|
خطة شارون وانعكاساتها على الوضع الفلسطيني
يحيى موسى-غزة
لا يحتاج المتابع للمشهد السياسي الفلسطيني -وخاصة الفصل الأخير منه، المتمثل بخطة شارون للانفصال عن غزة-
إلى الإدراك بأننا أمام سلوك شاذ يتنكر للقوانين ويستخف بالقيم الإنسانية والمواثيق الدولية، يتحلل فيه الجانب
"الإسرائيلي" وبدعم لا محدود من الجانب الأمريكي من جميع شروط وقوانين اللعب التي حكمت المشهد السياسي منذ
توقيع اتفاقيات أوسلو في حديقة البيت الأبيض في 13/9/1993، بالرغم من عدم خلو الخطة من نصوص مخادعة مثل
النص الذي يفيد بأن "عملية الانفصال لا تنتقص من قيمة الاتفاقيات القائمة بين "إسرائيل" والفلسطينيين". فمثل هذا
النص وغيره ينبغي قراءته في ضوء السياق العام للخطة، والتي تتجاوز نهائياً الجانب الفلسطيني –السلطة- ولكن مع ذلك
فإنها لا تعفيها من القيام بأداء الأدوار الأمنية التي التزمت بالقيام بها في محاربة "الإرهاب" -على حد زعمهم- والحفاظ
الى أمن دولة "إسرائيل" ومواطنيها، أي بتعبير أكثر وضوحاً، تأمين إدامة العيش تحت نير الاحتلال، بعد تقنينه وجعله أقل
كلفة، أي احتلال نظيف بمفهوم حزب العمل بحيث تصبح السلطة الفلسطينية بموجب ذلك مثل جيش العميل "لحد"،
الأمر الذي تنبّهت له السلطة الفلسطينية بعد سنوات من توقيع اتفاق أوسلو.
وبنظرة أكثر عمقا لخطة شارون للانفصال، يتضح لنا أن الشعب الفلسطيني أمام فصل جديد من الصراع والحرب وليس
أمام نهاية قريبة للاحتلال، فهي خطة يهدف شارون من ورائها إلى تحرير نفسه وجيشه والمستوطنين الصهاينة من
المقاومة الفلسطينية الباسلة والمباركة والديموغرافيا الفلسطينية ويعيد العدو في إطارها موضعة قواته، في أماكن أكثر
أمنا على أطراف القطاع، استعداداً لخوض معارك عنصريه إجرامية جديدة، يحوّل فيها شارون قطاع غزه بسكانه المليون
نسمة إلى سجن كبير ويحوّل فيها مدن الضفة المكتظة إلى سجون منعزلة أخرى، في أسوأ عملية فصل عنصري،
ديموغرافي على مدار التاريخ الإنساني، ويتحكم جيش الاحتلال بمفاتيح بوابات هذه السجون وكذلك بجميع عناصر الحياة
لسكانها ونزلائها من الشعب الفلسطيني، فلا ماء ولا غذاء ولا هواء ولا عمل إلا بالقدر الذي يقرره الاحتلال، فالجيش
الصهيوني يحتفظ لنفسه بحق السيطرة المطلقة على الجو والبر والبحر ويعطي لنفسه الحق بالتحرك ليقتل من يشاء من
نزلاء هذه السجون في إطار ما يعرف بالعمليات الوقائية وملاحقة الإرهاب. فخطة شارون لا تشير إلى أي عملية انسحاب،
تترتب عليها حقوق سياسية للشعب الفلسطيني، يمكن البناء عليها في تحقيق الحرية والاستقلال.
فالخطة تمثل التطبيق العملي للفكر الصهيوني الاحلالي الذي يطمع في الاستيلاء على أكبر قدر من الأرض الفلسطينية
مع التخلص من التكتلات السكانية الكبيرة، والإبقاء على هؤلاء السكان في أوضاع حياتية واجتماعية واقتصادية لا تجعلهم
يفكرون إلا في لقمة العيش، وتدفعهم بكل الوسائل الإرهابية حتى يهاجروا من أوطانهم.
ولا يغيب عنَّا التذكير بأن الخطة من ألفها إلى يائها خطة أمنية مئة بالمئة، فهي تلزم السلطة الفلسطينية دون تسميتها
صراحة بكل الترتيبات الإدارية والأمنية حسب أوسلو، ولا يفوتنا التنبيه أن حكومة شارون ستعمل على توظيف نفوذها في
الولايات المتحدة وأوروبا من أجل الضغط على السلطة والقيادة الفلسطينية للقيام بدور نشط في محاربة عناصر المقاومة
وخاصة في قطاع غزة وهذا سيخلق أوضاعاً تهدد أهم منجزات الانتفاضة وهي وحدة الشعب وفصائله في خندق المقاومة
للاحتلال.
إن أي شكل من أشكال التعاطي السياسي والانجرار إلى التفاوض حول الترتيبات الإدارية أو الأمنية، سيرتب استحقاقات
وتبعات أمنية على القيادة الفلسطينية، يستحيل عليها الوفاء بها في ظل استمرار الاحتلال، وتستهدف وحدة الشعب
الفلسطيني وستدخل السلطة في صراع مع الفصائل المقاومة، وبالتالي يتمكن شارون من إيقاع الفلسطينيين في فخ
الاقتتال ويحقق ما عجزت عن تحقيقه دباباته وصواريخه وطائراته.
إن العدو الصهيوني يبيعنا أوهاماً وسراباً، مستنداً في ذلك إلى دعم مطلق من الولايات المتحدة ورئيسها جورج بوش الذي
يصور الخروج من غزة باعتباره إنهاءً للاحتلال أو تطبيقاً لخارطة الطريق، وما يثير السخرية هو استهجان الرئيس الأمريكي
من عدم ترحيب العالم بمبادرة شارون "الشجاعة"، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تحاول أمريكا أن تلعب دور وكيل
"إسرائيل" في تحصيل ثمن هذا الانسحاب من العرب والفلسطينيين، وذلك بدفعهم للتخلي عن حق اللاجئين في العودة
وعن المطالبة بالانسحاب إلى حدود 67م، في سابقة هي الأخطر على مستوى خرق القانون الدولي وضرب الشرعية
الدولية عرض الحائط.
مما تقدم يتضح بأن شارون لا يؤمن بأي حل للمشكلة الفلسطينية، وإنما هي محاولة جديدة لإدارة الأزمة بطريقة تقلل
بنظره من الخطر الفلسطيني وخاصة بعد أن فشل في هزيمة المقاومة الباسلة عسكرياً، فيعمل على خلق شروط أفضل
لمناعة "إسرائيلية" كافية للعيش لفترة طويلة الأمد مع المشكلة الفلسطينية دون حل، يتمكن فيها الجانب "الإسرائيلي"
من استكمال بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية ويهوِّد المزيد من الأرض الفلسطينية، ويتحين الفرص الإقليمية
والدولية للتخلص من الديموغرافيا الفلسطينية، والحفاظ على طابع الدولة اليهودية. إنّ وسيلة شارون المفضلة لإدارة
الأزمة، تقوم على استخدام القوة بكفاءة واقتدار تبقي عملية السلام في حالة موت سريري، فلا هي ميتة فتدفن ولا كل
الجهود الدولية والعربية قادرة على إحيائها من جديد.
مما تقدم يتبين لنا بعض أهداف خطة شارون والتي يمكن إجمالها بالآتي:
-التخلص من الكتلة السكانية في قطاع غزة، والتي بإجماع الأحزاب الصهيونية لا ينتظر أن تكون تحت السيادة "الإسرائيلية" في أي حل دائم،
فاحتلال "إسرائيل" للقطاع يحمِّلها تكاليف أمنية واقتصادية باهظة دون مقابل.
- التخلص من عبء المقاومة الباسلة، والانتقال إلى مواقع أكثر أمناً يمكن الدفاع عنها.
- تحسين صورة "إسرائيل" دولياً، وخاصة في أوروبا وذلك بإيهام العالم بإنهاء احتلال "إسرائيل" لقطاع غزة كما حدث في
جنوب لبنان والتخلص من الأعباء الأخلاقية للاحتلال والذي يشوه صورة "إسرائيل" الديموقراطية وبالتالي يتحول
الضغط الدولي ليمارس على القيادة الفلسطينية لمحاربة الإرهاب.
-تعزيز سيطرة الاحتلال على الضفة الغربية وذلك بتحسين القدرات الأمنية والاستيلاء على المزيد من الأراضي وتهويد
المقدسات ومصادرة البيوت والممتلكات.
-كسب المزيد من الوقت لاستكمال بناء جدار الفصل العنصري الذي يفرض حلاً من جانب واحد على غرار غزة ويحول
الضفة إلى "بانستونات" معزولة وغير قابلة للحياة.
-التمهيد لحسم قضايا الحل النهائي وفرضها على الفلسطينيين من جانب واحد.
ما تقدم يمثل ملخصاً لرؤية شارون دون الخوض في تفاصيل المشهد السياسي الداخلي على الساحة الصهيونية والذي
يمكن أن يعطل تنفيذ هذه الخطة خاصة بعد رفض أعضاء الليكود بأغلبية كبيرة دعم سياسات شارون للفصل وإذا لم يحصل
هذا الأخير على دعم مجلس الوزراء أو الكنيست، فإنه لن يتمكن من تنفيذها على الأرض وقد يؤدي ذلك إلى إجراء
انتخابات مبكرة أو حصول تغييرات دراماتيكية على المشهد السياسي الصهيوني.
ولكن مع ذلك فمن الأهمية استعراض انعكاسات هذه الخطة الشارونية على الوضع الفلسطيني، وبيان مخاطرها على
الانتفاضة واستمرارية المقاومة ومدى قدرة الشعب الفلسطيني على التصدي لها، في هذا الظرف المعقد دولياً ومحلياً
وإقليمياً،والذي يقف فيه الشعب الفلسطيني وحيداً في معركة غير متكافئة.
لا شك أنه من الصعب التعرض لتحليل جميع عناصر ومكونات المشهد الفلسطيني، فذلك ليس بالأمر السهل في هذه
الدراسة الموجزة ولكن مع ذلك فإنني سأستعرض المفاصل والمكوّنات الأساسية لهذا المشهد المتمثلة بالسلطة
الفلسطينية وبرنامجها السياسي وحركات المقاومة الوطنية والإسلامية وبرامجها السياسية.
لقد شكلت اتفاقيات أوسلو الموقعة بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة "إسرائيل"، أهم منعطف في تاريخ
القضية الفلسطينية المعاصر، والتي جاءت في ظروف دولية وإقليمية ضاغطة على قيادة م. ت. ف، فجاء اتفاق أوسلو غير
قادر على تلبية الحد الأدنى من طموح الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال ولم يقدم أي حل لقضايا الصراع
الجوهرية، ومثَّل أكبر خرق للبرنامج الوطني الفلسطيني المتفق عليه بين فصائل م. ت. ف فكانت له تداعيات خطيرة
سببت انقسام الشارع الفلسطيني وقواه وفصائله بين معارض ومؤيد. ولا زالت الساحة الفلسطينية تعيش تداعيات هذا
الاتفاق المشؤوم، وتعاني من الأوضاع التي خلفها.فلم يستطع المتحمسون لهذا الاتفاق وعلى رأسهم تنظيم فتح وقيادة
م. ت. ف من إحداث أي إنجاز للشعب الفلسطيني على طريق الحرية والاستقلال، بالرغم من مرور إحدى عشرة سنة
من التفاوض شبه اليومي، والتي نجح فيها الاحتلال في جر القيادة الفلسطينية إلى مفاوضات عبثية لا نهائية، اتخذها
غطاءً مثالياً لتوسيع الاحتلال وتعميقه وتقنينه، وتحولت السلطة بفعل الاتفاقيات الأمنية إلى جيش هدفه حماية وتأمين
الاحتلال وقمع تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، الأمر الذي تنبهت له السلطة متأخرة، وتمكن الاحتلال
-في ظل التفاوض- من إنشاء ما يزيد عن 87 مستوطنة جديدة وأن يوسع المستوطنات القائمة بنسبة تزيد عن 60%
وانتهى الأمر بالسيطرة على 90% من مصادر المياه وفرض نظام تمييز عنصري ضد التجمعات السكانية الفلسطينية في
الضفة والقطاع.
وبدل أن تتحسن أوضاع الشعب الفلسطيني المعيشية، تفشت البطالة وازداد الفقر وساءت أوضاعه المعيشية والحياتية،
مما أوصل الجميع سلطة ومعارضة وجماهير إلى قناعة باستحالة الاستمرار في هذا النهج، فكانت انتفاضة الأقصى هي
الشكل الأبرز المعبّر عن رغبة الشعب الفسطيني في التخلص من أوزار وتبعات اتفاقيات أوسلو، ومثلت الانتفاضة التعبير
الأبرز على فشل خيار التفاوض، والعودة إلى البرنامج الوطني الفلسطيني، المتمثل ببرنامج المقاومة طريقاً لتحرير
فلسطين.
وجاءت الانتفاضة الفلسطينية لتخلص الشعب الفلسطيني من جملة أوضاع مزرية خلقتها اتفاقيات أوسلو، بعضها يتصل
بالاحتلال وبعضها الآخر يتصل بجملة الأوضاع الداخلية الفاسدة، التي نمت بفعل ارتباط مصالح بعض الفئات الأمنية
والرسمية الفلسطينية مع مصالح الاحتلال، مما سبب وجود فئة من النخب السياسية والثقافية والاقتصادية التي ربطت
نفسها باتفاق أوسلو، ورأت في التراجع عن أوسلو انهياراً وضياعاً لمصالحها ومكاسبها الشخصية.
ن وصول اتفاقيات أوسلو إلى طريق مسدود، وخاصة بعد مفاوضات كامب ديفيد وطابا، أوصلت القيادة الفلسطينية إلى
قناعة، بالتجاوب مع حاجات الشعب الفلسطيني والمعارضة الفلسطينية، وحاجات الانتفاضة، رغبة منها في تحريك
التفاوض السياسي، ولكن قمع باراك ومن بعده شارون للانتفاضة التي بدأت سلمية واستخدام القوة العسكرية المفرطة،
أدى إلى تحول الانتفاضة إلى شكل من أشكال المقاومة الشعبية المسلحة، والتي استطاعت بعد مرور حوالي أربع
سنوات على بدايتها، أن تجذِّر نهج المقاومة، فأصبحت محمية بجماهير الشعب الفلسطيني ولم تتمكن حكومات العدو
المتعاقبة -بالرغم من استعمالها جميع وسائل العنف والإرهاب والقتل والتدمير والإبعاد- من القضاء عليها، بل على العكس
فهي في تصاعد باستمرار بالرغم من الأثمان الكبيرة التي يقدمها شعبنا فداءً للحرية والاستقلال مما دفع بعض القيادات
الأمنية الصهيونية للاعتراف صراحة باستحالة القضاء على الانتفاضة عسكرياً.
واستطاعت الانتفاضة أن تحقق إنجازات مهمة على صعيد نقل المعركة على عمق الكيان الصهيوني وزعزعة أمن
المستوطنين الصهاينة في 48، حتى أصبحت النخب الثقافية الصهيونية متشككة بإمكانية استمرار دولة "إسرائيل" أكثر
من عشرين عاماً فالخسائر البشرية "الإسرائيلية" عظيمة بمقاييس الحروب التي خاضتها "إسرائيل" حتى قارب قتلاها
الألف قتيل، والخسائر الاقتصادية كبيرة فصورة "إسرائيل" في العالم أصبحت مشوهة حتى أن 60% من شعوب أوروبا ترى
فيها مهدداً رئيساً للسلام في العالم، وأدخلت الانتفاضة "إسرائيل" في حرب استنزاف طويلة الأمد لا تستطيع أن
تتحملها. كل ذلك سبب لشارون أزمات متنوعة أضعفت من شعبيتة، فكانت تدفعه إلى مزيد من القتل والإجرام والتدمير
للشعب الفلسطيني وقادة المقاومة حتى أن شارون تخطى بذلك كل الخطوط الحمر وذلك بحصار رئيس السلطة
الفلسطينية ياسر عرفات وقتل الشيخ المجاهد أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والقيادات السياسية. إن هذه
الأوضاع وما يصاحبها من أوضاع في المشهد العراقي والحرب ضد الإرهاب وانهيار النظام الرسمي العربي وضعف الواقع
الشعبي أدت إلى انقسام المشهد الفلسطيني من جديد فالفريق الذي وقّع أوسلو وارتبطت مصالحه الخاصة بها شعر أن
الاستمرار في الانتفاضة سيؤدي إلى انهيار أوسلو وانهيار أوسلو هو انهيار لمصالحهم وامتيازاتهم التي تحققت على
حساب الشعب الفلسطيني ؛ إنهم يشعرون بالخطر من استمرار الانتفاضة، فهم منذ البداية كانوا ينظرون إلى الانتفاضة
باعتبارها محركاً للجمود في التفاوض ولم يكونوا يعتقدون بأنها ستتواصل وتصبح حرب تحرير شعبية.
إن النخب السياسية والثقافية بدأت أخيراً ترفع صوتها وتنادي بضرورة عودة الانتفاضة إلى النضال السلمي واللاعنف
بدعوى أن ذلك يخرجنا من دائرة الاتهام بالإرهاب ويفضح الاحتلال ويحشد التأييد الدولي لمطالب الشعب الفلسطيني
العادلة وهي التي وقعت تفاهمات جنيف ولازالت تأمل في استئناف المفاوضات السياسية فهي لا تؤمن بالمقاومة طريقا
للتحرير وإنما بالمفاوضات والاستجداء والاستعطاف عسى أن تحصل على نزاهة الوسيط الأمريكي. أما الفريق الثاني وهو
الفريق الذي عارض خيار أوسلو، ونبَّه لمخاطره واعتبره طريقاً خاطئاً لا يوصل لهدف، وهو الفريق الذي يتبنى خيار
المقاومة، والذي أثبتت الأيام صدق برنامجه فأصبح محل التفاف الشعب الفلسطيني، هذا الفريق تمثله حركات المقاومة
جميعها في حماس وشهداء الأقصى والجهاد والشعبية والديموقراطية وسواها من فصائل المقاومة تسنده جماهير
الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الخارج.
هذا الفريق يرى في الانتفاضة فرصة للتحرر الوطني في تحقيق الاستقلال ولا يقبل اختصار التحرير في وجود سلطة حكم
ذاتي ويعتبر أن قضية الشعب الفلسطيني هي قضية تحرر وطني لشعب محروم من الحرية وتقرير المصير على أرضه وأن
من حق هذا الشعب الذي دفع آلاف الشهداء أن ينعم بالحرية والاستقلال والسيادة بكل شعوب الأرض وأن من حق لاجئيه
أن يعودوا إلى أرضهم ووطنهم
لقد مثلت الانتفاضة رافعة للعمل الوطني الفلسطيني فقاربت بين القوى والفصائل المتباينة البرامج وحققت وحدة ميدانية
وعملية بين الفريق الموقع لأوسلو ممثلا بحركة فتح وقواها المقاومة للاحتلال والفريق المعارض لأوسلو ممثلاً في حركات
المقاومة حماس والجهاد فكانت الانتفاضة ناظماً نضالياً إلى حد كبير وحدّ الجهد الوطني وحمى الانتفاضة وأسس لانتشار
خيار المقاومة سبيلاً إلى تحقيق الحرية والاستقلال ووحد أهداف الانتفاضة لتتقارب مع البرنامج السياسي لمنظمة
التحرير الفلسطينية والذي يمثل الحد الأدنى للتوافق الفصائلي.
لقد ساعدت الانتفاضة في إبداع آليات وأطر مشتركة للعمل من أهمها لجنة التنسيق العليا للقوى والفصائل الوطنية
والإسلامية والتي تمثل من الناحية النظرية على الأقل قيادة الانتفاضة، والتي مكنت القوى والفصائل من تطوير قدراتها
على الحوار والعمل المشترك وتجاوز الاختلاف والتباين في البرامج السياسية الفصائلية وزاد من ترسيخ هذا التعاون
جولات الحوار المتعاقبة في القاهرة وفي الداخل، سواء الجماعية أو الثنائية، كما أن الظروف الموضوعية الممثلة في غياب
الأفق السياسي للخروج من دائرة الصراع ووصول التسوية السياسية إلى طريق مسدود، وخلو برنامج شارون من الرغبة
في السلام والتحيز الأمريكي ضد السلطة الفلسطينية، كل ذلك ساهم إلى حد كبير في تحقيق ظروف موضوعية قاربت
بين برامج الفصائل المختلفة، فلم نعد نرى خلافات جوهرية في الممارسة المقاومة للاحتلال فشهداء الأقصى يقومون
بعمليات استشهادية داخل العمق الصهيوني مثلهم مثل مجاهدي حماس والجهاد الإسلامي.
استطاعت الفصائل الفلسطينية المقاومة أن تحافظ بذكاء على ديمومة واستمرار برنامج المقاومة بالرغم من المشاريع
السياسية التي كانت تستهدف المقاومة مثل خطة ميتشل وتنت وخارطة الطريق والتي كان آخرها برنامج حكومة أبو
مازن والذي أثار المخاوف من حدوث اقتتال فلسطيني فلسطيني، ولكن الأيام والحوادث أثبتت أن الشعب الفلسطيني
قادر على تجاوز الأزمات وأوعى من الوقوع في شرك الاقتتال فجاءت الهدنة لتشكل نموذجاً رائعاً للوفاق الوطني أثبتت فيه
الحركات الإسلامية على وجه الخصوص مرونة عالية وأبدت مسؤولية وطنية كبيرة، أهلها للمشاركة في إدارة العمل
السياسي الفلسطيني، فقد ساهمت في فضح الوجه القبيح للإرهاب الصهيوني أمام أوروبا والعالم أجمع.
إن جميع القوى والفصائل أمام تحد جديد سواء تلك المشاركة في السلطة أو الأخرى التي في المعارضة، جميع هذه
القوى مدعوة لتوحيد جهودها والاتفاق على برنامج مشترك يحقق الحد الأدنى للوفاق الوطني، ويمثل الخطوط الحمر لأي
تحرك سياسي فلسطيني في المستقبل وذلك في رد عملي على خطة شارون التي لا تعترف بوجود شريك فلسطيني
ولا تحمل أفقا سياسياً للحل.
إن من أهم أولويات الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة العمل على حماية برنامج الانتفاضة والمقاومة بكافة صورها
المدنية والعسكرية والسياسية وتعزيز كافة أشكال الصمود الفلسطيني والتفرغ لحشد التأييد لبرنامج الانتفاضة والمقاومة.
إن خطة شارون لفرض حل على الشعب الفلسطيني من جانب واحد، ودعم أمريكا له في ذلك، يمثل عاملاً ودافعاً عظيماًَ
ينبغي أن يقرب بين أطراف المشهد الفلسطيني، فكلا الفريقين يرى استحالة تحقيق حلم الفلسطينيين بدولة فلسطينية
على حدود الرابع من حزيران وعودة اللاجئين، إذن؛ ما الذي تهدف إليه هذه الخطة؟
لا يستطيع فريق أوسلو الموافقة على خطة شارون للفصل الديموغرافي، على الرغم من محاولات أمريكا صناعة كرازاي
فلسطين على المقاس "الإسرائيلي".
إن خطة شارون مليئة بالألغام، وهذا يتطلب من جميع القوى الفلسطينية أن تتجاوز عقد الماضي، والبرامج الفصائلية
الخاصة والاستفراد بالقرارالسياسي الفلسطيني واحتكار تقرير مصالح الشعب الفلسطيني العليا، وعدم التمادي في
اعتبار أن السلطة هي إنجاز وطني دون أن يترافق ذلك بالتحرير لأن الذي قوَّض السلطة هي "إسرائيل" التي منحت
الشرعية للسلطة، والانطلاق من أن الإنجاز الحقيقي هو التحرر والاستقلال وأن أهم منجزات مرحلة التحرر الوطني هي
وحدة المقاومة ووحدة البنادق ووحدة الدم الفلسطيني.
وينبغي على السلطة الفلسطينية عدم تغطية هروب شارون من قطاع غزة بأي اتفاق سياسي جديد، فتداعيات ذلك
على الوحدة الوطنية سيكون ثقيلاً، بل على العكس من ذلك علينا أن نجعل من خروج الاحتلال انتصاراً للشعب
الفلسطيني ولمقاومته.
كما ينبغي الانتباه إلى مخططات شارون الخبيثة التي تهدف إلى تكريس احتلال الضفة والفصل بين مكونات
القضية الفلسطينية،
وهذه من المحرمات التي ينبغي محاربتها، فأهل القطاع وأهل الضفة وجميع أبناء الشعب الفلسطيني في
كل مكان وحدة واحدة وهم جميعاً في معركة واحدة ضد عدو واحد، ولذلك ينبغي الانتباه إلى أن أي ترتيبات في القطاع
ينبغي أن تصب في استمرار المقاومة وتجذيرها والمحافظة عليها في الضفة الغربية، وقطاع غزة سيكون سنداً وظهيراً
بكافة الوسائل النضالية لاستكمال تحرير الضفة الغربية.
إن إبقاء أجزاء من قطاع غزة تحت الاحتلال "الإسرائيلي" وكذلك الإبقاء على المعابر في يد "إسرائيل" وحصار قطاع غزة
وانتهاك أراضيه ومياهه وسمائه وخنقه اقتصادياً ومعاشياً ومنعه من التطور واستمرار الاحتلال للضفة الغربية هذه الأوضاع
وغيرها ستكون من أهم الدوافع التي تغذي استمرار برنامج المقاومة، وتصعِّب على أي قائد فلسطيني حتى لو كان
بالمقاس الأمريكي و"الإسرائيلي" القيام بأدوار أمنية لقمع المقاومة.
ولكن مع ذلك ينبغي تقدير الأمور بحجمها والاحتياط لكل الاحتمالات وهذا يتطلب اتفاقاً على برنامج مرحلي في ترتيب
الأمور ومواجهة التحديات المقبلة وذلك بهدف حماية برنامج التحرير والمقاومة والحفاظ على استمراريته وتنميته حتى جلاء
الاحتلال عن الأرض الفلسطينية وتأمين عودة اللاجئين وتحقيق الحرية والاستقلال.
إن الشعب الفلسطيني أمام اختبار صعب، فالظروف الدولية لا تعمل في صالح القضية الفلسطينية والوضع الإقليمي
العربي في أضعف حالاته، ونحن وحدنا في ساحة المعركة، وهذا لا يدفعنا لليأس والقبول بالواقع المر الذي يفرضه علينا
أعداؤنا، فالشعوب لا يمكن هزيمتها. وتجارب الأمم تثبت بأن الاحتلال مدحور لا محالة، ولكن من واجبنا أن ندير المعركة
بكفاءة واقتدار فنحن أمام مفصل تاريخي دقيق، يتطلب تجاوز الماضي بعد الاستفاده من دروسه وأخذ العبرة والعظة،
والانطلاق من حقيقة أن عدونا لا يريد سلاماً، على الأقل في الوقت الراهن، وهذا يتطلب الاجماع على برنامج وطني
جامع يأخذ بعين الاعتبار أننا شركاء في القرار والمصير، وأننا في مركب واحد يتطلب توحيد قيادته وذلك بعد الاتفاق على إجراء
إصلاحات على هذا المركب ليتسع للجميع على قاعدة الحقوق والواجبات المتساوية فنحن لا زلنا في مرحلة تحرر
وطني، فتحقيق الحرية والاستقلال هي أهداف ناظمة لجميع الجهود الوطنية.
وإنني أدعو كافة الفصائل الفلسطينية وأدعو السلطة الفلسطينية إلى ضرورة الاتفاق على عقد مؤتمر وطني عام تشارك
فيه جميع القوى الفلسطينية ويحضَّر له جيداً قبل انعقاده بحيث تسبقه حوارات مكثفة بهدف الاتفاق على برنامج وطني
للمرحلة القادمة وكذلك الاتفاق على ميثاق وطني يعيد الاعتبار للثوابت الوطنية والاتفاق أيضاً على الإطار الناظم والقائد
للعمل الوطني في المرحلة القادمة، وبذلك نتجاوز الأشغال والآليات التقليدية التي تجعل الاتفاق صعباً، بل في بعض
الأحيان مستحيلاً، فحركتا حماس والجهاد لا تقبلان الدخول في السلطة لأن في ذلك تخلياً عن برنامجهم والسلطة لا
تقبل إلغاء نفسها لأن في ذلك تخلياً عن برنامجها ومصالح أعضائها، والدخول إلى مؤسسات م. ت. ف، مثل الدخول إلى
بيت مهدمة جدرانه ومنهار سقفه وخربة محتوياته ولا أمل في إنقاذه.
وبالتالي سنبقى في دوامة لا يمكن أن نخرج منها، إن المهم ليس الأشكال والأطر وإنما الأهم في هذه المرحلة هو
البرنامج، فإذا تم الاتفاق عليه وعلى الميثاق الحارس للثوابت، يصبح من السهل الاتفاق على الإطار الناظم لهذه الجهود.
وفي الختام إنني على ثقة بقدرة الشعب الفلسطيني وقواه الإسلامية والوطنية والمقاومة على الانتصار وتجاوز هذا
المنعطف التاريخي وأستشهد على ذلك بقول المؤرخ العسكري "الإسرائيلي" (مارتين فإنّ جلوفن) الذي يقول نصّاً بأن:
"الانتفاضة ستربح عاجلاً أم آجلاً ويقول: لو كنت عرفات لكنت استمريت في الانتفاضة لأن كل انتفاضات العالم في القرن
العشرين قد ربحت".
وإنني أرى في استمرار الانتفاضة وديمومتها الدليل الأبرز على قدرة الفلسطيني على الانتصار في معركة الإرادات والتي
حتما
ستنتهي بالحرية والاستقلال فالاحتلال يوما بعد يوم تتفاقم أزمته وسيصل حتما إلى حالة من اليأس تضطره للتنازل.
وإنني أرى في الديموغرافيا الفلسطينية سلاحاً إضافياً مهماً في حسم خيارات المستقبل إذ إن خطة شارون في حال
كتب النجاح لها لا تعتبر حلاً وإنما هي إدامة للصراع ستنتهي بالقضاء على حلم الدولة الفلسطينية، ولكن في نفس
الوقت ستقضي على حلم الصهيونية ببناء وطن يهودي خالص لليهود.
وسيتحول هذا الوطن -شاءوا أم أبوا- إلى دولة ثنائية القومية يمثل العرب فيها الأغلبية وفي ذلك قضاء على جميع الأحلام
الصهيونية.
فالفلسطينيون منتصرون سواء في المدى القريب ببناء دولتهم المستقلة أو في المدى البعيد، ولكن الشيء الأهم كيف
نبدع برنامجا يجعل انتصارنا في أقصر وقت وبأقل خسائر.
|