خطة شــارون
دراسـة تحليلية نقــدية
د. أيمن يوسف
أستاذ العلوم
السياسية الجامعة العربية الأمريكية – جنين
لا
يمكن لأي فلسطيني إلا أن يبتهج ويسعد بانسحاب "إسـرائيل"
من أي
جزء من الأراضي الفلسطينية لأنه يشعر بأن ثمار جهاد
وتضحيات الشعب الفلسطيني
بدأت تؤتي أُكلها، وبدأ هذا العدو المحتل الذي يحتل الأرض
والشجر ويستعمر الإنسان منذ أكثر من نصف
قرن، يترنّح تحت وقع ضربات المقاومة الفلسطينية التي
أثخنته بالجراح، فأخذ
يبحث عن مخارج لحفظ ماء وجهه. لهذا كانت عملية إطلاق خطة
الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة
التي أراد منها شارون الفرار من موقع الانتصار، وإعادة
حساباته الإستراتيجية، على الأرض من جديد. لذا
تضمّنت خطته ألغاما من شأنها أن تفسد على الفلسطينيين
فرحتهم وبهجتهم
بالانسحاب، فبعد مخاض عسير يعكس مدى العسر الذي وصل إليه
الصراع الفلسطيني- "الإسرائيلي" ولدت خطة الفصل أحادي
الجانب لنجدها تغوص في مخاض لا يقل عسرا عن المخاض الذي
ولدت فيه خارطة الطريق ولكن العسر الأكبر الذي قد يودي
بحياة هذا الوليد غير الطبيعي قبل أن يبصر النور ما زال
يقبع هناك أمامنا عندما يبدأ التطبيق.
فخطة
الفصل أحادي الجانب هو الاسم الذي أُطلق على آخر مشروع
سياسي أمني تفتّقت عنه الذهنية
الشارونية، فهذه القنبلة السياسية التي قذف بها رئيس
الوزراء "الإسرائيلي" أرييل شارون، في الشارع السياسي
حين أعلن في الثاني من شهر شباط/فبراير هذا العام، أنه
سيقوم بإخلاء المستوطنات
اليهودية في قطاع غزة مشيراً أنه لن يكون يهود في غزة بعد
الآن رغبة منه في حلّ القضيّة الفلسطينية.. هذا المشروع
ليس هو الأول ولن
يكون الأخير، فالقضيّة الفلسطينية التي مضى عليها أكثر من
نصف قرن طُرح لحلّها
خلال العقود الماضية العشرات من المشاريع والمبادرات
السياسية والأمنية التي
سعى أصحابها للترويج لها والتلويح بها خاصة وأن هذا
المشروع محدود بنطاق قطاع غزة ولا يتمتع بمصداقية تطبيقية
على أرض الواقع. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة كانت
توقعات الكثيرين لها بأنها لن تدوم غير
بضعة أيام أو بضعة أسابيع في أقصى الأحوال، ولكن هذه
الانتفاضة فاجأت الجميع
واستمرت بضعة أعوام وما زالت مستمرة رغم القسوة والوحشية
المنقطعة النظير التي
تعرّضت لها من ِقبل آلة الحرب "الإسرائيلية" بهدف قمعها
وإخمادها، ولكن قدرة الانتفاضة
على الاستمرار وما أبدعه الشعب الفلسطيني فيها من بطولات
وتضحيات وتغيير في المقاومة والتكتيك، قلّ نظيرها أسقط
كل المراهنات على أن الشعب الفلسطيني قد خضع واستكان، وأنه
لن يعيد إنتاج انتفاضة
جديدة شبيهة بانتفاضته الكبرى عام 1987، خصوصاً بعد عملية
التسوية السياسية التي
بدأت في مدريد عام 1991 حيث سادت أجواء تشير إلى أن الشعب
الفلسطيني رأى في هذه
التسوية نافذة أمل لتحقيق أمانيه وتطلعاته في الحرية
والاستقلال. ولكن مع هذا أثبت الشعب الفلسطيني أنه على
درجة كبيرة
من الوعي والمسؤولية حيث أتاح لهذه التسوية أن تأخذ مداها
حتى ينكشف زيفها
وحقيقتها على أرض الواقع وهو ما حدث فعلاً حيث أشعل
انتفاضة جديدة بعد سبعة أعوام
على اتفاقيات أوسلو التي أنتجت فشلاً ذريعاً عكس نفسه في
عدم قيام دولة فلسطينية
مستقلة ذات سيادة، وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى
أرضهم وعدم توقف الاستيطان
وعدم الإفراج عن الآلاف من الأسرى والمعتقلين في سجون
الاحتلال.
لقد
انطلقت انتفاضة الأقصى في مرحلتها الأولى بوسائل شبيهة
بالانتفاضة السابقة لها حيث
انطلق الشعب الفلسطيني يقاوم المحتل بالحجر والمقلاع ولكن
العدو "الإسرائيلي" واجه
الحجر بالرصاص والمقلاع بالدبابة وأخذت طائراته تقذف
المظاهرات الجماهيرية المسالمة بالقنابل والصواريخ، فلم
يجد هذا الشعب بداً من أن يدافع عن نفسه، بكل ما يملك،
فكانت القنابل البشرية هي سلاحه الأساس في إيجاد توازن
للردع أو الرعب في مواجهة الآلة
العسكرية "الإسرائيلية" المتوحشة.
وعلى إثر ذلك انطلق مبعوثو الإدارة الأمريكية في زيارات
متتابعة إلى فلسطين المحتلة إنقاذاً لـ"إسرائيل" من
مأزقها، حيث أطلقوا
مبادرات عديدة حملت أسماء مختلفة (ميتشيل، تينيت، زيني،
باول) كانت تقوم في جوهرها على وقف
الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية وتوفير الأمن لـ"إسرائيل"
على اعتبار أن أمنها هو أحد الأهداف الأمريكية الجوهرية في
منطقة الشرق الأوسط. وعندما فشلت جميع تلك المبادرات
والمشاريع السلمية، أعلنت اللجنة الرباعية مشروعاً جديداً
أسمته خارطة الطريق وهو مشروع ضلّ الطريق الصحيح، كغيره
من المشاريع السابقة، ولا يغيرّ في ذلك ما ورد من نصوص
مبهمة وغامضة حول الدولة
الفلسطينية المؤقتة التي تمّت الإشارة إليها، كرشوة لقبول
المشروع في الوقت الذي
كان يدفع الفلسطينيين نحو حرب أهلية من خلال الضغط
المتلاحق على السلطة
الفلسطينية لوقف المقاومة ونزع سلاحها والصدام مع فصائل
العمل الميداني وتفكيك بنيتها التحتية، لكن كانت رسالة
الانتفاضة تقول بأنها هي خيار الشعب الفلسطيني الاستراتيجي
لإنهاء
الاحتلال واستعادة الأرض والحقوق والمقدسات وأن المقاومة
هي الطريق الحقيقي
والوحيد لتحقيق ذلك، وإن مراكمة التضحيات
والإنجازات هي التي ستعبّد الطريق إلى النصر والتحرير خاصة
إذا كانت المقاومة منسقة ومنسجمة في أهدافها لتلتقي مع
دبلوماسية فلسطينية فاعلة تستغل التغيرات الميدانية على
الأرض لقطف الثمار السياسية.
