغيرات سيكون في الدرجة لا في النوع. وهذا تدرج طبيعي في مسيرة التسوية. كان عرفات ممثل حكومة م.ت.ف التي اعترفت بالكيان الصهيوني الاشكنازي، وهو الاعتراف الذي انطوى ضمنياً ومنطقياً على شطب حق العودة. أما حكومة محمود عباس (ومن معه من الحرس القديم والوسط وقادة متسلّطين من الأجهزة الأمنية) فهي المرحلة الانتقالية بين حكومة أو نظام م.ت.ف وبين حكومة الأمريكيين الفلسطينيين، بغض النظر عما سيستغرقه الأمر زمنياً. وعليه، ليس رحيل عرفات هو الذي فتح الباب لفرض التسوية التصفوية النهائية بقدر ما أن هذا هو التطور الطبيعي للمسيرة التسووية وهو التطور الذي يجد جذوره في البعدين العربي والدولي أيضاَ. هل ستمر التسوية أم لا؟ أن أمر عدم مرورها ليس رصيداً لصالح عرفات.

   بداية، هل أن الخيار المطروح فلسطيني بحت، أي بعيداً عن الواقع القومي العربي؟ ثم هل التحدي أو تحديداً العدوان هو من طرف الكيان الصهيوني الاشكنازي بمفرده، أم هو عدوان بدأته القوى الرأسمالية في حقبة الاستعمار فالامبريالية وصولاً إلى حقبة العولمة؟

   هذه مرتكزات أساسية تفرض نفسها من أجل تناول مناسب للوضع الفلسطيني الراهن.

إن التحدي المطلوب التعامل معه يكمن في أن الشعب الفلسطيني يعيش تحت استعمار استيطاني مباشر ينهب الأرض ويفرض التبادل الاقتصادي تحت تهديد السلاح "تبادل لا متكافىء بقوة السلاح"، ويهدف إلى الاقتلاع النهائي للشعب الفلسطيني. وهذا يطرح للتساؤل مسألة التسوية من جذورها بمعنى: هل من مضمون حقيقي على الأرض للتسوية الحالية التي نفضّل تسميتها "سلام رأس المال"؟ وهل حقاً هناك أجزاء مستقلة من الأراضي المحتلة عام 1967. ولو حصل هذا فهل هناك معنىَ لوجود مدينة أو اثنتين في وضعية مستقلة عن الاحتلال ؟وهل يمكن تجزئة نضال شعب طبقاً لتجزئة أراضيه، أي إلى أجزاء مستقلة وأخرى غير مستقلة وأكثرية في الشتات؟ أم أن حقيقة الأمر أننا نعيش حالة هي شكلياً "ما بين الاحتلال والاستقلال" بينما هي جوهرياً حالة إحتلال.

   ولكن، لماذا يصر الكيان الصهيوني الاشكنازي على استمرار الاحتلال، ولماذا يصر أهل التسوية من المساومين الفلسطينيين والعرب على الزعم بأن هناك استقلالاً رغم أن الاحتلال يتجذّر على الأرض إلى درجة تغيير ملامحها وانتهاك بطنها!

   لا بد أن نجد الاجابة الفضلى على السؤال قيد الدرأسة في المبنى الأيديولوجي والمخطط السياسي للكيان الصهيوني نفسه. وهذا ما يجعل الدفاع عن أطروحتنا أكثر يسراً ومرونة. فمنذ بواكير الحركة الصهيونية، وكما هو معروف كبدهية، أن الدولة اليهودية التي دعا لها هرتزل أريدَ لها أن تطرد الشعب الفلسطيني من أرضه أن تكون "جداراً يحمي الحضارة الغربية من البربرية الشرقية"؛ وهذا يعني تجنيد البعد الرأسمالي الغربي بشكل مؤبد لصالحها، أو تجنيدها دوما في خدمته، لا فرق. والأهم من هذا كله هو إدراك مؤسسي هذه الحركة أنها ستعيش في حرب مع الوطن العربي إلى الأبد. أن دولة تقوم على هذا الاساس لا يمكن لها أن تتعايش مع الوسط الذي زُرعت فيه. إنها حالة قسرية ومُقحمة وبالتالي لا بد لها أن تعيش صراعاً مؤبداً مع هذا الوسط. ولذا، هي بدأت كأي مشروع استيطاني أبيض هدفه الطرد ، بل الإبادة للسكان للحلول المطلق محلهم[1].

   لكن الكيان الصهيوني الاشكنازي فوجىء بخصوصية معينة للوضع الفلسطيني تمثّلت في أن عدوان 1948 لم يتمكن من حصر الفلسطينيين داخل مصيدة الابادة حيث شكل الوطن العربي طوق نجاة لأكثرية الشعب الفلسطيني، وهو ما يثبت أهمية العمق العربي، رغم بؤس تشكيلاته الاجتماعية الاقتصادية وخطورة الطبقات الحاكمة فيه.

   وبالاختلاف عن مشاريع الاستيطان الأبيض الأخرى، فإن الاستيطان اليهودي في فلسطين جرى تنفيذه في حقبة الامبريالية حيث أصبحت فرص الأبادة الشاملة للشعب الأصلاني من الأمور الصعبة[2]. أما في حرب 1967، فلم تسمح حينها الظروف الدولية للكيان الصهيوني الاشكنازي بعملية طرد شاملة لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة مما دفع الاحتلال للجوء إلى سياسة الطرد غير المباشر أو الإزاحة بمعنى خلق الظروف التي تدفع الفلسطينيين لمغادرة وطنهم دون أن يقوم الاحتلال بطردهم بالقوة أو إجلائهم. أما استمرار الاحتلال لعشرات السنين ومواصلة سياسة الإزاحة فكان المقصود منها إيصال الشعب الفلسطيني إلى حالة "الانزياح الذاتي" أي قرار الرحيل. وهذا ما ينتهي إلى تأكيد أن وضع الفلسطينيين هو وضع الشعب الذي يخضع وطنه للاحتلال وبالتالي فهو يعيش مرحلة التحرر الوطني، الأمر الذي يؤكد بأن مشروع الدولة مشروع مؤجل عملياً حتى وإن توافقت برجوازيات الاحتلال والشعب الفلسطيني على إيجاد بنية حكم. فأية بنية حكم بدون استقلال لا تعني أن هناك دولة حقيقية. وهذا يقودنا إلى الشق الفلسطيني في التسوية.

