من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

 

 

الدور المصري...

الزحف نحو الهدف بلا أقدام

 

عمر قاروط

إذا كان لـ"مصر" دور وتواصل تاريخي مع القضية الفلسطينية فإنّ ذلك كان مفهوما كون فلسطين هي خط الدفاع الأول عن مصر، وهي البوابة التي تزحف منها الأخطار والطامعين إلى مصر عبر التاريخ، لذا ظلت فلسطين في قلب الاهتمام والتفكير المصري، والخاصرة التي يحسب حسابها في التخطيط المصري للدفاع عن أمنها ومصالحها. من هنا فإنّ  لـ"مصر" دائما دوافعها واعتباراتها واهتمامها الخاص بكل ما يجري في فلسطين، وهي تقترب وتبتعد مما تشهده أو تمرّ به القضية الفلسطينية من تطورات وأحداث حسب درجة خطورتها من الحدود المصرية.

 

خلفية الدور المصري

من هنا حينما أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" آرييل شارون في مؤتمر هرتزيليا في ديسمبر من العام الماضي عن خطة لفك الارتباط من جانب واحد مع الفلسطينيين وبنى عليها خطة الانسحاب من غزة وقال في خطابه الذي ألقاه في المؤتمر المذكور: "وهدف خطة الانفصال هو تقليص الإرهاب قدر الامكان، ومنح مواطني "إسرائيل" الحد الأقصى من الأمن، وصيرورة الانفصال ستقود إلى تحسين مستوى المعيشة وتساعد في تعزيز الاقتصاد في "إسرائيل". إن الخطوات من طرف واحد التي ستقدم عليها "إسرائيل" في نطاق خطة الانفصال ستتم بأقصى درجة من التنسيق مع الولايات المتحدة، إذ إنّه محظور علينا المساس بالتنسيق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وأضاف قائلا: وهذه الخطوات ستزيد من أمن مواطني "إسرائيل" وستسهل على الجيش وأجهزة الأمن تنفيذ المهام الصعبة التي تواجههم. وخطة الانفصال أعدت من أجل توفير الحد الأقصى من الأمن وخلق الحد الأدنى من الاحتكاك بين "إسرائيليين" وفلسطينيين(1). حينها ادركت القاهرة خطورة الخطوة التي يزمع شارون القيام بها على أمنها القومي، وعلى الاستقرار على طول حدودها الجنوبية مع فلسطين المحتلة. من هنا بدأت في التفكير في الدخول على التوجهات السياسية الجديدة للكيان الصهيوني في محاولة منها لضمان أمنها ومصالحها الحيوية والاستراتيجية بعد أن خلصت إلى أن خطة الانسحاب باتت خيارا "إسرائيليا" لا رجعة عنه في المرحلة القادمة.

يقول ناحوم برنياع بتاريخ 9 تموز 2004 في صحيفة "يديعوت العبرية": الصراع على الخروج من قطاع غزة لم ينتهِ -في إشارة إلى إقرار خطة الانسحاب على مراحل- بل بدأ فقط، احتمالات التنفيذ مشروطة باللعبة السياسية الداخلية، وبسلوك الفلسطينيين، وبالدور الدولي، وبتصميم وبقاء شارون. هذا هو الشرق الأوسط. يحصل الكثير من الأمور السيئة هنا في نصف سنة، فما بالك بتسعة أشهر(2).

وفي هذا الإطار ذكرت تقارير صحفية غير رسمية معلومات مفادها ان القاهرة بادرت إلى التحرك وأرسلت عدة إشارات ورسائل إلى الكيان الصهيوني عبر الإدارة الأمريكية ووسطاء آخرين تفيد استعداد القاهرة إلى المساهمة في تنفيذ خطة الانسحاب من غزة، وأن شارون التقط والاستعداد المصري وبادر إلى فتح قناة اتصال مع القاهرة بهذا الخصوص. وكانت أنباء صحفية قد تحدثت عن أن شارون طلب مساعدة المصريين في تنفيذ خطة الانسحاب من غزة، ثم توالت التقارير والتسريبات على هذا الصعيد، لكن الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين والمقرب من الرئيس عرفات قال ان الدور المصري جاء بطلب من الرئيس عرفات(3).

وأياً يكن المحرك فقد بدأت التحركات المصرية للتعامل مع هذا الملف، عبر البوابة "الإسرائيلية" هذه المرة بعكس ما جرت عليه العادة في السابق من جعل البوابة الأولى للمصريين عبر الفلسطينيين في التعامل مع كل الملفات والقضايا المتعلقة بالصراع. هذا التحول في نهج التحركات المصرية كان يهدف إلى فهم حدود وأبعاد الخطوة "الإسرائيلية" ومحاولة تطويق أي انعكاسات سلبية لها على مصر وأمنها وحدودها ومصالحها، وهو ما أثار غضب واستياء الفلسطينيين حتى الرئيس عرفات لم يستطع ان يخفي هذا الاستياء، ووجه انتقادات لاذعة في تصريحات صحفية في وقت سابق رغم تمسكه بأهمية الدور المصري.

فقد نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن مصدر فلسطيني خلال الفترة التي نشطت فيها التحركات المصرية بشأن الخطة قوله:

«ان الإعلان عن زيارة اللواء سليمان فاجأتنا خاصة وانه كان وقت الإعلان يرافق الرئيس حسني مبارك إلى قمة تونس، لهذا ليس هناك معلومات محددة حول برنامجها" وهو ما يعكس الشكوك الفلسطينية. لكن المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه أضاف «اعتقد أن اللواء سليمان الذي كان سيصل في وقت لاحق بحسب المصدر قال انه يحمل أفكارا جديدة دعته للقيام بهذه الزيارة المفاجئة، حول الحوار الوطني الفلسطيني والأوضاع في غزة وإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية وكذلك الأفق السياسي مثل خطة شارون».

