|
خطة الانسحاب من غزة وأثرها على الضفة الغربية المحتلة
د. رائد نعيرات
جامعة النجاح – محاضر في العلوم السياسية
ما إن أعلن آرييل شارون في إبريل عن خطته الداعية إلى الانسحاب
أحادي الجانب من غزة حتى بدأت الجدالات حول طبيعة هذا الانسحاب
ومدى انسجامه أو عدم انسجامه مع "خارطة الطريق" وكان الجدل
الأكثر إلحاحاً حول جدية شارون في تفكيك المستوطنات وهو
المعروف بأنه من أكثر الداعمين لقيامها، وهل تعتبر هذه الخطة
تراجعاً في فكر شارون وحزب الليكود سواء في موضوع الاستيطان أو
"إسرائيل" الكبرى؟ تحاول هذه الورقة تجاوز نقاش إمكانية
الانسحاب من غزة على اعتبار أن هذه القضية أصبحت من أبجديات
الواقع الفلسطيني، بغض النظر عن التوقيت والكيفية أو الثمن
الذي يريده الكيان الصهيوني مقابل هكذا انسحاب، وهذا ما تقرّ
به أغلب القوى الوطنية الفلسطينية سواء في السلطة أو المعارضة،
فقد عقّب إسماعيل هنية العضو القيادي البارز في "حماس" على خطة
الانسحاب قائلاً "الانسحاب من غزة آجلاً أو عاجلاً سوف يتم،
فالاحتلال لن يكون بمقدوره احتمال تكلفة وجوده في غزة وهو لا
يعتبر القطاع جزءاً من أرض الميعاد المدّعاة"(1).
وأياً كانت نوعية هذا الانسحاب وطبيعته تبقى
القضية الأهم هي أثر هذا الانسحاب حال حدوثه على الضفة
الغربية، وسوف تتم مناقشة هذا الموضوع ضمن ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: البيئة والأسباب التي أوجدت خطة شارون.
المحور الثاني: الضفة الغربية وقضايا الإجماع الفلسطيني في ضوء
الانسحاب.
المحور الثالث: النظام السياسي المنتظر في غزة وأثره على الضفة
الغربية.
المحور الأول: البيئة والأسباب التي أوجدت خطة شارون
عند النظر إلى البيئة السياسية (Political
Environment)
التي ولدت من داخلها خطة الانسحاب من غزة يمكن تقسيمها إلى
المجالات التالية: المجال الدولي؛ المجال "الإسرائيلي"،
والمجال الفلسطيني. فدولياً رفض شارون بطريقة أو بأخرى خطة
"خارطة الطريق" الأمريكية عندما وضع عليها تعديلاته الأربعة
عشر، وكذلك عندما تبنى تطبيق بنود الخارطة بالتتابع وليس
بالتوازي مما أفرغها من مضمونها، وبات شارون بدون توجه سياسي،
فهو إذاً بحاجة إلى بديل سياسي خاصة أنه يحاول إقناع العالم
والشعبين "الإسرائيلي" والفلسطيني بأنه استطاع أن يقضي على ما
يسميه "الإرهاب" عبر توقف العمليات التفجيرية داخل "إسرائيل"،
وكما هي الحالة الطبيعية فإنّ المنتصر يقدم مشروعاً في نهاية
انتصاره. أما النقطة الأخرى في هذا المجال فيما يخص الولايات
المتحدة الأمريكية فهي بحاجة إلى تهدئة الساحة الفلسطينية
وإضاءة نور في آخر النفق، وذلك لانشغالها في الترتيبات الأمنية
والسياسية في العراق علاوة على رغبة إدارة بوش في خوض الحملة
الانتخابية دون أي عواصف سياسية خارجية خاصة مع تدني حجم
الأصوات كما تشير الاستطلاعات في الآونة الأخيرة لصالح جون
كيري، أما أوروبياً فقد انخفض تأييد "إسرائيل" إلى أدنى مستوى
له حيث اعتبرت غالبية الأوروبيين أن "إسرائيل" تمثل خطراً على
السلم والأمن الدوليين من خلال استطلاع للرأي أجري لهذا الغرض.