   فإذا كانت سياسة الاحتلال متركزة على بلورة حالة معلقة شكلياً بين الاحتلال والاستقلال، بينما هي عملياً احتلال واضح، فإن أتباع الجانب الرسمي الفلسطيني -المكوّن من السلطة ومختلف مؤيدي تسوية رأس المال- اكتفوا بما منّ عليهم به الاحتلال وهو تفويضهم صلاحيات إدارية ومالية لقاء قبولهم بسلطة لا سيادة لها. لقد أدركت قيادة م.ت.ف أنها عاجزة -هي والوضع الرسمي العربي- عن تحقيق مشروع الاستقلال الوطني، لذا هي قبلت بالحكم الذاتي الذي لا يرقى عن كونه قراراً من السلطة المركزية للمحتل بإعطاء حكم ذاتي لجزء من الأراضي الخاضعة لحكمه. أو بعبارة أخرى، فقد شكّل اتفاق أوسلو اعترافاً عملياً من قيادة منظمة التحرير بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين مقابل إعطاء الاحتلال إذن أو ترخيص لحركة سياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة هي منظمة التحرير الفلسطينية.

   تكونت سلطة رأس المال في الضفة والقطاع بموجب اتفاقات مدريد-أوسلو من تحالف عدة شرائح في المجتمع الفلسطيني هي:

·           الرأسمالية البيروقراطية الفلسطينية وهي قيادة منظمة التحرير، ولكن بعد أن تحولت بحكم وضع اليد على التحويلات والتبرعات والضرائب المجبيّة من الفلسطينيين العاملين في أقطار النفط وما قدمته أنظمة عربية من أموال بهدف الاحتواء وصولاً إلى الإفساد المعنوي والنضالي، حتى تحوّلت المنظمة من قيادة برجوازية صغيرة مناضلة إلى رأسمالية بيروقراطية.

·           رأسمالية التعاقد من الباطن، وهي شريحة أساسية من رأس المال المحلي التي دخلت في تعاقدات من الباطن وشركات مختلطة من رأسماليين صهاينة داخل الضفة والقطاع. هذه الشراكة التي لم تتوقف، لا في الانتفاضة الأولى ولا الحالية.

·           الرأسمالية المالية والمكوّنة من أصحاب الملايين في الشتات. وهي رأسمالية في المنافي دعمت التسوية لكي تجد لها فرصة الحصول على امتيازات وتسهيلات في أراضي الحكم الذاتي كي تحتكر السوق وهكذا كان.

وقد التحقت بهذه الشرائح الثلاث شريحتان من المثقفين العضويين لرأس المال وهما:

·           المثقفون الليبراليون المتغربنون من الاكاديميا بشكل خاص والذين هم مع التسوية بحكم ثقافتهم وارتباطاتهم الفكرية، ولدرجة ما وإن كانت غير ملموسة، "السياسية". وكان هؤلاء قد أقاموا علاقات تطبيع بالمثقفين من اليهود الصهاينة منذ منتصف سبعينات القرن الماضي[3].

·                      المثقفون اليساريون المرتدون عن الاشتراكية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، والذين استبدلوا هكذا ببساطة "قِبلة بقِبلة" أخرى!

من هنا يبرز الالتباس في تحديد طبيعة المرحلة أي بمعنى: هل هي مرحلة تحرر وطني أم إقامة دولة؟ توحي مواقف الشرائح المؤيدة "لسلام رأس المال" والبنية السلطوية في الاراضي المحتلة وخاصة الأعداد الكبيرة من مستخدمي جهاز السلطة الذين يعتاشون من هذه الوظائف، وبالتالي هم يؤيدون السلطة لذات السبب، وكأن هناك استقلالاً ناجزاً، في حين أن الوجود المادي على الأرض للاحتلال كعساكر وكاستعمار اقتصادي وكنهب للأرض ينسف الاعتقاد الأول.

 

اِلتباس آخر: جوهر قومي ومظهر قطري

   ليس هذا مكان مناقشة المسألة القومية العربية، والرد على مزاعم تحويل الوطنيات العربية إلى "قوميات"، وهي المدرسة التي نبتت في الأكاديميا الغربية وخاصة في بريطانيا وتتلمذ عليها بعض الاكاديميين العرب الذين انتهوا إلى مثقفين عضويين للاستعمار والأنظمة القطرية، أو مثقفين للمدرسة التحريفية السوفييتية التي اعتبرت "الامة العربية أمة في طور التكوين"، ليضيف عليها بعض الشيوعيين العرب "في طور التكوين إلى الأبد" ولتحاول القطرية العربية الحيلولة دون "تكوين" الأمة إلى الأبد أيضاً.

   الالتباس بين القومي والقطري ظاهرة ملازمة لكل عمل سياسي في الوطن العربي. وإذا كانت القطرية الوجه المحلي لهذا الالتباس، فإنها ترتكز على التأسيس الاستعماري لهذه الظاهرة من جهة وتعامل العدو بمجموعه مع الوطن العربي كوحدة واحدة. فالاستعمار هو مؤسس ظاهرة القطرية ولكنه يدير عدائه لهذا الوطن كوحدة واحدة!. وقد تناولت اتفاقات سايكس-بيكو الوطن العربي كمجموع وجزّأته إلى كيانات[4]. ولكي تحافظ على هذه الكيانات بقيت تقاتله كمجموع لكي تحول دون أي مستوى وحدوي له.