وأضافت المصادر إن مصر تشعر بعدم الارتياح تجاه الوضع الأمني الأخذ بالتدهور يوما بعد يوم، ومن انعكاسات ذلك على الفلسطينيين، خاصة بعد المظاهرة التي جرت بتاريخ 22/5/2004 أمام السفارة المصرية في غزة احتجاجا على استمرار التدهور الأمني في قطاع غزة.

وتابعت المصادر تقول «ان اللقاء سيبحث الدور الذي سيتعين على مصر ان تلعبه إذا ما خرجت خطة الانفصال إلى حيز التنفيذ. وقبل كل شيء، ستطلب مصر من "إسرائيل" تهدئة الوضع الأمني في قطاع غزة ووقف الحملة العسكرية في مدينة رفح(4).

هذا المدخل الذي بدأ المصريون من خلاله في طرح مبادرتهم للمساهمة في تنفيذ خطة الانسحاب من غزة لم يرق كثيرا للفلسطينيين، وزاد من شكوكهم نحو الخطة برمتها، خصوصا بعد ان عجزوا في الحصول على التفاصيل اللازمة حول تنفيذ الخطة والالتزامات والجداول الزمنية والخطوات التي ستتبعها ومدى الربط بينها وبين خطة خارطة الطريق التي أعدتها اللجنة الرباعية وقبلها الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، وشعر الفلسطينيون ان التقارير والمعلومات التي يجري تسريبها من القاهرة وتل أبيب حول الخطة والتفاهمات المتبادلة تعمّق من مخاوفهم وقلقهم من الخطة، وتجعلهم أكثر حذرا في قبول التطمينات المصرية، والإشارات "الإسرائيلية" المتعلقة بالخطة.

فقد أكدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيان لها ردا على الأفكار والتحركات المصرية رفضها لهذه المبادرة وأوضحت بأنها تقول للرئيس المصري: "إننا لا نعطي ضمانات لأي كان من ضباطه وبان رصاصنا سيستهدف كل من يحاول النيل من المقاومة". وحذرت ممن وصفتها بـ"الأيدي الخفية" الأمريكية والبريطانية التي بدأت تتسلل إلى فلسطين المحتلة مؤكدة أن عيون "المقاومة الفلسطينية" تتابع هذه الجهات

(5).

 

من جانبه فقد عبّر الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل في مقال له بصحيفة الأيام عن رد الفعل الفلسطيني فقال:

تحظى باهتمام واسع من النقاش المسقوف دائماً بعلامات الشك أو الاستفهام في أحسن الحالات، ما تُسمى الخطة المصرية، التي لا ترقى إلى مستوى الخطة. مصدر التخوفات ينجم عن عدم وضوح المواقف، وقلّة المعلومات، وأحياناً لأن الكثير من السياسات تمّ تبنّيها في الأصل على أساس التخوفات. والحقيقة ان ما سمّيت الخطة المصرية، هي ليست أكثر من مجموعة قضايا محددة تتصل بدور مصري أمني يتعلق بما تُسمى خطة الفصل أحادي الجانب، التي يطرحها شارون وينوي تنفيذها، أو هكذا يبدو حتى اللحظة(6).

 

لكن المصريين لم يبالوا كثيرا بالقلق والشكوك الفلسطينية التي اعتبروها غير مبررة وبعيدة عن الفهم الدقيق للدور المصري في الخطة، وواصلوا اتصالاتهم وتحركاتهم مع الكيان الصهيوني وأطراف اللجنة الرباعية في محاولة لدفع الخطة بالسياق الذي يخدم الرؤية والأمن والمصالح المصرية على كافة المستويات، وفي كافة المجالات. واستمر عمر سليمان وفريقه في العمل والاتصالات والتحركات بين القاهرة وتل أبيب ورام الله في محاولة للحفاظ على قوة الدفع التي رافقت ميلاد الخطة. ورافق هذه التحركات ذات الطابع "الامنوسياسي" تحركات سياسية ودبلوماسية رفيعة المستوى شارك فيها الرئيس المصري حسني مبارك ووزير خارجيته أحمد ماهر عن مصر، وآرييل شارون ووزير خارجيته سيلفان شالوم عن الكيان الصهيوني في محاولة لبلورة رؤية مقبولة ومشتركة إزاء خطة الانسحاب والالتزامات المترتبة عليها من قبل الأطراف المعنية.

وإلى الآن يرفض الطرفان التأكيد ما إذا كانت مواقفهم المعلنة قريبة من الاتفاق أم لا إلا أنهما يواصلان إطلاق الإشارات المتعارضة بين الحين والآخر في محاولة لكسب الوقت، واستكشاف آفاق الخطوات المستقبلية التي يمكن لهما اتخاذها، والخطوات التي يمكن لهما الإقدام عليها في إطار تنفيذ الخطة أو التراجع عنها والذهاب برؤية أحادية نحو التعامل مع الخطة.

وينفي الفلسطينيون تلقيهم تفاصيل خطة مصرية كاملة بشأن خطة الكيان الصهيوني للانسحاب من غزة، وان كل ما تلقوه مجرد مجموعة من الافكار لا ترقى إلى مستوى خطة متكاملة، وانهم ما زالوا ينتظرون من قبل أن يبادروا إلى الاعلان عن مواقف رسمية محددة من الخطة والدور المصري فيها، والالتزام بالتعهدات التي تطالب بها القاهرة سواء الأمنية منها أو السياسية أو الاقتصادية.

