|
جدلية الشراكة الفلسطينية - الفلسطينية
"على خلفية الانسحاب الكامل من قطاع غزة"
(تحليل)
إبراهيم
أبو الهيجاء
كاتب وباحث فلسطيني / جنين – فلسطين المحتلة
في الحدث الفلسطيني تتجه الأمور أكثر فأكثر إلى النقلات
النوعية والتطورات الإستراتيجية، سواء بالنسبة للواقع السياسي
أو العمل المقاوم، فمن جهة بلغت حالة العدوان "الإسرائيلي" حد
اغتيال الشيخ أحمد ياسين (أبرز قيادات المقاومة الإسلامية)،
وفي الجهة المقابلة يتصاعد الحديث عن الانسحاب من غزة في
الداخل "الإسرائيلي" نخبوياً وأمنياً وسياسياً.
وبالتفاعل مع كل ذلك تتسارع خطى الحوار الفلسطيني الداخلي،
وتتوالى الدعوات، وعلى لسان رئيس السلطة الفلسطينية هذه المرة،
لإشراك القوى الإسلامية والوطنية في قيادة وطنية موحدة، ورغم
أن هذا الحوار أو تلك الدعوات ليست بالجديدة، إلا أن المستجد
هو الظروف الجديدة التي شجعت الحديث عن إمكانية إشراك هذه
القوى في إدارة غزة، بالنظر إلى ما آلت إليه عملية التسوية
وبالتالي وضعية السلطة الضعيفة مقابل ترسخ نهج المقاومة، كل
ذلك جعل هذا الحوار وتلك الدعوات أكثر قابلية للتحليل لقياس
أهميتها وجديتها ومستقبلها.
جدية الانسحاب "الإسرائيلي" من غزة
بالعموم فإنه من المؤكد أن الانسحاب "الإسرائيلي" القسري من
غزة سيخلق وضعية جديدة تستدعي ترتيبات مختلفة، ورغم أن هذا
الانسحاب لا يزال رجماً بالغيب، إلا أن احتماليته قائمة وتتطلب
دون شك النظر في ذلك المستقبل الافتراضي القادم، وبالتالي قياس
كيفيته وآلياته وموقع الأطراف الفلسطينية فيه وموقفها منه.
وبرأينا؛ إن كل ذلك يجب أن يدرس في ضوء مدى الانسحاب
"الإسرائيلي" وجديته وحجمه وطبيعته، والأهم هو في بقاء هذا
الانسحاب أحادياً ودون اتفاق مع السلطة، في ضوء نية الأمريكيين
واللجنة الرباعية وبعض العرب إخراجه بصورة اتفاق ما وكجزء من
"خريطة الطريق" وليس متحايلاً عليها أو قاطعاً الطريق عليها أو
معززاً لنهج قوى المقاومة، ونجاح هؤلاء في هذا الأمر يمكن أن
يجعل إمكانيات اشتراك المقاومة الإسلامية في إدارة قطاع غزة
(المحرَّر) سياسياً شيئاً مستحيلاً، حتى لا تظهر وكأنها جزء من
هذا الاتفاق أو هي ساكتة عنه أو أنها ضحت بمنجزات المقاومة
الفلسطينية.
تفسيرات القوى الفلسطينية للانسحاب
فيما لو جرى تجاوز إشكالية الانسحاب "الإسرائيلي" من غزة وما
يحمله من غموض، فإننا سنصطدم بإشكالية أخرى لا تقل أهمية، وهي
تفسيرات الأطراف الفلسطينية لمثل هذا الانسحاب بين من يعتبره
إنجازاً للمقاومة يجب البناء عليه في تطوير عمليات المقاومة
واستمرارها لتحرير بقية الأرض، وهذا ما تريده "حماس" و"الجهاد"
و"كتائب الأقصى"، ومن يقرّ بأنه إنجاز للمقاومة لكنه يريد جعله
نموذجاً لقدرة الفلسطينيين على بسط السيطرة وتنظيم الأوضاع
الداخلية واستعادة ثقة المجتمع الدولي ولا سيما الولايات
المتحدة، وهذا ما تريده السلطة تحديداً، بما سيؤدي إلى التصادم
مع أي شكل من أشكال المقاومة.
وبين هذين النموذجين علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا هاما حول موقع
رئيس السلطة ياسر عرفات من هذه الترتيبات، وعلاقة الإدارة
الناشئة في غزة مع قيادة عرفات القابعة في غرفتين بالضفة
الغربية المحتلة، خاصة أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تريدان
جعل نموذج غزة ضربة قاضية لعرفات عبر الالتفاف على صلاحياته،
بغية إبراز قيادة جديدة منبثقة عن القديمة ولكنها أكثر اتساقاً
مع مطالبها.
في إطار هذه المعادلة تبدو المقاومة الإسلامية أبرز طرف فاعل،
فمن جهة يريدها عرفات شريكا نسبيا في قرار إدارة غزة، حتى يبقى
التوازن في القطاع قائماً بما يخدم شرعيته وسلطته، ومن جهة
مقابلة فإن الأطراف الطامحة لخلافته تخطب ود هذه المقاومة
لجعلها متقبّلة لسلطتها وقابلة بشرعيتها، والمقاومة الإسلامية
بين هذا وذاك تقيس مصلحتها على ضوء خدمة مشروع المقاومة
واستمراره، مدركة أن التخلص من عرفات وإضعافه لا يخدمها في
المرحلة الحالية، على أساس أن بروز قيادة جديدة مؤيدة من قبل
الأمريكيين و"الإسرائيليين" سيعجّل في ضرب المقاومة والتقليل
من استثمارها للانسحاب من غزة على أنه نصر مؤزّر لها.
جدية ومدى الشراكة المطروحة
الإشكالية الثالثة تتعلق بالمدى الذي من الممكن أن تذهب إليه
السلطة بإشراك جدّي وشمولي لحركات المقاومة الإسلامية في صناعة
القرار، هذا على فرض موافقتها أو تجاوزها للإشكاليات الماضية.
وعليه فالسؤال المطروح هنا: هل سيكون إشراك المقاومة الإسلامية
في أطر السلطة في غزة مجرد مسألة إعلامية توظّف في اللعبة
السياسية، أم سيشكل إشراكها قضية جوهرية تؤدي إلى تغيير المشهد
الفلسطيني السياسي الداخلي من حيث الصلاحيات والامتيازات
والسياسات؟
وهنا نحن بحاجة ملحة لضبط المصطلحات التي تزخر بها وسائل
إعلامنا مثل: (قيادة وطنية موحدة، أو حكومة طوارئ أو إعادة
هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية).
فهل وجود قيادة وطنية موحدة يعني أن المقاومة الإسلامية ستكون
شريكة قرار سياسي أو صاحبة رأي استشاري فقط؟ وهل ستكون القيادة
الموحدة هي المسؤولة عن القرار الفلسطيني أم هي لجنة إضافية
تضاف إلى اللجان السياسية والأمنية المتعددة التي لا تسهم
جدياً في القرار كونه يصنع بعيداً عن الحالة المؤسسية وأقرب
إلى الفردية المتأثرة كثيراً بالضغوط السياسية، بل إن السلطة
الفلسطينية نفسها هي نتاج معادلة تسوية لا نتوقع انفكاكها منها
لأن في ذلك إنهاء لما تبقى لها من شرعية رمزية.
أما عملية إعادة هيكلة منظمة التحرير فتواجه بأسئلة أصعب حول
واقعيتها، حتى لو تجاوزنا المطلب الانتخابي ووصلنا إلى نظام
المحاصصة داخل المنظمة فإننا سنصل إلى استفهامات حول الكيفية
والنسب والصلاحيات والتوزيعات، ما يتطلب إصلاحات في النظام
الداخلي وتغييراً في الامتيازات، وقبل ذلك ستكون الإشكالية
الحقيقية حول البرنامج السياسي الضابط لكل ذلك سواء في السلطة
أو المنظمة، فهل من الممكن أن تقايض المقاومة الإسلامية قبولها
بدولة فلسطينية على قسم من أراضي الـ 67 مقابل تناسي أراضي الـ
48؟ ثم كيف يمكن التوافق على شكل هذه "الدولة": هل هي علمانية
ديموقراطية كما تطمح السلطة، أم هي إسلامية شورية كما تطمح
فصائل المقاومة الإسلامية؟
طبعاً؛ يبقى من الممكن تجاوز هذه المطبّات عبر تأجيل الحسم أو
من خلال استخدامات مطاطة في اللغة العربية، ولكن لا يمكن
التحايل على الأسئلة الملحة التي تواجهها السلطة وبالتالي
المنظمة على صعيد علاقاتها مع "إسرائيل" والولايات المتحدة،
ومن ثم حول الموقف من استمرار التفاوض مع العدو وتأثيره على
موقف السلطة تجاه عمليات المقاومة؟ وكمثال: هل من الممكن أن
تقبل المقاومة الإسلامية الاشتراك في سلطة تفاوض "إسرائيل" على
تطبيق "خريطة الطريق" أو استكمال تطبيق اتفاقية أوسلو؟
باختصار فإن حجم غموض مواقف السلطة تجاه التسوية والمقاومة
سيبقي مشاركة المقاومة الإسلامية صعبة وتحاكي الوحدة الميدانية
فقط، كون الوصول إلى شراكة جوهرية يستوجب الإجابة عن أسئلة
فورية لا تحتمل التأجيل، ونشك كثيراً في استطاعة أحد إعطاءها
في المدى القريب.
أهمية الردع المقابل
حتى لو تجاوزنا كل هذه الأسئلة والإشكاليات السابقة، هل يمكن
أن نتجاهل حملة الاغتيالات "الاسرائيلية" التي أدت الى استشهاد
أهم قيادات المقاومة الإسلامية وفي طليعتها الشيخ أحمد
والدكتور عبد العزيز الرنتيسي. والسؤال الذي سيبرز هنا: هل
ستبقى المقاومة الإسلامية رهينة معادلة الردع المفروضة عليها
من قبل "إسرائيل" والتي تهدد قادتها وكوادرها بعدما غيبت
قائدها؟ وهل يمكن أن تتجاهل المقاومة الإسلامية أن ثمة معركة
فاصلة فرضت عليها ما يتطلب منها على الأقل الدفاع عن نفسها،
بما يحافظ على برنامجها المقاوم وشعبيتها المتعاظمة؟ وهل يمكن
تجاهل كل ذلك فعلاً، والتسليم بإبراز المقاومة كقوة ضعيفة
تفاوض على صلاحيات مشكوك فيها في إدارة مستقبلية لغزة، غامضة
التحقق؟
برأينا؛ إن شرعية الردع المقابل الذي تملكه المقاومة الإسلامية
في ضوء الاستهداف "الإسرائيلي" المنهجي، مع الالتفاف الشعبي
الفلسطيني والعربي المتعاطف معها، أديا إلى تسريع الحوار مع
المقاومة الإسلامية بقصد الحصول على تفاهم معها يقلل من حجم
الردع العسكري للمقاومة ويمتص النقمة الشعبية، لأن السلطة تخشى
جدياً من عمليات ضخمة تؤدي إلى طرد عرفات وبالتالي تفكك السلطة
الفلسطينية، في ظل واقع أن رئيس وزراء العدو آرييل شارون مأزوم
داخلياً ومندفع خارجياً، سواء ملك المبرر أم لم يملكه، ولعل
جريمة اغتيال الشيخ ياسين تعطينا مؤشراً على ذلك.
حاجات المقاومة الإسلامية
في ضوء ما تقدم يبدو أن تحليل جدلية المستقبل الفلسطيني بعد
الانسحاب من غزة أمر مهم (نظرياً)، ولكن الاستغراق فيه سيكون
نوعاً من العبث التنظيري، لأن ثمة إشكاليات موضوعية واستفهامات
مصيرية لها أولوية، وبرأينا فإن تصاعد هذه الأحاديث يمكن فهمه
لدى المقاومة الإسلامية من خلال حاجتها لاستباق افتراض الخروج
من غزة بقصد الحصول على واقع يهيئ لها مقاومة مثل تلك القائمة
في جنوب لبنان، بما يجيّر الانسحاب من غزة لصالح برنامجها
التحريري والقائم على مقاومة الاحتلال وتحرير كل الأرض
الفلسطينية.
وفي حال فشل المقاومة الإسلامية في الحصول على هذه الصيغة
النموذجية فستسعى للاستفادة من تأثيرات الانسحاب لصالح مشروعها
التغييري ضمن أطر إدارة محلية لقطاع غزة تقوم على الانتخابات
وسيادة القانون، إلا إذا ارتبطت المسألة بمشروع التسوية،
فعندها لا يمكن للمقاومة الإسلامية التضحية بالبرنامج التحريري
لصالح البرنامج التغييري الشكلي المرتهن بشكل أو بآخر
بالاحتلال، مهما كانت الإغراءات والميّزات، وقد اختبر ذلك
الواقع سابقاً وفشل.
في مستوى ثالث، وإذا ما فشل الخياران الأول والثاني، فإن
المقاومة الإسلامية ستحاول الحفاظ على الحدود الدنيا من الوحدة
الميدانية الحركية في غزة، بما يبقي على حالة المقاومة ضد
الاحتلال واستكمال التحرير، وهنا قد تلجأ المقاومة الإسلامية
إلى بدء حوار على أسس برنامج ميداني فقط ينظم بعض حالات
الفوضى، ويحافظ على فاعلية التيار المقاوم داخل حركة فتح، أو
تدفع باتجاه تعزيز خيار الانتخابات البلدية التي أعلنت مراراً
إمكانية اشتراكها فيها، كونها تتعلق بالشأن الخدماتي المؤكد
لحضور المقاومة الإسلامية في الميدان السياسي والاجتماعي، إلى
جانب حضورها كمقاومة عسكرية أجبرت الاحتلال "الإسرائيلي" على
الانسحاب من غزة مع تطلعها للمزيد.
حاجات السلطة الفلسطينية
بالمقابل تبدو دوافع السلطة لهذا الحوار المفترض نابعة من عدة
أسباب:
أولاً: حاجة أطرافها المتصارعة لاستقطاب قوة المقاومة
الإسلامية وتوظيفها لصالح تعزيز شرعية وقوة كل طرف.
ثانياً: التقليل من شرعية وشعبية نموذج المقاومة الفلسطيني في
التحرير الذي تعتبر المقاومة الإسلامية الجزء الفاعل فيه.
ثالثاً: محاولة السلطة امتصاص غضب المقاومة الإسلامية، حتى
التأثير على مدى وحجم عملياتها العسكرية، بما لا يؤدي إلى
تحولات إستراتيجية تضر بالسلطة.
رابعاً: سعي السلطة لجعل المقاومة الإسلامية جزءاً من إدارة
قطاع غزة بعد تحريره، من ضمن سلطة منظمة وواحدة وموحدة في
خياراتها قبالة المجتمع الدولي.
الأفق
ثمة إمكانية لأن تقدم السلطة على تنازلات طفيفة في امتيازاتها
لإغراء المقاومة الإسلامية بالدخول في شراكة عاجلة معها، لكن
من المشكوك فيه أن يكون هناك تحول في سياساتها وجدية في صناعة
قرار فلسطيني مؤسساتي يعبر عن جميع الرؤى الفلسطينية ممثلة
بالاتجاهات الفاعلة فيه، وبالمقابل سيكون من الصعب أن تقدم
المقاومة الإسلامية على مغامرة مشكوك بنتائجها ومخلّة
بثوابتها، ما يبقي على أحاديث الشراكة في إطار التوظيف
والتوظيف المقابل، بما يجعلها تؤمن الحد الأدنى من التوافق
الميداني على الأقل في المرحلة والظروف الراهنة وفي الأفق
المنظور.
|