كان ولا زال أساس موقف دول المركز الامبريالي تجاه فلسطين هو:

أن "إسرائيل" أوجدت لتبقى وأن اللاجئين الفلسطينيين طُردوا كي يُوطّنوا حيث هم ولا سيما في البلدان العربية البعيدة عن حدود فلسطين". وهذا بحد ذاته تثبيت البعد القومي في الصراع ولكن من خلال تحييده وامتطائه[5].

   وحينما عقد السادات اتفاقات كامب ديفيد لم يقم بذلك بمعزل عن البعد القومي بل إمعاناً في تفكيك ذلك البعد عبر سحب مصر من الصراع ومحاولة حاكمها توريط الفلسطينيين بقبول حكم ذاتي. أن محاولة تفكيك هذا البعد هو الدليل الاوضح على وجوده. وهذا كان ينطبق على كافة محاولات التسوية بين قطريات عربية والكيان الصهيوني الاشكنازي. كما أن ما يسمى "القرار الفلسطيني المستقل" هو إقرار من جهة بالبعد القومي ولكن بهدف إبرازه كعدو ربما بنفس مستوى العدو الصهيوني.

   بناء على قاعدة الارتباط القومي للقضية الفلسطينية، فإن المشروع الفلسطيني سواء كان مشروع تحرر وطني أومشروع دولة هو مشروع قومي وليس قطري. وبما أنه مشروع تحرر وطني فهو أكثر قومية مما لو كان مشروع دولة. وبهذا المعنى، فإن البعد العربي الشعبي وليس الرسمي هو الذي يجدر العمل عليه بإعادة بنائه وتطويره في مقابل المشروع القطري سياسياً الذي يعمل على دمج الكيان الصهيوني في الوطن العربي اندماجاً مهيمناً بهدف نسف المشترك القومي العربي وجعل هذا الكيان هو المشترك بين القطريات العربية. والمقصود هنا أن يكون الكيان هو اليد العسكرية والمشترك الاقتصادي وحتى الثقافي أيضاً.

 

   من هنا لا بد من التركيز على آليات العمل الشعبي العربي المشترك والتي يمكن الاشارة إلى ثلاثة منها:

1- إعادة بلورة وتجميع الجبهة العربية لمقاومة القطرية. صحيح أنه لم تكن هناك جبهة بهذا الاسم، ولكن كافة الحركات والاحزاب القومية الاتجاه كانت تعمل لهذا الهدف لأن مجرد وجودها يعني أنها ضد القطرية، وهذا بالطبع دون أن نتجاهل الغوص في حدود جدية توجهها القومي[6]. أما هذه المرة، فإن الاتجاهات القومية الوحدوية والاسلامية الثورية والماركسية الموطنة هي التيار المنشود أو الكتلة التاريخية التي لا بد أن تضطلع بهذه المهمة.

2- مناهضة التطبيع والامبريالية: من الخطأ والجهل القوميين حصر مناهضة التطبيع في الكيان الصهيوني الاشكنازي. لا بد للقوى الشعبية العربية أن تمارس مناهضة التطبيع بجوانبها الثلاثة

* التطبيع مع الانظمة القطرية الحاكمة وهو التطبيع الذي يعطي "مشروعية" لهذه الانظمة عبر تدجين القوى الثورية بدءاً بقياداتها بالطبع!!

* والتطبيع مع الكيان الصهيوني .

* والتطبيع مع المركز الامبريالي المساند للكيان بل والذي يخوض عدوانات ضدنا نيابة عن هذا الكيان.

3- المقاطعة الشعبية: لكي ينجح مشروع مناهضة التطبيع لا بد من أن يتفاعل مع جانبه العملي وهو مشروع المقاطعة. فلا بد من رفع المقاطعة الرسمية العربية إلى مستوى المقاطعة الشعبية بمعنى الوصول تحريضياً وتثقيفياً إلى كل أسرة لتصبح عملية المقاطعة الاقتصادية سلوكاً يومياً لربة البيت، ولتصبح المقاطعة الثقافية سلوكاً يومياًَ لكل المربين. بالتعبئة على هذا الصعيد يمكننا تجنيد المواطن العربي لأول مرة في المعركة.

   تعني المقاطعة معركة طبقية عربية داخلية. فليس شرطاً أن تُحل مسألة تعويض بضائع العدو الامبريالي عبر الاستيراد من الأمم الصديقة أو المحايدة، بل أن المعنى الحقيقي للمقاطعة هو انها مشروع تنموي قومي المدى. إنها قرار بإقامة الصناعات التي تنتج الحاجات المحلية بدءاً بالاساسية. وهذا المشروع هو تحد للطبقات الكمبرادورية الحاكمة التي تعتاش من تسويق المنتج السلعي والثقافي الرأسمالي الغربي.

   يجب أن نشير هنا إلى مفارقة هامة، وهي أن مناهضة التطبيع لم تبدأ في الاراضي المحتلة بل في مصر وأن هذه الحركة لا زالت ضعيفة في الاراضي المحتلة. وهذا يكشف عن خاصرة ضعيفة للقطرية. فكلما كان القطر صغيرا كلما كان مبناه الثقافي وتبلوره الطبقي هشا. ولذا، فإن الجامع الاساسي للفلسطينيين هو الجامع السياسي المقاوم وليس النضج الثقافي والاجتماعي الطبقي. وهذا ما يميز القطر العربي المركزي عن كيان صغير[7].            وإذا شئنا توفير التسمية الفعلية للتطبيع، فهي استدخال الهزيمة لأن هذه التسمية تحمل المعنى الشمولي للهزيمة الثقافية والسياسية والاقتصادية والروحية.