أما على الصعيد "الإسرائيلي" فهناك عدة أسباب جعلت شارون يطلق
خطته ويصر على تطبيقها رغم عدم مصادقة حزبه عليها (62%من أعضاء
"الليكود" صوّتوا ضد الخطة و38% صوّتوا لصالح الخطة)(2)،
ويمكن تصنيف هذه الأسباب إلى مجموعتين:
أولاً: الأسباب الأيديولوجية:
فغزة لا تشكل بعداً أيديولوجياً بالنسبة لـ"إسرائيل" حتى أن
طبيعة المستوطنين الذين يقطنون مستوطنات غزة لم تتبلور لديهم
بعد العقيدة الأيديولوجية في استيطان القطاع وذلك لقلة عددهم
(7500 مستوطن) وسعة انتشارهم (22 مستوطنة)، كما أنه لا توجد في
غزة أية مزاعم تدّعي الحركة الصهيونية أنها تشكل جزءاً من
العقيدة الأيديولوجية لها، إضافة إلى ذلك فهناك بعداً آخر في
الأيديولوجية الصهيونية المعاصرة وهو ما أطلق عليه في مؤتمر
هرتزيليا (القنبلة الديموغرافية)، فالانسحاب من غزة يفقد
"إسرائيل" 1% من الأراضي فقط ونصف السكان الفلسطينيين (مليون
وثلاثمائة ألف نسمة)(3). وهذا ما تعتبره
بعض الاوساط "الاسرائيلية" انتصاراً لها في حلّ المشكلة
الديموغرافية على الرغم من أن هناك البعض وخاصة المتدينين
الذين يعتبرون أن المشكلة الديموغرافية تكمن في عرب عام 1948
وليس في فلسطينيي قطاع غزة!
ثانياً: الأسباب السياسية:
تعود أهمية الأسباب السياسية التي جعلت شارون يصر على خطته إلى
التغيير في بنية الثقافة السياسية والحزبية "الإسرائيلية"،
فالأحزاب "الإسرائيلية" اليوم تنقسم كما يقول "عدنان عودة" إلى
قسمين رئيسيين: "الأيديولوجيون، وأوضح من يعبر عنهم هم
القوميون المتدينون والبراغماتيون والذين ينقسمون إلى متطرفين
(ومنهم شارون) ووسط ويسار"(4). وهكذا فإنّ خطة
شارون تأتي في إطار سياسي يتماشى وهذا الانقسام، بل إن عملية
الانسحاب من غزة تكاد تكون مصدر إجماع لدى أطياف الوسط الحزبي
والسياسي في "إسرائيل"، كما أن خطة الفصل تأتي في إطار حصار
حزب العمل فهي تقدم طرحاً كان من صلب أطروحات حزب العمل، لكنه
الآن يُطرح بطريقة ليكودية، والحزب العمل أصبح في خانة
المسيّر، فإما أن يساند خطة شارون أو يفقد شرعية وجوده
السياسي. وهذا يعتبر أحد أهم الأسباب التى أدت إلى قبول
"العمل" الانضمام إلى حكومه شارون.
وهناك سبب آخر لا يكاد يقل أهمية عن الأسباب آنفة الذكر وهو أن
شارون قد وعد الناخب "الإسرائيلي" بقضيتين أساسيتين: أولاً
القضاء على الانتفاضة خلال 100 يوم وهذا لم يتم ويجب تقديم
البديل، والقضية الأخرى هي أن الدولة الفلسطينية لن تتسع
حدودها أكثر من 42% من مساحة الضفة والقطاع، والخطة الآن تأتي
منسجمة مع هذا الطرح، حيث إنه إذا أُخذ بالحسبان قضية الجدار
العازل وابتلاعه ما نسبته58% من أراضي الضفة الغربية يصبح طرح
دولة فلسطينية على مساحة 42% طرحاً منسجماً مع طرح شارون!
أما فلسطينياً: فقد أعلن شارون أنه لا يوجد هناك شريك فلسطيني
قد عمل فعلاً منذ عمليات "السور الواقي" على تدمير البنية
التحتية الفلسطينية، ولكن؛ ونتيجة لهذا التدمير حصل تحوّل في
الشارع الفلسطيني تمثل في ازدياد التأييد لخيار المقتومة
وفصائلها الفاعلة والتحول في اتجاهات قطاع كبير ممن كانوا
يؤيدون العملية السلمية، فقد أشارت بعض الاستطلاعات إلى أن
نسبة التأييد لـ "حماس على سبيل المثال" في الشارع الفلسطيني
عملية تصاعدية حيث إن ثلث الناخبين سيصوّتون لنواب حماس في
الانتخابات التشريعية القادمة إذا ما شاركت فيها الحركة (حماس)(5)،
وأصبح السيناريو المتوقع أنه إذا استمرت الحالة على ما هي عليه
فمن المؤكد أن لا تبقى السلطة شريكاً فلسطينياً، وبالفعل قد
تجد "إسرائيل" نفسها تتفاوض مع قوى فلسطينية أيديولوجية أو أن
الحالة ستصل إلى نوع من الانفلات الأمني، وكلا الوضعين لا ترغب
به "إسرائيل" على المستوى الاستراتيجي.
المحور الثاني: أثر خطة الانسحاب من غزة على الضفة الغربية
وقضايا الإجماع الفلسطيني:
بدت خطة فك الارتباط في الأيام الأولى لظهورها على أنها خطة
أمنية تخص قطاع غزة وهي تهدف إلى تخليص "إسرائيل" من حمل أمني
يؤرقها في غزة؛ إلا أنه وبعد تبلور أفكار هذه الخطة كما
تناقلتها الصحف "الإسرائيلية" فيما بعد أو كما ورد في الرسائل
المتبادلة بين شارون وبوش في منتصف نيسان، فإنه من الملاحظ أن
هذه الخطة تتعدى حدود الوضع الأمني بمفهومه الضيق لتدخل عالم
المشاريع السياسية. ففي الرسالة التي وجهها آرييل شارون إلى
بوش بتاريخ 16/04/2004م(6)، وكما تناقلتها وسائل
الإعلام "الإسرائيلية" حدد شارون تصوره العام لمستقبل ووضع
الضفة الغربية حسب خطة فك الارتباط، فأكّد أن هذه الخطة تقوم
على أساس عدة اعتبارات وهي:
أولاً:
إن خطوة فك الارتباط لن تنقص من قيمة الاتفاقات القائمة بين
"إسرائيل" والفلسطينيين.
ثانياً:
في أي اتفاقية للوضع النهائي لن تكون هناك أي مستوطنات
"إسرائيلية" في قطاع غزة، مع ذلك من الواضح أنه ستبقى بعض
المناطق في يهودا والسامرة جزءاً من دولة "إسرائيل"، ومن بينها
مستوطنات مدنية ومناطق عسكرية وكافة الأماكن التي توجد فيها
لـ"إسرائيل" اهتمامات إضافية.
ثالثاً:
إن الخروج من قطاع غزة ومن المنطقة الكائنة شمالي السامرة
وتفكيك أربع مستوطنات وتركيبات عسكرية في ضواحيها سوف يقلّل
الاحتكاك مع الفلسطينيين.
أما في البند الثاني وتحت بند نقاط رئيسية (ب) فقد احتوت الخطة
النقاط التالية:
1.
سوف تخلي "إسرائيل" المنطقة الكائنة شمالي السامرة (غنيم، كديم،
حومش، سانور) وستعيد انتشارها خارج المنطقة التي أخلتها.
2.
عند إكمال هذه الخطة لن يكون هناك وجود لقوات عسكرية
"إسرائيلية" ومدنيين "إسرائيليين" في منطقة شمالي السامرة.
3.
سوف تسمح هذه الخطوة بالامتداد (الاتصال) الإقليمي الفلسطيني
في منطقة شمالي السامرة.
4.
ستقوم "إسرائيل" بتحسين البنية التحتية للمواصلات في يهودا
والسامرة بهدف تسهيل حركة مواصلات آمنة وهادئة في هذه المنطقة(7).
إذن وعند محاولة استشراف ظلال هذه الخطة نلاحظ النقاط الرئيسية
التالية بخصوص أثر تلك الخطة على الضفة الغربية:
أولاً:
هذه الخطة تتعدى المجال الأمني لتصبح عبارة عن خطة سياسية،
فهي، وكما يقول "Michael
Rand"،
عبارة عن مشروع سياسي ضمن معادلة "Less
land for less peace"
ويوضح ذلك بقوله إن هذه الخطة تفترض أنّ الفلسطينيين سيتمكنون
حسب هذه الخطة من الحصول على دولة أقل مما هم يحلمون حالياً،
وكذلك "الإسرائيليين" فإنهم لن يحصلوا على سلام كامل "a
full-blown peace"
كما حلمت "إسرائيل" منذ اليوم الاول لتأسيسها(8).
ثانياً:
إن هذه الخطة لا تهدف فقط إلى موضوع التقطيع الجغرافي بل تتعدى
ذلك إلى مرحلة رسم حدود جديدة، ليس في إطار المفهوم القديم
"الخط الأخضر وأراضي عام 1967"، بل إن الإطار العام لهذه الخطة
يقسم حتى الضفة الغربية إلى منطقة السامرة ويهودا، فالخطة لا
تعالج إلا منطقة السامرة (شمال الضفة الغربية)، سواء من ناحية
الانسحاب من المستوطنات أو من ناحية الترتيبات كإعادة
الانتشار، وهذا ما أكده "Amira
Hass"
في جريدة هآرتس أن الخطة تفترض تغيراً وحشياً "brutal
change"
في الجوانب الجغرافية الطبيعية(natural
geography)،
والجغرافية السياسية (political
geography)
حيث تدمر البنية الوطنية والطبيعية بتقسيم الضواحي والمدن
والمحافظات عن بعضها البعض وحتى القرى عن أراضيها الزراعية(9).
ثالثاً:
إن إدخال فكرة تفكيك بعض مستوطنات شمالي الضفة (السامرة) إلى
خطة الانسحاب من غزة قد جاء استجابة لبعض المطالب الدولية
ومحاولة من شارون للإيحاء بأنه ملتزم بخارطة الطريق وهذا يعود
لعدة أسباب ومنها:
1.
إن الانسحاب من غزة يعتبر من الثوابت التي تجمع عليها معظم
القوى السياسية في "إسرائيل" سواء كانت يسارية أو يمينية، لذا؛
وكما يرى عبد الله عواد فإنّ الاتفاق بحد ذاته عكس التوجه
"الصهيوني حتى عند اليسار"(10)، على عكس الضفة
الغربية التي تتقاطع حولها خيوط كثيرة من اللعبة السياسية في
"إسرائيل" وخصوصا الأمن مع الدين واللذان يعتبران صلب البناء
الاجتماعي والسياسي "الإسرائيلي".
2.
إن الضفة الغربية بواقعها الديموغرافي عام 2004م باتت تعكس
واقعاً مغايراً عما كانت عليه عام 1967، بالنسبة للعقلية
الصهيونية. وفي هذا المجال يعتبر التيار اليميني "الإسرائيلي"
هذا الأمر تحقيقاً للنبوءة التوراتية. أما اليسار فإنّ الضفة
تشكل بالنسبة إليه بعداً استراتيجياً حيث يسكن فيها 1/10 من
"الإسرائيليين"، علاوة على أن التجمعات الاستيطانية الموجودة
تحاصر الوجود الديموغرافي الفلسطيني حتى يصبح عبارة عن
بانتستونات محاطة بكتل استيطانية، وهذا واقع له أثره في
العقيدة الصهيونية اليسارية في موضوع قيام دولة فلسطينية قوية،
خاصة إذا أخِذت بالحسبان عملية الجدار العازل.
3.
أما الشأن الأكثر أهمية في عملية الانسحاب من الضفة الغربية
فهو أن هذا الموضوع أصبحت تحدده بوصلة الاستيطان ذاتها، أكثر
مما تحدده بوصلة العجلة السياسية في تل أبيب، حيث أن
المستوطنين في الضفة الغربية كما يقول "باروخ كمرلنج" أحد
المؤرخين الجدد "الإسرائيليين" "قد تخطوا الدور السياسي
الإسرائيلي حول موضوع الاستيطان، وأصبحت النظرة تدور حول بناء
مجتمع أخلاقي يقوم على العقيدة اليهودية كما هي "حركة غوش
ايمونيم". أي أن موضوع الانسحاب لم يعد يحسب ضمن دائرة الربح
والخسارة.
لذا؛ وبناءً على ما تقدم يطرح "عبد الله عواد" المشروع
"الإسرائيلي" الصهيوني الجديد في الضفة الغربية ضمن أربع
مراحل:
أولاً: تحديد الجدار الخارجي الذي يدمر الجغرافية الفلسطينية
وهو الإطار الخارجي للصورة.
ثانياً: تحديد الجدران الداخلية حول التجمعات الاستيطانية
المركزية وربط هذه التجمعات بالدولة العبرية.
ثالثاً: توسيع الجدران الداخلية لتشمل أكبر عدد ممكن من
المستوطنات والتجمعات الاستيطانية ومصادرة مئات آلاف الدونمات
من جديد.
رابعاً: ربط هذه التجمعات بطرق خاصة بالمستوطنين تربطها بأرض
العام 1948 وببعضها البعض(11).
وضمن هذه المعطيات فإنّ الخلاصة الأهم بالنسبة للحالة التي
ستكون عليها الأوضاع في الضفة الغربية من وجهة النظر
"الإسرائيلية" هي خلق الحقائق على الأرض والمراوغة في طرح
المشاريع التي لا تجيب على السؤال الأكثر أهمية حول ماهية
الحالة التي ستكون عليها الأراضي المحتلة عام 1967 في نهاية
المطاف، حيث من الواضح أن المخطط "الإسرائيلي" الاستراتيجي
بالنسبة للضفة الغربية لا يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة
وذات سيادة بقدر ما هو محاولة ضغط طويل الأمد في اتجاهين
رئيسين:
أولاً: زيادة الاستيطان
ثانياً: وضع الفلسطينيين في ظروف إنسانية قاسية لتسهيل عملية
الهجرة، وهذا ما أكده وزير دفاع الكيان "شاؤول موفاز" خلال
جولته في مستوطنات الضفة الغربية حيث أعلن "أن إخلاء غزة
سيقوّي مستوطنات الضفة، وآرييل ستنضم إلى "إسرائيل" في الوقت
المحدد"(12).
وهكذا؛ وضمن هذا التصور "الإسرائيلي"، يمكن أن تقام دولة
فلسطينية في غزة وتتسع حدود هذه الدولة لتأخذ جزءاً من سيناء
كما يطرح بعض المحللين "الإسرائيليين"، أما بالنسبة للضفة،
فإنّ المخطط الذي سارت به حكومة آرييل شارون منذ عملية السور
الواقي وبناء الجدار العازل قد يفضي إلى سيناريو واحد وهو أن
تجد السلطة بأنه لا معنى لوجودها ضمن عملية "الكانتونات" ويصبح
التعامل "الإسرائيلي" مع البلديات الفلسطينية المحاصرة تعاملاً
مدنياً وهكذا تصبح "الإدارة المدنية الجديدة" فكرة واقعية
ومشروعاً سياسياً يحتاج فقط إلى تطبيق بنوده بغض النظر عن
طبيعة الحكومة "الإسرائيلية" التي تتولى الحكم في "إسرائيل".
المحور الثالث: النظام السياسي المنتظر في غزة وأثره على الضفة
الغربية:
عند تناول موضوع خطة الانسحاب "الشارونية" من غزة وأثرها على
الضفة الغربية يجب أن لا تغيب عن البال قضية مهمة ألا وهي قضية
الوضع الداخلي الفلسطيني، هذا العامل المهم الذي أخذ تأثيره
يتصاعد منذ أن بدأت السلطة الوطنية تثبت أركانها في الضفة
الغربية بناءً على اتفاق أوسلو، فموضوع الفساد داخل أجهزة
السلطة، وعدم قدرة هذه السلطة على إقامة نظام سياسي ناجح –يرى
البعض أنه نتيجة لعوامل داخلية فيما يرى البعض الآخر أنه نتيجة
لعوامل خارجية يقف على رأسها الاحتلال وطبيعة اتفاق أوسلو- وهي
من القضايا التي أتاحت لشارون تثبيت بعض دعائم سياسته حيال
الشعب الفلسطيني خاصة وأن أنظار العالم الخارجي -حتى قبل
الانتفاضة– كانت قد بدأت تتوجه نحو إمكانية أن تقدم السلطة
الفلسطينية نظاماً على درجة من التماسك ويتمتع بشرعية داخل
الوسط الفلسطيني بناءً على تحقيقه كما هو معروف سياسياً،
المصلحة الرمزية عبر تحقيق المصالح العليا للمجتمع والمصلحة
الفعلية بأن يضم الغالبية السياسية ويمثل الفاعلين الرئيسيين
في المجتمع، علاوة على ذلك فإنّ خطة الانسحاب "الإسرائيلي" من
غزة تقدم على أنها عبارة عن اختبار "Test"
للسلطة والمجتمع الفلسطيني لإقامة نظام سياسي يمكن من بعده
لصانعي القرار أو ما يسمى "Brokers"
الحكم على قدرة هذا النظام أن يمتد إلى الضفة الغربية.
إذن؛ ونتيجة للحالة هذه وكذلك نتيجة لاحتمال دخول هذا الصراع
حالة جديدة لم توجد من قبل كإقامة سلطة كاملة على جزء من الارض
وبقاء الجزء الآخر تحت الاحتلال سنركز على دراسة الحالة
الفلسطينية الراهنة ومحاولة الوقوف على بعض العقبات التي تقف
في طريق قيام نظام سياسي فلسطيني ناجح وأثره على الضفة الغربية
والقضية الفلسطينية برمتها حيث إن مسألة إقامة النظام السياسي
الفلسطيني لم تعد قضية جدلية في الشارع الفلسطيني بل أصبحت
مطلباً جوهرياً للحفاظ على الهوية الفلسطينية والمجتمع
الفلسطيني، وعلى الرغم من إيمان الشعب الفلسطيني بكل قواه
وأحزابه بضرورة الإصلاح السياسي وحتمية صناعة نظام سياسي عصري
وحضاري مبني على الشفافية والتعددية وتداول السلطة، إلا أن هذا
النظام ما زال يقبع ضمن أحلام هذا الشعب. لكن منذ الانتفاضة
الثانية "انتفاضة الأقصى" بدأت هناك بعض الخطوات باتجاه إقامة
هكذا نظام، مع تشكيل القيادة الوطنية والإسلامية، ومن ثم
الحوارات المتعددة بين كافة الفصائل وعلى رأسها حركتي "حماس"
و"فتح" مروراً بإعلان حماس استعدادها للمشاركة في النظام
السياسي الفلسطيني المستقبلي في غزة في حال تم الانسحاب
النهائي منها، ولكن، هناك حقيقة جديدة تدفع باتجاه قيام نظام
سياسي ناجح علاوة على بعض العوامل التي أوجدتها الانتفاضة على
مدار أربعة أعوام، فخطة الانسحاب من غزة تطرح بعض الايجابيات
التي تجعل حركة "حماس" وحركة "الجهاد الإسلامي" تنضمان إلى
النظام السياسي الفلسطيني، وهذا بدوره سيجعل النظام الفلسطيني
المرتقب يضم تيارين فاعلين أساسيين كانا قد غابا عن هذا النظام
في المرحلة السابقة نتيجة لعوامل عدة ليس من مجال للبحث فيها،
علاوة على ذلك هناك بعض السلبيات التي تجعل هاتين الحركتين
تتخوفان من الدخول في معترك سياسي كهذا، وللوقوف على أهم
الايجابيات يمكن ملاحظة التالي:
أولاً:
تأتي خطة شارون للانسحاب من جانب واحد وكأنها تلبي استراتيجية
حركتي "حماس" و"الجهاد" بأنها لن تشارك في أي نظام محكوم سقفه
باتفاق أوسلو، فالآن تنسحب "إسرائيل" دون قيد أو شرط ودون
اتفاق مع السلطة الفلسطينية مما يقلل ما تسميه "حماس" "مخاوفها
الأمنية".وهذا ما تبين من الوثيقة الداخلية التي أعدّتها
"حماس" للتعامل بعد الانسحاب من غزة "حيث أكدت أنه في حال حدوث
الانسحاب من خلال اتفاق مع الاحتلال يتضمن التزامات أمنية أو
تسليم القطاع إلى السلطة الراهنة أو أي طرف فيها فإنّ موقف
الحركة إذن أن لا تشارك في هذة الصيغة بحكم رفضها لمرجعية
اوسلو".(13)
ثانياً:
تعتبر "حماس" و"الجهاد" أن الانسحاب من غزة أتى نتيجة المقاومة
وهذا سيبرر موقفها أمام جماهيرها من الاشتراك في أي نظام قد
يبرز على أثر الانسحاب المرتقب.
ثالثاً:
ومن أهم العوامل على صعيد التقارب الوطني ما أوجدته الانتفاضة،
وبالذات فيما يخص التيار الرئيسي في الشارع الفلسطيني (حركة
فتح)، حيث إن ضياع الهوية "الفتحاوية" والتفكك الذي أصاب
الحركة سواء على مستوى القيادة أو مستوى القاعدة خلق بلبلة
داخل ما كانت تسميه الحركتان الفكر المضاد للمقاومة –أي مشروع
السلام– وهذا أدى إلى مدّ جسور التعاون والحوار من جديد وعلى
قاعدة أصبح يرددها القادة والمسؤولون السياسيون في حركة حماس
"شركاء في الدم شركاء في القرار".
لكن، رغم هذه الايجابيات هناك بعض السلبيات التي تعترض قيام
نظام سياسي مبني على التعددية ويضم في أطيافه أغلب الفاعلين
الرئيسيين على الساحة ومن هذه السلبيات:
1.
دور الاحتلال "الإسرائيلي" وذلك ضمن قضيتين، فهل سيوافق
الاحتلال "الإسرائيلي" على حكومة تشارك فيها "حماس" و"الجهاد
الإسلامي" حيث إن موقف الاحتلال مرتبط بإكمال عمليات الانسحاب،
وبالتالي فإنّ الكيان "الإسرائيلي" يمسك بكامل خيوط اللعبة.
والقضية الأخرى: هل سينسحب الاحتلال انسحاباً نهائياً من غزة
أم لا؟
2.
هناك مشكلة ستواجه كلتا هاتين الحركتين وهي ذات ثلاثة أبعاد:
البعد الأول:
الاستعداد لدخول الحياة السياسية الرسمية، فهل ستقوم هاتان
الحركتان فعلاً بإلقاء ثقلهما داخل الحياة السياسية، وهذا
الموضوع من الأهمية بمكان إذ أنه قد تشارك هذه الحركات مشاركة
غير فعالة وبالتالي لن تحصل على ما تتوقعه، وهنا تظهر مشكلة
داخل الاطر التنظيمية لكلتا الحركتين حول الجدوى من المشاركة،
وهذا قد يؤدي إلى انسحابهما من العملية السياسية والعودة إلى
المربع الأول.
البعد الثاني:
طبيعة الدور الذي ستطّلع به هذه الحركات في الضفة الغربية حيث
أنه وكما جاء على لسان السياسيين في حركة "حماس" من أمثال
إسماعيل هنية "إن حماس لن توقف عملياتها داخل القطاع إذا لم
يكن الانسحاب الإسرائيلي شاملاً".(14) أي بمعنى أن
حماس ستبقى تمارس عملياتها داخل الضفة وداخل الخط الأخضر،
وبالتالي؛ هل ستستطيع حماس أن تكون جزءاً من النظام السياسي في
غزة وأحد أعمدة المقاومة والمعارضة في الضفة؟ حيث إنه من
المتوقع أن تنقل "حماس" و"الجهاد" ثقلهما إلى الضفة الغربية في
محاولة لصناعة نفس القاعدة التي صنعت في غزة من قبل.
البعد الثالث:
المشاركة الكاملة في صناعة القرار الفلسطيني، كالمشاركة في
م.ت.ف. وهذا يتطلب آليات معقدة ليس من السهل توقع تبلورها تحسم
لغاية 2005م.
بعد تناول هذا التحليل الجزئي للحالة التي قد تستجد ويصبح
الجميع مجبرين على التعاطي معها، وبغض النظر عن الايجابيات
والسلبيات التي قد تشجع أو تقف حجر عثرة في عملية تشكيل نظام
حكم فلسطيني صالح فإنّ الأحزاب السياسية الفلسطينية مطالبة بأن
تتعامل بجدية لا متناهية مع قضية جودة ونزاهة الأداء الفلسطيني
في المرحلة المقبلة، وذلك لأنه كما يقول "عمر شعبان إسماعيل"،
يجب عدم قصر بحث موضوع الانسحاب من غزة على جانبه
السياسي-الأمني فقط "حيث إن هذا الانسحاب يحمل في طياته مزيداً
من السيطرة على ثروات ومقدرات جديدة ما سيعمل على إثراء السلطة
والتي تتمثل في أكثر من 100 كلم2 من الأراضي الجيدة
والبنية الزراعية والسياحية والصناعية المؤهلة".(15)
ولذا فإنّ عدم قيام نظام سياسي فلسطيني ناجح سيكون له آثاره
البالغة ليس فقط على قطاع غزة، بل وكذلك على الضفة الغربية،
خاصة إثر الأحداث الأخيرة التي عصفت بالنظام السياسي للسلطة
والتي تمثلت في الانقسامات والرتابة في إدارة توزيع الشرعية
السياسية في الحكم ضمن قاعدة "من يستحق أن يحكم" مما كشف خللاً
كبيراً يجب تداركه. وبناء على كل ما سبق من عقبات تواجة إقامة
نظام سياسي فلسطيني متماسك يمكن ملاحظة الصيغة التوفيقية التي
قدمتها حركة "حماس" التي طرحت أنه في حال عدم التوصل إلى
الصيغة القيادية المرجعية يتم تشكيل إطار قيادي مرجعي في
القطاع من كافة الفصائل إلى أن يتم الانسحاب الفعلى النهائي من
القطاع(17).ومن الملاحظ أن الأمور تسير في هذا
الاتجاه خاصة بعد إخفاق الفصائل الفلسطينية في التوصل إلى ما
سمّي وثيقة الشرف، لتنظيم العلاقة السياسية والميدانية فيما
بينها.
قائمة المراجع:
1-جاءت تصريحات "هنية" هذه في مقابلة أجراها معه المركز
الفلسطيني للاعلام بتاريخ (20\7\2004(.http:www.palestine-info.
Archive
2-كان ذلك نتيجة مسح أجرته القناة الأولى للتلفزيون
"الإسرائيلي" كما أوردت ذلك شبكة الشرق الأوسط للإعلام على
موقعها:
http://www.mideastweb.org\log\archives\00000252htm
3-شبكة الشرق الأوسط. مصدر سبق ذكره
4-جريدة البيان. (13/6/2004)
5-المركز الفلسطيني للاعلام.(7/6/2004) نقلا عن مؤسسة "ألفا"
العالمية للأبحاث والمعلوماتية واستطلاعات الرأي.
6-جريدة القدس (15\4\2004)
7-جريدة القدس، مصدر سابق
8-http://www.israelforum.com
9-نقلا عن جريدة هآرتس "الاسرائيلية" بتاريخ (16\6\2004) وذلك
على موقع
http://www.fromoccupiedpalestine.org
10-جريدة الأيام (17\6\2004)
11-باروخ كمرلنج. الثابت والمتحول في المجتمع والثقافة "الاسرائيلية".
مجلة قضايا "إسرائيلية" صيف 2001، ص 5-6
12-جريدة الأيام (17/6/2004)
13-مرجع سابق (15\6\2004)
14-الحياة الجديدة (2\8\2004)
15-جريدة الأيام (12\6\2004)
16-جريدة الأيام (26\6\2004)
17-الحياة الجديدة (2\8\2004)
|