 

أسباب الاهتمام المصري بخطة الانسحاب؟؟

لكن؛ رغم كل ذلك، للقاهرة أسبابها الخاصة للاهتمام بخطة شارون للانسحاب من غزة يمكن اجمالها في الآتي:

1- تحسبا من المخاطر الأمنية -التي قد تنشأ عن تنفيذ خطة الانسحاب من جانب واحد- على مصر، سواء في منطقة الحدود أو في الأوضاع الجديدة التي قد تنشأ في غزة. ويعتقد المصريون أن الأفكار الأمنية "الاسرائيلية" لخطة الانسحاب على الحدود معهم ربما تخلق وضعا معقدا يقحم مصر مباشرة في الصراع مع الفلسطينيين، وقد ينقل الصراع إلى داخل الحدود المصرية تحت ذريعة الحرب ضد الارهاب أو التهريب أو ما شابه ذلك. ويرى المصريون ان فكرة حفر قناة على طول الحدود مع مصر سيخلق تغيرا بيئيا وامنيا بالغ التعقيد والحساسية بالنسبة لهم يصعب التنبؤ بمخاطره وابعاده في المستقبل خصوصا وان هذه الخطوة تعني بقاء القوات "الاسرائيلية" على طول الحدود مع مصر وبكثافة وبمستوى تسليحي وتكنولوجي عالٍ ومتطور يستدعي تواجدا وانتشارا مصريا اكبر بكثير من المستوى الحالي والمستوى الذي تسمح به الاتفاقات الثنائية.

لذلك بادر المصريون إلى تقديم مقترحاتهم إلى "الإسرائيليين" بشأن ضمان الأمن على الحدود، والسماح بتعديل الاتفاقات الثنائية المتعلقة بحجم انتشار القوات المصرية على الحدود مع فلسطين، وهي المطالب التي تحفظ عليها الكيان الصهيوني بشدة.

ويرى خبراء ومحللون ان خطة الانسحاب "الاسرائيلية" من غزة من جانب واحد -دون أي تنسيق مع المصريين وضمانات كافية للوضع والاستقرار في غزة- قد تنشئ حالة هشة واضطراباً غير مسبوق على الحدود يجر المصريين بصورة ما إلى قلب الصراع في مرحلة ما.

ومن المعروف تاريخيا ان الكثير من الغزوات التي تعرضت لها مصر كانت تأتي عبر بوابة فلسطين، لذا فإنّ المصريين لديهم حساسية خاصة ازاء أي تطور يحدث على حدودها مع فلسطين.

2- قلق المصريين من إبعادهم أو ابتعادهم عن التطورات في فلسطين لما ينطوي عليه من احتمالات استدراجهم للصراع، وربما إلى المواجهة من جديد مع الكيان الصهيوني في منطقة ذابت فيها الحدود والفواصل الطبيعية وبات قرار الاشتباك فيها قد ينشأ عن طلقة غير مقصودة في اجواء التوتر والاحتقان التي تعطي تفسيرات ربما غير موضوعية في بعض الاحيان للاحداث العابرة أو التطورات المفاجئة. ولذلك تتعامل القاهرة ازاء خطة شارون بانها تهديد حقيقي لسلامة وأمن مصر لا تجدي فيه محاولات شارون وموفاز التهدئة من قلقهم ومخاوفهم منها.

وقد حاول شارون استثمار هذا القلق المصري في محاولة لجرهم إلى شراكة أمنية لمرحلة ما بعد الانسحاب على حساب الفلسطينيين وهو ما تنبهت له القاهرة ودعت في مقابله إلى طرح خطة متكاملة الابعاد امنيا وسياسيا بمشاركة الفلسطينيين بحيث تضمن الالتزام بتنفيذ الخطة، ومساهمة جميع الأطراف في نجاحها وعدم جعلها مدعاة لتغذية حالة عدم الاستقرار والفراغ التي قد تنشا في المنطقة في أعقاب الانسحاب.

وكان الدكتور صائب عريقات قد قال ردا على استفسار بإمكانية قبول مصر الوصاية على غزة إذا انسحب الاحتلال منها بناء على ما ذكرته تقارير صحفية بأنه طلب توجه به الكيان الصهيوني إلى القاهرة: "المهم الآن هو الانسحاب "الإسرائيلي" من كافة المدن، والعلاقات المصرية الفلسطينية هي شان فلسطيني بحت ولا أحد يملك التدخل بها على الإطلاق. وكانت السلطة الفلسطينية قد اعلنت رفضها لاي اقتراح يتعلق بعودة الادارة المصرية لقطاع غزة مؤكدة على وجوب إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" من مدن الضفة الغربية وقطاع غزة حتى حدود الرابع من حزيران للعام 1967. فيما قال سعيد صيام العضو السياسي في حركة حماس: " ان مصر دولة كبرى وهي تعي مثل هذه المخططات ولا اعتقد انها قد تقع في مثل هذه المؤامرات الخبيثة ضد شعبنا فمصر أوعى من ذلك"(7).

3- الرغبة المصرية غير المعلنة في البقاء في قلب الأحداث والتطورات الجارية بشأن الوضع في فلسطين، والصراع مع اليهود، والحفاظ على قدر فعال من التواصل والعلاقات والتاثير مع كافة أطراف الصراع سواء "الإسرائيلية" أو الفلسطينية أو الخارجية كي تظل قادرة على التدخل والتحرك في التطورات المفاجئة أو الحرجة بما لا يسمح بخروج الأحداث عن نطاق السيطرة والتحكم أو الانفلات المطلق في المواجهة.

وكانت مصادر فلسطينية قد قالت لمراسل جريدة الشرق الأوسط في غزة "إن مصر تشعر بعدم الارتياح تجاه الوضع الأمني الآخذ بالتدهور يوما بعد يوم، ومن انعكاسات ذلك على الفلسطينيين، خاصة بعد المظاهرة التي جرت خلال شهر يونيو امام السفارة المصرية في غزة احتجاجا على استمرار التدهور الأمني في قطاع غزة(8).

4- تاكيد دور ومكانة مصر في التاثير في الأحداث في المنطقة خصوصا في أعقاب التطورات التي أعقبت حرب العراق، وطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير، ورغبة القاهرة في اقناع الولايات المتحدة باهمية استقرارها لضمان الاستقرار في المنطقة. أي بمعنى آخر هي رسالة إلى الأمريكيين بقدرة مصر على التاثير في الأحداث والتطورات في المنطقة بما فيها الصراع في فلسطين.

5- الرغبة المصرية في الحفاظ على طاقات وقدرات الفلسطينيين على الصمود والاستمرار في استنزاف قدرات جيش الاحتلال وإشغاله باعتبار أنّ ذلك هو الضمان الوحيد للحفاظ على سلامة واستقرار الحدود المصرية الشمالية في ظل غياب أي تسوية شاملة مع الكيان الصهيوني، واستمرار التهديدات "الإسرائيلية" لمصر من قبل قادة الكيان الصهيوني مع استمرار الازمة في المنطقة.

وتسود انطباعات لدى المصريين وفي المنطقة أنّ الكيان الصهيوني لا يمكنه التعايش مع حالة الاستقرار والهدوء لأنّ المنطقة تخلق له مشكلات وتحديات وجودية داخلية وخارجية، ولذلك هو يبحث دائما عن حالة من الاشتباك على حدوده ليواصل ضمان دفع المخاطر عن حدوده وتوحيد جبهته الداخلية نحو الاخطار الخارجية، وضمان تدفق المساعدات والمنح له من الولايات المتحدة والمنظمات والجماعات اليهودية في العالم ودول أخرى.

وكلنا يتذكر المشكلات الداخلية التي عصفت بالكيان الصهيوني في أعقاب المرحلة الانتقالية من التسوية مع الفلسطينيين خصوصا في عهد حكومتي نتنياهو وباراك حول تعريف من هو اليهودي والدستور والمساعدات الخارجية التي تدفعها بعض الدول كالتزامات عليها نحو الكيان الصهيوني وتحديدا المانيا والولايات المتحدة، ونتذكر في حينها التصريحات التي أدلى بها نتنياهو وقال فيها يجب ان نضع خطة لتقليص اعتمادنا على المساعدات الأمريكية وذلك في أوج أزمته مع الإدارة الأمريكية خلال مفاوضات استكمال المراحل الانتقالية مع الفلسطينييين والتحضير لمفاوضات الوضع النهائي.

6- عدم السماح بتفرد التيار الإسلامي في غزة بالهيمنة على الأوضاع الجديدة فيها، والتفرد أو السيطرة على إدارة غزة بعد الانسحاب باعتبار أنّ ذلك يشكل عامل ضغط وقلق على الاستقرار المصري الداخلي الذي تتصف فيه العلاقة بين الحكومة المصرية والتيار الإسلامي باللا استقرار والاضطراب المتجددين.

ويذكر ان القاهرة تنظر منذ مواجهتها الدامية مع الجماعات الإسلامية المسلحة وتحديدا الجماعة الإسلامية في مطلع الثمانينيات والتي راح ضحيتها المئات من الجانبين وأضرت بالأمن والاستقرار والاقتصاد المصري، إلى جانب ثورة الإنقاذ في السودان وما تبعها من اضطرابات وتبادل للتهم في العلاقة بين الجماعات التي كانت تسميها بالمتطرفة"الاسلامية" ونظام الانقاذ في السودان، لأي نجاح للتيار الإسلامي في المنطقة بمثابة تهديد لاستقرارها الداخلي يجب الحذر منه وتطويقه.

 لكن الدور المصري لا يتحدد في ضوء الرغبة والمبررات المصرية البحته، وهو ما تدركه القاهرة، لذلك فإنّ ها تحيط تدخلها ودورها بقدر كبير من الغموض والضبابية لحين اتضاح الحدود التي يسمح لها ان تذهب إليها، وتوافقها عليها الأطراف المعنية خصوصا الكيان الصهيوني والفلسطينيين. لأجل ذلك لم تقدم مصر إلى الآن تصورها النهائي لدورها ومشاركتها والتزاماتها إلى الجانبين "الإسرائيلي" والفلسطيني للاحتفاظ لنفسها بهامش من الحركة والمناورة لحين اقتراب موعد دخول الخطة مراحلها التنفيذية في العام القادم. وكان اللواء عمر سليمان قد كشف عن هذه الحالة في لقاء له مع أعضاء "حركة ياحد" الذين زاروا القاهرة الاسبوع الماضي حيث قال: "نواجه أوقاتاً صعبة مع الفلسطينيين. انهم يواصلون طرح الاسئلة علي بشأن ما سيحققونه إذا ما تحقق الهدوء، وأيضاً ما الذي سيحصلون عليه من "إسرائيل" وليست لدي أجوبة على اسئلتهم لأنني غير متأكد من نوايا شارون، وأضاف في التصريحات نفسها: أشك فيما إذا كان لموفاز رؤية ليغير الأوضاع، إنه مهتم فقط بربح المعركة"(9).

كما واجه سليمان صعوبات حرجة مع الفلسطينيين أثناء مناقشته لمسألة الصلاحيات والاصلاحات الأمنية المطلوبة كادت تهدد المبادرة المصرية قبل أن يبادر عرفات إلى الإعلان عن قبول المقترحات المصرية التي ذيلها بعدد من الملاحظات والاستفسارات التي تتطلب أجوبة من "الإسرائيليين" عبره.

 

الفلسطينيون يتحفظون...وحماس تقود المعارضة

وبين الأخذ والرد تظل المبادرة والدور المصري مجرد أفكار ومقترحات بانتظارها كثير من الوقت قبل نضوجها، والحكم عليها أو تقييمها. وهو ما جعل ما عرف باسم الخطة المصرية يفقد حماس الأطراف الفلسطينية له، ويبادر إلى طرح التساؤلات، ووضع التحفظات قبل الإعلان عن الرفض أو القبول لها. ويمكن إجمال أسباب الحذر والقلق الفلسطيني التي تكاد تجمع عليها كل الفصائل الفلسطينية بما فيها الاجنحة العسكرية التابعة لها على النحو التالي:

1-       احتمال استدراج مصر إلى شراكة أمنية مع الاحتلال للسيطرة على الأوضاع في غزة تكون المقاومة الفلسطينية ثمنها، ولذلك جاء رد الفعل ربما لأول مرة مباشرا وسريعا من أجنحة المقاومة الفلسطينية بأنها لن تقبل باي خطة تلعب فيها مصر دور الشرطي الأمني، فيما حذرت الفصائل الفلسطينية من أي تدخل مصري في الشأن الفلسطيني الداخلي، وبادرت إلى تحريك مظاهرات منددة ومحذرة من أي دور مصري محتمل يتم دون قبول وتنسيق مسبق مع الفلسطينيين. وفي تصريحات تعكس مثل هذا القلق قال الدكتور محمود الزهار القيادي البارز في حركة حماس: "إننا ضد أي شكل من أشكال الالتزام بخطوات أمنية من أي طرف كان. سنواصل العمل لتحرير أراضينا من الاحتلال، إلا أنه أضاف بأن قياديي الحركة في الخارج سيبدأون بمفاوضات مع مسؤولين مصريين كبار خلال عدة أيام"(10).

2-       الميراث التاريخي للفلسطينيين مع النظام المصري الرسمي الذي فيه الكثير من الصدامات سواء قبل احتلال 1967 أو بعد الاحتلال خصوصا ضد مطاردي الانتفاضة الأولى والحالية، والحساسية المفرطة للتيار الإسلامي لدى المصريين والذي يشكل حجما كبيرا في الاوساط الفلسطينية.وهو ما سبق أن أشرنا إليه من أن السلطة ترفض أي محاولة لعودة الإدارة المصرية إلى غزة.

3-       إمكانية أن يكون أي دور أو تدخل مصري بمثابة جسر لعبور الكيان الصهيوني إلى العالم العربي وتعريب التطبيع قبل أن يتحقق السلام مع الفلسطينيين" إنهاء الاحتلال استنادا إلى الشرعية الدولية".وهو ما طالب به الكيان الصهيوني من ضرورة أن ترفع الدول العربية إجراءات المقاطعة للكيان الصهيوني بعد الانسحاب من غزة، وإقامة علاقات معها. وفي هذا الإطار أعلن سيلفان شالوم وزير الخارجية أنّ عدداً من الدول العربية نشطت علاقاتها الدبلوماسية بالكيان في أعقاب الإعلان عن خطة الانسحاب من غزة. وهي التصريحات التي لم تؤكدها مصادر مستقلة. لكن أنباء صحفية قالت: إن الولايات المتحدة طلبت في الآونة الأخيرة من الدول العربية إنهاء مقاطعتها للكيان الصهيوني.

4-       إهمال القاهرة لحماس والفصائل الفلسطينية في المشاورات التحضيرية لطرح الخطة المصرية، وعدم التنسيق معها، وهو ما غذى المخاوف الفلسطينية من أن الخطة المصرية يمكن أن تتساهل في ضمان المصالح والمطالب الفلسطينية، وقد تسهل لشارون محاولته القفز على الفلسطينيين، ومحاولة الدوران والالتفاف عليهم وعزلهم تمهيدا لفرض خططه الخاصة بالحل النهائي في المنطقة التي حملها معه غداة زحفه على السلطة في الكيان الصهيوني.

وكان أسامة حمدان ممثل حماس في لبنان قد أشار في أعقاب إجراء شارون تعديلات على خطته: شارون غير خطته جذريا، ونحن لم نسمع ردًّا حاسمًا من مصر حتى هذه اللحظة، مشيرا إلى أن الحركة في انتظار هذا الرد الذي سيوضح الكثير من القضايا الغامضة. وتمسك حمدان برغبة الحركة في إجراء حوار مع الإخوة في مصر لتوضيح وجهة نظر الحركة بشأن الأوضاع الجديدة". وفي نفس السياق طالبت فصائل فلسطينية كبرى مصر بتعديل مبادرتها الهادفة إلى دعم الانسحاب "الإسرائيلي" المفترض من قطاع غزة، بعد أن عدلت الحكومة "الإسرائيلية" خطة الانسحاب التي كانت مصر قد وافقت عليها(11).

5-       ان يتحول الدور المصري من الوسيط إلى الدور الوظيفي في غزة تحت ذريعة الأمن، وهو ما يعني تدخلا مصريا مباشرا في ترتيب الأوضاع الجديدة في غزة ليس في المجال الأمني فحسب بل وفي المجالات الاخرى. وهو ما يختزل في الذاكرة الفلسطينية تجربة ما قبل الاحتلال "الإسرائيلي" وفترة الحكم المصري لغزة بعد ال48 والتي لا تحظى بالارتياح في اوساط الفلسطينيين.

6-       عدم تقديم مصر لاية ضمانات مريحة إزاء تطبيق خطة الانسحاب والالتزامات المتبادلة، والترابط بين خطة الانسحاب والخطط الدولية لإنهاء الاحتلال خصوصا خارطة الطريق.

7-       إن تمرير خطة الانسحاب كما يطرحها شارون، وقبول المصريين بها يعني تكريس مبدأ الأحادية الذي يسعى شارون لتكريسه في إدارة الصراع مع الفلسطينيين، لينزع عن نفسه صفة الاحتلال، ويكرس مبدأ عدم شراكة الفلسطينيين في أية حلول أو خطط سياسية تخص المنطقة.

8-       الغموض الذي لا زال يحيط بالأفكار المصرية، خصوصا إزاء مستقبل المقاومة ورجالها، ومن يسميهم الاحتلال بالمطلوبين، وما بعد الانسحاب من غزة، وطبيعة العلاقات الثنائية بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين.....الخ.

9-       عدم توفر ضمانات الانسحاب من أجزاء من الضفة الغربية بالتزامن مع الانسحاب من غزة، والالتزام بالاجندة المجدولة للانسحاب. وهو ما يعنى أن خطة الانسحاب يمكن أن تفرغ من مضمونها، ويقتصر دورها على تحقيق المكاسب السياسية المرحلية لشارون سواء الداخلية منها أم الدولية.

10- ان يكبر الدور المصري ويتمدد بحيث يشكل شريكا أو بديلا للسلطة ويوازيه دور أردني في الضفة وهو ما يمكن أن يخلق أوضاعا معقدة للفلسطينيين، ويقيد قدرتهم على الحركة خصوصا وأن هذه الأبعاد لم يخفِها شارون في اتصالاته مع القاهرة وعمان، وفي أعقاب زيارة الوفود الأمنية من البلدين للأراضي الفلسطينية بالتنسيق مع الاحتلال خلال شهري مايو ويونيو.

ففي شهر يونيو كادت زيارة لضباط أردنيين أن تسبب أزمة كبيرة بين الفلسطينيين والأردن، واتهم نشطاء فلسطينيون في حينها الأردن بإرسال ضباط لاستطلاع الأوضاع في الضفة الغربية دون علم الرئيس ياسر عرفات الأمر الذي أثار المخاوف من أن تكون عمان بصدد وضع ترتيبات معينة للمنطقة وهو ما نفاه الأردن(12)، ولاحقا قام نبيل شعث بزيارة سريعة للأردن لتطويق الحادث والاطلاع على التفسير الأردني.

ومن جانب آخر حذر أسامة حمدان ممثل حماس في لبنان من محاولات شارون "توريط قوى إقليمية في المنطقة، لتنفيذ أهدافه الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية والتصدي للمقاومة بدلاً منه"(13).

 

11- غموض المسؤولية الدولية إزاء خطة الانسحاب وهو ما يعني عدم توفر الضمانات لأن يتبع الانسحاب من غزة ضمانات لانسحابات أخرى تؤدي إلى إنهاء الاحتلال، واستعادة الفلسطينيين كامل حقوقهم الوطنية في صراعهم مع الاحتلال. فالخطة التفصيلية التي قيل إن اللجنة الرباعية قدمتها للأطراف المعنية لم تؤكد، ولم يجرِ الحديث عنها في اجتماعات اللجنة التي عقدت في الآونة الأخيرة في واشنطن وطابا والقدس ورام الله. وكانت تقارير قد أشارت إلى أن الرباعية أعدت خطة تفصيلية لتنفيذ الخطة تتضمن تنفيذ خطوة محددة كل 60 يوما تبدأها من السلطة الفلسطينية في تنفيذ خطة الاصلاحات الأمنية والصلاحيات.ودعت الوثيقة الدولية التي حملت عنوان "فك الارتباط في غزة... خطة عمل" إلى منح رئيس الوزراء الفلسطيني، أحمد قريع، ومجلس الوزراء، وليس عرفات "السلطة والهياكل" اللازمة لتوجيه وتنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية في قطاع غزة(14).

لكن هذه الوثيقة لم تقدم في صيغتها النهائية والرسمية للسلطة، وما تزال مجرد أفكار تحتاج إلى وضوح وضمانات لالتزام الكيان الصهيوني بها.

 

ترقب..حذر..انتظار

لكن التحفظات والمخاوف الفلسطينية سواء المباشرة منها أو الكامنة في اللاوعي الفلسطيني لم تصل بالفلسطينيين إلى حد الرفض المطلق، أو مقاطعة التحركات والأفكار المصرية حتى من جانب الفصائل الفلسطينية التي أبدت استعدادا مسؤولا للاصغاء إلى الأفكار المصرية ومناقشتها بعيدا عن المواقف المعلنة، شريطة أن تتم مناقشة هذه الأفكار ومراعاتها لوجهات النظر والمصالح والمخاوف الفلسطينية.

الفلسطينيون الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للقبول بالخطة المصرية حتى لا تفقد زخمها، ولا تسمح بوجود فراغ سياسي، وتفرد "إسرائيلي" ذيلوا قبولهم بجملة من الملاحظات التي قد ترقى إلى حد الاشتراط وهي كما أعلنها عباس زكي في أعقاب اجتماع للجنة المركزية لحركة فتح، ثم واصلت حكومة قريع تسويقها:

أن يكون الانسحاب "الإسرائيلي" من قطاع غزة شاملاً وكاملاً، أن يتحقق هذا الجلاء في اطار خطة «خريطة الطريق»، وجود تواصل جغرافي عبر ممر آمن بين الضفة وغزة، أن يوقف الجانب "الإسرائيلي" اقتحاماته ودهمه للمدن والتجمعات السكانية الفلسطينية، ووضع حد لسياسة الاغتيالات فوراً ونهائياً، وأن يؤدي ذلك إلى مفاوضات حول الحل النهائي(15).

وكان أحدث استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن قرابة نصف الفلسطينيين يعارضون الدور الأمني الذي عرضت مصر القيام به في قطاع غزة إذا انسحبت "إسرائيل" منه بموجب خطة "فك الارتباط" أحادية الجانب، رغم إقرارهم بأهمية الدور المصري، والتواصل التاريخي والجغرافي مع مصر.

ومن جهته قال خليل الشقاقي مدير المركز الذي أجرى الاستطلاع: "يمكن تفسير نقص التأييد نسبياً (للدور المصري) بالخوف من أن ينتهي احتلال ليبدأ احتلال آخر"! وكانت مصر من عام 1948 إلى عام1967 تدير قطاع غزة (16).

في ضوء ذلك عادت الخطة المصرية من جديد إلى الملعب المصري و"الإسرائيلي" بانتظار ما سيقوم به الجانبان من بلورة رؤية مقبولة وعملية بالنسبة للفلسطينيين للتعاطي مع خطة الانسحاب، والدخول في شراكة معها.

وكان الجانبان قد قاما في النصف الأول من شهر تموز الماضي من الإعلان عن تشكل لجنة أمنية مشتركة في أعقاب زيارة سيلفان شالوم إلى القاهرة ولقائه بأسامة الباز مستشار الرئيس المصري لبحث "الدور الـمحوري" الذي يمكن أن تقوم به مصر في قطاع غزة في حال انسحاب "إسرائيل". وأعلن شالوم والباز أن البلدين قررا تشكيل لجنة ثنائية لبحث كل النقاط الـمتعلقة بالدور الـمصري الـمحتمل في غزة. وقال الوزير "الإسرائيلي": "إننا نعمل بشكل وثيق مع السلطات الـمصرية من أجل فرض الأمن والنظام في غزة أثناء وبعد العملية الخاصة بالانسحاب من غزة وأعتقد أننا نحقق تقدماً كبيراً ونحن سعداء للغاية بأن مصر قررت أن تلعب دوراً محورياً في هذه العملية"(17).

ويواصل الجانبان المصري و"الإسرائيلي" في هذه المرحلة استكشاف ما يمكن أن يقوم به كل طرف، وما يمكن أن يقدماه للفلسطينيين لضمان مشاركتهما في انجاح خطة الانسحاب.

وتشير التقارير إلى أن أكبر عقبة في طريق التقدم ما تزال هي دور ومصير الرئيس عرفات، وعمق الاصلاحات الأمنية المطلوبة، ووقف متبادل لإطلاق النار.

ويريد المصريون قبل الإعلان عن قبولهم باي دور في غزة أن يضمن الجانبان قبولا مطلقا للخطة، وتوفير الضمانات لهم قبل القيام بأي خطوة عملية في إطار خطة الانسحاب.

وتتباين المواقف المعلنة إلى الآن بشأن التفاصيل والبنود التي تتضمنها الخطة المصرية، ويواصل الجانبان لعبة شد الحبل بينهما في هذه المرحلة باعتبار أن هناك مزيدا من الوقت المتاح أمام خطة الانسحاب للتنفيذ، وهو ما يسمح بممارسة أكبر قدر ممكن من المناورة لشد هذا الطرف الطرف الآخر لمربع قبل أن يصلا إلى مرحلة الحسم.

وتشير التقارير إلى القناعة المصرية الفلسطينية المشتركة بأن أية إجراءات "إسرائيلية" باتجاه الانسحاب يجري التعامل معها كجزء من خارطة الطريق وتتم بالتزامن بين الضفة وغزة والانسحاب من غزة سيتم معه الانسحاب من شمال الضفة وبيت لحم في إطار الانسحاب الشامل والتأكيد على التواصل عبر الممرات بين الضفة والقطاع حسب الاتفاقات وما أعلنته خارطة الطريق واللجنة الرباعية والقرارات الدولية لدولة فلسطين بجانب "إسرائيل" مع أهمية البدء بالمفاوضات حول قضايا الحل النهائي كاملاً ولإقامة السلام العادل والدائم والشامل في فلسطين والمنطقة كلها(18).

 

المبادئ التي سيقوم عليها الدور المصري

وعلى هذا الصعيد تتحدث التقارير عن نشاط ملحوظ للمخابرات المصرية في غزة، وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"العبرية في تقرير لها بأنه سيتم تجنيد أجهزة المخابرات المصرية للقيام بنشاطات سرية في قطاع غزة، تستهدف جمع معلومات وتعقب الجهات التي يحتمل قيامها بتشويش الاستقرار في القطاع بعد انسحاب الجيش "الإسرائيلي". وأضافت أنه تم الاتفاق على هذا الترتيب خلال الزيارة التي قام بها رئيس جهاز المخابرات المصري، عمر سليمان، إلى السلطة الفلسطينية و"إسرائيل"، في الأسبوع الثاني من شهر يونيو الماضي.

وقالت: إن سليمان عمل خلال زيارته المذكورة على دفع خطة "فك الارتباط" الأحادية الجانب، بشكل لا يؤدي إلى انتشار الفوضى في قطاع غزة، ويساعد على استئناف تطبيق "خارطة الطريق". وقالت الصحيفة إن المصريين طرحوا هاتين المسألتين، خلال الأسابيع الأخيرة – أثناء زيارة رئيس وكالة الاستخبارات الخارجية "الإسرائيلية" (الموساد)، مئير دغان، إلى مصر، وكذلك خلال زيارة المحامي دوف فايسغلاس، مدير ديوان رئيس الحكومة "الإسرائيلي" آرييل شارون إلى القاهرة.

ونشرت الصحيفة في تقريرها ما اسمته المبادئ التي سيقوم عليها الدور المصري بعد الانسحاب وهي كما أوردتها الصحيفة:

1- تدعم مصر الانسحاب "الإسرائيلي" المطلق من قطاع غزة، وتفكيك المستوطنات، كجزء من خطة "خارطة الطريق".

2- وان مصر ليست مستعدة لتحمل المسؤولية عن الاستقرار في قطاع غزة، بعد الانسحاب "الإسرائيلي"، لكنها مستعدة للمساعدة على تحقيق الاستقرار.

3- مصر تعتبر الحدود المشتركة بينها وبين قطاع غزة "حالة طبيعية"، ولذلك يتحتم انسحاب "إسرائيل" من محور فيلادلفيا.

4- ولكي تتمكن مصر من تحسين مراقبتها للمنطقة الحدودية، يجب النظر في تعديل ملحق اتفاقية السلام "الإسرائيلية" – المصرية، بحيث يتاح لمصر زيادة استخدام قواتها المسلحة، ووسائل أخرى تتيح لها السيطرة الجيدة على امتداد خط الحدود، وذلك لمنع العمليات المعادية لـ"إسرائيل".

5- لا تكون الحدود بين مصر وقطاع غزة مفتوحة، ويتواصل إخضاعها للمراقبة الكاملة من قبل السلطات المصرية، بالتعاون مع السلطات الفلسطينية.

6- تصر مصر – وقد حصلت على التزام أمريكي بذلك - على عدم تحويل قطاع غزة إلى سجن. وبناءً عليه يبقى معبر إيرز مفتوحاً أمام دخول العمال الفلسطينيين إلى "إسرائيل".

7- تبدي مصر استعدادها لتدريب القوات الفلسطينية وإرسال قوات من جهاز مخابراتها إلى قطاع غزة، للقيام بأعمال مراقبة، وذلك كي يتسنى لمصر متابعة ما يحدث من نشاطات سرية في قطاع غزة.

8- يستدل من محادثات جرت بين جهات أمنية مصرية و"إسرائيلية" أن تعامل مصر مع منظمة "حماس" لا يختلف عن التعامل "الإسرائيلي" معها. ومع ذلك، أبدى المصريون استعدادهم للتوصل إلى تسويات تكتيكية، مؤقتة، مع حماس، بهدف تحقيق الهدوء وانسحاب الجيش "الإسرائيلي" من القطاع، وتعزيز سيطرة السلطة الفلسطينية.

9- أبدى المصريون استعدادهم للقيام بتسوية الخلافات على الحلبة السياسية الفلسطينية الداخلية. وقد بذل عمر سليمان، خلال زيارته الأخيرة، جهداً من أجل تسوية العلاقات بين محمد دحلان وجبريل الرجوب، علماً أنهما يتهمان بعضهما البعض بالتخطيط للقيام بعمليات اغتيال متبادلة. ولا يجري الحديث عن اغتيال سياسي، فحسب، وإنما عن تصفية جسدية، أيضاً(19).

لكن هذه المبادئ لم تؤكد بالقبول أو الرفض إلى الان، كما لم يقدمها المصريون رسميا إلى الفلسطينيين وهو ما يجعل القلق والتحفظ الفلسطيني قائما في هذه المرحلة بانتظار خطط واتفاقات مكتوبة. لكن المصريين حاولوا تهدئة المخاوف الفلسطينية حيث نفى وزير الخارجية المصري أحمد ماهر أن تكون المبادرة التي طرحتها مصر للقيام بدور أمني في قطاع غزة تتضمن تهميشا لدور الرئيس ياسر عرفات.

وردا على سؤال حول معلومات صحافية تشير إلى ضغوط تمارسها مصر لتهميش دور عرفات، قال ماهر للصحافيين هذا كلام لا يستحق التعليق، فموقف مصر من الرئيس عرفات معروف فهو الرئيس المنتخب لفلسطين. وتابع: أما موضوع توزيع الاختصاصات الموكلة إلى رئيس الوزراء الفلسطيني أو إلى الوزراء فينظمه القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية، وأكد ماهر أن مصر تتعامل مع الرئيس عرفات كقائد ورئيس الدولة الفلسطينية باستمرار‏ (20).

من جانبه الكيان الصهيوني ما زال يرفض حسم مواقفه من كل المسائل المطروحة من المصريين والفلسطينيين، ويواصل موقف "اللاعم" في محاولة لاستغلال الوقت، والإبقاء على دائرة الشك قائمة حول المواقف والعلاقات بغية تحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية، واستكمال خططه على الأرض خصوصا تلك المتعلقة بالجدار الفاصل، والأحزمة الأمنية التي تحيط بغزة والأراضي الفلسطينية. وكان وزير الخارجية "الإسرائيلي" سيلفان شالوم قد رفض الطرح المصري القاضي بإعلان هدنة بين "إسرائيل" والفلسطينيين، وقال: إن هدنة كهذه من شأنها إتاحة الفرصة لدى الجانب الآخر لجمع الأسلحة والاستعداد لجولة أخرى من أعمال العنف مؤكداً ضرورة القيام بمجهود حقيقي من أجل وقف «الإرهاب الفلسطيني» وعمليات إطلاق قذائف صواريخ القسام من قطاع غزة باتجاه "إسرائيل" على حد زعمه(21).



 

الهوامش:

1- جريدة السفير اللبنانية 19/12/2003

2- ناحوم برنياع 9 تموز 2004 صحيفة يديعوت العبرية

3- جريدة الحياة الجديدة 11/6/2004 فلسطين

4- جريدة الشرق الأوسط اللندنية 24/5/2004

5- عرب 48 بتاريخ 20/6/2004

6- طلال عوكل- الخطة المصرية تحت الفحص- جريدة الأيام الفلسطينية 10 تموز/2004

7- عرب48 بتاريخ 27/2/2004

8- الشرق الأوسط 24/5/2004

9- جريدة الأيام الفلسطينية 10 تموز 2004

10- موقع إسلام أون لاين 9/6/2004

11- موقع إسلام أون لاين 10/6/2004

12- عرب 48 12/6/2004

13- موقع إسلام أون لاين 10/6/2004

14- اريبيا نيت 8/6/2004

15- جريدة القدس 10 تموز2004 القدس

16- موقع إسلام أون لاين 5/7/2004

17- جريدة الأيام الفلسطينية 9 تموز 2004

18- جريدة الأيام الفلسطينية 10 تموز 2004

19- جريدة يديعوت أحرونوت 11/3/2004

20- جريدة القدس 13/6/2004 القدس

21- جريدة القدس 10 تموز 2004

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة