|
هل المجتمع الصهيوني مستعد للتسوية؟
ياسر زغيب
مقدمة
أولاً: الأحزاب الصهيونية تعكس حقيقة المجتمع
وهويته
ثانياً: معسكرات
ومعتقدات
ثالثاً: الحدود الاعتقادية والسياسية بين
المعسكرات
رابعاً: الجنوح العام نحو
اليمينية
خامساً: استطلاعات الرأي والموقف "الإسرائيلي" من
التسوية
سادساً: الأحزاب "الإسرائيلية" ومشاريع
التسوية
سابعاً: الخلفية السياسية للموقف "الإسرائيلي" من
التسوية
ثامناً: أي سلام يريده "الإسرائيليون"؟
خاتمة
الهوامش
مقدمة
يتقاسم الحياة السياسية والحزبية في الكيان الصهيوني ثمانية
عشر حزباً سياسياً ممثلاً في الكنيست المنتخب سنة 2003، وعدد
من الحركات والتنظيمات التي قد لا ينطبق عليها تماماً تعريف
مصطلح الحزب السياسي، ولكنها تلعب دوراً هاماً في الحياة
السياسية والاجتماعية والدينية في محطات سياسية هامة، خاصة تلك
التي تتعلق بالتسوية السياسية والتخلي عن أراضٍ لمصلحة العرب
سواء في فلسطين التاريخية أو الجولان السوري المحتل وربما في
سواها من الأراضي العربية...
وصحيح أن الغلبة تكون دوماً لمصلحة الحزبين الرئيسيين، سواء في
الانتخابات أو المفاصل السياسية الهامة، إلا أن الأحزاب
الصغيرة وخاصة الدينية منها غالباً ما تكون بيضة القبّان عندما
يكون التنافس حاداً بين الليكود والعمل على تشكيل الحكومة،
وكثيراً ما تنجح هذه الأحزاب والحركات الدينية بدعم من
الحاخامات في تعطيل مشاريع سياسية هامة تتعلق على وجه الخصوص
بأراضي "الدولة" والتسوية السياسية مع العرب.
أولاً: الأحزاب الصهيونية تعكس حقيقة المجتمع وهويته:
لا يمكن للمراقب معرفة الخصائص المميزة للحياة السياسية في
الكيان الصهيوني، ووجهة سير وموقف المجتمع، من دون القراءة
الموضوعية والمتأنية للأحزاب في الكيان ومنابعها الأيديولوجية
ومشاريعها السياسية وأحجامها التمثيلية، فالأحزاب في "إسرائيل"
تحتل مكانة هامة وحيوية في الحياة السياسية كونها هي التي تعبر
عن الرؤية السياسية للشارع من جهة، وهي السبيل الوحيد الذي
يخوّل الطامحين إلى دخول الكنيست والحياة السياسية من الترشح
للانتخابات على أساس أن النظام الانتخابي في "إسرائيل" نظام
نسبي يقوم على اعتبار الكيان الصهيوني كله دائرة انتخابية
واحدة.
وصحيح أن المبرر السياسي والقانوني لنشأة الأحزاب السياسية
يعتبر في مقدمة العوامل المسهمة في هذه النشأة إلا أن كثرة
الأحزاب وانقساماتها واختلاف أيديولوجياتها تعكس الانقسامات
الحادة الموجودة في المجتمع "الإسرائيلي" وأبرز هذه
الانقسامات:
-
الانقسام الإثني بين اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود
الغربيين (الإشكناز)(1).
-
الانقسام الاجتماعي-الثقافي بين المهاجرين القدامى والمهاجرين
الجدد (القادمين بشكل خاص من الاتحاد السوفياتي السابق)(2).
-
الانقسام القومي بين الفلسطينيين العرب واليهود.
-
الانقسامات بين اليهود العلمانيين واليهود الدينيين والتي تأخذ
طابعاً سياسياً وأيديولوجياً حول طابع الدولة العام ومستقبل
المناطق المحتلة...، والتي تمحورت في العقد الأخير حول اتفاق
أوسلو، إضافة إلى المستعمرات الصهيونية اليهودية في الأراضي
المحتلة عام 1967... إلخ(3)
هذه الانقسامات الكبيرة والهامة تظهر بحدة في المفاصل السياسية
والتحالفات الانتخابية والبرامج السياسية للأحزاب وهي تشكل
مادة جذب سياسي-انتخابي لصالح هذا الحزب أو ذاك، في المجتمع
الصهيوني في "إسرائيل"؛ لكن الحديث عن هذه التجاذبات
والانقسامات يبقى عاماً وتنقصه الدقة إذا لم يتم وضع هذه
الأحزاب وأيديولوجياتها السياسية والاعتقادية في قوالب محددة
تعكس حجمها وتقاربها وتباعدها عن بعضها البعض، وذلك حتى نتمكن
من الحكم من خلال هذه الأحزاب على استعداد المجتمع الصهيوني
لتقبّل التسوية السياسية مع الفلسطينيين والعرب.
ثانياً: معسكرات ومعتقدات
تعرضت وتتعرض الخارطة الحزبية للأحزاب السياسية في "إسرائيل"
لتغييرات شبه دائمة ومستمرة منذ قيام دولة الكيان بموجب قرار
تقسيم فلسطين في العام 1947، وذلك على الرغم من بقاء حزبي
العمل والليكود الحزبين الأساسيين في المعادلة السياسية منذ
فترة طويلة نسبياً. وقبل الدخول في تبيان الخارطة السياسية
لهذه الأحزاب لا بد من الإشارة إلى أن التغييرات تشمل في بعض
الأحيان المرتكزات الاعتقادية والسياسية للحزبين الأساسيين
الذين يعتقد أنهما علمانيين، في حين أن معتقداتهما السياسية
تجاه فلسطين هي معتقدات دينية ذات طبيعة صهيونية في جوهرها
وتفاصيلها.
تنقسم الأحزاب "الإسرائيلية" تقليدياً إلى معسكرات. وغالباً ما
تكون الرؤى والمشاريع هي العامل المشترك بين الأحزاب المنضوية
مع بعضها البعض في معسكر واحد، وهذه المعسكرات هي:
1-
معسكر اليسار:
يندرج تحت تصنيف معكسر اليسار حالياً في "إسرائيل"، بالمعنى
الشائع للمصطلح هناك ما يلي: حزب العمل؛ كتلة "ميرتس"، التي
تتألف من حزب "ميرتس" المكوّن من حزبي "مبام" و"راتس"، ومن
مجموعتين صغيرتين انضمتا حديثاً إلى الحزب، هما، حركة شامر
وحزب الخيار الديموقراطي؛ حزب عام إحاد (شعب واحد) الذي يمثل
التعبير السياسي للهستدروت (إتحاد نقابات العمال في
"إسرائيل").
2-
معسكر الوسط:
قد يكون من المبالغة القول إنه يوجد في "إسرائيل" حالياً
"معسكر" يمثل الوسط، إذ إن الحزب الوحيد الذي تنطبق عليه هذه
الصفة هو حزب شينوي. وقد كان هذا الحزب يُدرج سابقاً بناءً على
مواقفه السياسية، وربما أيضاً ضآلة نفوذه، في معسكر اليسار.
لكن فوزه في الانتخابات الأخيرة سنة 2003 بـ15 مقعداً في
الكنيست، أي أقل من حزب العمل بـ4 مقاعد فقط وإصراره على أنه
حزب وسط وليس حزباً يسارياً، إضافة إلى مضمون طروحاته، وإعلانه
صراحة أنه يمثل الطبقة الوسطى في "إسرائيل"، كل هذه الأمور
جعلت "شينوي" حزباً يصنف على أنه حزب وسطي وليس يسارياً(4).
3-
معسكر اليمين:
شكل حزب الليكود في انتخابات سنة 2003 معسكر اليمين في الكيان
الصهيوني، وهو يحتل في الخارطة الحزبية موقعاً يمتد من يمين
الوسط إلى أقصى اليمين، وقد انضم إلى هذا المعسكر مؤخراً "يسرائيل
بعلياه"، وحزب الاتحاد القومي المكوّن من أحزاب أقصى اليمين:
"إسرائيل بيتنا"، و"موليدت" و"تكوما".
4-
المعسكر الديني:
ينقسم عالم المتدينين في أوساط اليهود داخل الكيان الصهيوني في
الأساس إلى قسمين رئيسيين هما: المتدينون الصهيونيون الذين
يسمون بالعبرية "هتسيونيم"، والمتدينون المتشددون الذين
يُسمّون "حريديم"، وينتمي كلاهما إلى التيار الأرثوذكسي في
الديانة اليهودية. ويمثل القسم الأول في الساحة السياسية
"الإسرائيلية" حزبي "المفدال و"ميماد"، ويمثل القسم الآخر
أحزاب "أغودات يسرائيل" و"ديغل هتوارة" (المتحدين حالياً في
كتلة "يهدوت هتوارة") وحزب "شاس".
ثالثاً: الحدود الاعتقادية والسياسية بين المعسكرات
حدثت خلال العقود المختلفة من عمر الكيان الصهيوني تغييرات
معقدة في أحجام المعسكرات وموازين القوى بينها، كما حدثت
تغييرات أو انقلابات في الأفكار والمرتكزات الفكرية
والاعتقادية لبعض الأحزاب من هنا وهناك جعلتها تنتقل من معسكر
إلى آخر ربما أكثر من مرة. وقد يلحظ المتتبع لتطور مجريات
الأمور في الساحة الحزبية "الإسرائيلية" ظاهرة يجدر تفسيرها
تتجسد في سهولة انتقال أحزب أو مجموعات أو قادة حزبيين بارزين
من معسكر على آخر خاصة خلال العقد الأخير من القرن الماضي، وقد
كان للأحداث التاريخية التي شهدها القرن الماضي على مستوى
التسوية السياسية مع العرب والفلسطينيين واتفاق أوسلو، -إضافة
إلى التطورات الداخلية في الكيان الصهيوني- الدور الكبير
والهام في التراخي في الالتزام الأيديولوجي من قبل الأحزاب
"الإسرائيلية" شيئاً فشيئاً تجاه القضايا التي كانت في الماضي
تشكل أساس الانقسام بين المعسكرات، وقد أدت مجمل هذه التطورات
إلى تآكل كبير في الحدود والأسوار التي كانت قائمة بين
المعسكرات، ولتجعل ممكناً انتقال حزب يميني مثل "غيشر" (بزعامة
ديفيد ليفي) إلى معسكر اليسار، وانتقال مجموعة من أبرز قادة
الليكود (دان ميريدور، إيهود أولمرت ويتسحاق مردخاي) إلى معسكر
الوسط، ثم عودة جميع هؤلاء مع حزب غيشر إلى الليكود دون أن
يبدو في الأمر الكثير من الريبة(5).
وصحيح أن سهولة الانتقال كانت خلال العقد الأخير كبيرة بين
معسكر ومعسكر، والتراخي الأيديولوجي كان واضحاً في سبيل تحقيق
إنجازات سياسية معينة من قبل أكثر من طرف في الكيان الصهيوني،
إلا أن كل هذه الملاحظات لم تتعدَّ الشكل فقط فيما يتعلق
بالتسوية مع العرب والفلسطينيين، حيث سيطرت الأفكار اليمينية
الصهيونية المتطرفة على كافة المعسكرات وألغيت فعالية معسكر
السلام الذي أصبح كمن ينفخ في الرماد.
رابعاً: الجنوح العام نحو اليمينية
في الاعتبارات الأيديولوجية يمكن القول بأن كل من غادر أرضه
ووطنه الأصلي متجهاً إلى فلسطين، تحت تأثير الحركة الصهيونية
وإيماناً بما تدعو إليه، يعتبر صهيونياً متطرفاً أراد اغتصاب
حق غيره عن سابق إصرار وتصميم.
ولكن أدرك بعض الصهاينة أن المصلحة القومية والسياسية
والاستراتيجية لليهود تكمن في العمل على إيجاد صيغة لتسوية ما
مع العرب والفلسطينيين تحقق الطموح الصهيوني بإقامة دولة
"إسرائيل" العظمى اقتصادياً وسياسياً بعدما سلّم هؤلاء
باستحالة إقامة دولة "إسرائيل" جغرافياً. ونادى هذا البعض
بتسوية مع العرب على أرضية الأرض مقابل السلام، منذ فترة
طويلة، مطالبين بسلام كامل وتطبيع شامل مع العرب، داعين إلى
شراكة كاملة بين العرب و"إسرائيل" تخرج "إسرائيل" من عزلتها،
وتجعلها قطب الرحى في نظام إقليمي جديد.
وصحيح أن هذا النظام الإقليمي الجديد لم تكن معالمه قد اكتملت
بعد، حين وافقت مصر أواخر السبعينيات على معاهدة "سلام" منفردة
مع "إسرائيل"، إلا أن المشروع الإقليمي الذي كانت تطمح
"إسرائيل" لبلورته لتصبح سيدة له قد بدأ يبصر النور في وقت
مبكر وربما بدأت تباشيره النظرية تظهر مع معاهدة "كامب ديفيد"
قبل صياغته على الورق عملياً في كتب وتحليلات قادة العدو.
وفي مطلع التسعينيات تسارعت الأحداث، وأصبح النفوذ الأمريكي في
المنطقة كبيراً، وباتت الجيوش الأمريكية في مختلف دول الخليج،
لقد حقق رئيس العراق السابق صدام حسين الحلم الذي راود
الأمريكيين و"الإسرائيليين" طويلاً بدخوله إلى الكويت.
أمام هذا الواقع الجديد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية
و"إسرائيل" أن يفرضا على العرب مؤتمراً للتسوية في مدريد في
العام 1991، وبدأ القوي يفرض شروطه على الضعيف فتساقطت الدول
العربية أمام التسوية المذلّة مثل أوراق الخريف، وظن العرب بعد
توقيع الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية اتفاقات مع الكيان
الصهيوني، وافتتاح مكاتب تجارية في قطر والبحرين وزيارة رئيس
وزراء العدو إلى المغرب وغيرها من عمليات التطبيع، أن عليهم
القبول بما يقدم لهم وأن المجتمع "الإسرائيلي" سيقابل العرب
بالسلام شيئاً فشيئاً في المستقبل، إلا أن خبراً شكل صدمة
للعرب:
"إسرائيلي" يقتل رئيس وزراء "إسرائيل" إسحاق رابين لأنه خان
الأمانة وقدم وعوداً للعرب بالتخلي عن أراضٍ تحتلها "إسرائيل"
في الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة.
وقف التاريخ في "إسرائيل" ووقفت التسوية عند هذا الحد وشكلت
الرصاصات التي قتلت رابين إعلاناً بأن "إسرائيل" منقسمة على
نفسها؛ فبعضها يريد "إسرائيل" العظمى والبعض الآخر لا يرفض ذلك
ولكنه يريدها كبرى أيضاً، وبدلاً من أن تكون المشكلة في الشارع
"الإسرائيلي" المنقسم على ذاته بين طرفين كلاهما مُرٌّ على
العرب، إنقسم العرب وراحوا يتوجسون خيفة على منجزات التسوية
التي حققت مع الفلسطينيين أن تضيع فكانت التنازلات الفلسطينية
تتوالى تترا من أجل ترجيح كفة اليسار على اليمين في الشارع
"الإسرائيلي"، في وقت بقيت فيه سوريا ومعها لبنان يناشدان
العرب والفلسطينيين إيقاف المهزلة والعودة إلى الصف الواحد؛
نعيش معاً ونموت معاً، نفاوض معاً ونسالم معاً، ولكن كان الصوت
يخنقه الصدى ويقتله الخوف، ولا يلقى الأذن الصاغية!
في هذه الأثناء كان الواقع "الإسرائيلي" يسير نحو المزيد من
التطرف بلغ حداً أوقفت فيه "إسرائيل" أي تقدم على المسار
الفلسطيني، وبات الفلسطينيون بين مطرقة التسوية وسندان التملص
الصهيوني منها تحت ذريعة أن المجتمع "الإسرائيلي" غير مستعد
لتقديم تنازلات للفلسطينيين، وأن على الفلسطينيين أن يُوقفوا
كل ما من شأنه أن يؤدي إلى إزعاج هذا المجتمع، وأن يقضوا على
كل الفصائل التي لازالت تؤمن بالمقاومة خياراً لتحرير الأرض،
وكادت الفتنة تطرق أبواب الفلسطينيين لولا أن "الإسرائيليين"
كانوا على درجة من "الغباء" أظهرت لجميع الفصائل الفلسطينية
بما في ذلك المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية أن
"إسرائيل" لا تريد تقديم شيء في الوقت الذي تطالب فيه بكل شيء؛
وكان الطلاق الحقيقي بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" في تموز
من العام 2000 عندما رفض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات التوقيع
على إنهاء الصراع مع "الإسرائيليين" مقابل اتفاق منقوص في "كامب
دايفيد" برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون آنذاك، بسبب تأكيد
رئيس وزراء العدو إيهود باراك حينها السيادة "الإسرائيلية"
الكاملة على القدس(6).
لقد كان طبيعياً أمام هذا الواقع الذي أوجده الساسة الصهاينة
أن يرتفع الخطاب الديني الأيديولوجي من جهة، واليمين المتطرف
سياسياً في "إسرائيل" من جهة ثانية وأن ينتصر النهج الذي أودى
بحياة إسحاق رابين على ما يسمى "بالاعتدال الإسرائيلي"(7).
وكانت الانتفاضة الثانية نتيجة طبيعية لوصول المجتمع
"الإسرائيلي" إلى مرحلةٍ تخلى فيها عن كل مستلزمات التسوية من
مبادئ مؤتمر مدريد إلى اتفاقات أوسلو ووادي عربة وواي بلانتيشن
وطابا وشرم الشيخ... إلخ التي وقّعت بشكل مباشر وبرعاية
أميركية مع الفلسطينيين.
وهنا قد يخطئ البعض التقدير عندما يعتبر أن الانتفاضة هي ردة
فعل فلسطينية فقط، فهي فعل "إسرائيلي" مقصود هدف إلى استدراج
ردة الفعل الفلسطينية، وما محاولة أرييل شارون تدنيس المسجد
الأقصى في 27/أيلول/2000 والتي أسهمت في اندلاع شرارة
الانتفاضة، إلا لأن اليمين "الإسرائيلي" الذي يتزعمه شارون كان
يسعى حينها لمنع أي تقدم على المسار الفلسطيني، لا وبل الرجوع
عن بعض المكتسبات البسيطة التي حصل عليها الفلسطينيون في
محاولة لحصر التسوية في أطر إدارية بلدية ضيقة. وقد تسلح شارون
حينها بالفشل الذي حصل في كامب ديفيد في تموز 2000 بعدما رفض
عرفات ما عرضه باراك عليه من تسوية منقوصة تغفل عدة مسلّمات
فلسطينية وتنحصر في حدود العام 1967. ومن أبرز هذه المسلّمات:
-1- إن باراك كان يرسل مقترحاته عبر كلينتون الذي كان يسعى
لفرضها بالقوة على عرفات.
-2- التسوية المعروضة على عرفات لم تكن تلبي الحد الأدنى من
طموح الفلسطينيين. وكانت في الوقت نفسه تطلب من عرفات توقيعه
على إنهاء الصراع.
-3- العرض "الإسرائيلي" لم يشمل القدس الشرقية ذات الحدود
البلدية الموسعة ونتوء اللطرون، وسطح مياه شمال غرب البحر
الميت، إن معنى هذا تخلي السلطة الفلسطينية عن سيادتها على
الضفة الغربية أولاً، وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية ثانياً،
والتخلي عن المناطق التي تشكل معاً حلقة اتصال جغرافي بين
منطقة رام الله/نابلس في الشمال ومنطقة بيت لحم الخليل في
الجنوب، وفي هذا إلغاء لدور القدس كعاصمة لفلسطين التي تم
التظاهر بالقبول بها، فالأراضي التي كان "الإسرائيليون" ينوون
الاحتفاظ بها بموجب كامب ديفيد الفلسطيني في العام 2000، في
القدس وما حولها هي الأكثر خطورة، سياسياً واقتصادياً،
واستراتيجياً وسيكولوجياً، على قابلية الدولة الفلسطينية
مستقبلاً للحياة.
-4- إن "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية، جعلا التنازل
عن حق العودة شرطاً ضمنياً في صيغة كامب ديفيد الفلسطينية.
-5- الاعتراف الأمريكي الصريح بشرعية المستوطنات ووجودها
وبقائها في الضفة الغربية.
-6- غير أن الصدمة الكبرى التي تعرض لها عرفات ودفعته حينها
إلى الرفض الكلي لما عرض عليه فكانت -إلى جانب ما سبق- مطالبة
باراك بالسيادة اليهودية على الحرم القدسي الشريف(8).
لقد بلغ التطرف "الإسرائيلي" في كامب ديفيد حدوداً لم يبلغها
في أي وقت مضى، حيث تم التراجع عن كل الالتزامات "الإسرائيلية"
في أوسلو، وعن كل الضمانات الأميركية للفلسطينيين، وبات
"اليساري" "الإسرائيلي" إيهود باراك ينطق بمنطق اليمين الديني
الصهيوني المتطرف مع اختلاف في الشكل فقط، والدلائل على ذلك
كثيرة، ولعل من أهمها: عدم استعداده للتخلي عن المستوطنات في
الضفة الغربية ودعوته إلى سيادة "إسرائيلية" على الحرم القدسي
الشريف وهو أمر لم يطرحه أي رئيس وزراء "إسرائيلي" في يوم من
الأيام(9).
التطرف "الإسرائيلي" تصاعد بعد ذلك، وألغيت القيود
الأيديولوجية بين المعسكرات "الإسرائيلية" المختلفة فيما يتعلق
بحق العودة والقدس والمستوطنات والدولة الفلسطينية في المدى
المنظور على الأقل.
إذن، فالانتفاضة الثانية هي ثمرة التعنت والتعصب "الإسرائيلي"
وعدم الاستعداد لأي شكل من أشكل التسوية مع الفلسطينيين بعدما
رفض "اليسار" الصهيوني الحد الأدنى من المطالب التي يقبل بها
المفاوض الفلسطيني، فكيف الحال إذا ما وصل اليمين الصهيوني إلى
سدة الحكم؟
إزداد هذا التطرف مع الانتفاضة، فضعفت إن لم نقل ثلاشت قدرات
الحركات التي تدعو إلى التسوية في الكيان الصهيوني والتي كانت
تسمى بمعسكر "السلام"، ورأى "الإسرائيليون" إن الحل يكمن
بالقضاء على الانتفاضة وقواها وتدمير قدراتها وجعل ذلك الهدف
الأول، فيما بات الحديث عن التسوية، "إسرائيلياً"، يتم في خدمة
هذه الغاية وهذا الهدف. وكان طبيعياً وصول زعيم حزب الليكود
اليميني المتطرف في ظل هكذا أجواء إلى رئاسة الحكومة
"الإسرائيلية" بعد ما جعل هدفه الأساسي وبرنامجه الانتخابي
يقوم على إنهاء الانتفاضة في مهلة أقصاها مئة يوم.
وصل شارون إلى رئاسة الحكومة ووضع أهدافاً لحكومته:
-
القضاء على الانتفاضة.
-
ضمان الأمن للمجتمع الصهيوني.
-
فرض تسوية على الفلسطينيين بالشروط "الإسرائيلية"، التي كانت
أكثر صرامة بالتأكيد من الشروط التي وضعها باراك في العام 2000
أمام عرفات في كامب ديفيد.
وقد انعكس "المشروع الشاروني" على مجمل الأوضاع على النحو
التالي:
-
في الوسط "الإسرائيلي" مزيداً من التطرف الذي أوجد الغطاء
لشارون وجيشه وحكومته للقيام بكل ما من شأنه تحقيق الأهداف
الآنفة الذكر، فدمرت التسوية والمبادئ التي قامت عليها، وعادت
الأمور إلى نقطة الصفر، واعتبر "الإسرائيليون" أن ياسر عرفات
شريكهم السابق في عملية التسوية هو المسؤول الأول عن اندلاع
الانتفاضة، وعليه انتفى الشريك الفلسطيني كلياً...
-
فلسطينياً، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيار لا ثاني له هو
الصمود والمقاومة بعد أن دمرت "إسرائيل" مرافق السلطة وقواعد
الشرطة وقيادة المقاطعة واحتلت المدن في الضفة وحاصرت غزة، حيث
انقطع الفلسطيني عن العالم، وبات الرئيس الفلسطيني أسير
الأسوار التي صنعتها التسوية العقيمة. وعلى الرغم من ظهور
العديد من المحاولات الفلسطينية لشق الجدار "الإسرائيلي" من
خلال استنكار السلطة لكافة العمليات الاستشهادية والعسكرية
داخل حدود 1948، والاستجابة الكاملة للمطالب الأميركية-"الإسرائيلية"
بملاحقة منفذي عملية اغتيال الوزير "الإسرائيلي" المتطرف
رحبعام زئيفي... إلخ، إلا أن التطرف "الإسرائيلي" بلغ حدوده
القصوى برفض كل ما يأتي من الفلسطينيين من اقتراحات، وكان
المطلب "الإسرائيلي"؛ استسلاماً فلسطينياً دون أية شروط أو
مكتسبات.
-
عالمياً: لم يكن للموقف العالمي أي صدى، فأرييل شارون يحظى
بحماية الإدارة "الأميركية رئيسها جورج بوش، والعالم كله يردد
صدى الخطاب "الأميركي الذي كان يرعد في الخليج واعداً بنظام
عالمي جديد.
المعطيات الآنفة الذكر أكدت في حينه:
-1- زيادة حدة التطرف ومستواه في المجتمع الصهيوني.
-2- رفض الصهاينة لأي شكل من أشكال التسوية مع الفلسطينيين.
-3- تغير الخارطة السياسية التي تقسم على أساسها الأحزاب
"الإسرائيلية" تقليدياً إلى معسكرات، فبات اليمين هو أقصى
اليمين واليسار وسطاً والوسط يميناً.
لكن شارون فشل في إيقاف الانتفاضة خلال السنتين الأولى
والثانية، ووصلت المئة يوم إلى مئة أسبوع. فالانتفاضة
الفلسطينية أثبتت أنها قادرة على الفعل أو على الأقل على ردة
الفعل بوجه الاعتداءات "الإسرائيلية" المتواصلة على الرغم من
وحشية الاعتداءات من جهة والحصار الذي لم يشهد له التاريخ
الحديث مثيلاً من حيث المدة الزمنية والشدة من جهة ثانية.
فماذا أحدث الصمود الفلسطيني هذا؟
خامساً: استطلاعات الرأي والموقف "الإسرائيلي" من التسوية
لن نجيب عن السؤال الآنف الذكر مباشرة، لأن الإجابة بحاجة إلى
المزيد من المقدمات، ونريد في هذا المجال التأكيد على أن الجو
العام في الشارع "الإسرائيلي" غير مهيأ لقبول تسوية سياسية مع
العرب، وحتى لا تتحول المسألة إلى تعابير فضفاضة لا بد من
تأكيد ذلك بالأرقام وفقاً لعدة استطلاعات للرأي أجريت في
الكيان الصهيوني:
-
63.7% من اليهود يؤيدون تشجيع هجرة العرب من أراضي 1948(10).
-
79.2% من اليهود يؤيدون سياسة التصفيات التي تمارسها "إسرائيل"
ضد الفلسطينيين(11).
-
69% من اليهود يعتبرون أن السياسة الأكثر تنازلاً من قبل حكومة
العدو لن تؤدي إلى هبوط العمليات(12).
-
61% من "الإسرائيليين" اعتبروا أن يوسي بيلين بعد توقيعه على
معاهدة جنيف (التي كانت مجحفة جداً بحق الفلسطينيين) لا يمثل
المصلحة القومية "الإسرائيلية"(13).
-
66% من اليهود في "إسرائيل" لا يشعرون بعطف على الفلسطينيين
الذين هدمت منازلهم.
-
51% اعتبروا أن القوة التي استخدمها الجيش ضد المدنيين
الفلسطينيين لوقف الانتفاضة كانت ملائمة(14).
-
47% من "الإسرائيليين" يعتقدون أن أرييل شارون أقدر شخصية
"إسرائيلية" على تحقيق السلام "للإسرائيليين"، في حين حصل
أربعة منافسين له في الاستطلاع على نسب تتراوح ما بين 11% و17%(15).
تجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن التأييد لشارون جاء على
خلفية وصفه بالبلدوزر القادر على إيقاف الانتفاضة وقمع
الفلسطينيين بالحديد والنار.
إن قراءة الأرقام الآنفة الذكر إن دلت على شيء إنما تدل على
الغطاء الشعبي الواسع لسياسة شارون التدميرية التي انطلقت تحت
شعار تأمين الأمن والحماية للمجتمع "الإسرائيلي" وإيقاف كافة
أشكال التواصل مع الفلسطينيين على قاعدة أن لا حوار ولا تفاوض
في ظل "الإرهاب"؛ إضافة إلى ذلك فإن هذه الأرقام المتطرفة في
العداء للعرب من جهة ورفض خيارات التسوية معهم، كانت تقابلها
خيارات أخرى متعددة، لكن خيار العداء للعرب نال الحجم الأكبر
من الأصوات وكل الخيارات الأخرى نالت الأصوات الباقية في ظل
امتناع نسب عالية من العيّنة عن التصويت.
هذه الأرقام تعزز أيضاً السؤال الذي طرحناه آنفاً حول تأثير
الصمود الفلسطيني على المخطط الشاروني؟ وهل يستطيع شارون
الاستمرار في مجاراة الشارع "الإسرائيلي"؟
سادساً: الأحزاب "الإسرائيلية" ومشاريع التسوية
الحياة في الكيان الصهيوني تتسم بسمات متعددة تمكّن من التمييز
بين الأحزاب السياسية انطلاقاً من البرامج والمشاريع السياسية
خاصة فيما يتعلق بالنظرة إلى التسوية مع العرب عموماً، ومع
الفلسطينيين على وجه الخصوص.
ولا بد من التأكيد في هذا الصدد على أن الرؤية أو المشروع أو
البرنامج السياسي يتمايز أحياناً إلى حدود كبيرة بين فريق
وآخر، إلا أن المشاريع السياسية ليست ثابتة لدى الفريق الواحد
في كل المراحل، كما أن شخصيات سياسية تابعة لهذا الفريق أو ذاك
قد تعارض أو تختلف أو تطرح أحياناً مشاريع سياسية خاصة فيما
يتعلق بالحل مع الفلسطينيين تختلف مع الأحزاب التي تنتمي
إليها. وإضافة إلى النقاط التي خلصنا إليها من البرامج
السياسية والمشاريع المطروحة في الكيان الصهيوني، يمكن القول
إن جميع الأطراف السياسية في "إسرائيل"، تلتقي مع اختلافات
بسيطة على:
-
الحفاظ على أمن ووجود "إسرائيل" دولة قوية ومتفوقة على كافة
دول المنطقة.
-
أن "إسرائيل" دولة يهودية، وأن الدولة الثنائية القومية تهديد
لهوية الدولة اليهودية النقية مستقبلاً.
-
أن حق العودة يجب أن يتخلى عنه الفلسطينيون.
-
أن القدس عاصمة أبدية لدولة "إسرائيل".
-
أن الفصل التام يجب أن يعتمد حلاً لمشكلة "إسرائيل" الأمنية مع
الفلسطينيين. وإن كان هناك من دعا إلى ترحيل الفلسطينيين بشكل
عام أو تحدث بصفة ضبابية حول هذه النقطة.
-
عدم تفكيك المستوطنات الأساسية في الضفة الغربية.
-
اعتبار مسألة الدولة الفلسطينية مؤجلة إلى أجل غير مسمى، وأن
الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح والسيادة والتي تتمتع بحكم
إداري محدود مع شكليات خارجية للدولة، هي الدولة المثالية التي
تؤمّن التخلص من الكم السكاني الفلسطيني وتريح "إسرائيل" على
المدى البعيد من الالتزام بإقامة دولة ثنائية القومية تطيح
بالهوية اليهودية للدولة. (توجد اختلافات بين الأطراف والأحزاب
والشخصيات الصهيونية حول طبيعة الدولة الفلسطينية وحدودها
مستقبلاً).
وانطلاقاً مما تقدم فإن من المفيد إيراد جردة بمواقف أو مشاريع
الأحزاب الصهيونية فيما يتعلق بالتسوية عموماً ومع الفلسطينيين
على وجه الخصوص، لتبيان نقاط التمايز بينها من جهة، ونقاط
التوافق من جهة ثانية(16):
|
جدول يبرز مواقف مختلف القوى السياسية في "إسرائيل" حول
القضية الفلسطينية |
|
أحزاب عربية |
شعب واحد |
مفدال |
يهودات هتوراة |
يسرائيل بعليا |
الاتحاد القومي |
الحزب
القضية |
|
- إقامة دولة فلسطينية طبقاً لحدود عام 1967.
- عرفات هو الزعيم الوحيد للشعب الفلسطيني. |
لا يوجد موقف |
- رفض إقامة دولة فلسطينية.
- يجب طرد عرفات. |
- رفض إقامة دولة فلسطينية ولكن يمكن التوصل إلى حل وسط
لهذا الموضوع إذا تم وقف العمليات الإرهابية.
- رفض التعامل مع عرفات. |
- يجب إقصاء عرفات.
- لا يمكن أن تكون هناك تسوية سياسية في ظل غياب
الديموقراطية في المجتمع الفلسطيني. |
- رفض إقامة دولة فلسطينية.
- رفض التعامل مع عرفات.
- يتم حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بعد عقد اتفاقية
ترانسفير.
- الأموال المخصصة للسلطة الفلسطينية تعد تعويضاً عن أضرار
العمليات الإرهابية. |
إقامة دولة فلسطينية |
|
- القدس عاصمة دولة فلسطين.
يجب رفع الحصار عن ممتلكات الأوقاف الإسلامية.
|
تقسيم القدس وتكون تحت السيادة "الإسرائيلية" |
رفض تقسيم القدس وتكون تحت السيادة "الإسرائيلية" |
- يجب المحافظة على عدم تقسيم القدس.
- يمكن دراسة بعض التنازلات إذا تم وقف العمليات
الإرهابية. |
القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي ولا يمكن تقسيمها.
|
- البدء في عملية استيطان شاملة لجميع أجزء المدينة من أجل
ضمان وحدتها. الذهاب لأداء الصلاة في الهيكل الثاني
والسماح بزيارة الأماكن المقدسة لجميع اليهود. |
القدس |
|
معارضة إقامة جدار فاصل. |
لا يوجد موقف محدد |
معارضة إقامة جدار فاصل على قاعدة ضبط الفلسطينيين بحكم
ذاتي إداري. |
الفصل التام |
الجدار الفاصل بمثابة الحل لمشكلة تسلل "المخربين" ولكنه
لن يكون حلاً سياسياً، ويطالب بتبادل الأراضي والسكان(18) |
ترحيل الفلسطينيين(17) |
الجدار |
|
الحزب
القضية |
الليكود |
العمل |
ميرتس |
شينوي |
شاس |
|
إقامة دولة فلسطينية |
- تأييد الحكم الذاتي وتكون الأمور المتعلقة بالأمن
والعلاقات الخارجية مسؤولية "إسرائيل" بدون مشاركة
عرفات. |
- يرفض حق العودة.
- لا يوجد تعامل مع عرفات.
- إيجاد حل لمشكلة الحدود من خلال التنسيق بين الطرفين.
- تبادل أراضٍ لحماية المستوطنات الكبيرة والمستوطنات
الصغيرة. |
- إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.
- تدخل قوات دولية.
- إصلاح السلطة الفلسطينية وتكون باختيار الشعب
الفلسطيني. |
- إقامة دولة فلسطينية بشرط التنازل عن حق العودة.
- عرفات ليس زعيماً لهذه الدولة.
- إقامة حكومة معتدلة. |
يرفض إقامة دولة فلسطينية ويرفض وجود عرفات لاستكمال
مسيرة السلام. |
|
القدس |
القدس عاصمة "إسرائيل" ومعارضة تقسيمها، إغلاق مؤسسات
منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية في
المدينة. |
- القدس عاصمة "إسرائيل".
- المدينة القديمة وساحة الحرم تكون تحت حكم موحد يشترك
فيه مسلمون مسيحيون ويهود. |
- القدس عاصمة لــ"إٍسرائيل" وكذلك لدولة فلسطين. |
إيجاد حل وسط يمكن الجانبين من العيش بجوار بعضهما في
المدينة احترام الأماكن المقدسة لجميع الأديان، مع وجود
القدس تحت السيادة "الإسرائيلية" |
القدس عاصمة "إسرائيل" ورفض تقسيم المدينة بشكل قطعي.
|
|
الجدار الفاصل |
إقامة الجدار والفصل التام واحتفاظ "إسرائيل" بالأراضي
التي تجدها مناسبة(19) |
تأييد إقامة الجدار الفاصل. |
تأييد إقامة الجدار لمواجهة العمليات الإرهابية. |
إقامة الجدار لعدم دخول "مخربين" لـ"إسرائيل".
|
إقامة خط فاصل ولكنه ليس بمثابة حدود سياسية.
|
هذه المواقف والآراء كانت بمثابة المشاريع الانتخابية التي
قدمت من قبل هذه الأحزاب في انتخابات الكنيست للعام 1999،
والتي تكررت نفسها في العام 2003 مع زيادات أكدت على حتمية
واستمرارية هذه المواقف وعدم الاستعداد مطلقاً للتخلي عنها.
وقد أكدت هذه الأحزاب على موقفها الداعم والمؤيد بالإجمال
لجدار الفصل العنصري مع الفلسطينيين والذي يمكن وصفه بأنه بات
أمراً واقعاً الآن.
الأحزاب "الإسرائيلية" –كما أشرنا- لا تلتزم موقفاً ثابتاً
تبقى عليه بشكل دائم، وهي لا تقدم مشروعها السياسي دوماً على
أنه مشروع إجمالي، لذلك نجد أن الخطط والمشاريع السياسية للحل
و"السلام" مع العرب والفلسطينيين تطرح بطريقة عشوائية من هنا
وهناك ومن قبل قادة في الأحزاب "الإسرائيلية" أو وزراء في
الحكومات المتعاقبة سنتعرض لبعض منها لهدفين:
الأول: إبراز حقيقة كل الطروحات الصهيونية على أنها يمينية
متطرفة لا تريد سلاماً بل الاستسلام من قبل العرب.
الثاني: حقيقة وجود اختلافات في المشاريع السياسية
"الإسرائيلية" الأمر الذي يكشف التباينات الداخلية من جهة،
والتنازع على التطرف من جهة ثانية.
-
دوف فايسغلاس" مستشار رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون" قال:
إن خطة شارون ليست بالضرورة هي الخطة التي يطرحها الليكود،
لكنها الأفضل لمستقبل دولة "إسرائيل"، وتابع: إن خطة فك
الارتباط مع قطاع غزة من جانب واحد، تهدف إلى تجميد العملية
السياسية، وتهدف إلى منع إقامة دولة فلسطينية، وتهدف إلى منع
إجراء تداول في قضايا اللاجئين والحدود والقدس، وبالتالي فإن
هذه الصفقة المسماة بالدولة الفلسطينية، بكل ما تنطوي عليه، قد
أزيلت من جدول أعمالنا(20).
-
وللدلالة على عدم وجود خطط سياسية محددة للأحزاب في "إسرائيل"
تلتزم بها وتشكل جزءاً من برنامجها السياسي وثقافة جمهورها،
أكد إسحق ليفي زعيم حزب "المفدال" أن "ليس هناك من الأحزاب
الإسرائيلية من يملك خطة سياسية محددة. هذا وضع مؤسف أن لا
يكون لأكبر حزبين في الدولة خطة سياسية(21)؛ وشدد
على قضية إقامة دولة فلسطينية معتبراً أن ذلك يشكل خطاً أحمر
لحزبه(22).
-
سيلفان شالوم وزير الخارجية "الإسرائيلي" الحالي، إعتبر أن
القضاء على الإرهاب هو الشرط الأساس للمضي بمفاوضات مع
الفلسطينيين، مضيفاً أن خطة الفصل هي مجرد بداية في حال التزام
الفلسطينيين بالشرط الآنف الذكر. وأردف شالوم أن النموذج
المثالي لتعاطي القيادة الفلسطينية الجديدة بعد عرفات هو
مضامين محادثات "قمة العقبة"، مذكّراً بأن لا مناخ ملائم
حالياً لقيام دولة فلسطينية، مع وجوب تكريس إلغاء حق العودة من
خلال تفكيك مخيمات اللاجئين وإعادة تأهيلها وتوطين الفلسطينيين
في الدول العربية(23).
-
زعيم حركة "موليدت" بني ألون أكد أنه لن تنجح أية خطة سلام
تعتمد على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ونادى بترحيل
الفلسطينيين إلى الأردن لأن الأردن هو الدولة الفلسطينية(24).
-
أفيغدور ليبرمان زعيم "إسرائيل بيتنا"، يعتبر أن خطته السياسية
تقوم على الحل الإقليمي العرقي والذي يشمل تبادل الأرض
والسكان. وتدعو خطته إلى التخلي عن التجمعات السكانية
الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة لإقامة "دولة" فلسطينية
عليها مع بقاء الكتل الاستيطانية في نطاق دولة "إسرائيل"، وقد
أعرب مؤخراً عن تعديل خطته لتشمل أحياء عربية صغيرة في القدس
لا تشمل أي تواصل جغرافي في الدولة الفلسطينية المزعومة في
خطته(25).
-
إيهود باراك رئيس الوزراء "الإسرائيلي" السابق، "أكد أن على
جميع القوى "الإسرائيلية" تكثيف الجهود والتعاون على كافة
المستويات من أجل تنفيذ خطة الفصل وتسريع بناء الجدار الفاصل،
معتبراً أن الحل هو الفصل التام مع الفلسطينيين بشكل يضمن
غالبية يهودية لأجيال آتية في دولة صهيونية يهودية
وديموقراطية؛ وأشار إلى ثلاثة مقوّمات ينبغي أن تتوافر في كل
خطة سياسية:
1-
محاربة "الإرهاب" بلا هوادة.
2-
فتح الباب للتفاوض شرط إيقاف العنف.
3-
دعوة الشرعية الدولية للوصاية على السلطة الفلسطينية لثلاث أو
أربع سنوات لتحضيرها من أجل الدولة(26).
هذه نماذج من المشاريع الصهيونية والاختلافات بينها، والتي
طرحت من قبل شخصيات "إسرائيلية" ذات وزن وشأن سياسي في مؤتمر
هرتزيليا الخامس 2004، وهي لا تعتبر المشاريع الوحيدة أو
الثابتة، لأن الأحزاب "الإسرائيلية" طرحت مشاريعها للحل مع
الفلسطينيين و"السلام" مع العرب وكذلك فعل المسؤولون الصهاينة،
إلا أن هذه المشاريع كانت عرضة للتبدل أو التعديل بين فترة
وأخرى باختلاف المعطيات والوقائع من جهة، وموقع الشخصيات
"الإسرائيلية" في معسكراتها من جهة أخرى.
سابعاً: الخلفية السياسية للموقف
"الإسرائيلي" من التسوية"
تنطلق "إسرائيل" بكل أطرافها السياسية وفئاتها الدينية
والعرقية (باستثناء عرب 1948) من مسلّمة أنها دولة موجودة ولن
يُقبل أي مشروع يمسّ بوجودها، وأن قاعدتها الأساسية والضرورية
والثابتة هي الحاجة إلى الأمن أولاً، والاعتراف العربي
والإسلامي الكامل بها ثانياً، وأخذ دورها الريادي في المنطقة
ثالثاً، والحفاظ على تمايزها كدولة يهودية ذات قوة لا تضاهى مع
كل بند من البنود الآنفة.
ولكن الأحزاب "الإسرائيلية" والشخصيات الصهيونية قد اختلفت في
الأساليب لتحقيق هذه الأهداف أو الغايات على نحو سبقت الإشارة
إليه، وبات فرز الجهات والأطراف السياسية يقوم في أحد أشكاله
على أساس المشروع الجيوسياسي لدولة "إسرائيل" مستقبلاً، أي إن
هناك من تحجر عند السعي لتحقيق دولة "إسرائيل" الكبرى
جغرافياً، ومن تخلى عن هذه الفكرة لاستحالة تحقيقها لصالح فكرة
أخرى هي تحقيق دولة "إسرائيل" ضمن حدود جغرافية محددة في
فلسطين، على أن تكون سيدة الشرق الأوسط في كافة المجالات بحيث
تصبح على رأس المنظومة السياسية والاقتصادية للمنطقة برمتها.
إن المقولة الثانية هي التي تحكم التحركات والمشاريع السياسية
في الكيان الصهيوني في الوقت الراهن، وقد عكستها كتابات كبار
قادة العدو ومواقفهم، خاصة كتاب "الشرق الأوسط الجديد" لشمعون
بيريز، و"مكان تحت الشمس" أو "مكان بين الأمم" لبنيامين
نتنياهو، والتصريحات الأخيرة لأرييل شارون خاصة لجهة مخالفته
للأسس التي يقوم عليها تكتل الليكود في نظامه الأساسي(27).
هذه الخلفية هي التي باتت تحكم الرؤى السياسية لقادة العدو،
ولكن الاختلافات السائدة بين التيارات والأحزاب والشخصيات
"الإسرائيلية" إضافة إلى جنوح الشارع "الإسرائيلي" نحو المزيد
من التطرف في التوجهات السياسية والدينية، جعلت الصيغ المطروحة
استسلاماً وليست سلاماً..
ثامناً: أي سلام يريده "الإسرائيليون"؟
على الرغم من عدم اتفاق الصهاينة على رؤية واحدة فيما يتعلق
بالتسوية، إلا أن كل هؤلاء يعتبرون أن هذه التسوية مع العرب
والفلسطينيين يجب أن تحقق:
-
الأمن الكامل لـ"إسرائيل".
-
دخول "إسرائيل" بقوة إلى العواصم العربية وإقامة علاقات
دبلوماسية كاملة.
-
إقامة نظام شرق أوسطي تكون فيه "إسرائيل" القطب الذي تدور حوله
كل اقتصاديات وسياسات المنطقة.
-
التخلص من الثقل التاريخي للقضية الفلسطينية وإنهاء هذا الصراع
بأقل ثمن ممكن(28).
في الحقيقة؛ إن الكيان الصهيوني كان على الدوام –مهما اختلفت
حكوماته- يتبنى سياسة طلب كل شيء والاكتفاء بتقديم القليل
القليل مما يطلبه العرب على الرغم من أن مؤتمر مدريد كان يقوم
على أساس الأرض من قبل "إسرائيل" مقابل السلام من قبل العرب؛
وقد استطاعت "إسرائيل" على مدى سنوات عديدة من التفاوض مع
العرب والفلسطينيين أن تحقق تسوية مع مصر والأردن وأن تخترق
الجدار العربي وتفكك البنية الداخلية لما كان يسمى التماسك
العربي من دون أن تقدم أي حل جدي أو مقنع يمكن للعرب
والفلسطينيين القبول به للقضية الأساسية وهي القضية
الفلسطينية. وقد ساعد "إسرائيل" في الوصول إلى ما تريده في هذا
المجال توقيع الفلسطينيين اتفاقيات أوسلو والقبول بحكم ذاتي
للتجمعات السكانية الفلسطينية من دون أي أفق حقيقي للمستقبل.
وحتى لا نستغرق في الماضي، فإن طروحات الوسط "الإسرائيلي"
لمفاوضات مع الفلسطينيين الآن هي طروحات استسلام وليست سلاماً،
لأنها تفرض عليهم التخلي عن المقاومة والانتفاضة والقبول
بالأمر الواقع وجدار الفصل العنصري، والقضاء على المنظمات التي
تعتبرها "إسرائيل" إرهابية وعلى رأسها "حماس" و"الجهاد
الإسلامي"... وغيرها من الإملاءات والشروط التي تدخل المجتمع
الفلسطيني في حرب داخلية وتفقده كل عناصر المناعة أمام التصلب
"الإسرائيلي".
ما تهدف إليه "إسرائيل" في هذا المجال ليس تسوية قابلة للحياة
تحقق للفلسطينيين خطوة باتجاه المشروع الوطني الفلسطيني أو
"الدولة" الفلسطينية بل إن ما تريده "إسرائيل" هو:
1-
إيقاف الانتفاضة والسيطرة على فعالياتها.
2-
تحويل المناطق الفلسطينية إلى "غيتو" مغلق.
3-
الحفاظ على المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية.
4-
التخلص من التجمعات الفلسطينية الكبرى مثل غزة والمدن الأساسية
في الضفة نظراً لما تكلف "إسرائيل" من خسائر مادية ومعنوية
وعسكرية وبشرية.
5-
استمرار السيطرة على القدس.
6-
إزالة الحواجز السياسية أمام المشروع الصهيوني والموجودة بفعل
الانتفاضة وعدم وجود حل على المحور الفلسطيني من خلال هذه
الصورة المشوهة للتسوية التي تسعى "إسرائيل" لفرضها.
7-
إظهار "إسرائيل" نفسها أمام العالم على أنها داعية للسلام
وأنها تطرح حلولاً للصراع مع الفلسطينيين.
8-
تشكل هذه الخطوات "الإسرائيلية" جزءاً من التناغم الأميركي
"الإسرائيلي" في المنطقة، حيث إن الرغبة المشتركة التقت على
ضرورة إيجاد حل ما للقضية الفلسطينية في إطار ما تسعى له
الولايات المتحدة لمستقبل المنطقة من جهة وترتيب وضعها في
العراق من جهة ثانية.
و"إسرائيل" إذ تجنّد قادتها وسياسييها ودبلوماسييها والإعلام
الصهيوني في العالم لخدمة أفكارها، تسعى بهذه الوسائل لإقناع
العالم -والغرب خصوصاً- أنها تريد السلام وأن العرب
والفلسطينيين هم الذين يعرقلون هذا المسعى ويستخدمون العنف
والإرهاب لتهديد أمن "إسرائيل" ومواطنيها. ومع الأسف الشديد
فإن هذه الرؤية الإعلامية هي الحاكمة للرأي العام في العديد من
الدول الغربية -خاصة الولايات المتحدة الأمريكية- وللسياسات
الرسمية فيها بما في ذلك أوروبا.
وإزاء كل ذلك يقف العرب بنفطهم وأموالهم ودبلوماسيتهم وإعلامهم
ووجودهم في العالم مكتوفي الأيدي أو مكتفين بالخطابات
والبيانات الخشبية التي لا تقدم بعيداً ولا تبعد قريباً، مع أن
الحقائق هي عكس ما هي عليه الدعاية الصهيونية تماماً:
-1- "إسرائيل" هي دولة احتلت أرض الغير وأقامت عليها كيانها
بعد أن رحّلت سكان الأرض الأصليين.
-2- "إسرائيل" هي الكيان الوحيد في العالم الذي لا وجود لخارطة
سياسية جغرافية لحدوده، وهي تؤمن كما قال موشي ديان "وزير حرب
العدو" بعد حرب عام 1967 بأن حدود "إسرائيل" حيث تصل الدبابة
"الإسرائيلية".
-3- لو سلّمنا جدلاً بأن قرار التقسيم عام 1947 بات واقعاً لا
يمكن تغييره بحكم صفته الدولية (الحق العام للشعوب لا يموت
بالتقادم ولا بالقرارات الدولية) فإن "إسرائيل" اليوم تحتل
كامل أراضي فلسطين عام 1967 وأراضي الجولان السوري وأراضي
مزارع شبعا اللبنانية وتنتهك حرمة الإنسان والسيادة والأرض على
مدار الساعة في هذه المناطق.
-4- "إسرائيل" هي التي انقلبت على أسس التسوية غير العادلة
لمؤتمر مدريد ورفضت أن تعيد الحقوق لأصحابها.
-5- "إسرائيل" هي التي تقتل وتبيد الشعب الفلسطيني الأعزل، وهي
التي تجعل مبادئ الشرعية الدولية وحقوق الإنسان بالصور وأمام
الملأ من الناس تحت أقدام جنودها وجنازير دباباتها، وتفرض
بقوتها وعبر الغطاء الأمريكي لها حق القوة على قوة الحق.
-6- أخيراً وليس آخراً: إن المجتمع "الإسرائيلي" هو المجتمع
الذي يرفض كل أشكال التسوية السياسية مع العرب حتى بأدنى
مستوياتها، حيث نجد أن المستوطنين الصهاينة يرفضون بقوة إخلاء
مستوطناتهم(29) في غزة على الرغم من أنها تقع في
قلب القلب لأي كيان فلسطيني مهما كان صغيراً ومجزّأً،
والحاخامات الصهاينة يفتون بعدم جواز إجلاء المستوطنات، بل إن
بعض الجنود والضباط يهددون بالعصيان ورفض الأوامر بإخلاء هذه
المستوطنات(30).
أمام هذا الواقع نجد أن المشكلة الأساسية التي تكمن بالاحتلال
كيفما كان وأينما كان ومهما كان حجمه وأياً تكن أساليبه، ليست
قابلة لحل عبر تسوية تعطي "الإسرائيلي" الشرعية أو تخلّصه من
أزمته، فالقضية ليست قضية الصهيوني المحتل، إنما هي قضية
الفلسطيني المحتلة أرضه؛ وعلى هذا الأساس فإن على العرب إدراك
الحقائق كما هي لا أن يضعوا حقائق على قياس الواقع مبررين ذلك
بالواقعية تارة، والموازين في القوى تارة أخرى، والضغوط
الدولية طوراً.
إن الحلول التي يهلل لها بعض العرب حالياًً هي في واقعها
وحقيقتها حلول لمشكلة الكيان الصهيوني، فقد أدرك الصهاينة على
اختلاف اتجاهاتهم الأيديولوجية ومشاربهم السياسية أن لا علاج
للمشكلة الأمنية من جهة، والديموغرافية من جهة ثانية، إلا
بإيجاد حل للتجمعات السكانية الفلسطينية الكبرى في فلسطين
التاريخية وخاصة في مناطق 1967؛ وصحيح أن البعض اقترح ترحيل
الفلسطينيين إلا أن القوى "الإسرائيلية" الأساسية باتت ترى
الحل بتسوية سياسية ما تريح "إسرائيل" من همّ التجمعات
الفلسطينية وتمنع بقاء هذه التجمعات تحت سيطرة الكيان الصهيوني
أمنياً وديموغرافياً.
من هنا كان قرار شارون الانسحاب من غزة وتنفيذ خطة الفصل
العنصري، والعمل على فرض تسوية تعطي الفلسطينيين حكماً إدارياً
أقل مما كان لهم بموجب اتفاق أوسلو، على أن يتم تأجيل قيام
الدولة الفلسطينية إلى مرحلة نهائية غير محددة الأفق والأمد
والتاريخ والجغرافيا. وصحيح أن حزب العمل يعلن عن استعداده
إعطاء الفلسطينيين أكثر مما يعطيهم شارون وحكومته (دولة مستقلة
ولا يتحفظ من الناحية النظرية على هذه الفكرة) إلا أنه يسعى من
الناحية العملية إلى السير في نفس الطريق التي يريد شارون
سلوكها في التفاوض مع الفلسطينيين وفي ظل نفس الشروط، الأمر
الذي يجعل الصهاينة جميعاً يعملون من أجل التخلص من ما يزعجهم
من دون أن يعطوا العرب والفلسطينيين شيئاً يمكن أن يحقق لهم
تطلعاتهم ولو بالحدود الدنيا.
وإذا كان البعض ينظر لما ورد في كتاب شمعون بيريز زعيم حزب
العمل ورئيس الحكومة الصهيونية الأسبق؛ "الشرق الأوسط الجديد"،
حول قيام دولتين؛ يهودية، وفلسطينية، فإن بيريس يتطلع إلى
المستقبل الديموغرافي بعد عشرين عاماً بقلق؛ لأنه سيضاعف عدد
سكان هذه المنطقة (فلسطين) بكامل أراضيها والذي سيصل إلى عشرين
مليون نسمة، سيكون نصفهم من العرب على الأقل ونصفهم الآخر من
اليهود؛ وينسب بيريس إلى الديموغرافيا نتائج سياسية هامة، فمن
أجل أن تبقى "إسرائيل" بلداً يهودياً على الصعيد السكاني
والخُلقي، هي بحاجة إلى وجود دولة فلسطينية(31).
إن الحل الذي يريده بيريس لبقاء "إسرائيل" دولة يهودية وعدم
تحولها إلى دولة اليهود فيها أقل من نصف عدد السكان، يتمثل
بإقامة دولة فلسطينية على أصغر بقعة جغرافية ممكنة من أراضي
1967 حيث يتم التخلص بذلك من ثلثي عرب فلسطين الذين ما زالوا
يقيمون فيها، وبذلك أيضاً تنحصر معركة "إسرائيل" الديموغرافية
ضمن حدود ما يسمى بدولة "إسرائيل" القائمة بموجب قرار التقسيم
سنة 1947: إلا أن أطماع "إسرائيل" الحقيقية هي في جعل هذه
"الدولة" ذات طبيعة إدارية، محدودة الصلاحيات والحدود
والجغرافيا ومغلقة الأفق في التطور السياسي-الاقتصادي الصناعي
في المستقبل، على أن لا تشمل ضمن حدودها مدينة القدس(32).
لقد تقمص أرييل شارون بعد عدة سنوات من وجوده في الحكم بعض
مقولات حزب العمل السياسية لأنه أدرك بأن الواقع يقتضي أن
يتخلى عن بعض المناطق الفلسطينية في أراضي 1967 من أجل تحقيق
عزل سكاني، وتأمين الأمن للمواطن الصهيوني، وإظهار "إسرائيل"
دولة داعية للسلام والخروج من أزمة الانتفاضة، وقبل كل ذلك
الوصول إلى صيغة أمنية تمكّن "إسرائيل" من فرض تسوية منقوصة
على الفلسطينيين. وحين واجه معارضة شديدة في حكومته وحزبه (الليكود)
والأحزاب التي تشكل الائتلاف الحكومي معه، فضلاً عن جمهور
المستوطنين وبعض القيادات والضباط في الجيش والأجهزة الأمنية
"الإسرائيلية"(33)، وبما أن شارون قد حاز في
26/10/2004(34) على ثقة الكنيست وموافقته على خطة
الانسحاب، فإنه أراد إنقاذ حكومته من الانهيار نتيجة انسحاب أو
تهديد أحزاب الائتلاف اليمينية المتطرفة في الحكومة بالانسحاب
منها، فتم التوافق بعد مفاوضات طويلة على تشكيل حكومة وحدة
وطنية بين الليكود والعمل برئاسة وزعامة شارون نفسه(35).
إن توجهات حكومة الوحدة الوطنية هذه تنحصر في المضي قدماً في
سياسة الفصل والانسحاب من غزة والتجاوب الجزئي مع مساعي بتحقيق
التسوية على أساس قوة "إسرائيل" والتي لا تعطي الفلسطيني إلا
القليل القليل مما يحلم به. وهذا الأمر ليس تحليلاً بحتاً بل
هو تحليل مستند إلى حقائق ووقائع وتصريحات قادة الائتلاف
الجديد وبرامج الحزبين الرئيسيين فيه.
خاتمة
إنطلاقاً من هذه الوقائع، فإن على الفلسطينيين وخاصة الذين
يبالغون في التفاؤل بتحقيق نتائج سياسية كبيرة على ضوء انتخاب
محمود عباس أن يدركوا أن "الإسرائيليين" سيمانعون وصول
الفلسطينيين إلى حلمهم بتحقيق كيان فلسطيني إلا إذا كان في
خدمة الكيان الصهيوني، إنه كيان لن يرقى إلى مستوى الدولة سواء
إدارياً أو قانونياً أو سياسياً أو أمنياً أو عسكرياً أو
اقتصادياً، إنه الكيان الذين ينظر إليه شمعون بيريز على أنه حل
لمشكلة "إسرائيل" الديموغرافية، والذي يتطلع إليه شارون على
أنه حل لمشكلة "إسرائيل" الأمنية إنه الكانتون أو السجن أو
الغيتو الفلسطيني الكبير الذي لن يسمح له بالتطور إلا بالقدر
الذي تريده "إسرائيل"، وتحت نظرها.
وختاماً، على الفلسطينيين أن يدركوا أن "دولتهم" الموعودة هي
في واقعها حل أمني-ديموغرافي لمشكلة "إسرائيل"، ولن تكون
بمواصفات أرقى مما تم الإشارة إليه. حتى هذه الدولة وبهذا
الشكل، لن تبصر النور قبل العام 2009(36)، وفقاً
لوعد الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي تستند إليه "إسرائيل"
وتتسلح به. هذا الوعد الذي أطلق قبلاً في الأعوام (1999 - 2000
- 2004 و2005). ونحن على يقين بأن تأجيله سيكون حتمياً في وقت
لاحق إلى ما بعد هذا التاريخ، إلا إذا استطاعت الانتفاضة
والمقاومة الفلسطينية تعميق المأزق "الإسرائيلي" وفرض ما لا
يمكن أن تقدمه "إسرائيل" بالمفاوضات.
الهوامش:
|
1- |
أحمد خليفة، الأحزاب السياسية في "إسرائيل"، دليل
"إسرائيل" لعام 2004، مؤسسة الدراسات الفلسطينية- بيروت،
الطبعة الأولى 2004، ص. ص 119-123. |
|
2- |
المصدر السابق نفسه. |
|
3- |
جلال الدين عز الدين علي، خريطة الانقسامات الداخلية
"الإسرائيلية" عن:
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/qpolitic-June-2000. |
|
4- |
أحمد خليفة، مصدر سابق، ص154-156. |
|
5- |
أحمد خليفة، الأحزاب السياسية في "إسرائيل"، دليل
"إسرائيل" العام 2004، مؤسسة الدراسات الفلسطينية-
بيروت، الطبعة الأولى 2004، ص136-137. |
|
6- |
وليد الخالدي، آفاق السلام في الشرق الأوسط، مجلة
الدراسات الفلسطينية، العدد 52، خريف 2002، ص 11-12. |
|
7- |
لا وجود لاعتدال "إسرائيلي". إنها تسمية مغلوطة في
واقعها ومضمونها، ولكن هذه الكلمة دلت على ما يسمى أيضاً
بالحمائم مقابل الصقور أي المتشددين مقابل المتشددين
جداً. |
|
8- |
المصدر السابق، وليد الخالدي، ص 11-12. |
|
9- |
المصدر السابق، وليد الخالدي، ص12. |
|
10- |
المصدر السياسي، 22/6/2004. |
|
11- |
المصدر السابق نفسه. |
|
12- |
المصدر السياسي، 2/6/2004 |
|
13- |
المصدر السياسي، 4/11/2003. |
|
14- |
المصدر السياسي، 7/6/2004. |
|
15- |
المصدر السياسي، 2/5/2004. |
|
16- |
الاختلافات في الرؤى السياسية تجاه الحل مع الفلسطينيين
هي اختلافات تكتيكية وليست استراتيجية، فكل الأحزاب
"الإسرائيلية" تتوافق على ثوابت تم الإشارة إليها وهي في
جوهرها إنهاء للحق الفلسطيني والشعب الفلسطيني في الوجود
الحر والمستقل كما سائر شعوب العالم. وهناك اختلاف حول
أساليب العمل مع الفلسطينيين أكثر مما هو حول الجوهر من
القضايا الأساسية. |
|
17- |
السفير، 17 كانون الأول، 2004، العدد 9973. |
|
18- |
المصدر السابق نفسه. |
|
19- |
السفير، 16/12/2004، العدد 9972. |
|
20- |
هآرتس، 8/10/2004. |
|
21- |
يديعوت أحرونوت، 30/5/2002 نقلاً عن:
http://www.albayan.co.ae/albayan/01-06-2002. |
|
22- |
المصدر السابق نفسه. |
|
23- |
أنظر، حلمي موسى، جريدة السفير 16/12/2004. |
|
24- |
أنظر، حلمي موسى، جريدة السفير 17/12/2004. |
|
25- |
أنظر، حلمي موسى، جريدة السفير 17 كانون الأول، 2004.
|
|
26- |
السفير، 17/12/2004، العدد، 9973. |
|
27- |
لشارون تصريحات كثيرة، وخطوات عملية، تؤكد ما سبقت
الإشارة إليه، راجع ميزان القوى والأمن القومي في
"إسرائيل" (وثائق مؤتمر هرتزيليا الرابع 2004) ترجمة
مركز باحث للدراسات، بيروت 2004 ص 92:
"نحن على استعداد للتقدم: دولتان، دولة "إسرائيل" ودولة
فلسطين، يعيشان بهدوء وأمن وسلام"...
إضافة إلى ذلك أنظر مجلة دراسات باحث العدد الثامن، خريف
2004، الافتتاحية، ص9، "إن أبرز معالم الأزمة السياسية
داخل الكيان الصهيوني هي تلك الأزمة داخل الليكود...،
حيث إن شارون قدم إلى مؤتمر الليكود خطة الانسحاب وطلب
الموافقة عليها، علماً أن الخطة تتعارض مع أهم مبادئ
وبنود النظام الداخلي للحزب الذي ينص في مادته الثانية
من الفصل الثاني الذي يتناول الأهداف، على:
- الحفاظ على حق الشعب اليهودي في أرض "إسرائيل"، حقاً
أبدياً، لا يقبل الاستئناف... وفرض سيادة الدولة على كل
أجزاء هذه الأرض..
وتعتبر مدينة غزة بموجب النظام الداخلي لليكود جزءاً
أساسياً من أراضي الكيان الصهيوني. |
|
28- |
ثمة اختلافات حقيقية وجوهرية وتباينات واسعة بين
"الإسرائيليين" أفراداً وأحزاباً حول الأثمان التي يتوجب
على "إسرائيل" سدادها للفلسطينيين مقابل الوصول إلى هذه
النتيجة، وقد أشرنا في سياق الدراسة إلى تباينات في
المشاريع تصل إلى حدود أن أطرافاً في الكيان الصهيوني
تدعو إلى ترحيل الفلسطينيين وعدم إعطائهم أي شيء فيما
تدعو أطراف أخرى إلى دولة فلسطينية قد تصل حدودها إلى
94% من أراضي 67 باستثناء القدس، ويوجد ما بين هذين
الطرحين طروحات أخرى متعددة ومختلفة. |
|
29- |
جريدة السفير 12/12/2004. |
|
30- |
جريدة السفير 24/12/2004. |
|
31- |
Shimon Peres, “Ecvire histoire a Lence Verte” Le Monde
Diplomatique mai,1998. |
|
32- |
الإحصاءات السكانية الفلسطينية، سلسلة أوراق باحث، مركز
باحث للدراسات- بيروت العام 2004، ص10. |
|
33- |
عكست الصحف "الإسرائيلية" والإعلام العربي والعالمي خلال
الأسابيع الأخيرة من العام 2004 والأولى من العام 2005
حقيقة ما يتعرض له شارون وحكومته من ضغوط ورفض متزايد
لخطة الانسحاب من غزة. |
|
34- |
جريدة السفير 26 و27 و28/10/2004. |
|
35- |
جريدة السفير 11/1/2004. |
|
36- |
http://www.alwafd.org.
http://www.alarabiya.net |
|