|
مشاريع التسوية ومستبقبل فلسطيين.
المؤتمر السنوي الثاني لمركز باحث للدراسات
بيروت 3-5/6/2004.
طوال عدة سنوات متواصلة تدور في فلسطين مرحلة جديدة من حرب
مصيرية لاهبة ضد الاحتلال الصهيوني الأمريكي تسيل فيها الدماء
أنهاراً وتتشظى أشلاء الشهداء في كل مكان، وتهدم البيوت وتدمر
المخيمات والأحياء والقرى والمدن، ويشرد عشرات الألوف من
شعبنا، وتجرف المزروعات والأشجار وتمتلئ السجون بأبطال
المقاومة، وتقطع أوصال البلاد وأهلها بالحواجز والأسوار، ويصل
العدو إلى ذروة جرائمه باغتيال القادة الأبطال وآخرهم الشهيدان
الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي، يحاول العدو الصهيوني
الأمريكي من خلال كل ذك أن يحطم معنويات شعبناً وأن يكسر
إرادته وأن تصبح حياته مستحيلة لحمله على الرحيل.
ومن الثابت التي تؤكده التصريحات والوقائع التاريخية
واليومية، وآخرها تصريحات وتطمينات. الرئيس بوش للمجرم شارون،
التي أكد فيها على حرمان شعبنا من حق العودة وعلى تأييد
الاستيطان الصهيوني، إن الولايات المتحدة تقف إلى جانب هذا
العدوان بكل قوة تبرره وتشجعه وتدعمه إعلامياً وسياسياً
ومالياً وعسكرياً، والعدو الصهيوني عدو واحد موحد في كل
الجرائم التي ترتكب ضد شعبنا العربي في كل مكان.
وفي مواجهة هذا العدوان الصهيوني الأمريكي يقف شعبنا العربي في
فلسطين صامداً متحملاً قسوته الهمجية ثابتاً على تراب وطنه،
مستنداً إلى حقه التاريخي المقدس في وطنه وإلى موروثه النضالي
الأصيل من الأباء والأجداد، المتواصل على مدى قرن من الزمان.
وترد المقاومة الفلسطينية الباسلة على جرائم العدو بهجمات
وعمليات عسكرية واستشهادية بطولية على الرغم مما يملكه العدو
من تفوق بآلته العسكرية، وتقف شامخة مستمرة موقعة بالعدو أفدح
الخسائر في مختلف الجوانب، المعنوية والاقتصادية والعسكرية،
تحرمه من الاستقرار، وتضعف الهجرة اليهودية الغازية وتزيد
الهجرة الهاربة.
ومع أن العدوان الصهيوني الأمريكي يستهدف سائر الأقطار العربية
ويهدد حاضرها ومستقبلها، تقف معظم أنظمة الحكم العربية موقف
المتفرج أو المتعاون مع الولايات المتحدة على تنفيذ خطتها
المساندة لدولة العدو الصهيوني مانعة الشعب العربي في أقطارها
من المشاركة في الصراع المصيري القائم لمساندة المقاومة
والاشتراك في فعالياتها. لقد أكد اجتماع القمة العربية الأخيرة
في تونس بؤس وهزال أنظمة الحكم القطرية العربية مما يتطلب
تحركاً شعبياً واسعاً لتحيقيق الإصلاح العربي وليس الإصلاح
الأمريكي.
نور ساطع يضيء ظلام هذا الخذلان والتواطؤ، نور هادٍ حافز مشجع
ينبعث من لبنان والعراق وسوريا وتململ شعبي عربي واعد في كل
مكان يرفع المعنويات ويعزز العزم على الصمود والمقاومة، ففي
لبنان الأبي حققت المقاومة الوطنية الباسلة بقيادة حزب الله
نصراً مؤزراً على العدو، ما زالت أنواره واستمرار فعالياته
تضيء الطريق وتشحذ الهمم. وفي العراق مقاومة شعبية بطولية
ومعارك تاريخية ضد الاحتلال الأمريكي الإمبريالي في بغداد
والفلوجة والنجف والكوفة، وفي الناصرية والكوت والبصرة، وفي
بعقوبة وتكريت وكركوك والموصل. تزري بآلة العدو الحربية وتحول
انتصاره العسكري إلى ورطة وهزيمة لا بد أن تجبره على الانسحاب
مدحوراً مذموماً . وتأبى الغطرسة الأمريكية إلا أن تستمر في
ضلالها وتخبطها، تهدد سوريا وتفرض عليها العقوبات، وتصر سوريا
على موقفها مؤكدةً أن من حق شعبنا أن يقاوم الاحتلال في كل
مكان، ويقف كل أحرار شعبنا العربي إلى جانب سوريا ضد التهديدات
العدوانية الأمريكية-الصهيونية.
سيداتي سادتي
عندما انحرفت القيادة الفلسطينية وركضت وراء أوهام مشاريع
التسوية وتعليق الآمال على الركوب في القطار الأمريكي، كباقي
أنظمة الحكم العربية، وعقدت اتفاق أوسلو، رفضنا ورفضت غالبية
شعبنا هذا المسار، وتساءل المنحرفون والمضللون والتائهون، ما
هو البديل؟ قلنا بكل بساطة وثقة، البديل هو المقاومة وما قمتم
به استسلام غير مبرر، يرفضه شعبنا، ولن تستطيعوا فرض الاستسلام
على شبعنا العربي الصامد.
فالحركة الصهيونية التي تجسدت في دولة العدو الصهيوني المدعومة
بالإمبرايالية الأمريكية، حركة استعمارية، عنصرية إحلالية
انطلقت من عقيدة عنصرية تلمودية تحمل نوايا مخططات تهدف إلى
إلغاء الوجود العربي في فلسطين وما جاورها لتهجير اليهود من
شتى أقطار العالم ليحلوا محلنا ولتتخذ من فلسطين منطلقاً
للسيطرة على الأمة العربية. وكل ما تدعيه من سعي للسلام كذب
وخداع ترمي من ورائه إلى استدراج شعبنا بالاعتراف بها وبشرعية
وجودها والإقرار بما حققه العدوان المسلح والاحتلال الذي قام
على المذابح وتدمير المدن والقرى والمخيمات والتطهير العرقي
والإجلاء.
لذلك لا يمكن التعايش معها أو الوصول إلى حلول وسط أو تسويات.
ولا يمكن ولا يجوز أن يكون الاستسلام للعدو والقبول بما يخططه
ويفرضه طريقاً لتحقيق مصالح أمتنا وإنهاء الصراع، فقد فرض
علينا أما نحن وأما هم ولا خيار لنا سوى المقاومة.
وتكشفت أوهام وأخطار مستنقع الاستسلام، وانطلقت الانتفاضة من
جديد انتفاضة المسجد الأقصى وما زالت مستمرة بالرغم من كل ما
استخدم ضدها من البطش والتنكيل والاغتيال، بالرغم من مساعي
أنظمة الحكم العربية لإجهاضها، وفرض القيود وحكم الاستبداد
والقمع على جماهير الشعب العربي للحيلولة دون دعم الانتفاضة
والاشتراك في فعالياتها.
والخطير في الأمر أن فريق أوسلو ما زال مستمراً في الانحدار
إلى مهاوي مستنقع سلام الأوهام والاستسلام والتعلق بإذيال
القطار الأمريكي على الرغم من الفشل الذريع والمهانة والذلة
التي أحاطت بهذه المسيرة، وذلك يفتح المجال للعديد من الأخطار
والأضرار، أقل ما فيها أن هذا الموقف يتناقض مع موقف شعبنا
الثابت الصامد على طريق المقاومة والانتفاضة مما يحول دون
توحيد الموقف الشعبي الفلسطيني، ويهدد بقيام صراع فلسطيني-
فلسطيني.
السيدات والسادة:
ينعقد مؤتمرنا هذا تحت عنوان: مشاريع التسوية ومستقبل فلسطين،
وفي ذلك أقول: لقد رفض شعبنا معاهدات واتفاقات كامب ديفيد
وأوسلو ووادي عربة، وكل ما نتج أو تفرع عنها ولم يلتزم
بمقتضياتها. خلافاً لالتزام الموقف الرسمي، ونادى شعبنا
بالنضال من أجل إسقاطها. ومن المفيد أن يقدم هذا المؤتمر
الأبحاث والدراسات التي تستوجب ذلك، وإزاء ما يواجه أمتنا من
أخطار، فإن هذا المؤتمر وما يماثله من نشاط بحثي، على أهميته
وضرورة اعتمادنا على الدراسات والتخطيط، يبدو: انه من قبيل
الترف الفكري أو السياسي إذا لم يترتب عليه وعلى أمثاله تحرك
شعبي عربي ينتزع حرياته العامة من سالبيها ليتمكن من القيام
بدوره كاملاً في المشاركة العملية الفاعلة في الصراع القائم
وليفرض موقفه النضالي القومي التحرري الوحدوي على حكوماته.
وأحذر من خطط ومساعي العدو الأمريكي الصهيوني الذي ما انفك
يلوح لنا بأوهام السلام والحلول الوسط أو المرحلية ويستدرج أو
يدفع بعض الصحافيين والكتاب والباحثين والسياسيين لاقتراع حلول
تسمى واقعية أو مرحلية، قد تجد لها بعض التقبل بسبب قوة العدو
وهوان الأنظمة العربية ومعاناة شعبنا.
وأؤكد أنه ليس هناك مجال لحلول وسط أو مرحلية فيما يتعلق بقضية
فلسطين فالعدو الصهيوني الأمريكي مستمر في برنامجه مصمم على
تهويدها بالكامل ويتخذ من الحلول التي يلوح بها ويروج لها
البعض منا مدخلاً خطيراً كي نتنازل عن حقوقنا خطوة بعد أخرى.
وأرى أن مستقبل فلسطين مرهون بالسير على طريق حشد جميع الطاقات
العربية وتأطيرها على المستوى المحلي والقومي لدعم المقاومة في
فلسطين والعراق ولبنان، والاستمرار في السير على استراتيجية
حرمان العدو من الاستقرار، بالمقاومة حتى التحرير والعودة.
أرفق بكلمتي هذه ورقة تتضمن عشر نقاط تلخص قناعاتي من خلال
تجربتي النضالية، أرجو أن يكون فيها ما يفيد الباحثين
3/6/2004.
فيما يلي خلاصة لتجربتي وقناعاتي بإيجاز شديد لعل في ذلك ما
ينير الطرق أمام الجيل او الأجيال القادمة على طريق المقاومة
حتى التحرير والعودة:
1-
الصراع القائم بين أمتنا العربية من جهة وبين الولايات المتحدة
ودولة العدو الصهيوني وحلفائها من الجهة الأخرى، الذي تدور
معاركة الساخنة في فلسطين والعراق ولبنان، صراع تاريخي، لم
يتمكن اي طرف من طرفي الصراع أن يحسمه لصالحه حتى الآن وسيظل
مفتوحاً لعشرات السنين الى مدى لا يمكن تحديده، الأمر الذي يجب
أن يؤخذ في الاعتبار عند كل من يفكر أو من يخطط لنضال أمتنا ضد
أعدائها. وبالتالي لكل من يقود ويتحمل مسؤولية إدارة الصراع.
2-
الدول الاستعمارية والإمبريالية، هي التي خلقت الفكر الصهيوني
واستولدت الحركة الصهيونية وأقامت الدولة الصهيونية خدمة
لمصالحها، وتتزعمها اليوم الولايات المتحدة الأمريكية ولذلك
فإن من الجهالة والضلال تعليق اي أمل على دورالولايات المتحدة،
أو الاستعانة بها واعتبارها (سمساراً شريفاً) كما تدعي لمعاجلة
أو حل الصراع مع دولة العدو الصهيوني، فهي الحليف الاستراتيجي
لربيبتها الدولة الصهيونية ضد الأمة العربية، بل علينا أن
نحاربها إلى جانب شعبنا في العراق وفي جميع الميادين.
3-
الحركة الصهيونية التي تجسدت في دولة العدو الصهيوني حركة
استعمارية استيطانية عنصرية إحلالية، انطلقت من عقيدة عنصرية
تلمودية، وتحمل نوايا ومخططات، تهدف إلى إلغاء الوجود العربي
في فلسطين وما جاورها، وتتخذ من فلسطين منطلقاً إلى السيطرة
على الأمة العربية، وكل ما تدعيه من سعي للسلام كذب وخداع ترمي
من ورائه إلى استدراج شعبنا إلى الاعتراف بشرعيتها والإقرار
بما حققه العدوان المسلح والاحتلال الذي قام على المذابح
وتدمير المدن والقرى والتطهير العرقي والإجلاء. لذلك لا يمكن
التعايش معها أو الوصول إلى حلول وسط أو تسويات، ولايمكن أن
يكون الاستسلام للعدو والقبول بما يخططه طريقاً لتحقيق مصالح
أمتنا وإنهاء الصراع، فقد فرض علينا إما نحن وإما هم، ولا خيار
لنا سوى المقاومة.
4-
أثبت الواقع الملموس المطبق أن الاتفاقيات والمعاهدات التي
عقدت مع العدو الصهيوني، كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وما
تفرع عنها جاءت لصالح العدو الصهيوني وقد رفضها شعبنا ولم
يلتزم بمقتضياتها وهو يسعى إلى إلغائها وقد اسقط فعلاً بعض
جوانبها.
5-
إن اتفاق أوسلو ما تبعه كان نهجاً استسلامياً خطيراً حقق للعدو
مكاسب عديدة وأتاح له وقتاً ثميناً لتنفيذ مراحل هامة من
برنامجه، حيث أوقف (انتفاضة الحجارة) التي انطلقت في 8/12/1987
واستمرت أربع سنوات واعترف بدولة العدو وشرعية احتلاله وتوسع
الاستيطان في ظله وإلغي الميثاق الوطني وارتكب العديد من جوانب
التفريط والخطايا الأخرى المعروفة. كما فشل اتفاق أوسلو في
تحقيق اي كسب لشعبنا، بل أضر بنضاله وحقوقه ووضع عقبات أمام
مستقبل الأجيال القادمة على طريق المقاومة. وهذا يستوجب أن
يتنحى القادة الذين ارتكبوا آثام الاستسلام وتحولوا إلى مقاومة
شعبهم ليصبح ما أقروا به لاغيا. وليصبح توحيد الصف الفلسطيني
على نهج المقاومة ممكناً.
6-
تختزن الشعوب والأمم، ومنها أمتنا العربية طاقات وإمكانات
كبيرة جداً تستطيع بها أن تقاوم من يعتدي عليها وأن تنتصر، وأن
تحصل على حرياتها التي يسلبها الحكام المستبدون أو المتعاونون
مع الاعداء، لا سيما إذا وجد من يفجر هذه الطاقات ويحسن
تعبئتها وتوجيهها ويتقن إدارة الصراع. ولذا يجب أن نثق بالشعب
وأن نستمد منه القوة وأن لا يرعبنا فارق القوة المسلحة بيننا
وبين أعدائنا، ولا أرى مبالغة في الشعار القائل (الشعوب قوة لا
تقهر).
7-
تاريخ الأمم والشعوب حافل بتعديات قوة غاشمة على شعوب آمنة
تملك من السلاح وروح العدوان الشريرة ما يمكنها من السيطرة
المتجبرة وفرض إرادتها وسطلتها ومصالحها على شعب أو شعوب
معينة. وغالباً ما يستلم وجهاء وحكام الشعوب المعتدى عليهم
للعدو ويسيرون في ركابه وخدمته وتبعيته لقاء بقائهم في مناصب
ذليلة ومصالح ذاتية ويساعدون العدو على تثبيت عدوانه والتحكم
في الشعب ومصيره. ويروي التاريخ دون استثناء أن الشعب لا يذعن
ولا يستكين ولا يخضع للمعتدي وعملائه، يبتكر من وسائل المقاومة
ما يمكنه من حرمان العدو من الاستقرار ويتخذ من ذلك
استراتيجية، يقاوم بالكلمة بالمقال بالمظاهرة بالحجر بالرصاصة،
وتستمر المقاومة ومعها حرمان العدو من الاستقرار إلى أن يحمل
عصاه ويرحل، وهذا ما جرى في فيتنام والجزائر وجنوب لبنان وهو
ما يجري اليوم في فلسطين والعراق.
8-
من أبرز ما مارسه شعبنا من اساليب المقاومة رفض اللاجئين
جميع مشاريع ومساعي التوطين والتمسك بحق العودة إلى مدنهم
وقراهم. فحق العودة حق مقدس والتمسك به يعني التمسك بالأرض،
التمسك بفلسطين، والتنازل عنه يعني التنازل عن الأوطان، كما
يعزز التمسك بحق العودة حق المقاومة وحرمان العدو من
الاستقرار.
9-
أكثر ما أضر ويضر بانتفاضات وثورات شعبنا العربي ومقاومته،
نجاح العدو في فرض التجزئة ومحاصرة المقاومة في أطر محدودة
معزولة بعضها عن بعض، محرومة من مجالها وعمقها الطبيعي،
وللتغلب على ذلك علينا أن نقيم الاتصالات النضالية الجماهيرية
على أوسع نطاق وأن نساند المقاومة في كل قطر عربي تشتعل فيه.
بل والأبعد من ذلك والأهم أن نواصل سعينا نحو تحقيق حلم الوحدة
العربية الشاملة وتحقيق المشروع العربي الوحدوي والنهضوي حتى
نتوج كفاحنا ومقاومتنا بالنصر القادر على الصمود وإزالة رواسب
ما انتجته التجزئة والنظم الإقليمية، حتى تتمكن أمتنا من
الإفصاح عن حقيقة ذاتها الحضارية والإنسانية الخيرة.
10-
انتفاضة الأقصى مستمرة في فلسطين رغم كل ما استخدم ضدها من
وسائل البطش والتنكيل ورغم مساعي معظم الحكومات العربية
والسلطة الفلسطينينة لإجهاضها وإيقافها وحجب إمكانات شعوب
الدول العربية عن المشاركة فيها وحتى منعها من التعبير الفعال
عن تأييدها. وها هي الانتفاضة قد دخلت السنة الرابعة من القرن
الحادي والعشرين مستمرة متصاعدة. فإلى استمرار المقاومة في
فلسطين والعراق وجنوب لبنان وحرمان العدو من الاستقرار حتى
التحرير والعودة أدعو شعبنا العربي في كل مكان .
ولدي القناعة التامة بأن هذه الدولة الصهيونية قد بدأت
بالانهيار والمؤشرات على ذلك كثيرة.
نصرٌ من الله وفتح قريب وبشر المؤمنيين
|