كما عملت الانتفاضة على توحيد فصائل الشعب وتنظيماته في
خندق واحد هو خندق المقاومة الخيار الذي تتوحد فيه كل
شرائح الشعب وقواه المجاهدة، فالوحدة الوطنية الفلسطينية
هي القاعدة
الأساس في مواجهة الاحتلال، حيث تجلّت تلك الوحدة في أكمل
صورها خلال أحداث
الانتفاضة فكانت كل الوقائع السياسية والميدانية التي تجري
على الأرض خلال انتفاضة الأقصى تؤكد الإيمان بهذه الوحدة
وضرورتها وجدواها.
لقد كانت الانتفاضة سبباً هاماً ومحركاً لا
يستهان به لتفسير خطوة شارون الأخيرة، والتي لا تحمل أي
جديد سوى التوقيت،
ومن الجدير بالذكر أن الاحتلال قد أدرك ما معنى المقاومة
والإصرار على مواصلتها وما معنى وصول جيش
الاحتلال إلى نقطة القناعة بأن البقاء أصبح مكلفاً
ومخسّراً ولا يوجد هناك بصيص أمل في توقف
الاستنزاف والخسائر.
وهذه الإشكالية هي الإشكالية التي كانت وراء هزيمة كل
جيوش
الاحتلال التي استعصى عليها إخضاع الشعوب ووصلت إلى نقطة
اليأس من القضاء على
المقاومة، وذلك بعد أن استخدمت كل الأساليب في محاولة
للقضاء عليها، ولم تصل إلى نتيجة ولم يعد
أمامها إلا القتل من أجل القتل، والتدمير من أجل التدمير
ومن ثم استمرار النزف
والخسائر. ومن هنا يصبح إنقاذُ الوضع بالانسحاب ولو بلا
قيد أو شرط، ولو حمل انتصاراً
لاستراتيجية الانتفاضة والمقاومة والصمود، أقلَّ ضرراً من
الاستمرار في الاحتلال وبناء عليه تتبخر نظرية استحالة
الانسحاب من أرض فلسطينية بلا قيد أو شرط.
الخطــة تحت المجهر
إن قراءة لخطة شارون -رغم التجميل السياسي وعبارات
التأكيد على أنها تتماشى مع خارطة الطريق، إضافة إلى بعدها
الديموغرافي والاقتصادي والأمني، تكشف عن رؤية شارونية لم
تتغير- تتلخص في عدة محاور هي:
1.
بقاء قطاع بعرض 16-20 كيلومتراً في غور الأردن من النهر
وحتى شارع ألون تحت السيطرة "الإسرائيلية".
2.
بقاء قطاع بعرض حوالي 10 كيلومتر من صحراء الضفة القليلة
المساحة أصلا (الطريق الذي يربط القدس بأريحا عبر نهر
الأردن). تحت السيطرة "الإسرائيلية".
3.
بقاء قطاع أضيق على طول الخط الأخضر من الغرب بطول يبلغ
7.5 كيلومترا. وهذا ما جسده عمليا جدار الفصل والقضم الذي
أقامته "إسـرائيل" بحجة حماية "الإسرائيليين" وتعزيز
أمنهم.
و بالشكل التفصيلي فإن خطة شارون سينتج عنها:
أ-
إقامة أربع كتل فلسطينية في الضفة الغربية مشتتة شمالا
ووسطا وجنوبا. ترتبط هذه الكتل بممرات ضيقة تبقى تحت
الرحمة الأمنية "الإسرائيلية" مع بعضها البعض ومع قطاع
غزة، طبعا باستثناء القدس.
ب-
بقاء المستوطنات المعزولة في عمق الأراضي الفلسطينية بغرض
المساومة أيضا، خاصة في قضايا حساسة ومصيرية للشعب
الفلسطيني كاللاجئين والقدس والحدود والمياه.
ت-
تقليص العلاقة الفلسطينية ما بين "إسـرائيل" والفلسطينيين
إلى الحد الأدنى، لدفعهم للبحث عن حلول أخرى في الرزق
والعلاقة مع الآخر التي تتيح فرص التطور من خلال الهجرة
إلى دول الجوار، وتفعيل الهجرة الاختيارية.
ث-
و في الجدار: يؤكد استمرار البناء في الجدار الفاصل وقرار
التسريع في بنائه عكسته خطة شارون كعمل إعلامي دعائي لكسب
الوقت وإيهام العالم أن شارون يمتلك رؤية سياسية ثاقبة
وناضجة، وأنه يمتلك بين جوانحه قلبا واسعا محبا للسلام.
إن عملية استكمال الجدار ستؤدي حتما إلى خلق وقائع
ميدانية على الأرض :
(1) شمول حوالي 53 ألف مستوطن يعيشون في 19 مستوطنة في غرب
الجدار، أي إن العملية ستكون مضمونة عملياً لـ"إسرائيل".
(2) ستقع في 19 بلدة وقرية فلسطينية غربي هذا الجدار،
ويبلغ عدد سكانها أكثر من 100 ألف نسمة، ستتأثر عمليا أكثر
من 150 قرية وبلدة وتجمع سكاني يقطنها حوالي 697 ألف نسمة،
على جانبي الجدار مما قد يمهد إلى نوع من التهجير
الاختياري.
(3) تصل المساحة المستهدفة بالقضم بجداري العزل (الغربي
وجدار العمق) إلى ما يربو على 1248 كيلومتراً مربعاً، أي
ما يعادل 21.3% من مساحة الضفة الغربية.
خطة
شارون الأحادية التي أعلنها في الثامن عشر من ديسمبر
الماضي أمام المؤتمر السياسي الصهيوني في هرتزيليا وأطلق
عليها خطة الفصل الكبرى الأحادية الجانب، تستهدف الفصل بين
الفلسطينيين و"الإسرائيليين". وتتضمن إخلاء عدد من
المستعمرات النائية القائمة في قلب التجمعات الفلسطينية
وإزالة البؤر غير الشرعية التي أقيمت بدون ترخيص حكومي، مع
تعزيز الوجود "الإسرائيلي" في بقية المستعمرات التي ستظل
تحت السيطرة "الإسرائيلية". كما تتضمن الإجراءات استكمال
بناء الجدار العازل والانسحاب من المدن الفلسطينية، ثم
السماح بعد ذلك للفلسطينيين بإعلان دولة مؤقتة داخل بقية
المناطق على مساحة تقدر بما يتراوح بين 50% و58% من أراضي
الضفة الغربية.
من ناحية أخرى تهدف الخطة إلى استكمال بناء الجدار
الفاصل، الذي يغتال مساره ما يقارب 45% من مساحة أراضي
الضفة، وبدأت "إسرائيل" في بنائه عام 2002، وانتهت بالفعل
من تنفيذ المرحلة الأولى منه بطول 90 كيلو متراً من محافظة
جنين إلى قلقيلية، ويلتهم الجزء الغربي منه ثلث مساحة
الضفة خارج الخط الأخضر، مما ينذر بظهور مشكلة جديدة أمام
المفاوض الفلسطيني بإلغاء "إسرائيل" لهذا الخط، ما يعني
رفض الالتزام بحدود 1967 والتهرب من قرار مجلس الأمن
242..! إن خطة شارون بشكلها الحالي هي تجاوز لكل القرارات
الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وللأمم المتحدة
وأخلاقياتها ومبادئها.
كما أن الخطة ستساعد "إسـرائيل" حتما في تكريس
المستعمرات، وقد استبعدت خطة شارون الالتزام بتنفيذ عملية
إخلاء المستعمرات التي نص عليها تقرير لجنة ميشيل وخارطة
الطريق. لأن شارون هو المهندس الأول للاستيطان فإنه بدلاً
من تفكيكها أقام نحو 60 موقعاً في الضفة منذ توليه السلطة
قبل ثلاث سنوات، وارتفع عدد المستعمرات إلى 256 عام 2003،
بعد أن كانت 146 عام 1994. كما أجازت الكنيست ميزانية
جديدة بلغت 30 مليون دولار بدعوى تعزيز الحراسة عليها،
والإعلان خلال الشهرين الماضيين عن عطاء موازنة لإقامة 300
شقة سكنية جديدة بها. وتشير المعلومات إلى أن مساحة
المستعمرات بلغت 2% من الأرض المحتلة بعدما كانت 1.5% قبل
تولي شارون السلطة[1].
تعطي الخطة لشارون بشكلها الحالي فرصة استكمال الجدار
العنصري العازل والذي يشكل محاولة جديدة لفحص واقع جديد
على الأرض بعد أكثر من ثلاث سنوات من المواجهة مع المقاومة
الفلسطينية. يستطيع رئيس الوزراء "الإسرائيلي" (شارون) من
خلال تطبيق برنامجه للحل الانتقالي بعيد المدى فرض الأمر
الواقع كحل نهائي، حيث يؤدي إلى إقامة دويلة فلسطينية في
قطاع غزة إضافة إلى ما يقارب 50% من مساحة الضفة الغربية.
في هذا الإطار، يحول الجدار المناطق الفلسطينية إلى
كنتونات غير متواصلة جغرافيا، محاطة بالمستعمرات
"الإسرائيلية"، وهذا بالمحصلة النهائية يعيق إقامة دولة
فلسطينية ذات تواصل جغرافي داخل الضفة وبين الضفة وغزة.
كما أن الخطة تهدف إلى عزل القدس الشرقية عن باقي مناطق
الضفة، مما يحرمها من أن تكون المركز الديني والتاريخي
والثقافي والتجاري لأبناء الشعب الفلسطيني، ويقلص عدد
ساكنيها من الفلسطينيين إلى نسبة تقل عن 20%[2].
الأهـداف، الأسـباب والدوافع
إن خبرة التعـامل مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي" (آرييل
شارون)، تجعل الإنسان على ثقة تامة أن الرجل لا يمكن بل
ويستحيل أن يتحول من أقصى النقيض إلى أقصى النقيض، ولا
أعتقد جازما أن الرجل قد أتته صحوة ضمير مفاجئة تجبره على
التنازل الطوعي عن قطاع غزة وفق الخطة المذكورة أعلاه
والمعروفة بـ"بخطة شارون" أو "فك الارتباط"، فمنذ أن عرف
شارون على الساحة السياسية والعسكرية وهو يمثل أشد أنواع
التطرف والعداء للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة وأنه لا
يتورع عن استخدام أشد أنواع وأشكال إرهاب الدولة ضد الشعب
الفلسطيني.
ولذلك كان لابد من أخذ هذه الخطة ووضعها تحت المجهر من أجل
التحليل والبحث والدراسة، لأن بعض الإعلاميين والمحللين
السياسيين قد يبالغ في سهولة تحليل الموقف فيقول : "أصبحت
حكاية خطة الانسحاب من غزة حكاية ممجوجة لا تستحق من الشعب
الفلسطيني والسلطة الفلسطينية العتيدة كل هذا الاهتمام
لأنها خاوية ومسرحية مبتذلة، أطرافها الكيان الصهيوني
ممثلا بشـارون الإرهابي والإدارة الأمريكية وبعض العرب"[3].
ولكن
يجب أن نأخذ هذه الخطة التي تلقى تأييدا عالميا على محمل
الجد خاصة أنها تمثل فكًّا للارتباط ومن جانب واحد، فلا بد
من تحليلها ودراستها حتى نتمكن من تفادي أخطارها ويكون لنا
مبادرة مستقلة ورأي على الساحة الدولية يخدم تضحيات الشعب
الفلسطيني وقضيته التي باتت لا تلقى رواجا على الساحة
الدولية في ظل ما يسمى محاربة الإرهـاب، ولذلك كان لا بد
من دراستها حتى لا نقع في حبائل المكر "الإسرائيلي". إن ما
يدعو إلى ضرورة الوقوف عند خطة شارون وقفة جدية، فاحصة
ومتأنية، هو نجاح الاستراتيجية "الإسرائيلية"، إلى حد ما،
في ربط حربها مع المقاومة الفلسطينية على أنها جزء لا
يتجزء من حرب العالم المتمدن على الإرهاب الدولي بصوره
المختلفة وأشكاله المتعددة. والسـؤال الذي يتبادر إلى
الأذهان الآن: ما هي حقيــقة دوافع شــارون لقرار
الانســحاب من غزة؟
يمكن القول: إن هناك مجموعة من الأهداف والدوافع التي يمكن
تلخيصها فيما يلي:
1-
إحداث نوع من التوازن السياسي على صعيد الجبهة الداخلية،
بمحاولة فتح حوار مع حزب العمل والقوى السياسية الداعية
إلى استئناف عملية السلام المعطلة. ولكن شارون يحاول في
الوقت نفسه إقناع هذه الأطراف مجتمعة بأن ما ينطبق على غزة
ليس بالضرورة أن ينطبق على الضفة، وهو في ذلك يجزئ التعامل
مع القضية الفلسطينية. وربما فشل شارون في التعاون مع
عناصر اليمين "الإسرائيلي" المتطرف في جلب الشعور بالأمن
والاستقرار للشارع "الإسرائيلي"، رغم أنه من أكثر
"الإسرائيليين" تشددا وتطرفا ولكنه من باب المناورة
السياسية أراد تغيير بعض قواعد اللعبة بشكل يضمن بقاءه في
الساحة السياسية لمدة أطول.