   لا معنى للمشروع الوطني الفلسطيني بعيدا عن البعد القومي إلا اذا كان مشروعاً للاستسلام والقبول من العدو بما يقدمه طواعية[8]!     يوصلنا هذا الدفاع عن المسألة القومية إلى حقيقة الأمر وهي أن المشروع الوطني الفلسطيني هو جزء من مشروع قومي عربي شامل، إنه جزء من مشروع تحرر أمة باسرها. بعبارة أخرى، من يستطيع الزعم أن الأمة العربية ليست تحت الاحتلال؟ هذا سؤال موجّه إلينا جميعاً بمن فينا الديمقراطيون حقاً وعملاء الديمقراطية الغربية الذين جعلوا منها مثابة "حجاب الحب والحبل وركوب الجمل". أليست انظمة الحكم العربية هي حالات احتلال؟ وهل شرطاً أن يكون الاحتلال أجنبي؟ وما الفرق في النهاية اذا كان كليهما يحتجز الوحدة والتنمية والديمقراطية والكرامة الانسانية؟

هذا التحليل الذي سينعته الكثيرون بالسوداوية يطرح بدوره السؤال المؤرق للمواطن من جهة والمقلق للمناضل من جهة ثانية:

 إذا كان المشروع الوطني الفلسطيني في جوهره جزء من المشروع القومي العربي، وإذا كان المشروع القومي العربي نفسه تحت الاحتلال الداخلي والاستعمار الخارجي وفي أرقى أحواله يغط في تبعية عميقة، فكيف يمكن للفلسطينيين الحفاظ على مشروعهم الوطني وإبقائه على قيد الحياة إلى حين النهوض القومي العربي؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، نلاحظ أننا دخلنا في التباس جديد إذا فقدنا المنظور الدقيق في التحليل. فالشرائح الفلسطينية ذات التوجه التسووي سواء في الأراضي المحتلة عام 1948[9] أو عام 1967، تحل الاشكالية بالتمسك بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع أو أجزاء منها. وبالتالي تتجاوز العمق والانتماء القوميين وتغري الشعب بهذا الحل السريع. وبالتالي يجيز هؤلاء لأنفسهم الزعم بأن المشروع الفلسطيني هو مشروع دولة وبأنهم حققوها منذ أسلو، وها هم يشيرون إلى جود وزارات وشرطة وسجون ومخابرات ومكاتب للتنظيم الحاكم وحلفائه ودوائر ضريبة وجباية وهيكلية فساد لم تشهدها دولة عربية أخرى...الخ. هناك هيكل سلطة ولكن ليست هناك دولة. هناك سلطة وليس هناك وطن. ولا ينحصر مؤيديو هذا الطرح في السلطة وتحالفها ومشاركيها في الفساد والارتزاق، بل يقف هناك فريق آخر هو بالنسبة للسطة منافس وحليف في نفس الوقت. إنه فريق أكاديميين ومثقفين ومدراء منظمات غير حكومية. فريق ينتمي ويتمول من الغرب الرأسمالي وهذ سر منافسته للسلطة "رغم ضعفه الشعبي بالطبع" ولكنه رديف لها فيما يخص التسوية لأنه إيديولوجيا شطب حق العودة[10] كما أنه قطري وجهوي وفئوي وحتى طائفي. ولذا، فهو بالضرورة ضد كل من الاسلام والشيوعية.

أما واقع الحال فيؤكد وجود ثلثي الشعب الفلسطيني في الشتات، ويؤكد أن جند الاحتلال في كل شبر من أراضي 1967، وأن السيادة حتى من مستوى وصول المواطن من بيته إلى حقله هي بيد الاحتلال. ولا يقلل من هذا أبداً كون الاعلام والرسميين في العالم يتحدثون مع هذه السلطة كما لو كانت حقيقية، فهم أيضاً يشاركون في جوقة الدجل المعولم.

 

أما وهذا حال الأمة...فما العمل؟

   سؤال محير. كيف يمكننا كفلسطينيين الاستمرار في القبض على الجمر إلى أن تنهض الأمة؟ وهل حقاً أن استمرارنا في القبض على الجمر هو مساهمة في نهوض الأمة؟ هل سنبقى متمسكين بقول الامام علي: "لا تستوحشوا طريق الحق لقلة السائرين فيه" وما أقلهم اليوم. بكلمة أخرى، طالما أن المشروع هو تحرر وطني، فما هي اشكال ممارسة ذلك؟ ما هو التكتيك المناسب في هذه المرحلة بكل أبعادها المحلية والقومية والدولية؟

   يكمن في هذا السؤال سر العلاقات الفلسطينية الداخلية علاقات القوى ومواقف الطبقات الاجتماعية، ويكمن فيه أيضاً تفسير السبب وراء عدم وجود وحدة وطنية فلسطينية وفشل ما يسمى بالحوار الوطني الفلسطيني، سواء على أرض الواقع الميداني أو بإشراف مخابرات النظام المصري. ولكن لسنا هنا بصدد تحليل تاريخي لهذه المسألة، وإنما سنناقش لماذا لن تكون سهلة في الحقبة الحالية.

   هناك مرجعيتان تتجاذبان القوى السياسية والبنى الطبقية في المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال:

·                      مرجعية التسوية

·                      مرجعية المقاومة

 

   وهما مرجعيتان لا يمكن أن تلتقيا إلا بمقدار قرار واحدة تجاوز مرجعيتها والالتزام بمرجعية الاخرى. وإذا لم يحصل هذا، فإن كل الحوارات واللقاءات هي من قبيل العلاقات العامة ومحاولات تجنب الصدام، وهو الأمر الذي لا يريد معسكر العدو له أن يستمر.

   يؤكد أهل التسوية أن مرجعيتهم لا تنازل عنها. هم يرونه سلاماً ويصرون على الاستمرار في هذا المسار مكتفين بما "قسم الاعداء لهم". وهم مدعومون في هذا أولاً بمصالحهم التي تحققت عبر استلام السلطة المالية والادارية في اعقاب اتفاقات مدريد-أوسلو. لقد حقق هؤلاء مكاسب مالية "ثروة وسيولة مالية لم تتولد من عملية إنتاجية". لذا، ليست هي مكاسب رأسمالية. فقد جنوا "ريع" التسوية، ثمن عقد التسوية مجسدا في التحكم بالتحويلات والمساعدات والهبات التي دفعها لهم المركز الامبريالي كثمن موافقتهم على التسوية. وقد اقتسموا هذه السيولة من الغنائم المالية وسلخوا رشاوى من الناس وامتيازات استيراد وتصدير بما جعل الاقتصاد المحلي جديراً بتسمية "الاقتصاد السياسي للفساد". ولكنهم ليسوا مجرد زمرة صغيرة. نحن نتحدث عن مبنى طبقي وظائفي واسع يصل إلى 180 ألف موظف. هؤلاء بأسرهم يقاربون ثلث فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1967. وهم يعرفون جيداً أنه لولا التسوية لما حصلوا على فرص عمل، لا يحمل الكثير ممن يشغلونها المؤهلات المطلوبة. ويكتسب هذا معنى خاصاً لديهم إذا قرأناه على ضوء تجربة الانتفاضة الحالية حيث البطالة تأكل أجساد الأسر الفقيرة وتصل 60%، وحيث الفقر يتجاوز نسبة البطالة. لذا، أصبح هذا الجسم البيروقراطي، وخاصة أذرعه الأمنية حزاماً بيروقراطياً حول السلطة ليحمي نفسه من خلال حمايته لها. لهذا تحديداً قال أحد قياديي حركة فتح في غزة في أعقاب إعلان رئيس السلطة الجديد "إذا لم تتوقف حماس عن "فوضى السلاح" فسندير ضدهم "فلوجة ثانية"! ولهذا ينتشر رجال السلطة أثناء كتابة هذه السطور على الطرف الشمالي لقطاع غزة ليتصيدوا المقاومين.

   في هذا السياق لسنا بحاجة لجهد نبذله في قراءة ما بين السطور، فالسطور واضحة. فالحركات اليمينية قابلة للتحول إلى الفاشية عند أول ازمة اجتماعية تواجهها، فما بالك إذا كانت الاجهزة الأمنية، وهي فاشية بالضرورة، موجودة ومتعددة.

   أما المرجعية الأخرى وهي مرجعية المقاومة، فتنطلق من رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني الاشكنازي، واستمرار المقاومة بتعددها وتنوعها ومستويات التضحية فيها. وعليه، يجوز لنا القول بأن من هو تحت الاحتلال هو الذي يعترف بالاحتلال، أما من يقاوم فهو بالمفهوم النسبي ليس تحت الاحتلال، بل كلما ارتقت مرتبة مقاومته كلما كان بدرجة أقل تحت الاحتلال. وبما أن معسكر التسوية متمسك بمكاسبه وغنائمه، فهو سيقوم عاجلاً أم آجلاً بتلبية أوامر معسكر العدو بوقف المقاومة بغض النظر عن الأسلوب، ولا فرق أن كان سيفعل ذلك بحكم مصالحه أو بحكم ضغط معسكر الامبريالية أو بكليهما معاً.

   كل ذلك يعني تهديد بتقويض مشروع التحرر الوطني، فما العمل مرة أخرى؟

يعيدنا هذا إلى المقاومة قبيل عام 1967، أثناء الحكم الاردني للضفة الغربية حيث كانت المقاومة ضد الاحتلال سرية تماما[11]. كان تبرير الانظمة العربية كلها بما فيها "دول الطوق" اننا لا نستطيع محاربة "إسرائيل" ، ولذلك على المقاومة التوقف إلى أن نتمكن من ذلك. لم يختلف شيئ اليوم. الأرض نفسها والناس أنفسهم وما تبدل هي سلطة بأخرى.

   صحيح أن تراث المقاومة لا زال يسمح بمناخ من العمل السياسي العلني لقوى رفض التسوية. وهذا مكسب يجب النضال من أجل الحفاظ عليه ليكون إطار حماية قدر الامكان للمقاومة المسلحة. ولكن هذا لا يعني أن السلطة سوف تسمح بذلك. وحتى لو حاولت ادعاء الديمقراطية واستخدمت الإبقاء على العمل السياسي كعامل تبريد للرفض الشعبي، فإن المعسكر الامبريالي الصهيوني لن يسمح بذلك. لم تغمض عين شمعون بيرس قط منذ اتفاقات كامب ديفيد وهو يقول للحكام في مصر والاردن والسلطة الفلسطينية بأن عليكم وقف التحريض السياسي وكسر أقلام المفكرين العروبيين والاسلاميين واليساريين المعأرضين للتسوية.

   وعلى العموم، قد لا يكون أمام المقاومة سوى العمل على جبهتين:

·                      الجبهة السياسية العلنية بكل ما تعنيه من أحزاب ونشر وصحافة وفضائيات على أن يمتد هذا في علاقة بكل أو بملء بعدها العربي.

·                      وجبهة المقاومة المسلحة السرية التي تحمي نفسها بالناس.

أما بخصوص تكتيك العمل في كلتا الجبهتين فقد يصح استنتاجنا بأن درس الانتفاضة الثانية يعلمنا بأن يتم فتح حرب جبهات على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي (وهذا يتعلق بمسألة مشروع الدولة بمعنى أن علينا الاستفادة من مزاعم وجود دولة بأن نطالبها باستحقاقات ذلك) أي أن نستثمر مزاعمها بان هناك دولة استثماراً لصالحنا. وبالمقابل، قد يكون الافضل للمقاومة المسلحة أن لا تدخل حرباً جبهيةً بل ربما حرب مواقع هنا وآخر هناك. أي النضال بما يُبقي على القضية حية، دون أن تتعرض المقاومة المسلحة لخطر الإبادة ودون تمكين العدو من ممارسة الذبح على المكشوف للشعب الفلسطيني، وهي الفرصة التي يستغلها أهل التسوية لتبرير القمع الذي مارسوه، يجددونه اليوم باعتباره برأيهم حفاظا على الناس.

   ينقلنا هذا مباشرة إلى موضوع السؤال مرة أخرى، بمعنى أن المشروع يمكن أن يكون الاثنين معاً. فطالما أن صفقة سلام رأس المال قد حصلت على الأرض، فلماذا لا نقوم باستثمارها لصالحنا[12]؟

   هناك سلطة في الأراضي المحتلة، هي حقاً سلطة حكم ذاتي مفوّض من الاحتلال في حدود معينة. أن لها سلطة أيضاً على الذين يرفضون التسوية، فهم يدفعون الضرائب، ويعانون من فساد السلطة إضافة إلى وجود الاحتلال بكل ممارساته. فهل نترك المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي لأهل التسوية أم نصارعهم فيه؟

   نميل إلى الاعتقاد بأن علينا مواجهتهم في كل موقع وموقع دون أن نشاركهم أية علاقة مع الاحتلال. فكل مجال عمل ونشاط لا يرتبط بالاحتلال علينا التواجد فيه إلى أن يقوم الاحتلال بإغلاقه علينا وعليهم. وبهذا يكون مشروعنا هو المقاومة ومشروعهم هو الدولة. ولكن في الوقت نفسه يكون الشق الثاني من مشروعنا هو إحراج "السلطة التي لم تحقق دولة" بما يرغمها على مواجهة العدو أو قمعنا.

   يحتاج هذا البرنامج المركّب إلى روافع اقتصادية وثقافية وسياسية وروحية واجتماعية معا.

لكي تكون المقاومة شعبية ومعتمدة على الذات، لا بد أن ترتكز على اقتصاد المقاومة "اقتصاد التنمية بالحماية الشعبية[13]". وتعتمد المقاومة الثقافية على الجبهة السياسية على مدى النجاح في خلق ائتلاف إيديولوجي، وعلى مدى نجاح الائتلاف الثقافي. فلا بد من بلورة الكتلة الشعبية التاريخية في الأرض المحتلة، الكتلة المكونة من القوى القومية الوحدوية والقوى الاسلامية المقاومة والمستنيرة والقوى الاشتراكية الموطّنة. ولا يتحقق هذا الائتلاف أبداً بمعزل عن حوار ثقافي فكري بين هذه المكوّنات الثلاثة بحيث يقبل كل بالآخر ويترك كل للآخر حرية الاعتقاد السياسي والاجتماعي والنظري طالما يقف وطنياً على أرض مشتركة مع الطرفين الآخرين. فطالما هي حقبة تحرّر وطني، أو تحديداً تحرير الوطن، فلا بد من مستوى من ديمقراطية العلاقة بين الأنا والاخر كي نتمكن من بناء ناقلة موحدة لحماية الوطن وصولاً إلى تحريره.

وفي هذا المستوى الاجتماعي السياسي، علينا التنبه إلى أن مزاعم الليبراليين المتغربنين ومعهم الغرب الرأسمالي طبعا قد تمكنوا عبر التمويل الهائل للمنظمات غير الحكومية وما نسمّيه منظمات المجتمع المدني، قد تمكنوا من الظهور بمظهر "حماة" المرأة من القوى الاسلامية وهو الأمر الذي انخدعت به نساء كثيرات. وعليه، فإنه انطلاقاً من حق المرأة في مساواة حقيقية أولاً، ومن أجل قطع الطريق على هذا الاتجاه اللاوطني والمعادي ثانياً فلا بد أن تقف الكتلة الشعبية التاريخية موقفاً مدافعا عن حق المرأة في المساواة.

كما لا بد من حسم قضية الدين في هذا المستوى، حيث تورط كثير من اليساريين في فتاوى أو تهجم على الدين بطريقة صبيانية خلقت انطباعاً بأن معركة الاشتراكية هي مع الدين. وفي هذا الصدد لا بد لمن يرى في نفسه يسارياً أن يدرك بأن من واجبه تقبُّل حق الكل في التدين والإيمان، كما أن من حقه أن لا يقبل بوجود دولة دينية.

   ربما في حقبة العولمة اكثر من حقبتي رأس المال السابقتين، لا يمكن فصل بلد في العالم عن العالم بأسره. ولا نقصد هنا المعنى الكاذب للقرية العالمية بل المعنى الحقيقي للثورة والمعنى الحقيقي لوحشية رأس المال. وربما ايضا كان الصراع العربي الصهيوني هو أكثر الصراعات عالمية. وإذا كانت الانظمة الرأسمالية الحاكمة في الغرب الاستعماري فالامبريالي فالمعولم قد اقامت الكيان الصهيوني الاشكنازي ورعته حتى غدا على ما هو عليه، فإن تطوراً لافتاً في طريقه على الصعيد الشعبي العالمي، هو تحرك قوى شعبية مستقلة ضد العولمة والحرب. وبما أن الكيان الصهيوني الأشكنازي هو في مركز العولمة والحرب، فهذا يعني أن الحركة الشعبية العالمية المناهضة للعولمة والحرب هي بدرجة ما ودرجة بعد أخرى لجانبنا.

   وهذا يتطلب منا تحقيق شرطين:

الشرط الاول، هو أن نقدم أنفسنا للعالم كحالة إنسانية حضارية على الأقل بمستوى حقوقنا وتاريخنا وتراثنا. وهذا يعني وجوب التمسك بالديمقراطية والمساواة في النوع وعدم التعصب دينياً أو عقائدياً. إن عدم انجاز هذه المتطلبات كاف كي يتجند كثيرون منا لثقافة العدو والكثيرين من البسطاء في العالم ضدنا. ولن يكون الحل بأن نذبح الذين بين ظهرانينا وأن نحارب العالم.

والشرط الثاني، وهو لكي نكون في مستوى إنجاز الشرط الأول لا بد أن نكون جزءاً من هذه الحركة العالمية. وعلينا أن لا نسمح بأن تمثلنا هناك المجموعات غير الحكومية المتغربنة والتي هي جوهرياً فايروس تقويض هذه الحركة بمجملها. بعبارة أخرى علينا أن نصطف في هذه الحركة باسم امتنا وفي مواجهة أعدء كافة الأمم، وتحديداً المنظمات غير الحكومية التي تمولها الطبقات الحاكمة في الغرب الرأسمالي ومضاربين أمثال جورج شورش.

 

تحرر وطني لبناء...ماذا؟

   لم يكن نضال شعبنا قط لتحرير الضفة والقطاع وبناء دولة للبرجوازية الكمبوادورية الفلسطينية لا في هذا الجزء ولا في مجمل فلسطين. فالوطن العربي في غنى عن كيان هش وطفيلي آخر. ومن الخطأ أن يكون الهدف دولة ديمقراطية علمانية للعرب و"الإسرائيليين" اليهود ايضاً. لأن دولة كهذه إذا ما أُرغم عليها الصهاينة لن تكون أقل عرقية من جنوب افريقيا الحالية حيث هي دولة بيضاء بوشاح اسود فالبيض ما زالوا يغتصبون الأرض والصناعة والجيش.

            لن يكون مشروع تحرر وطني إلا عبر المرتكزات التالية:

ان تندمج فلسطين في وطن عربي إشتراكي وهذا يعني إنجاز مهمة تحرير الوطن العربي بأسره. وفي حالة فلسطين تحديداً لا مجال ولا معنى لغير نظام اشتراكي. فالدولة الديمقراطية أو العلمانية أو أية طبعة من هذا الطراز، حتى لو حققت حق العودة، فهي تُبقي بيد "الإسرائيليين" اليهود الصهاينة وبخاصة الإشكناز احتكار:

الأرض

الصناعة المتقدمة

الجيش.

            واحتكار الأرض يعني بقاء الدولة يهودية صهيونية دون رتوش، وبقاء أصحاب الأرض مجرد قطعان من البشر المهمّشين يتمتعون بالمساواة مع اليهود فقط في دخول السجون وحمل بطاقات الهوية. لذا، لا مجال لدولة موحدة إلا بتأميم الأرض والصناعة المتقدمة وتفكيك جهاز الجيش العدواني. ولا يكتسب تأميم الأرض معناه الحقيقي إلا بوجود نظام اشتراكي حقيقي.


 


[1] يقول أرنون سيفر، بروفيسور الجغرافيا في جامعة حيفا، وهو أب خطة شارون للانفصال،

" حينما ينحشر في غزة المغلقة 2،5 مليون شخص، فلا بد أن يكون الوضع كارثياً. سيصبح هؤلاء الناس حتى وحوشا اكبر مما هم عليه الآن بمساعدة من الاسلام الاصولي المأفون. وسيكون الضغط على الحدود مروعاً. ستكون هناك حرباً رهيبة. ولذلك، إذا شئنا أن نبقى على قيد الحياة، فإن علينا أن نقتل ونقتل ونقتل . طوال اليوم وكل يوم. فإذا لم نقتل، فإننا سنمحى من الوجود. أن أكثر ما يؤرقني: كيف أتأكد من أن هؤلاء الشباب والرجال الذين سيقومون بأعمال القتل سيعودون إلى أسرهم وإلى الحياة العادية للبشر؟" مقتطف من الملحق الاسبوعي لجريدة جورزاليم بوست 21 ايار 2004).

 

[2] انظر، الاستيطان: من الطرد للإزاحة فالانزياح الذاتي، عادل سمارة في مجلة كنعان العدد 94 كانون ثاني 1999، ص ص 87-100.

[3] لتفصيل في هذا الامر انظر كتاب مثقفون في خدمة الآخر: بيان ال 55 نموذجاً، د. عادل سمارة، منشورات مركز المشرق /العامل للدرأسات اثقافية والتنموية رام الله 2003.

[4] صحيح أن الكيانات التي خلقها الاستعمار الانجلو فرنسي أكبر مساحة من التقسيمات الادارية العثمانية. إلا أن هناك فارقين أساسيين بين الحالتين. ففي المرحلة العثمانية لم تكن التجزئة الادارية بقصد خدمة الاقليمية السياسية، في حين أن التجزئة في ظل الاستعمار كانت بهدف خلق كيانات من الاتساع بمكان بحيث تكون قادرة على الوقوف على ساقيها بدعم الاستعمار نفسه وبحيث تقوى على رفض اي مستوى وحدوي عربي في الوقت نفسه.

[5] لا ينحصر وقوف الغرب الرأسمالي ضد القومية العربية في المواقف السياسية للطبقات الحاكمة، بل هو أمر متجذر في حاضنة ذلك الموقف ومولدته وهي الاكاديميا الغربية الرأسمالية. وفيما ألحق هذا المعسكر ضربة قاصمة ضد القومية العربية في العقود الأربعة الأخيرة، نراه قد تحول ضد الأسلام كي لا يكون الاسلام رافعة في الدفاع عن فلسطين وخاصة بعد أن حقق الاسلام المستنير والمقاوم طلاقاً مع الإسلام السياسي المؤسسي والمرتبط بانظمة الحكم وبالمركز الامبريالي. أما اليسار الاسرائيلي فيقف من القومية العربية موقف المرتعد لمجرد ذكرها، ويتخذ شأنه شأن الكثير من حركات اليسار الاوروبي ولا سيما التروتسكية موقفا مطلقا من القومية ويبالغ في هذا الامر إلى درجة تدفعنا لقراءة الأمر طبقا لنظرية المؤامرة بمعنى أن هذا اليسار يرفض القومية فقط لتغطية دعمه للكيان الصهيوني الاشكنازي وليس لأسس ومواقف نظرية.

