|
القدس والأماكن المقدّسة في السياسة الأمريكية
د. أيمن يوسف
توطئة
تحتل القدس موقعية هامة في الوجدان الفلسطيني وفي العقلية
النفسية الفلسطينية، وتعتبر بحق من أكثر القضايا إشكالية
وتعقيداً، بحيث تعترض سبيل "علاقة طبيعية" بين الطرفين
الفلسطيني و"الإسرائيلي". وهي كذلك لما لها من أهمية دينية
تاريخية
تخفق لها القلوب والصدور وتشكل مصدر إلهام روحاني للفلسطينيين
وتدخل في معادلة تكوينهم الثقافي وهويتهم الحضارية والمعنوية.
كما أن للقدس اعتبارات جيوسياسية وجيواقتصادية كونها تتوسط
فلسطين وتربط شمالها بجنوبها وتسهّل علاقة انسيابية مرنة بين
الساحل الفلسطيني ومرتفعاته الداخلية. فهي تاريخياً مكان التقت
فيه شبكة المواصلات والرحلات الدينية والسياحية والقوافل
التجارية، إضافة إلى كونها مقصد الغزاة والفاتحين والتجار
والسياح. فالقدس بمكانتها الدينية ومرافقها السياحية تستقطب
السياح والحجاج من مختلف أصقاع الأرض وأركان الكون، وهذا
بالطبع يشكل مصدر دخل اقتصادي هام لسكانها وسكان فلسطين
عموماً.
وبسبب ذلك يمكن النظر إلى القدس وقضيتها على طاولة المفاوض
الفلسطيني- "الإسرائيلي" كعائق كبير ومعيق أساسي أمام أي علاقة
تطبيعية عادية بين الطرفين الفلسطيني و"الإسرائيلي"، كما أنني
لا أبالغ إذا افترضت أن التلاقي الايجابي أو السلبي بين أصحاب
الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام)
يتوقف على مستقبل القدس ووجهتها الدينية والثقافية والحضارية،
وعلى طبيعة الأحضان التي سترتمي فيها القدس في مرحلة التسويات
والمعالجات السياسية النهائية.
إن حل الصراع الفلسطيني-"الإسرائيلي" واقتراح تسويات ومشاريع
حلول لكل القضايا الإشكالية الكبيرة والمعقدة، بما فيها موضوع
مستقبل القدس، أصبح الآن من الأولويات الأمريكية وأبر عامل
محرّك لسياستها الخارجية، خاصة في مرحلة حرب أمريكا على ما
تسميه الإرهاب والخطر الأصولي الأخضر لأن فلسطين وقضيتها تشكل
مصدر إزعاج وإحراج للإدارات الأمريكية المتتالية. وهذا بدوره
يساعد في اختمار شعور متدفق وشلال من الحقد والكراهية يعتمر
قلوب العرب خاصة والمسلمين عموماً تجاه أمريكا وسياساتها في
الشرق الأوسط.
هناك قناعة فلسطينية جازمة وحازمة مفادها أن القدس بأسوارها
ومساجدها وكنائسها وأسواقها القديمة، هي مفتاح الحرب والسلام
في المنطقة، وهذا فعلاً ما حدث مع عمر بن الخطاب وصلاح الدين
الأيوبي والظاهر بيبرس الذين نجحوا في تحرير القدس في مناسبات
مختلفة عبر التاريخ من خلال توحيد جهود الأمتين العربية
والإسلامية وتجيير طاقات وقدرات ومقدرات الأمة لصالح هذه
المهمة الرفيعة. القدس ليست مكان للصلاة والعبادة والتهجد فقط،
وإنما أهميتها تتجاوز ذلك لأنها مقصد الفلسطينيين والمسلمين
عموماً، طالبي الراحة النفسية والغذاء الروحي والعلم والشفاء.
تجد آلاف الفلسطينيين يرسلون أولادهم إلى مدارس وجامعات القدس
ومشافيها وينتظمون في رحلات للتمتع بآثارها القديمة، طلباً
للعلم والعلاج رغم المضايقات التي تضعها السلطات "الإسرائيلية"
والمعيقات التي تصعّب دخولهم إلى المدينة المقدسة خاصة في أيام
الجمعة والأعياد والمناسبات الوطنية والدينية(1).
أما بالنسبة للمسيحيين، فقد لخص البطريرك ميشيل الصباح أهمية
القدس للمسيحيين الفلسطينيين وللمسيحيين عموماً في مجموعة من
النقاط وأهمها:
1-
القدس مقدسة ورفيعة الشأن للديانات السماوية الثلاثة.
2-
القدس لها مكانة في الوجدان والعقل المسيحي عبر التاريخ لأن
السيد المسيح عاش فيها وعلّم وصنع المعجزات وتألم ومات وفيها
تمت القيامة المجيدة.
3-
تقع على عاتق كنائس القدس، خاصة كنيسة القيامة، مسؤولية وواجب
استقبال المؤمنين والحجاج المسيحيين من كل أنحاء المعمورة،
وتوفير كل وسائل الراحة لهم حتى يتمكنوا من إتمام واجباتهم
الدينية في المدينة المقدسة(2).
فلسطين في الحسابات الأمريكية
يعتقد الدكتور إبراهيم أبو لغد أن هناك ثلاثة عوامل حاسمة تؤثر
في القرارات الأمريكية الهامة اتجاه القضية الفلسطينية واتجاه
الفلسطينيين. العامل الأول هو المواقف الأمريكية المتكررة
والمعادية عموماً للعرب والمنطقة العربية، فأمريكا تبنت مواقف
واتخذت قرارات معادية خاصة ضد بعض القيادات والزعامات العربية
الثورية والقومية. فجمال عبد الناصر وحافظ الأسد وياسر عرفات
كانوا يُصوّرون في السياسات الأمريكية، وفي دوائر صنع القرار
ومراكز الدراسات والأبحاث، على أنهم خطر على المصالح الأمريكية
في المنطقة العربية، من هنا ارتباط الفلسطينيين مع العرب يضعهم
في خانة الصورة النمطية السلبية في العقل الأمريكي؛ العامل
الثاني يدور حول حقيقة كون الفلسطينيين جزءاً من العالم
الثالث، بينما يعتبر اليهود و"الإسرائيليين" في مصاف الدول
والشعوب التقدمية الديمقراطية والقابلة للتطور والتغيير، أما
الفلسطينيون فهم أقرب إلى منظومة العالم الثالث أو عالم الجنوب
المتخلف المنغلق على الذات والذي لا يمتلك أدوات التطور
والتقدم. في هذا السياق، قامت أمريكا بسياسات وسنّت قرارات
معادية للعالم الثالث، بما فيها التدخل العسكري في كثير من
مناطق العالم كما هو الحال في أمريكا اللاتينية والوسطى
وفيتنام والمنطقة العربية، إضافة إلى سياسة الحصار الاقتصادي
والعقوبات الاقتصادية التي مارستها ضد شعوب أمريكا الوسطى
والفليبين وكوبا وإثيوبيا.
أما الاعتبار الثالث فمتعلق بوجهة النظر الأمريكية تجاه حركات
التحرير العالمية
وموقفها من الشعوب التي تسعى للتحرر والاستقلال خاصة في
الجزائر وجنوب أفريقيا وفلسطين، فأمريكا تبنت وجهة نظر سوداوية
من تلك الحركات الثورية التي سعت جاهدة لتحقيق أهدافها
السياسية من خلال الوسائل العسكرية والثورية، بما فيها العنف
والكفاح المسلح. من هنا دعمت أمريكا الفرنسيين في حربهم ضد
ثوار الجزائر، وأيدت البرتغال في حروبها ضد حركات التحرير
الوطني في زائير وأنغولا وموزمبيق. وفي نفس السياق قوّت
إمكانيات "إسرائيل" في حربها ضد الحركة الوطنية الفلسطينية(3).
أما على صعيد السياسة الداخلية، فاحتلت القضية الفلسطينية
وارتباطاتها مع "إسرائيل"، مكاناً خاصاً في الحسابات الداخلية
الأمريكية وذلك بحسب الحضور القوي للوبي اليهودي والجماعات
المؤيدة لـ"إسرائيل"، والتي تلعب دوراً قوياً في صنع القرار في
أمريكا، وتؤثر على صنّاع القرار في مختلف الأجهزة والوزارات
والمؤسسات(4).
الانطباع وسوء الانطباع يلعب دوراً هاماً في حسم خطوط وقواطع
حول المحتوى الثقافي للسياسة الخارجية الأمريكية. يسوّق
"الإسرائيليون" بسهولة في الإعلام الأمريكي وفي الأفلام
والأدب، وفي أوساط الرأي العام الأمريكي، حيث ينظر لهم على
أنهم خلاقون، مبدعون وقادرون على تحويل الصحراء إلى جنان
خضراء، كما أنهم يعتنقون العقيدة الديمقراطية؛ وتذهب أغلب
المنظمات اليهودية المدافعة عن "إسرائيل" إلى حد اعتبارها
الدولة الوحيدة الديمقراطية في الشرق الأوسط، تعيش وسط محيط من
الديكتاتوريات والأنظمة السلطوية والتسلطية العربية التي لا
تحترم الحد الأدنى من حقوق الإنسان(5).
بالمقابل يُنظر إلى العرب، الذين ينتمي إليهم الفلسطينيون، من
خلال صورة نمطية سلبية، فالكتب والمقالات الصحفية والدراسات
والأبحاث المختلفة التي تغطّي القضايا العربية والحياة اليومية
للشعوب العربية، تظهر العرب على أنهم متخلفون، متشددون، شلة من
الجهال، وتجمعات بشرية مغلقة غير قابلة للتطور. ادوارد سعيد
يتبنى تقريباً وجهة النظر هذه حيث يقول: "هناك خوف من العرب
وكراهية لهم إلى درجة أن هذا الخوف والكراهية يعتبران من
المكوّنات الدائمة للسياسة الأمريكية اتجاه العرب وقضاياهم
المختلفة منذ الحرب العالمية الثانية. وإن أي شيء مرتبط مع
العرب والمنطقة العربية والإسلامية ينظر له في أمريكا على أنه
تهديد لإسرائيل"(6).
تقريباً كل الرؤساء الأمريكان الذين وصلوا إلى البيت الأبيض،
دشنوا حملاتهم الانتخابية على منصة التأييد الشامل والكامل
لـ"إسرائيل" ولسياساتها في الشرق الأوسط، وأظهروا صراحة كل
أشكال الدعم الكامل لها ولرفاهية سكانها. فعلى سبيل المثال،
دشن الرئيس الأمريكي جون كيندي في بداية الستينات، المرتكزات
القوية لصداقة حميمة متينة بين "إسرائيل" وأمريكا؛ وكرر كيندي
في أكثر من مناسبة القول إن هناك ارتباطاً عاطفياً ووجدانياً
أمريكياً مع الدولة "الإسرائيلية". في العام 1960، حصل كيندي
على ما يقارب 80% من أصوات اليهود في أمريكا الذين دعموا
برنامجه الديمقراطي الليبرالي وبعد أن رفع شعار "الصداقة مع
إسرائيل"(7).
مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، مارست الولايات المتحدة
الأمريكية ضغوطات على بريطانيا بصفتها القوة الانتدابية في
فلسطين، لعرض مشروع تقسيم فلسطين أمام الجمعية العامة للأمم
المتحدة وليس أمام أعضاء مجلس الأمن. لقد كان هناك تخوف أمريكي
حقيقي من أن بعض الدول الأعضاء داخل مجلس الأمن، ستستخدم حق
النقض (الفيتو) ضد قرار تقسيم فلسطين. في نفس السياق، قامت
الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم كل الدعم والتأييد
والمساندة لهذا القرار الذي عرض على الأمم المتحدة؛ خلال
المناقشات الحادة في أروقة الأمم المتحدة والتي دارت حول طبيعة
هذا القرار وجوانبه السياسية والقانونية والإنسانية، أظهر
الأمريكان حماساً منقطع النظير إلى درجة أنهم مارسوا ضغوطات
وكل أشكال التأثير الأخرى على بعض الدول الأعضاء للتصويت لصالح
هذا القرار(8).
لقد هدفت الولايات المتحدة من خلال تبنّيها ودعمها القوي
لقرار التقسيم، إلى إضفاء الشرعية الدولية على الدولة
"الإسرائيلية" وتثبيتها سياسياً وقانونياً وجغرافياً في
المنطقة. كان قرار التقسيم هو المدخل الشرعي في إطار القانون
الدولي لقيام دولة "إسرائيل" وبالتالي قبولها عضواً في هيئة
الأمم(9). بعد صدور قرار التقسيم وقيام دولة
"إسرائيل" في العام 1948، اعتبرت الكثير من دول العالم، بما
فيها الولايات المتحدة نفسها، أن القضية الفلسطينية تم تصفيتها
وأنها أصبحت قضية إنسانية تخص آلاف اللاجئين والمشردين الذين
تركوا أوطانهم بفعل النزاعات المسلحة، كما انصبت الجهود
الدولية والأمريكية على التخفيف من معاناة اللاجئين
الفلسطينيين، من خلال المساهمة في تقديم المساعدات المادية
لمخيمات اللاجئين، في إطار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين(10).
في سياق تعاملها مع قضية اللاجئين الفلسطينيين، اتبعت الولايات
المتحدة استراتيجية ذات شقين: من ناحية أولى، واصلت أمريكا
تقديم الدعم المالي والاقتصادي، لتخفيف ظروف الحياة الشاقة
التي يعيشها الفلسطينيون في مخيمات اللجوء والشتات. وقد بلغت
الإسهامات الأمريكية في ميزانية وكالة غوث اللاجئين حتى العام
1967 ما مجموعه 411 مليون دولار، أي بنسبة 65% من ميزانية
الوكالة(11). من ناحية ثانية، حاولت
الولايات المتحدة مراراً إيجاد حل لقضية اللاجئين، عن طريق
توطينهم في الدول العربية المضيفة، وتحويل نشاطات الأونروا إلى
الحكومات العربية؛ لذلك لم يكن للشعب الفلسطيني وجود في قاموس
السياسة الخارجية الأمريكية إلا كلاجئين. في حزيران من العام
1953، خرج وزير الخارجية الأمريكي، جون فورستر دالاس، باقتراح
يقضي بحل قضية اللاجئين من خلال توطينهم في البلاد العربية
المجاورة، والسماح لعدد منهم بالرجوع إلى الأراضي الواقعة تحت
السيطرة "الإسرائيلية" على أن لا تزيد أعداد هؤلاء العائدين عن
مائة ألف؛ هذا الرقم يمثل أقل من 15% من مجموع اللاجئين في تلك
الفترة(12). وفي منتصف الخمسينيات من القرن
الماضي، اقترحت إدارة ايزنهاور على كل من الأردن و"إسرائيل"
وسوريا ولبنان، إقامة مشاريع مشتركة حول حوض نهر الأردن وتحسين
نظام الري وتوليد الطاقة الكهربائية لخلق مساحات إضافية لإسكان
وتوطين اللاجئين في تلك المنطقة.
سياسة أمريكية غامضة تجاه القدس
يعتقد نصير عاروري أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه
قضية القدس عموماً اتسمت بالغموض والضبابية والإبهام في الفترة
الواقعة ما بين أعوام (1967-1990)، وقد اتبعت الولايات المتحدة
الأمريكية سياستين مزدوجتين ومتعاكستين: فهي من جهة أعلنت
تأييدها للقرارات الدولية المختلفة التي تناولت القضية
الفلسطينية بما فيها قضية القدس، لكن على أرض الواقع اتبعت
سياسة تتفق مبدئياً مع السياسات "الإسرائيلية" المتناقضة مع
الشرعية الدولية(13). قرار التقسيم رقم
(181) للعام 1947 نص على تقسيم فلسطين الانتدابية إلى دولتين
إحداهما يهودية والأخرى عربية، وقد مرّ القرار في الجمعية
العامة للأمم المتحدة بما نسبته 33 دولة أيدت القرار وعارضته
13 دولة، بينما امتنعت 15 دولة عن التصويت؛ حول القدس نص
القرار على اعتبارها مدينة دولية مفتوحة لجميع الديانات تكون
خاضعة لسيطرة مباشرة من الأمم المتحدة. وقد صوّتت الولايات
المتحدة الأمريكية مع هذا القرار على اعتبار أنه وثيقة دولية
قانونية وشرعية تعطي "إسرائيل" موطئ قدم في فلسطين الواقعة في
قلب الوطن العربي، كما أن القرار هيأ الظروف الدولية
والإقليمية لعلاقة استراتيجية وثيقة بين أمريكا و"إسرائيل"(14).
وعلى الرغم من وقوف الولايات المتحدة مع قرار التقسيم وتأييدها
لاحقاً لـ"إسرائيل" في حرب العام 1948، إلا إنها لم تحرك
ساكناً لدعم دولة عربية مستقلة في فلسطين، كما أنها وقفت
متفرجة في معالجتها للقضايا الأخرى المرتبطة بالقضية
الفلسطينية مثل قضايا اللاجئين في الشتات، والمجازر التي
ارتكبت في تلك الفترة من قبل عصابات يهودية صهيونية كانت مسلحة
حتى النخاع؛ على العكس تماماً فقد أبدى الرئيس الأمريكي هاري
ترومان تضامنه وأظهر مشاعره الإنسانية والدينية اتجاه الطموحات
اليهودية. لقد شعر "ترومان" بالأسف والحزن الشديد بسبب التشتت
اليهودي في العالم في أعقاب "المحرقة"، وكان يعتقد جازماً أن
الدولة اليهودية في فلسطين قادرة فعلاً على إنهاء معاناة ومآسي
اليهود في العالم. واتفق ترومان مع الرأي "الإسرائيلي" القائل
إن الدولة اليهودية ستحسّن من الأحوال الاقتصادية للعرب في
الشرق الأوسط ككل(15)!
ارتأت الإدارات الأمريكية المختلفة في أعقاب حرب العام 1967 أن
تنظر إلى القدس كجزء من الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" في
العام نفسه، وبالتالي ينطبق عليها قراري مجلس الأمن 242 و338
اللذين ينصان على انسحاب "إسرائيل" من الأراضي التي احتلتها في
العام 1967 مقابل ضمانات وكفالات أمنية تقدم من الدول العربية
المجاورة لـ"إسرائيل"(16). وخرجت إلى العلن
العديد من التصريحات لساسة أمريكا تعكس موقف الإدارة تجاه
القدس، فالسفير تشارلز يوست قال في العام 1969: "القدس منطقة
محتلة، وبالتالي تخضع لنصوص القانون الدولي فيما يتعلق بحقوق
ومسؤوليات الدولة المحتلة". وقد ردد السفير جورج بوش نفس
الفكرة في العام 1971، حينما طالب "إسرائيل" بالالتزام بميثاق
جنيف وعدم تغيير الوضع النهائي للقدس الشرقية(17)؛
بالمقابل انتعشت العلاقات الأمريكية "الإسرائيلية" خلال عهد
الرئيس جونسون في منتصف الستينات لأن الرئيس نفسه قد أحيط
بدائرة قوية من محبي ومؤيدي "إسرائيل"، وعلى رأسهم المبعوث
الأمريكي للأمم المتحدة آرثر غولدبيرغ وكاتب خطابات الرئيس
ومستشاره جون روشيه؛ بالإضافة إلى ذلك استغلت "إسرائيل"
انتصارها في حرب العام 1967 لتشجيع أطراف الإدارة الأمريكية
المختلفة خاصة وزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية لتسويق
العلاقة مع "إسرائيل" لأن لها ميزة كبيرة في مقارعة الأسلحة
السوفيتية التي يمتلكها العرب خاصة سوريا ومصر (18).
مع هذا يمكن القول أن الموقف الأمريكي اتجاه قضية القدس في
الفترة الواقعة بين عامي (1967-1991) اتّسم بالغموض والضبابية
وعدم الوضوح، فالمشاريع الأمريكية حول القدس كانت بعيدة عن
إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" للقدس العربية، وفقاً لمبدأ عدم
جواز اكتساب الأرض بالقوة. وقد جاءت الصياغات الأمريكية حول
القدس عائمة ومائعة، وترتكز على حرية الانتقال وحرية العبادة
وأن تكون الأماكن المقدسة بالنسبة لكل ديانة خاضعة لإدارة
ممثلي هذه الديانة، إلا أنها لم تتعرض للسيادة على القدس أو
طبيعة مصيرها النهائي (19). تمثل الموقف
الأمريكي في العام 1978 من قضية القدس في أحد الخطابات التي
وافق الرئيس جيمي كارتر على توجيهها إلى أنور السادات والتي
تنطوي على اعتبار القدس جزءاً من الضفة الغربية المحتلة، وهذا
الموقف أثار ردود فعل "إسرائيلية" غاضبة. ويبدو أن خطاب كارتر
جاء رداً على رسالة وجهها السادات إليه في 17 أيلول من العام
1978 وحدد فيها ما يلي:
1-
القدس جزء من الضفة الغربية ويجب احترام الحقوق العربية
التاريخية فيها.
2-
يجب أن تكون القدس تحت السيطرة والسيادة العربية في مفاوضات
سياسية مستقبلية.
3-
من حق السكان الفلسطينيين في القدس ممارسة جميع حقوقهم الوطنية
المشروعة بوصفهم جزءاً من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية.
4-
يجب تطبيق القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة الخاصة بقضية
القدس مثل القرارات 242 و267 والتي تعتبِر كافة الإجراءات التي
اتخذتها "إسرائيل" لتغيير وضع المدينة لاغية وغير قانونية ويجب
إبطال آثارها.
5-
يجب أن تتوفر لكل الشعوب حرية الوصول إلى القدس وممارسة
الشعائر الدينية وحق زيارة الأماكن المقدسة بدون أي شكل من
أشكال التمييز.
6-
يجب وضع الأماكن المقدسة لكل دين من الأديان الثلاثة تحت إشراف
وإدارة ممثل الدين(20).
خطاب كارتر حول القدس وحول السلام بصورة عامة أثار حفيظة
"الإسرائيليين" لدرجة أن مناحم بيغن، رئيس الوزراء
"الإسرائيلي" في مفاوضات كامب ديفيد في العام 1978، هدد
بالإنسحاب من المفاوضات إذا ما أصرت الولايات المتحدة على
موقفها، وإذا ما واصلت الإدارة الأمريكية سياسة الغزل مع
السادات. وقد أدى رد الفعل هذا إلى تعديل الرئيس الأمريكي
كارتر موقفه نوعاً ما ليجعله أكثر قبولاً لدى "الإسرائيليين"(21).
كثيرا ما كانت تنشأ خلافات بين الإدارة الأمريكية والكونغرس
حول موضوع القدس. وقد تمثّل موقف الإدارة خاصة خلال ولاية
كارتر، بأن البحث في هذا الموضوع يؤدي إلى التأثير بشكل سلبي
على عملية السلام بين العرب و"إسرائيل"، إلا أن الكونغرس كان
يتخذ مواقف أكثر تشددا وبالطبع لصالح "إسرائيل". في أحد ردوده
على مقترحات كارتر لتقسيم القدس، أوضح الكونغرس أنه من الخطأ
الفادح التصديق بأن تقسيم القدس إلى منطقتين منفصلتين إحداهما
تحت السيطرة "الإسرائيلية" والأخرى تحت السيطرة العربية
الفلسطينية، سيقود إلى سلام حقيقي. على العكس تماماً، آمن
الكونغرس تاريخياً من أن تقسيم القدس على هذه الشاكلة سيكون
بمثابة وصفة أكيدة لانهيار العملية السلمية برمتها. لذلك يرى
قسم كبير من أعضاء الكونغرس أنه على الولايات المتحدة أن تعلن
بوضوح أن القدس ستبقى عاصمة موحدة لدولة "إسرائيل" إلى الأبد(22).
هذا التشدد من جانب الكونغرس اتجاه قضية القدس بدأ يؤثر على
مواقف الإدارات الأمريكية المختلفة، خاصة في مرحلة ما بعد
كارتر الذي كان الأكثر جرأة والأكثر مصداقية لصناعة "السلام"
بين العرب و"الإسرائيليين" في فترة نهاية السبعينيات من القرن
الماضي. وقد تأثرت مواقف الإدارات الأمريكية بشأن قضية القدس
بقرارات ومواقف تبناها الكونغرس الأمريكي حيث يقوم مركز القوة
اليهودي وجماعات الضغط اليهودية والأمريكية(23)
بدور كبير في صياغتها، بحكم ما لهذا المركز من نفوذ قوي في
مجلسي الكونغرس. وقد وافق فعلياً مجلسا الكونغرس (الشيوخ
والنواب) على اعتبار القدس عاصمة أبدية لـ"إسرائيل" من خلال
القرار رقم 106 لعام 1990(24).
في بداية التسعينيات وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وهزيمة
العراق بعد غزوه الكويت، بدأ موقف الإدارة الأمريكية يتخذ
مساراً تصاعدياً مؤيداً لـ"إسرائيل" بشأن قضية القدس، وبدأت
هذه الإدارة تقتنع شيئاً فشيئاً بوجهة النظر "الإسرائيلية"
القائلة أن "إسرائيل" يجب أن تستغل تداعيات الأحداث الدولية
وانعكاسها على المنطقة الشرق أوسطية، خاصة أن النظام الإقليمي
العربي بدأ ينهار فعلاً بعد حرب الكويت في العام 1991. ففي
رسالة التطمينات التي بعثها جيمس بيكر، وزير الخارجية
الأمريكية في إدارة بوش الأب، إلى الفلسطينيين في العام 1991
ذكر فيها بوضوح أن القدس يجب أن لا تنقسم مرة أخرى وأن وضعها
النهائي يجب أن يتقرر من خلال المفاوضات النهائية بين الجانبين
الفلسطيني و"الإسرائيلي". كما أكدت التطمينات على استبعاد أي
احتمال أو إمكانية لتدويل قضية القدس وعدم اللجوء إلى الأمم
المتحدة لحل الصراع حول هذه القضية(25). أي
أن القرار النهائي بخصوص القدس لن يقوم على أساس قرارات الأمم
المتحدة. أما ما نصت عليه الرسالة من أن الولايات المتحدة لن
تعترف بضم القدس الشرقية ولا بتوسيع حدود بلدية القدس فهي
للاستهلاك العام، لأن نفس النظرة تضمنت حظر مشاركة فلسطينيي
القدس في المفاوضات، وحصر تلك المشاركة في شخصية فلسطينية
مقدسية رفيعة تقيم في الأردن وتربطها بالقدس روابط عائلية
وتشارك من خلال الوفد الأردني. ويرى نصير عاروري أن هذا النوع
من التطمين كان أقرب ما وصلت إليه السياسة الأمريكية في سيرها
نحو الطرح "الإسرائيلي"(26).
كلينتون وشرعنة احتلال القدس
كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون جاداً في محاولاته لوضع حد
للصراع الفلسطيني-"الإسرائيلي"، والتوصل إلى معاهدة سلام دائمة
تنهي هذا الصراع المرير الذي دام أكثر من خمسة عقود. فليس هناك
رئيس أمريكي كرس وقتاً طويلاً لتحقيق "السلام" في الشرق الأوسط
وخلق ظروف شرعنة "إسرائيل" كما فعل كلينتون(27).
من ناحية أولى، تمكنت الولايات المتحدة من تهيئة المناخ الدولي
المناسب من خلال تفردها بقيادة العالم، وبالتالي تأمين مصالحها
الحيوية في الشرق الأوسط وبخاصة سيطرتها على نفط الخليج وتأمين
تدفقه للولايات المتحدة وللغرب بسهولة ويسر وبكميات وافرة. وقد
حدد مارتن أنديك، مساعد وزير الخارجية الأمريكي في عهد
كلينتون، أن عناصر الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية
تتمثل في تدفق البترول بأسعار مقبولة والمحافظة على أمن دولة
"إسرائيل" وبقائها ورفاهها(28).
من ناحية ثانية، كان كلينتون يريد أن يُسجل لنفسه مجداً شخصياً
يخلّده التاريخ، من خلال إنجاز معاهدة سلام
فلسطينية-"إسرائيلية" عجز عن تحقيقها أي رئيس أمريكي آخر. وقد
أشار كلينتون في مقابلة معه أمام منتدى السياسة "الإسرائيلي"
في واشنطن يوم 7/1/2001 إلى أنه وضع أفكاره ومقترحاته استناداً
لثمانية أعوام من الإصغاء بعناية لكلا الطرفين للتوصل إلى
اتفاقية سلام فلسطينية-"إسرائيلية"(29).
وكان كلينتون قد وجه دعوة لأكثر من 3500 شخصية عالمية لحضور
حفل توقيع اتفاقية أوسلو في واشنطن عام 1993. وهو حرص على دعوة
جيمي كارتر الرئيس الأمريكي السابق من الحزب الديمقراطي الذي
قاد المفاوضات "الإسرائيلية"-المصرية وأشرف على توقيع معاهدة
كامب ديفيد بين مصر و"إسرائيل" في العام 1979. كما دعا جورج
بوش الأب الذي رعى مفاوضات مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991.
خلال حملته الانتخابية، وضع كلينتون استراتيجية ذكية للإستفادة
من الأجواء المكهربة في أوساط اليهود بسبب الخلافات بين إدارة
بوش الأب وحكومة إسحق شامير، وبالفعل إستغل كلينتون هذه
الخلافات لصالحه دون أي قيود أو حواجز. ففي اللحظة التي بدأت
فيها الحملة الانتخابية، أطلق كلينتون تصريحاً مدوياً أمام
اللوبي اليهودي اعتبر فيه القدس عاصمة "إسرائيل" وأعلن عن
معارضته قيام دولة فلسطينية سيادية(30).
بعدما جرى توقيع معاهدة السلام الأردنية-"الإسرائيلية" في 25
تموز 1994 من قبل الملك الأردني حسين وإسحق رابين والرئيس
الأمريكي بيل كلينتون، ورد في الإعلان عن انتهاء حالة العِداء
بين الأردن و"إسرائيل" في الفقرة الثالثة منه: "تحترم
"إسرائيل" الدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في القدس.
وعندما تبدأ مفاوضات الحل النهائي، فإن "إسرائيل" سوف تعطي
أولوية عالية للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن المقدسة،
وبالإضافة إلى ذلك، اتفق الطرفان على العمل معاً لتعزيز
العلاقات بين الأديان التوحيدية الثلاثة"(31).
وقد خاطب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الحفل قائلاً: "يا صاحب
الجلالة.... وفي هذا الإعلان الذي ستوقعونه، إن دوركم كحامٍ
للأماكن المقدسة الإسلامية في القدس ومن بينها المسجد الأقصى
قد حُفِظَ لكم، وقد وافقت "إسرائيل" على إيلاء أولوية كبيرة
لدور الأردن التاريخي حيال هذه الأماكن المقدسة في مفاوضات
الوضع النهائي"(32). وإذا أمعنّا النظر
وقرأنا بين السطور هذه التصريحات الصادرة عن صنّاع القرار في
أمريكا و"إسرائيل" لوصلنا إلى نتيجة حتمية مفادها أن السياسة
الأمريكية تجاه القدس وتجاه الأماكن المقدسة فيها تكاد تتطابق
تماماً مع المواقف والسياسات "الإسرائيلية". فكلينتون
الديمقراطي الذي صعد إلى سدّة الحكم بمساعدة اليهود وبتمويل
منهم لن يقدر أن يضغط على "إسرائيل" في قضية حساسة مثل قضية
القدس. إضافة إلى ذلك فإن الأمريكيين و"الإسرائيليين" يتفقون
أيضاً حول ضرورة المراهنة على الخيار الأردني خاصة في قضية
القدس، لأن الأردن تاريخياً هو الحامي للأماكن الدينية
الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، مع ما قد ينتج عنه من
تصدعات أو انشقاقات في العلاقات الأردنية-الفلسطينية مما
سينعكس سلباً على العلاقات بين البلدين، وهذا بدوره سيضعف
الجانب الفلسطيني في مساومته ومنازلته للجانب "الإسرائيلي"، في
وقت سيحتاج فيه الفلسطينيون إلى الدعم الأردني وكل أشكال الدعم
العربي والدولي في مقارعة "إسرائيل" "العدو الشرس والمحتل
المغتصب".
كامب ديفيد الثانية ومقترحات كلينتون
في مفاوضات كامب ديفيد بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" (في
العام 2000)، كانت النقطة الرئيسية بين الطرفين، هي الفهم
المختلف لقرار مجلس الأمن الدولي 242. فقد كان الفلسطينيون
يتطلعون إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، تستند إلى الانسحاب
"الإسرائيلي" إلى حدود الرابع من حزيران من العام 1967، بينما
كان "الإسرائيليون" ينظرون للمسألة بأن مجرد الانسحاب الجزئي
من بعض الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة هو التنفيذ الفعلي
والمنطقي لقرار 242(33).
بالنسبة للموقف الأمريكي من هذه المسألة، فقد ذكر دينيس روس أن
الولايات المتحدة كانت تسعى للتوفيق بين الاحتياجات الرمزية
للفلسطينيين والاحتياجات "الإسرائيلية" العملية. وأشار بأن
الصيغة التي كانت الولايات المتحدة تريد تعميمها ينبغي أن تلبي
الاحتياجات الرمزية الفلسطينية، فيما تستجيب للمخاوف
"الإسرائيلية" الحقيقية والمشروعة بشأن الأمن على حد قول روس(34).
لذلك مارس كلينتون ضغطاً نفسياً على ياسر عرفات، من
خلال دغدغة عواطفه بالأشياء الرمزية الخالية من المضامين
الحقيقية على الأرض. فقد ذكرت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية
الأمريكية في فترة كلينتون الثانية، من أن كلينتون أغرى عرفات
أثناء قمة كامب ديفيد بأن لدى عرفات الفرصة لتحويل حلمه إلى
حقيقة إذا وافق على الأفكار المطروحة عليه، مبدياً استعداده
للوقوف إلى جانب عرفات عند رفع علم فلسطين الجديدة، واعتبر
كلينتون ذلك لحظة تاريخية في حياته. (35)
حول موضوع القدس على وجه التحديد، مارست الولايات المتحدة
ضغطاً شديداً على الجانب الفلسطيني ليقبل بتقسيم ما أسمته بـ"المسؤوليات
القانونية" بين الطرفين الفلسطيني و"الإسرائيلي" بشأن المسجد
الأقصى في المدينة المقدسة. وقد ذكر دينيس روس في كتابه
"السلام المفقود"، أن جوج تينيت هدد الرئيس عرفات أثناء
مفاوضات كامب ديفيد بعدم التدخل ثانية بالمفاوضات(36).
في تقرير نشرته "مؤسسة سلام الشرق الأوسط" مرفقاً بخريطة توضح
فيه تصورها لمقترحات الرئيس كلينتون فيما يتعلق بالأراضي
والمستوطنات، ورد أن مساحة الأراضي التي ستسلم للجانب
الفلسطيني تبلغ نحو 86.5% من مساحة الضفة الغربية بحيث تضم 47
مستوطنة يقطنها 13.7% من إجمالي عدد المستوطنين. وتبلغ مساحة
المنطقة الأمنية في غور الأردن نحو 7.5% من مساحة الضفة
الغربية، تضم 20 مستوطنة يقطنها 2.7% من عدد المستوطنين. أما
المنطقة التي ستُضم لـ"إسرائيل" فستبلغ مساحتها 6% من مساحة
الضفة الغربية، تضم 63 مستوطنة يقطنها 83.6% من إجمالي عدد
المستوطنين. وحسب الخريطة المرفقة في التقرير فإن مساحة الـ 6%
التي ستُضم إلى "إسرائيل" هي عبارة عن سبع كتل استيطانية: كتلة
ريحان شمال غرب الضفة الغربية، كتلة سلفيت جنوب طولكرم، كتلة
أرائيل جنوب غرب نابلس، كتلة عوفريم جنوب غرب كتلة أرائيل،
كتلة اللطرون، كتلة المستوطنات المحيطة بمدينة القدس حتى مشارف
أريحا، وكتلة غوش عتصيون غرب بيت لحم(37).
أما بالنسبة إلى القدس فقد تضمنت أفكار كلينتون المبدأ العام
الذي طالما دافع عنه، وهو أن تكون المناطق العربية تحت سيطرة
فلسطينية والمناطق اليهودية تحت سيطرة "إسرائيلية". وسينطبق
هذا على البلدة القديمة أيضاً مع ضمان أن يقوم الطرفان
الفلسطيني و"الإسرائيلي" بتطوير خرائط لتأمين الحد الأقصى من
التواصل الجغرافي بين شطري القدس. لكن عند تفكيك وتحليل هذه
الفكرة نستنتج التالي:
1.
سيادة فلسطينية على الحرم وسيادة "إسرائيلية" على الحائط
الغربي وعلى المساحة المقدسة لدى الديانة اليهودية الذي
يُعْتبَر جزءاً منها. سيكون هنالك التزام صارم من كلا الطرفين
بعدم القيام بعمليات حفر أسفل الحرم أو وراء الحائط.
2.
سيادة فلسطينية على الحرم وسيادة "إسرائيلية" على الحائط
الغربي وسيادة عملية مشتركة على قضية الحفريات أسفل الحرم
ووراء الحائط، وذلك يتطلب موافقة متبادلة قبل أن تجري أي عملية
حفر(38).
ويرى "جمال البابا" أن القضية الأكثر تعقيداً هي تلك المتعلقة
بالأماكن المقدسة في محيط الحرم القدسي، ملاحظاً أن المشكلة
الأولى مرتبطة بالحائط الغربي والمساحات المقدسة للديانة
اليهودية والذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ منها. فالحائط الغربي
يبلغ طوله 458م ويضم حائط البراق الذي يبلغ طوله 58م، إضافة
إلى باب المغاربة والنفق الذي تم فتحه في عهد نتنياهو والذي
يصل إلى أسفل الحرم القدسي الشريف. كذلك يضم الحائط الغربي ما
يسمى بقاعات قوس ولسون الذي يقوم اليهود بالصلاة فيه، إضافة
إلى الساحة التي تقع مقابل "حائط المبكى" التي أقامتها
"إسرائيل" بعد احتلالها للمدينة المقدسة في العام 1967م(39).
استنتاجات
لقد تبنت الولايات المتحدة الأمريكية خلال الخمسين
عاماً الأخيرة سياسات ومواقف يمكن أن توصف بأنها
معادية للفلسطينيين، أو على أقل تقدير سياسات ليست صديقة وليست
متفهمة لقضيتهم بجوانبها المختلفة. كما اتّسمت السياسة
الأمريكية بالدعم اللامحدود الذي قدّم على شكل مساعدات مالية
وعسكرية وسياسية لـ"إسرائيل" رغم معرفتها وإدراكها أن
"إسرائيل" دولة احتلالية، إحلالية واستيطانية، ورغم إدراك صانع
القرار الأمريكي من أن السياسات الأمريكية الداعمة بشكل أعمى
لـ"إسرائيل" تزيد من كراهية الفلسطينيين والعرب لأمريكا، وهذا
ما يشكل عامل ضاغط على المصالح الأمريكية الحيوية
والاستراتيجية في المنطقة العربية، كما إنه عامل مهدد للأمن
القومي الأمريكي.
بخصوص قضية القدس، كانت المواقف الأمريكية تمتاز دوماً
بالضبابية والازدواجية، ففي جانب من السياسات الأمريكية برز
الدعم الدائم لـ"إسرائيل" ولم يكن الأمر كذلك فيما يخص القضية
الفلسطينية والصراع الفلسطيني-"الإسرائيلي" تحديداً. وفي جانب
آخر، ظلّت أمريكا تحاول إظهار نفسها أنها مع الشرعية الدولية
ومع تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بالشعب الفلسطيني لئلا
تبدو وكأنها معادية لشعب تم تشتيته وتهجيره من أرضه بفعل عوامل
خارجية قسرية.
نظرياً، أعلنت الولايات المتحدة دعمها للقرارات الدولية
المختلفة التي اعتبرت القدس جزء من الأراضي الفلسطينية
المحتلة، لكنها عملياً اقتنعت بوجهة النظر "الإسرائيلية"
القائلة بأن على الفلسطينيين والعرب أن يدفعوا ثمن النكبات
والنكسات وعمليات التهجير القسري التي مرت عليهم ومروا بها.
عامل آخر أثر على عملية صناعة القرار السياسي الأمريكي، وما
زال يؤثر حتى الآن، ألا وهو الوجود اليهودي المنظم في الولايات
المتحدة الأمريكية وفاعلية اللوبي الصهيوني بالوصول إلى
الشخصيات الفاعلة في السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث من
المعروف أن أغلبية أعضاء مجلسي الكونغرس من الحزبين الديمقراطي
والجمهوري هم من دعاة الدعم والتأييد المنقطعي النظير
لـ"إسرائيل". وما يثير التخوف حالياً هو صعود التيارات
المحافظة أو شلة المحافظين الجدد داخل الحزب الجمهوري والذين
يلتقون مع بعض رموز الحركة الصهيونية في تصوراتهم الدينية
والسياسية حول القدس والأراضي المقدسة.
من جهتها تحاول "إسرائيل" جاهدة أن تفرض وقائع وحقائق على
الأرض من خلال تكثيف الاستيطان خاصة في الحزام الاستيطاني الذي
يلف القدس من كل الجوانب والجهات. ويبدو أن "الإسرائيليين"
أدركوا مبكراً أن معركة الحسم النهائي ستكون حول القضايا
النهائية ومنها القدس، لذلك أقروا بضرورة تبني خطة الانسحاب
الأحادي الجانب من قطاع غزة ليترك ذلك آثاراً وتداعيات على
الضفة الغربية، وما معركة القدس إلا المعركة الأكثر أهمية
والأكثر حساسية بالنسبة للكيان "الإسرائيلي" الغاصب.
المصادر والهوامش:
(1)
عبد الرحمن عياد، مكانة القدس في الإسلام، في مستقبل القدس
العربية (الدار البيضاء: مركز الدراسات العربي-الأوروبي، 1999)
ص 53-81.
(2)
البطريرك ميشيل الصباح، مكانة القدس في الدين المسيحي، في
مستقبل القدس العربية. (الدار البيضاء: مركز الدراسات
العربي-الأوروبي، 1999) ص 83-86.
(3)
إبراهيم أبو لغد، سياسة أمريكا تجاه
فلسطين، تحرير ميخائيل سليمان، فلسطين والسياسة الأمريكية من
ويلسون إلى كلينتون (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)
ص 325-337.
(4)
تعتبر(American-Israeli
Public Affairs Committee (AIPAC))
من أكثر المنظمات اليهودية الأمريكية دعماً لـ"إسرائيل"
وتأثيراً على صنّاع القرار والمشرّعين في الولايات المتحدة،
لدرجة أن العديد من الشخصيات القيادية الأمريكية يستشيرون
أعضاء إيباك قبل اتخاذ القرارات الحاسمة.
(5)
انظر موقع الإيباك:
www.aipac.org
(6)
Edward Said, The End of the Peace Process, (New York:
Vintage Books, 2001)
(7)
Steven Spiegel, The Other Arab-Israeli Conflict, (Chicago,
Chicago University Press, 1985) PP. 95-97.
(8)
محمد شديد، الولايات المتحدة والفلسطينيون بين الاستيعاب
والتصفية، ترجمة كوكب الريس (القدس:جمعية الدراسات العربية،
1985) ص 70-71.
(9)
إسماعيل تلاوي، الثابت والمتغير في السياسة الخارجية
الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية والمفاوضات
الفلسطينية-"الإسرائيلية"، معهد أبو لغد للدراسات الدولية في
جامعة بير زيت، 2005 (رسالة ماجستير غير منشورة).
(10)
اسعد عبد الرحمن، منظمة التحرير الفلسطينية، جذورها، تأسيسها،
مساراتها (قبرص: مركز أبحاث م.ت.ف، 1987) ص 118.
(11)
مصدر سابق، محمد شديد، الولايات المتحدة والفلسطينيون، ص. 119.
(12)
Edward
Buhring, The UN and The Palestinians Refugees Bloomington:
Indiana University Press, 1971) P. 100-118.
(13)
نصير
عاروري، الرؤية الأمريكية والدولية تجاه القدس، تحريرصالح عبد
الجواد نحو استراتيجية فلسطينية تجاه القدس (جامعة بير زيت:
مركز دراسة وتوثيق المجتمع الفلسطيني، 1948، ص 81-84.
(14)
Surendra Bhutani, The UN and The Arab-Israeli conflict,
(New
Delhi: The Academy Press, 1977) PP. 1-10
(15)
Khalid Sheikh, Palestine: A Human Tragedy (New Delhi:
League
of Arab States, 1998) P. 41-45
(16)
Ayman Yousef, The Superpower and Palestine Question,
A Study
of Dynamic of Cold War Politics (Baroda: India, 1995).
(17) تم اقتباسها من نصير عاروري، مصدر سابق، ص 84.
(18)Ayman
Yousef, Ibid, P.86.
(19) خلدون أبو السعود،
أثر
الاحتلال "الإسرائيلي" وإقامة المستوطنات على وضع القدس
وفقاً لأحكام القانون الدولي (رام الله: منشورات وزارة
الثقافة، 2001) ص 248.
(20) قضية القدس بين الإرث التاريخي والجغرافيا السياسية،
منشورات الجمعية
الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية،
PASSIA،
القدس، 2004.
(21) خلدون أبو السعود، مصدر سابق، ص 248.
(22) المصدر السابق، ص 249.
(23) أكثر الجماعات اليهودية فاعلية هي لجنة الشؤون العامة
الأمريكية – "الإسرائيلية" "إيباك".
(24) أحمد صدقي الدجاني، القدس في خطر (القدس: مركز الإعلام
العربي،2001) ص 63.
(25) نصير عاروري، ص. 88.
(26) نصير عاروري، مصدر سابق، ص. 88.
(27) جريدة الأيام، موقف كلينتون من قضايا الشرق الأوسط،
20/6/2004.
(28) خطاب مارتن انديك أمام معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى
بتاريخ
18/5/1993، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 15، صيف 1993،
ص.86.
(29) انظر مقترحات كلينتون
http://www.Aljazeera.net/news/Arabic/2001
(30) نصير عاروري، مصدر سابق، ص 89.
(31) قضية القدس بين الإرث التاريخي والجغرافيا السياسية، مصدر
سابق، ص. 13.
(32) المصدر السابق، ص 13.
(33) دينيس روس، السلام المفقود، الأيام، 11/10/2004.
(34) المصدر السابق ذكره.
(35) مذكرات وزيرة، الحياة الجديدة، 2/10/2003.
(36) دينيس روس، السلام المفقود، جريدة الأيام 18/10/2004.
(37)
Report on Israeli Settlements in the Occupied Territories,
A Bimonthly publication of the Foundation for Middle East
Peace, Volume 11, No. 7, Jan-Feb. 2001.
(38) جمال البابا، الأرض والمستوطنات والقدس في أفكار كلينتون،
مجلة مركز التخطيط
الفلسطيني، السنة الأولى، العدد الأول،
آذار (مارس)
2001، ص 14.
(39) المصدر السابق، ص 17.
الجامعة العربية الأمريكية-جنين
|