2-
تخفيف الضغوط الداخلية التي يواجهها والأزمة العميقة التي
وقع فيها نتيجة سياسته العدوانية وأصابة حكومته بالخلل
وخروج وزيرين منها[4].يضاف
إلى ذلك الأزمة الشخصية التي يعاني منها شارون حاليا
والمتمثلة في قضايا الاختلاس، والفساد المالي والسياسي في
"إسرائيل"، وتورط أبنائه، غلعاد وعمري في هذه المغامرات
المالية، خاصة تلك المتصلة بقضية الجزيرة اليونانية.
3-
سعيه إلى التملص من عملية التسوية من جهة، وفرض إملاءات
التسوية على الفلسطينيين، بالمواصفات "الإسرائيلية" من جهة
ثانية، لاسيما في الظروف الدولية والإقليمية الراهنة[5].
كما أن شارون يحاول جاهداً التنصل من بعض الالتزامات
السياسية التي فرضتها عليه خطة خارطة الطريق الأمريكية
والمقدمة شخصيا من جورج بوش. المتتبع للأحداث لا ينكر أن
هناك ضغوط أمريكية مخففة على شارون لإظهار رغبة في
"السلام" أو على الأقل الحديث عنه، في ظل ورطة أمريكية
عويصة في العراق وفي ظل تراجع المشروع الأمريكي الجديد في
الشرق الأوسط والقاضي بدعم توجهات سياسية واقتصادية
إصلاحية في العالم العربي، تلتقي في النهاية مع المصالح
الأمريكية بشقيها الجيوسياسي والجيواقتصادي. فمبادرة شارون
وإطلاقها في هذا الوقت بالذات تخفف من الضغوطات الميدانية
والسياسية على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة وفي
العراق بالذات.
4-
يعاني الاقتصاد "الإسرائيلي" من جراء احتلال مناطق ما وراء
الخط الأخضر مشـكلات عديدة نتيجة تحمل عبء إدارتها
اقتصاديا ويدخل في إطارها وجود العديد من المستعمرات التي
يشكل قاطنوها من المستوطنين مأزقا أمنيا واقتصاديا لحكومة
شارون في آن واحد وعليه أراد أن يخرج من هذا المأزق
والمقصود هنا قطاع غزة ليلقي بتبعاته الأمنية والاقتصادية
على الآخرين.
5-
التخلص من العامل الديموغرافي الذي يؤرق الصهاينة على مدار
الساعة. فقد أراد التخلص من أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين.
وبالنظر لتعذر تمرير حلول من نوع "الترانسفير" فإن الحل
الوحيد بالنسبة للـ"إسرائيليين" هو الانفصال عن
الفلسطينيين لتلافي الأخطار التي يمكن ان يقعوا فيها
متمثلة بتحول "إسرائيل" إلى دولة ثنائية القومية أو ربما
دولة ذات أغلبية عربية. وهو أمر مشترك لدى مختلف الأطياف
السياسية "الإسرائيلية" من اليسار إلى اليمين ولكن الخلاف
بينهم يكمن في نسبة الأرض المعطاة وكيفية التعامل مع
القضايا ذات الصلة كالمستوطنات واللاجئين والقدس وشؤون
السيادة. وهناك اهتمام كبير في أوساط المؤسسة السياسية
والجيش والبنية الفكرية والأكاديمية في "إسرائيل" بقضية
العامل الديموغرافي ونسبة التكاثر و"التفريخ" العالية عند
العرب "الإسرائيليين" وفي أوساط الفلسطينيين عموما.
6-
الالتفاف على التفاعلات الحاصلة في الحلبة السياسية
"الإسرائيلية"، الناشئة عن وثيقتي (جنيف) و(نسيبة – أيالون)،
والناجمة أيضا عن انتعاش اليسار "الإسرائيلي"، بعد إخفاق
سياسات اليمين في مختلف المجالات الداخلية والخارجية،
والتي يؤكدها تراجع نسبة التأييد لشارون إلى 48% بين
"الإسرائيليين"، بعد أن وصلت في مراحل سابقة إلى 75%.
ويبدو أن شارون بات أمام واقع تحول في مزاج
"الإسرائيليين"، فثمة 75% منهم يؤيدون إجراء المفاوضات مع
الفلسطينيين و65% يؤيدون إقامة دولة فلسطينية في إطار
المفاوضات (منهم 63% من ناخبي الليكود)، و60% يوافقون على
إخلاء مستوطنات غزة، و58% يوافقون على إخلاء مستوطنات
نائية ومعزولة في الضفة[6].
وثمة أيضا تراجع في التأييد لشارون، فثمة 50% من
"الإسرائيليين" أعربوا عن عدم ثقتهم به، و54% أعربوا عن
تطلعهم لقيام حكومة ائتلافية من الليكود وشينوي والعمل
بدلا من الحكومة الحالية، التي تضم الليكود وأحزاب اليمين
المتطرف وشينوي[7].
7-
إنه يريد أن يعدل من سياسته الأمنية بحيث يجعل من تكلفة
التواجد العسكري "الإسرائيلي" خارج القطاع أقل من تكلفة
هذا التواجد داخل القطاع في ظل تصاعد عمليات المقاومة
الفلسطينية، ويسعى إلى استجلاب أطر أمنية جديدة
(غير إسرائيلية) تضمن له تحقيق أهدافه بأقل تكلفة ممكنة،
بما في ذلك نوع من التواجد الأمني المصري والأردني والمنسق
مسبقا مع "إسرائيل"، بما يضمن ضغوطات عربية سياسية وأمنية
على السلطة من جهة وضمان علاقات "إسرائيلية" طبيعية مع دول
الجوار العربي.
8-
حتى يعطي نفسه الفرصة لأخذ نفس سياسي، استعداداً منه
للقيام بدوره الفاعل ضمن الخطة الأمريكية للسيطرة والهيمنة
على المنطقة، وأخذ الدور القيادي فيها، والمساهمة النشيطة
في شن الحرب المرتقبة على سوريا وإيران. والتي ستعامل
بطريقة تختلف عن تلك التي انتهجت في الحرب على العراق. كما
أن "إسرائيل" تطمح لأن تكون حلقة استراتيجية مهمة في سلسلة
الاستراتيجيا الأمريكية في المنطقة ولعب دور مهم في مشروع
الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف، إلى استبدال النظام
الإقليمي العربي بنظام شرق أوسطي تلعب فيه "إسرائيل" الدور
الريادي المسيطر، وهو أحد أهدافه.
9-
التدهور في مكانة "إسرائيل" على الصعيد الدولي، إذ إن ثمة
60% من الأوروبيين ونصف الأمريكيين باتوا يعتقدون أن
"إسرائيل" تشكل خطرا على الأمن الدولي. وأن "إسرائيل" باتت
تظهر في العالم على صورة دولة استعمارية عنصرية تفرض
سيطرتها على شعب آخر بوسائل القوة. ومما زاد من هذا
الانطباع السيئ حاليا عن "إسرائيل" وسياسة الجدران
العنصرية التي تتبعها كان قرار محكمة العدل الدولية الذي
أدان الجدار بأغلبية ساحقة وأدانه أخلاقيا ومعنويا
وسياسيا. في ظل هذه الأجواء المأزومة يجد شارون أهدافا
ومبررات كثيرة للحديث عن السلام، محاولا إقناع العالم أن
لديه خطة سلام قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
10-
اختبار السلطة الفلسطينية أمنيا ودفعها للاصطدام بفصائل
المقاومة، كما أن قرار شارون بالانسحاب من قطاع غزة قد
يؤدي إلى خلاف داخلي فلسطيني وعربي. وهذا ما راهن عليه
شارون خاصة في ظل الضعف الميداني للسلطة الوطنية
الفلسطينية وفي ظل تراجع الدعم العربي الواضح للمقاومة
الفلسطينية. يراهن شارون بقوة على قضية الانسحاب
"الإسرائيلي" من غزة التي يمكن أن تؤدي إلى صدام بين
السلطة وفصائل العمل الوطني والإسلامي. وعلى هذا الأساس
فإنّ الجانب الفلسطيني، يجب أن يكون على حذر في التعاطي مع
هذه المبادرة والتركيز أكثر على الانضباط الميداني
والتنسيق في أعمال المقاومة بشكل يضمن الوصول إلى الأهداف
السياسية الاستراتيجية المرجوّة والمحددة، ولعل الحوادث
الأخيرة في غزة ورام الله، جنين ونابلس بدأت تثير الاهتمام
الفلسطيني والدولي وترفع إشارات استفهام كثيرة حول مستقبل
التعاطي الفلسطيني مع العملية السياسية.
11-
وثمة عامل آخر ومهم أيضا وهو أن غزة وقطاعها ليست من أرض
الميعاد التي يزعم بها اليهود وفق معتقداتهم التوراتية مما
يجعل إمكانية الخروج منها والموافقة على ذلك أمراً ممكناً
ومقبولاً لدى الأحزاب السياسية "الإسرائيلية" المختلفة.
إذن، فالأهداف من وراء هذه الخطة يمكن تلخيصها في أربعة
محاور رئيسية هي:
o
الحسابات الداخلية "الإسرائيلية"
o
الحسابات الخارجية والرأي العام الدولي
o
عوامل توراتية
o
نقل الصراع إلى الداخل الفلسطيني والمراهنة عليه
تحديـات وتخـوف فلسـطيني
الخروج
من غزة يأتي ضمن مخطط شارون لفك الارتباط مع الفلسطينيين
من طرف واحد، وخطورة هذه الخطوة تكمن في تهرب شارون من كل
الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين، ومن قرارات الشرعية
الدولية، وعدم اعترافه بهما، وبالتالي تغييب أي مرجعية
دولية أو قانونية للحقوق الفلسطينية. بل يمكن القول: إن
مخطط الانسحاب من غزة من طرف واحد أخطر من خارطة الطريق
حتى بالتحفظات الأربعة عشر التي وضعها شارون، فخطة خارطة
الطريق بالصيغة "الإسرائيلية" كانت تعترف بوجود طرف
فلسطيني مفاوض، وتفترض حقوقاً والتزامات على كلا الطرفين.
الأهم من ذلك أنه كانت تلوح في الأفق دولة فلسطينية ذات
سيادة، حتى وإن أخذت شكل السيادة المنقوصة، وكلها أمور
مفتقدة في خطة شارون الحالية. بالمقاييس الفلسطينية،
المُنجز والمتحقق هزيل مقارنة بحجم التضحيات والمعاناة
طوال اثنين وأربعين شهراً من الانتفاضة.فقبل اندلاع
الانتفاضة في سبتمبر 2000 كان بيد الفلسطينيين من الأرض
أكثر مما سيمنحهم شارون الآن، بل رفضت السلطة في بداية
وجودها السيطرة الكاملة على غزة كخطوة أولى، والانتفاضة
كانت من اجل الانسحاب من كل غزة والضفة ومن أجل تأكيد أن
القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة. وان يقبل
الفلسطينيون بسيطرة غامضة وغير كاملة على غزة فقط، يطرح
تساؤلات حول إنجازات الانتفاضة، بل حول كل التاريخ النضالي
الفلسطيني طوال خمس وخمسين سنة.
على
صعيد آخر، لم يبلور شارون وحكومته الليكودية اليمينية
قراراً نهائياً للخروج من غزة فالخطة المعدلة تمرحل
الانسحاب وتضع شروطا لتطبيق كل مرحلة، مما يشكك في مصداقية
شارون ويجعل احتمال التراجع عن الفكرة أمرا واردا، أو
يماطل في التطبيق لشهور أو سنوات، موظفا هذه الفترة
لاستكمال بناء الجدار واستكمال السيطرة على الضفة الغربية.
وما يعزز هذه التخوفات هو التعديلات الني صادقت عليها
الحكومة "الإسرائيلية" يوم السادس من حزيران من العام
الحالي (2004). كما أن هناك خشية فلسطينية من أن تكون غزة
أولا وأخيرا، وخصوصا أن هيمنة اليمين في "إسـرائيل" ورداءة
الوضع العربي ولا مبالاة العالم الخارجي بالإضافة إلى
محاصرة المقاومة الفلسطينية، كل ذلك لا يشير إلى احتمال أن
يكون الانسحاب من غزة خطوة نحو الانسحاب من بقية الأراضي
المحتلة، وما حديث الخطة عن تفكيك مستوطنات في الضفة إلا
لذر الرماد في العيون وخلق ما يوهم بوجود ارتباط ما بين
الخطة وخارطة الطريق. كما أن هدف شارون هو نقل المعركة إلى
الصف الفلسطيني، مستغلا حالة التسيب والفوضى داخل مناطق
السلطة، وتكثيف العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين في
الأيام الأخيرة يصب يوماً بعد يوم في هذا الاتجاه، كذلك
محاولة تجريد كتائب شهداء الاقصى من سلاحها، وخلط الأوراق
الميدانية مرة أخرى لتشجيع ظواهر الفلتان الأمني والصراعات
الفئوية الضيقة.
الخطة لا تتحدث بوضوح عن انسحاب من كل غزة بل من مستوطنات
في غزة مما يحافظ على وجود عسكري في غزة أو مزارع "شبعا
غزّية" وبالتالي استمرار مصادر للتوتر. كما أن الخطة تضمن
سيطرة عسكرية "إسرائيلية" على الأجواء والمياه الإقليمية
الفلسطينية. لا يوجد أي ذكر لسيادة فلسطينية على غزة بل
الحديث عن سيطرة أمنية، وهناك فرق كبير بين السيطرة
الأمنية والسيادة. فالخطة تتحدث عن فك الارتباط مع
الفلسطينيين وليس مع فلسطين أو أرض فلسطينية. وهذا يعني أن
غزة ستكون تحت حكم ذاتي فلسطيني وسيطرة أمنية فلسطينية
مصرية محدودة، فيما السيادة والأمن العام بيد "إسـرائيل".
ورغم القناعة أن الزمن الحالي لا تعيش في ظله كيانات
سياسية كاملة السيادة في ظل عولمة الاقتصاد والثقافة
والمال، مع هذا يمكن القول: إن الدولة الفلسطينية الخديجة
ستكون دائما بحاجة ماسة إلى أنابيب رعاية "إسرائيلية"
وتغذية دائمة لأن عوامل الجغرافيا والاقتصاد والأمور
العسكرية ستعمل لصالح "إسـرائيل" ومصالحها في المنطقة.
يضاف إلى ذلك أن هناك غياب لأي إشارة لموضوع الدولة، فهل
ستسمح "إسـرائيل" للسلطة الفلسطينية بان تقيم دولة ذات
سيادة في غزة تكون منطلقا لاستكمال استعادة ما تبقى من غزة
والضفة. إن هناك تخوّفاً جدّياً من تردي الوضع الاقتصادي
في غزة إذا ما تم الفصل مع "إسـرائيل" من طرف واحد،
فاقتصاد غزة ضعيف وهش، وسيكون الوضع الاقتصادي أكثر رداءة
إذا مُنع الفلسطينيون من فتح المطار ومن بناء ميناء غزة
وربط اقتصادهم بالاقتصاد المصري. كما أن الوضع الاقتصادي
الفلسطيني سيزداد سوءا إذا قامت "إسـرائيل" بإغلاق حدود
غزة مع فلسطين 1948 ومع مصر مما سيولد ردات أفعال شديدة من
جانب الفلسطينيين الذين لم يستطيعوا حتى الآن خلق بنية
تحتية قوية واقتصاد متين قادر على استيعاب آلاف
الفلسطينيين الذين يتدفقون كل عام على أسواق العمل، خاصة
في ظل ازدياد أعداد الخريجين من الجامعات وفي ظل وجود
بطالة مقنعة. كما أن ضعف السلطة في غزة ووجود حالة من
الفلتان الأمني مما يثير شكوكا فلسطينية حول القدرة على
ضبط الوضع الداخلي، وللأسف فان الخلافات الداخلية ليست فقط
ما بين السلطة والمعارضة الإسلامية بل داخل صفوف السلطة
وداخل التنظيم الحاكم الذي يشهد حالة من التفسخ شبيهة
بحالة أحزاب الأنظمة الشمولية قبيل انهيارها.
خطورة الخطة ستتبين عندما يحين موعد تنفيذ المرحلة الأولى
من الخطة، حيث أن هناك إعتقادا أن شارون سيتخلى عن شرط عدم
التفاوض مع الفلسطينيين، وسيطالب المصريين والأمريكيين بجر
الفلسطينيين للجلوس إلى طاولة المفاوضات، ولكن لفرض
إملاءات أمنية وليس لمفاوضات سياسية، حيث سينتزع من السلطة
الفلسطينية التزامات أمنية كضمان عدم مهاجمة "إسـرائيل"
وعدم التعرض للعملاء وعدم التحريض ضد "إسـرائيل" وجمع
الأسلحة الخ، بل قد يشترط قبل أي انسحاب بدء السلطة بتطبيق
ما عليها من التزامات أمنية حسب خطة خارطة الطريق إن ألحت
السلطة على الربط ما بين خطة شارون وخارطة الطريق. بالرغم
من كل ذلك فأن ضعف السلطة ومأزق المعارضة وحالة الفقر
والبطالة التي أدت إلى حالة إحباط في أوساط الشعب
الفلسطيني وانتهازية غالبية مؤسسات المجتمع المدني، يشجع
البعض على تجميل خطة شارون ويحملونها أكثر مما تحتمل،
وهؤلاء هم أنفسهم تقريبا جماعة أوسلو الذين جملوا اتفاقية
اوسلو واعتبروها إنجازا كبيرا. هناك إدراك أن المسؤولية
السياسية تحتم التعامل مع كل ما هو مطروح من مخططات، ولكن
إن كانت السلطة غير قادرة على رفض الخطة فلا داعي لتجميلها
احتراما لدماء الشهداء وضمانا لمستقبل فلسطين وأجيالها
القادمة[8].
خطة شــارون وخارطة الطريق
بعد نشر خارطة الطريق وقيام وزير الخارجية الأمريكي (كولن
باول) بزيارة "إسرائيل"، أكدت حكومة شارون على ضرورة إدخال
(14) تعديلا على الخارطة، فقد أعلن "الإسرائيليون" عشية
اجتماع شارون – أبو مازن (17-5-2003) أن الحكومة
"الإسرائيلية" لن توافق على خارطة الطريق من دون (14)
تعديلا عليها، كما أكد سلفان شالوم وزير خارجية "إسرائيل"
أمام الصحفيين في لندن: "أن إسرائيل لديها (14) مساهمة
تهدف إلى تعديل خارطة الطريق وإلا فإنها تخشى أن تكون
خارطة الطريق مثل كثير من المبادرات الفاشلة"[9].
إن من أكبر الأخطاء التي وقع فيها الفلسطينيون هو
الاعتراف بأن انسحاب شارون من قطاع غزة يعتبر تطبيقا
لخارطة الطريق، وهذا ما يجب التراجع عنه فوراً.. ودون تردد
كما يرى الكاتب معتصم حمادة[10].
ويمكن تلخيص الأخطار المترتبة على عدم التفريق بين الطرحين
بالنقاط التالية :
1-
حينما أعلنت السلطة موافقتها على خارطة الطريق أعلنت أن
لها تحفظات على بعض البنود وأنها ضمنتها برسالة إلى اللجنة
الرباعية دون أن تعتبر ذلك مسًّا بموافقتها على الخطة، في
حين أن حكومة شارون لم تعلن موافقة صريحة على الخطة. ومن
يراجع بيان حكومة شارون يلاحظ أنه يحمل لغة غامضة توحي
وكأن "إسرائيل" وافقت على رؤية بوش للحل وعلى آليات
التطبيق ولكنها لم توافق على المضمون الكامل للخطة، وأكدت
التزامها بـ14 تحفظا. وهكذا فقد أخطأت السلطة حين سارعت
إلى الموافقة على الخطة في حين كان من الواجب أن تقترن
الموافقة الفلسطينية بالأخرى "الإسرائيلية".
2-
رخاوة الموقف الفلسطيني أفسحت المجال لتصلب في الموقف
"الإسرائيلي" مدعوماً بالموقف الأمريكي المؤيد له.
3-
تجميد تطبيق الخطة، بحجة أن الجانب "الإسرائيلي" قد التزم
بما عليه وأن الخلل قادم من الجانب الفلسطيني، مما سنح
لخطة شارون بالظهور مع ما تحمله من مضامين خطيرة على
الفلسطينيين خاصة والعرب عامة، وكأن اليهود الآن هم دعاة
السـلام والفلسطينيين أهل الإرهاب.
4-
خطة شارون هي خارطة الطريق ولكن وفق المقاييس
"الإسرائيلية" والمصالح الأمريكية ومن الخطأ اعتبار خطة
شارون هي خطة خارطة الطريق، لأن شارون استطاع بخطته تجاوز
العقبات التي اعترضت سياسته الدامية والإرهابية في مواجهة
خارطة الطريق.
البدائــل الفلســطينية
الموقف الفلسطيني في الوقت الحالي لمواجهة الخطة
الشارونية والتحديات السياسية والميدانية المختلفة يجب أن
يكون واضحاً ومنسقاً بين السلطة وفصائل العمل الوطني
والإسلامي من أجل ضمان موقف فلسطيني موحد ومن أجل سد كل
الثغرات والنوافذ الضيقة التي يمكن للأعداء والخصوم في كل
الساحات من أن يتسللوا من خلالها لإحداث إرباك وبلبلة
فلسطينية داخلية. لهذا يجب أن تنطلق الاستراتيجية
الفلسطينية من المحددات التالية :
1-
توحيد
الموقف الفلسطيني في هذه المرحلة التاريخية من نضال الشعب
الفلسطيني.
2-
اعتبار الإنســحاب "الإسرائيلي" وتفكيك المستوطنات من غزة
وقطاعها وبعض المستوطنات في شمالي الضفة إنجازا لصمود
الشعب الفلسطيني وكفاحة في مواجهة الاحتلال الصهيوني.
3-
المباشرة في الحوار الجاد والفاعل بين أطراف المعادلة
السياسية الفلسطينية في قطاع غزة، للاتفاق فيما بينهم
والتوصل إلى موقف موحد بشأن الأوضاع في القطاع وإدارته
بشكل مشترك وفاعل وذلك بعد الانسحاب "الإسرائيلي".
4-
توحيد النظرة الفلسطينية الاستراتيجية والتكتيكية للدور
العربي بمعناه الشــامل ودول الجوار خاصة.
5-
الاتفاق على خطة عمل مشتركة لمعالجة ما خلفه الاحتلال من
دمار والاحتواء ومعالجة مشـكلات الفلتان الأمني والمشكلات
الاجتماعية والاقتصادية.
6-
التنسيق بين المقاومة المسلحة والجانب السياسي الفلسطيني
أو بمعنى آخر تكامل الدور الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ما
بين مفاوضات ومقاومة مسلحة.
7-
محاولة دراسة شاملة ومفصلة لرؤية الفصائل الفلسطينية لخطة
شارون ودراستها دراسة قانونية وإبداء موقف موحد في مواجهة
أخطارها والفوز بالجانب المفيد للشعب والمقاومة الفلسطينية
في هذه الخطة.
الخلاصــة
يذكر
"الإسرائيليون" بأن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" السابق
إسحاق رابين، كان أول من فكر بنقل المستوطنات من موقع إلى
آخر، وتوسيع مستوطنات أخرى، وإزالة مواقع استيطانية صغيرة،
ووضع خطة لذلك، حيث أطلع عليها شارون في حينها بالنيابة عن
حزب الليكود الذي كان معارضاً آنذاك، وبالتالي فإن شارون،
لم يفعل سوى إخراج الملفات من أدراجها، ووضع بعض النقاط
التفصيلية عليها ليس إلا.
هذه الخطة ليست من نتاج أفكار شارون
وحسب، وإنما شاركت في إعدادها عدة أطراف في المؤسسة
الصهيونية من بينها الاستخبارات العسكرية، باعتبارها ستصبح
حدوداً نهائية لا تنازل عنها للدولة الفلسطينية القادمة.
ويجمع المراقبون على أن شارون يبني استراتيجية تعتمد على
تضييع الوقت، فالرئيس الأمريكي يمضي وقته في إدارة حملته
الانتخابية الرئاسية، ولم يتمكن من اتخاذ أية خطوات في
الشرق الأوسط. استغل شارون عدة عوامل محلية وإقليمية
ودولية لإطلاق مبادرته الأحادية الجانب. على الصعيد المحلي
هناك ورطة شارونية داخلية تختص بالفساد وسوء إدارة أموال
الدولة وضعف عام على مستوى التوازنات الحزبية داخل
الحكومة. إقليميا فشل شارون في خطته الاستراتيجية لإنهاء
الانتفاضة الفلسطينية في مائة يوم كما ادّعى في اليوم
الأول لانتخابه وبالتالي يحاول شارون من خلال هذه الخطة أن
يعوض عن فشله الميداني والعسكري بخطة سياسية يعتقد أنها
ستكون قادرة على إنقاذ "إسـرائيل" وهيبتها في العالم. أما
على الصعيد العالمي فسمعة "إسـرائيل" في التراب في ظل يقظة
وسائل الإعلام والرأي العام العالمي، كما أن العلاقات
الأمريكية "الإسرائيلية" على المحك حاليا بعد تزايد فرص
نجاح المشروع الأمريكي الجديد في العراق والشرق الأوسط.
فخطة شارون يمكن أن تؤدي إلى إنهاء العمليات الاستشهادية
التي أصبحت نموذجا قتاليا تحتذي به المقاومة العراقية لضرب
التواجد الأمريكي هناك. يستغل شارون أيضا عاملاً آخر هاماّ
على صعيد الوضع الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية وهو
قرب إجراء الانتخابات الرئاسية العامة في نهاية هذا العام
والتي يلعب اليهود الأمريكيون وجماعات الضغط المؤيدة لهم
دوراً مهماً فيها. فخطة شارون جاءت لضمان تجاوز خارطة
الطرق الأمريكية لأن شارون نفسه مقتنع أن الإدارة
الأمريكية الحالية بقيادة جورج بوش الجمهوري لن تكون على
درجة من الغباء السياسي لتمارس الضغوط على "إسـرائيل" لأن
ذلك يمكن أن يفقدها أصوات اليهود وأموالهم التي تتدفق
لتمويل حملات بوش الانتخابية.
طرح
شارون خطته في ضوء فشل خياره العسكري في إجهاض المقاومة
ووقف الانتفاضة، فقد تلاشت وعوده بإنهائها في مائة يوم،
وذهبت حملاته العسكرية الشاملة أدراج الرياح، بما أوصله
إلى قناعة بوجوب اتخاذ سبيل آخر لتحقيق هدفه، بحيث يجمع
بين الخطوات السياسية والإجراءات الميدانية، الأمر الذي
يشكل ضغطاً مزدوجاً لوقف الانتفاضة.
ولما كانت أيديولوجيا الليكود ترتكز على رفض قيام تلك
الدولة غربي نهر الأردن، وقرار مركز الليكود بتاريخ
13/5/2002م، يرفض حل الدولتين على أرض فلسطين، فإن شارون
يحاول التوفيق بين متطلبات الأيديولوجيا وضرورات الخروج من
المأزق القائم لدى الكيان "الإسرائيلي".
والفكر الأيديولوجي "الإسرائيلي" لا يعتبر القطاع جزءاً من
أرض الميعاد المدعاة، والمشهد السياسي في الحلبة
"الإسرائيلية" يتجه نحو الانسحاب، ولكن المؤكد هو الحرص
"الإسرائيلي" بأن يتم ذلك مقابل ثمن سياسي وأمني بموجبه
تتوقف المقاومة، وتعيد المفاوضات إلى دوائر التيه السياسي
وقيام شريك فلسطيني أو غيره بتنفيذ الاستحقاقات الأمنية،
وفرض واقع جديد في الضفة يكرس الاحتلال والاستيطان.
ومن الأسباب التي وقفت وراء تصريحات
شارون حول معاداة اليهود واللاسامية في المجتمع الفرنسي،
هو تشجيع أكبر جالية يهودية في أوروبا للهجرة إلى
"إسـرائيل"، وتصليح الميزان الديموغرافي الذي بدأ يحتل
حيزاً كبيراً من تفكير شارون والأحزاب السياسية
"الإسرائيلية" باختلاف ألوانها وأطيافها.
كما أن القضية الديموغرافية والتوازنات السكانية بين
اليهود والعرب في "إسـرائيل" تحتل مكانة هامة في عقول
الأكاديميين والباحثين "الإسرائيليين" الذين يدفعون حاليا
باتجاه ضرورة الفصل، بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" من
أجل بقاء "إسـرائيل" كدولة يهودية توراتية نقية، حاملة
هوية يهودية خالصة، ولعل هذا من الأسباب الرئيسة التي دفعت
شارون لإعلان خطته بالإضافة إلى الأسباب السابقة لمثل هذه
الخطة[11].
هناك قناعة تامة داخل المجتمع "الإسرائيلي" بمختلف فئاته
العرقية والإثنية وأطيافه الحزبية ونخبه القيادية من أن
الوضع الحالي لا يخدم المصالح الاستراتيجية العليا
لـ"إسرائيل" على المدى البعيد خاصة في ظل تزايد أعداد
"الإسرائيليين" الذين يهاجرون إلى الخارج وتضاؤل أعداد
اليهود القادمين إلى الدولة العبرية. هذا طبعا؛ يحدث خللا
ديموغرافيا بين العرب واليهود داخل "إسـرائيل"، والحل
الوحيد للخروج من هذا المأزق هو الفصل الأحادي عن
الفلسطينيين في الضفة وغزة ومحاولة إلحاق بعض مناطق الداخل
الفلسطيني كأم الفحم والمثلث مع دولة فلسطينية وليدة
وضعيفة في عملية تبادلية. إن العامل الديموغرافي أصبح
هاجساً وحلماً مريعاً يلاحق "الإسرائيليين" ليل نهار لأن
بقاء الوضع الراهن كما هو يمكن أن يقود في النهاية إلى
دولة علمانية ثنائية القومية يتقاسم فيها "الإسرائيليون"
السلطة مع العرب كما أن هويتهم الثقافية وبناءهم العرقي
يمكن أن يتأثر سلباً من خلال العيش في دولة تعددية
ديموقراطية ومع شعب عربي مسلم يتمتع بالتسامح والتعايش مع
الآخر والتسامي على الجراح.
[1]
للتعرف على بعض الحقائق والإحصاءات بخصوص الإستيطان
وآثار الجدار المدمرة، إنظر منير شفيق، فلسطين
المسلمة، 2004.
[3]
الدكتور سعادة عبد الرحيم خليل،
http://www.falasteen.com/article.php3?id_article=2315
19685
[4]
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=
الحوار المتمدن – العدد 871
[6]
صحيفة هآرتس الإسرائيلية، 9/12
[7]
صحيفة يديعوت أحرنوت 12/12
[10]
معتصم حمادة، الحدث،
June 6،
2004
[11]
رندة تقي الدين، ماذا وراء تخويف شارون يهودي فرنسا؟،
جريدة القدس، 23-7-2004، ص 23
وإنظر أيضا
توفيق أبو شومر، فرنسا واللافلسطينية، الأيام،
24-7-2004، ص16