[6] ربما لم تتم درأسات كافية لاسباب تحول وتشظي الاحزاب القومية إلى قطرية في السلوك على الأقل كما حصل لحزب البعث، ولم تتم درأسة لماذا قررت قيادة حركة القوميين العرب حل نفسها في أعقاب هزيمة 1967 والتحول إلى حركة قطرية فلسطينية؟

[7] قد يلقي هذا الحديث ضوءاً على محاولات عدة دول مثل قطر والبحرين عقد معاهدات تجارية مع أمريكا متجاوزة مجلس التعاون الخليجي وهاربة من تحت عباءة القطر الأكبر: السعودية. كما أننا نعرف جميعاً أن نجاح التطبيع مع الأردن اوسع بفرأسخ من نجاحه في مصر.

[8] وهذا ما يذكرنا بشعار إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومؤخراً بحديث مبارك مساء 17-1-2005 الذي نصح الفلسطينيين "بالتهدئة" مشيراً إلى أن المستوطنات كانت صغيرة واصبحت كبيرة...الخ. ورغم أن هذه النصائح استسلامية في جوهرها، فما من شك أنه يتوجّه لرئيس السلطة الفلسطينية بلغة وجوب أن يقمع كل من يقاوم الاحتلال.

[9] في حمأة التناقض مع اهل التسوية في الاراضي المحتلة عام 1967، يتجاوز الكثيرون منا عن التسوويين في الأرض المحتلة عام 1948. والتيار هناك عريض وقديم بقدم الحزب الشيوعي "راكاح" الذي يقوم مشروعه على الاعتراف بالكيان الصهيوني. أما الرافعة الجديدة لهذا التيار فهو التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه د. عزمي بشارة. وهو الذي جر كثيرا من المثقفين العرب لاعتبار اعترافه بالكيان الضهيوني مسألة تحصيل حاصل، ونقل هذه العدوى إلى حركات سياسية فلسطينية وربما عربية والى انظمة عربية. انظر بهذا الصدد ، عادل سمارة، ثنائية القومية والحكم الذاتي الثقافي ودولة لكل مواطنيها –مشاريع صهيونية في كنعان، العدد 85 نيسان 1997، ص ص 33-50. وانظر عادل سمارة، التطبيع معكوساً: عزمي بشارة إلى الكنيست على أكتاف حزب الله، في مجلة  كنعان العدد 107 تشرين أول 2001.

[10] بصدد مواقف هؤلاء من حق العودة انظر كتاب اللاجئون واستدخال الهزيمة: قراءة في تخليع حق العودة، منشورات دار الكنوز الأدبية، بيروت 2001.

[11] في جولة تحقيق مع احد عناصر العمل الفدائي في معتقل العبدلي عام 1965 قال المحقق للشاب: "يلعن أبوكو خَوَن ...اليهتمونا عن اسرائيل"!

[12] تحضرني في هذا الصدد الانتخابات البلدية عام 1976 حيث قررت الحركة الوطنية دخول هذه الانتخابات طالما انها لا تتضمن تنازلات سياسية أو اعترافا بالكيان الصهيوني. ولم ترفض تلك الانتخابات آنذاك سوى الجبهة الشعبية.

[13] في ظل الاقتصاد الرأسمالي يظل الحديث عن اقتصاد وطني مجرد بلاغة سياسية من الطبقة الحاكمة ومثقفيها بشكل خاص. ما هو قائم بالفعل هو اقتصاد الطبقات مقابل بعضها البعض. لذا، فإن التنمية بالحماية الشعبية هي اقتصاد الطبقات الشعبية في مواجهة رأس المال. هو اقتصاد تبنيه الطبقات الشعبية لتحمي به المجتمع عامة. لذا، فهو مختلف تماماً مع النظام الاقتصادي الرسمي، ولا يقتربان إلا بقدر اقتراب النظام الاقتصادي الرسمي من اقتصاد الطبقات الشعبية ذي الجوهر الانتاجي والتعاوني. هذا النموذج الذي أفرزته الانتفاضة الأولى والذي جرى القضاء عليه على يد تسوية مدريد-أوسلو. لا يحتاج هذا النموذج إلى حزب بيروقراطي ليعلّم الناس، فهم قد ابتدعوه عبر نضال الانتفاضة وتجسد بمقاطعة منتجات الاحتلال ومقاطعة أماكن عمل الاحتلال، وإقامة التعاونيات المنزلية والانتاجية الزراعية. وهو الاقتصاد الذي قصمت ظهره البرجوازية المحلية التي واظبت على إقامة شركات التعاقد من الباطن مع الاحتلال واستيراد المنتج الصهيوني والاجنبي ولم تستثمر إنتاجيا لتشغيل قوة العمل التي توقفت عن العمل في مشاريع الاحتلال. هو اقتصاد الانسحاب إلى الداخل استهلاكيا حيث توقفت ربة البيت عن شراء منتجات الاحتلال، وأصبح الاستهلاك واعيا وموجهاً. وهو الانسحاب إلى الداخل إنتاجيا بالبدء بإقامة مشاريع انتاجية بقدر الطاقة المالية للطبقات الشعبية. قامت على هذا الاقتصاد المنظمات الشعبية واللجان المحلية للاحياء والقرى، وذلك قبل غزوها واحتكارها بالمنظمات غير الحكومية المموّلة من الأجنبي. انظر لتفصيل اكبر، من احتجاز التطور إلى التنمية بالحماية الشعبية، عادل سمارة؛ منشورات دار الأسوار، عكا / آذار 1988.

 

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة