من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

إعادة إحياء منظمة التحرير:

هل من أفق لبناء حركة وطنية جديدة؟

 

أ.حميدي العبدالله·

توطئة                                  

 

منذ رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ونشوء فراغ قيادي كبير في حركة فتح بفعل غياب جيل التاريخيين البارزين عن سدة القيادة، ظهر فراغ واضح أيضاً على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية. وأدى هذا الفراغ إلى طرح قضية المنظمة على بساط البحث هذه المرة ليس فقط من جانب القوى الوطنية الفلسطينية المشاركة في المنظمة والتي كانت تشعر بتهميش دورها، أو من جانب فصائل المقاومة الأخرى التي ولِدت خارج إطار المنظمة وباتت طرفاً فاعلاً في معادلة الساحة الفلسطينية، مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي، وليس من مطالبات بعض قطاعات المجتمع المدني، بل من قبل حركة فتح التي هيمنت على منظمة التحرير طيلة حوالي أربعة عقود، حيث دار نزاع صامت بين قيادات فتح عكس صراعاً مزدوجاً؛ صراع بين قيادات الداخل وقيادات الخارج، وصراع على الموقع الأول في تقرير مصير حركة التحرير الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير. لكن يمكن القول إن الاهتمام بمصير المنظمة في هذه الفترة كان محصوراً بصورة أساسية بين قيادات حركة فتح، فيما كانت المنظمات الأخرى الأعضاء في المنظمة، أو التي لم تنضو تحت علمها، كانت تراقب من بعيد ما يجري في فتح على هذا الصعيد دون أن يكون لها أي دور.

ولكن مع بدء اجتماعات القاهرة، إثر وفاة عرفات وتسلّم محمود عباس مسؤولية السلطة والتي كانت مكرّسة أساساً لإعادة بعث وإحياء التهدئة أو الهدنة التي كانت منظمات المقاومة قد التزمتها في وقت سابق، طرِح مصير منظمة التحرير من جديد على جدول الأعمال، بهدف الوصول إلى تفاهم سياسي شامل تكون التهدئة إحدى نقاطه، وليست المسألة الوحيدة في النتائج التي سوف تتمخض عنها الاجتماعات. وكان واضحاً أن السياق المقرر لا يجعلها مطروحة بذاتها على جدول الأعمال، أي أن قيادة فتح والسلطة الفلسطينية لم تكن معنية بطرح قضية إحياء وإصلاح منظمة التحرير لتكون إطاراً جبهوياً يوحّد جهد الفصائل الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، وينهي حال الانقسام داخل الحركة الوطنية الفلسطينية؛ بل طرِحت المسألة بصفتها الإطار الذي يمكن عبره إلزام فصائل المقاومة التي عارضت تعديل الميثاق القومي الفلسطيني بعد توقيع اتفاقات أوسلو والفصائل التي لم تنضم إلى المنظمة باعتماد البرنامج السياسي الرسمي للسلطة الفلسطينية، بما في ذلك الموقف من مسألتين خلافيتين لهما أبعاد استراتيجية: الاعتراف بإسرائيل، والموقف من الكفاح المسلح.

في تلك الفترة، كانت قيادة السلطة والقيادة الرسمية لحركة فتح والدول العربية، وخصوصاً مصر والأردن، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، معنية كلها بتجديد العمل بالتفاهمات التي أوصلت إلى التهدئة، أي التزام الفصائل الفلسطينية بوقف الهجمات ضد الاحتلال والمستوطنين، وخصوصاً الهجمات في عمق الأرض الفلسطينية التي احتلّت عام 1948، لأن هذه الهجمات تركت تداعيات زلزالية في الكيان الصهيوني على أكثر من صعيد، وخصوصاً على الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية.

 

إجتماعات القاهرة لإحياء منظمة التحرير

في ضوء هذه الأجندة، وفي ضوء أولويات السلطة وقيادة حركة فتح، كان واضحاً أن احتمال الموافقة من حيث المبدأ على إحياء منظمة التحرير وإصلاح بناها بات أمراً لا يمكن تجاهله، وهو الثمن الذي يتوجب على قيادة السلطة دفعه كي يتم تجديد العمل بتفاهمات التهدئة التي ألحت عليها تل أبيب وواشنطن. واستجابت السلطة لذلك العمل لتسهيل تنفيذ خطة فك الارتباط التي قرر شارون السير بها، وكي لا يظهر وكأن جيش الاحتلال ينسحب تحت النار!

وقد تم في اجتماعات القاهرة التفاهم على المبادئ الأساسية لإصلاح منظمة التحرير، ومن أبرز المبادئ التي تم الاتفاق عليها:

1-    تشكيل مجلس وطني جديد تشارك فيه كافة فصائل المقاومة، بما في ذلك الفصائل التي لم تنضم إلى منظمة التحرير، وتحديداً حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

2-       لا يجب أن يزيد عدد أعضاء المجلس الوطني الجديد عن 300 عضو في الداخل والخارج.

3-    يكون نصف أعضاء هذا المجلس هم أعضاء المجلس التشريعي المنتخب من قبل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، أي من الفلسطينيين الذين احتلّت أراضيهم في عام 1967.

4-    النصف الثاني يكون لأبناء فلسطين في الشتات، وتحديداً في الدول العربية المجاورة. واتفق على أن يتم البحث لاحقاً في كيفية انتقاء هؤلاء، وما إذا كانت الصيغة ستكون عبر الانتخابات أو عبر توزيع المقاعد حصصاً على المنظمات السياسية والشعبية وتجمعات المجتمع المدني.

وكان من المفروض أن يبدأ الحوار فوراً بعد انفضاض اجتماعات القاهرة لوضع الآليات التي تسمح بالشروع في عملية إصلاح منظمة التحرير، وتنفيذ ما اتفق عليه. لكن الأزمة الداخلية في فتح والسلطة الفلسطينية أخّرت الشروع في تنفيذ تفاهمات القاهرة.

 وبدا واضحاً أن القيادة الرسمية لحركة فتح وقيادة السلطة الفلسطينية كانتا ترغبان في تأجيل البحث في مسألة إحياء وإصلاح منظمة التحرير إلى ما بعد انتخابات المجلس التشريعي.

وثمة اعتقاد واسع بأن ما دفع السلطة وقيادة فتح إلى التريث عاملان أساسيان:

العامل الأول، الأزمة الداخلية الحادة التي عصفت بفتح، حيث أن هناك أطرافاً داخل الحركة كانت ترفض خيار الانتخابات في الأرض المحتلة، وترى أن الأولوية يجب أن تنصب على حل أزمة فتح وأزمة السلطة قبل الشروع في البحث في إحياء وإصلاح منظمة التحرير، لأن اشتراك فتح -وهي تعاني من أزمة داخلية- في تنفيذ تفاهمات القاهرة سوف ينقل هذه الأزمة إلى المنظمة، وسيؤدي إلى نتائج سلبية على دور حركة فتح وعلى احتمالات التوصل إلى تفاهمات ملزمة لكل أطراف الحركة.

العامل الثاني، معرفة نتائج انتخابات المجلس التشريعي ومدى تطابق هذه النتائج مع مصلحة تعزيز دور ونفوذ فتح وتكريسها قيادة لمنظمة التحرير، أسوة بما هو قائم منذ عام 1968 عندما تسلمت فتح قيادة المنظمة.

وهكذا مرّ أكثر من عام ونصف على تفاهمات القاهرة وظلت هذه التفاهمات حبراً على ورق، بل إن البعض كان على قناعة أنه من الصعب إحياء وإصلاح منظمة التحرير في ظل تصاعد الدعوات داخل الساحة الفلسطينية للتخلي عن حق عودة اللاجئين، حيث شارك عدد من القيادات الفلسطينية، ومنهم قياديون في حركة فتح، في اللقاءات التي أسفرت عن وثيقة جنيف بين بعض الإسرائيليين وبعض الفلسطينيين، لأن إحياء وإصلاح منظمة التحرير ولحظ دور بارز للاجئين وأبناء المخيمات في دول جوار فلسطين سيشكل عقبة كأداء في وجه جهود شطب حق العودة كشرط لتسوية مع إسرائيل قد تؤدي إلى انسحاب من أجزاء واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

فوز حماس يغيّر المعادلة!

أعادت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني والنتائج المفاجئة التي أسفرت عنها هذه الانتخابات وخصوصاً لجهة الفوز المدوّي لحركة حماس، طرح قضية إحياء وإصلاح منظمة التحرير على جدول اهتمامات الفلسطينيين، وهذه المرة بجدية أكبر وعلى نحو غير مسبوق، ولكن بدوافع مختلفة:

·     بالنسبة لحركة فتح التي خسرت الانتخابات وأخرِجت من السلطة ولم تعد القوة القائدة في الساحة الفلسطينية، هي تراهن على أن إحياء وإصلاح منظمة التحرير، وجعلها المرجع الأساسي، يمكن أن يعوّضها عن خسارة السلطة، ويمكّنها من الإشراف على عملها وتعطيل أي توجهات تتعارض مع سياسات فتح، خاصة أن الحركة تأمل في أن تحوز على غالبية مقاعد المجلس الوطني المخصصة للخارج. وهنا ثمة إجماع بين تيارات فتح على هذه المسألة، وقد نبع هذا الإجماع من الصدمة التي ولّدتها خسارة فتح لأول مرة منذ أربعين عاماً لدورها القيادي في السلطة.

·     بالنسبة لحماس فإنها تراهن على أن إعادة بناء منظمة التحرير وإصلاح مؤسساتها بعد فوز الحركة الكبير يتيح لها فرصة لا تعوّض لأن تكون هي القوة القائدة لمنظمة التحرير في المرحلة المقبلة، ولا يجب إضاعة هذه الفرصة مهما كان الثمن، ومهما كان حجم العقبات.

ولا شك أن معظم الدول العربية، وخصوصاً مصر والأردن والسعودية التي شجعت في السابق على تجاهل منظمة التحرير، وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، سيحاولون تشجيع إعادة إحياء منظمة التحرير إذا تبين أن هذه العملية ستقود إلى تطويق حماس والحد من هيمنتها على الساحة الفلسطينية، وإرغامها على تغيير بعض منطلقاتها الاستراتيجية.

في ضوء كل ذلك فإن جهود إحياء وإصلاح منظمة التحرير تلقت دفعاً قوياً، ويمكن القول إن هذه المسألة ستكون مطروحة بقوة على جدول العمل السياسي المستقبلي في الساحة الفلسطينية.

ولكن سيكون من الصعب جداً توقع الوصول إلى نتائج حاسمة على هذا الصعيد في وقت قريب، ذلك لأن نتائج الانتخابات ولّدت واقعاً سياسياً جديداً يشكل بحد ذاته عقبة في وجه إعادة إحياء دور منظمة التحرير. فحماس سوف تطالب بإعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها المختلفة، بما في ذلك تكوين المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية استناداً إلى نتائج انتخابات المجلس التشريعي ومستوى التمثيل الذي أفرزته هذه الانتخابات، في حين سوف تصر فتح على أنها لازالت كبرى فصائل المقاومة وستطالب بحصة أكبر في هذه المؤسسات، وسيكون ذلك مصدر خلاف قد لا يجد سبيله إلى الحل في وقت قريب، ويشكل عقبة تؤدي إلى نسف جهود إحياء المنظمة وإصلاحها وإبقاء الوضع من هذه الناحية على ما هو عليه الآن.

لهذا يمكن القول إن مصير منظمة التحرير خلال السنوات القليلة المقبلة يتوقف أولاً على النتائج التي سوف يتمخض عنها وصول حركة حماس إلى قيادة السلطة الفلسطينية. فإذا نجحت هذه التجربة سوف تتكرس المعادلة التي أسفرت عنها الانتخابات، وربما يؤدي ذلك إلى إزالة العقبات التي تعترض إعادة بناء منظمة التحرير ومجمل الحركة الوطنية الفلسطينية؛ لكن فشل حماس وعودة فتح إلى السلطة سيجمد عملية الإصلاح المتوقعة، وستعود فتح إلى بعث السياسات المعتمدة منذ أربعين عاماً، كما سيكون مصير المنظمة مرتبطاً بمدى تحسس مجمل فصائل العمل الوطني وخصوصاً فتح وحماس لأهمية إعادة بناء منظمة التحرير على أسس جديدة لمواجهة تحدي الاحتلال الذي مازال جاثماً بقوة على صدر الفلسطينيين ويشكل تهديداً لوجودهم الوطني.

 

سيناريوهان متوقعان:

في ضوء كل ما تقدم هناك سيناريوهان:

·     السيناريو الأول: استفحال الخلافات بين الفلسطينيين والفشل في التوصل إلى قواسم مشتركة تطلق برنامجاً لإحياء المنظمة وإصلاح مؤسساتها. وللأسف لازال هذا السيناريو مرجحاً.

·     السيناريو الثاني: التوافق على أن تكون منظمة التحرير الإطار الجامع للفلسطينيين وقبول الاحتكام إليها وتقديم التنازلات المتبادلة وصولاً إلى صيغة ترضي الجميع. وفي هذا السياق يتم الاتفاق على بعض المسلّمات ومنها يتم الاحتكام إلى الانتخابات عند انتقاء أعضاء المجلس الوطني الممثلين للفلسطينيين في الخارج والاستناد إلى تجربة العراق على هذا الصعيد، حيث شكلت هذه التجربة سابقة يمكن تبنيّها لحث المجتمع الدولي على قبول تكرارها على الصعيد الفلسطيني. لكن من الواضح أن السيناريو المذكور يواجه عقبات كثيرة أهمها:

1.    احتمال غياب تغطية دولية لمبدأ إجراء انتخابات فلسطينية في الخارج أسوة بما حدث في العراق، ذلك أن الولايات المتحدة هي التي طلبت تسهيل إجراء الانتخابات العراقية، بينما من الأرجح أن تتخذ هي والدول الأوروبية موقفاً مغايراً إزاء الفلسطينيين خوفاً من إحياء قضية اللاجئين وطرحها بقوة على الرأي العام العالمي، وهذا ما يتعارض مع مصالح إسرائيل التي اعتاد الغرب على محاباتها.

2.    الحكومات العربية في غالبيتها لن تدعم خيار الانتخابات، أولاً لأن الولايات المتحدة سوف تعارض هذا الخيار، وثانياً لأن هذه التجربة قد تبرِز بقوة البعد السياسي لقضية اللاجئين وتسلّط الضوء عليها أكثر من السابق، فيما معظم الحكومات العربية تميل إلى شطب حق اللاجئين بالعودة لتسهيل الوصول إلى تسوية تنهي الصراع العربي-الإسرائيلي.

3.    الأردن سيكون في طليعة الدول العربية المناهضة لخيار إجراء الانتخابات، ليس فقط لأنه أكثر استعداداً للتأثر بالضغوط الأميركية، ولا يقوى على صدّها، بل أيضاً لأن نصف المواطنين في الأردن هم من أصول فلسطينية، وغالبيتهم تحمل الجنسية الأردنية. وسوف يجري التذرع بهذه القضية لطلب رفض الانتخابات أو استثناء الأردن منها!

وعلى أية حال إن جهود إحياء وإصلاح منظمة التحرير التي ستشهد في الفترة المقبلة انطلاقة جديدة تواجه الكثير من التحديات، ومن بين أبرزها:

·     تعديل ميثاق منظمة التحرير، إذ أنه بعد توقيع اتفاقات أوسلو قامت المنظمة، وفي اجتماع غير مكتمل لأعضاء مجلسها الوطني الذي انعقد في غزة على عجل، بتعديل ميثاقها القومي بما ينسجم مع اتفاقات أوسلو. واليوم، وبعد أن سقطت هذه الاتفاقات لعدم التزام إسرائيل بها، وبعد فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي، وهي من الرافضين للاعتراف بإسرائيل، بات تعديل الميثاق القومي أمراً ملحاً.

·     التحدي الثاني، قبول جميع الأطراف الفلسطينية،وخصوصاً حركتي حماس وفتح، حقيقة أن الشعب الفلسطيني ما زال في مرحلة التحرر الوطني، وأن مسألة السلطة مسألة شكلية طالما أن غالبية الأرض والشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال. وهذا يستوجب بناء جبهة وطنية عريضة تضم كل فصائل المقاومة والممثلين الفاعلين للشعب الفلسطيني، تكون وظيفتها الأساسية قيادة النضال الوطني بأشكاله المختلفة لدحر الاحتلال وتوفير سبل الانتصار في المعركة الوطنية؛ وهذا يعني أيضاً أنه يتوجب على الفصائل الكبرى التخلي عن سياسة الاستئثار أو التصرف وكأن الشعب الفلسطيني قد تحرر، وباتت المسألة المطروحة هي السلطة وكيفية تداولها. إن إغفال حقيقة وجود الاحتلال وإعلاء شأن الصراع على السلطة، سواء عبر الانتخابات أو غيره، سيؤدي إلى حرف النضال الفلسطيني إلى متاهات سيكون الرابح الأول فيها إسرائيل، والخاسر الأساسي الشعب هو الفلسطيني وحركته الوطنية.

·     الاقتناع بأن إعادة بناء منظمة التحرير على أسس جديدة من شأنها أن توحّد الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج في إطار قيادة وطنية واحدة، وهذا تطور هام يشكل مدخلاً لوأد كل محاولات التصفية التي كانت تسعى إلى شطب حق عودة اللاجئين.

·     إعادة النظر بطبيعة المرحلية التي تتبناها منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. لقد سقطت المرحلية القائمة على التخلي عن حقوق اللاجئين ليس فقط لأنهم غالبية الشعب الفلسطيني،بل وأيضاً لأنها تجاهلت مصير هؤلاء وتركته من دون تحديد. أما المرحلية القائمة على فكرة الهدنة الطويلة بعيدة المدى التي تمتد لعشرات السنين بعد استعادة الأرض التي احتلّت عام 1967 فهي لا تأخذ بعين الاعتبار مسألتين أساسيتين:

- المسألة الأولى، التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني أقلّه منذ عام 1965 من أجل تحرير فلسطين واستعادة كامل الحقوق المغتصبة.

- المسألة الثانية، تجاهل قضية اللاجئين من جديد والاكتفاء فقط بعدم شطب حقهم المبدئي بالعودة، علماً أن إيقاف الكفاح لفترة طويلة سوف يفسر من قبل هؤلاء على أنه تخلٍ عنهم لا يختلف عن شطب حق عودتهم الذي جاهرت به بعض الفئات الفلسطينية.

 

برنامج مرحلي جديد

إستناداً إلى ما تقدم، فإن القوى الوطنية الفلسطينية، وهي تستعد لفتح حوار حول إصلاح منظمة التحرير، معنية بطرح برنامج جديد يلحظ مرحلية أخرى مختلفة عن المرحليات السابقة، مرحلية تلبّي تطلعات ومصالح جميع الفلسطينيين في كل المناطق وخصوصاً اللاجئين، وهذا يمكن أن يتم إذا تبنّت منظمة التحرير برنامجاً قائماً على بعض المسلّمات:

·     المسلّمة الأولى: الدعوة إلى تنفيذ قرارات الجمعية العامة وتحديداً القرار194 والقرار181 لأن هذه القرارات تكفل حق عودة اللاجئين إلى بيوتهم في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948.

·     المسلّمة الثانية: إذا نفذت إسرائيل هذه القرارات تنفيذاً كاملاً غير محرّف، فإنه يمكن الاعتراف بوجود إسرائيل على هذا الأساس، حيث ستكون الغالبية في هذه الدولة من العرب الفلسطينيين!

·          المسلّمة الثالثة: هذه المرحلية تسمح بمخاطبة المجتمع الدولي وتحرج الدول الكبرى التي تدّعي أنها ملتزمة بالشرعية الدولية.

ومن وحي هذه المسلّمات، فإن برنامج إحياء وإصلاح منظمة التحرير لابد أن يراعي ويلحظ سلسلة من القضايا الهامة أبرزها:

1-    القناعة بأن الإصلاح الأساسي هو الذي يبدأ من القمة، أي من المؤسسات المركزية للمنظمة، وتحديداً المجلس الوطني واللجنة التنفيذية والمجلس المركزي.

2-    الاقتناع بأن الإصلاح ليس قراراً إدارياً وأن مصيره مرتبط بقرار من هذه المنظمة أو تلك مهما كان حجمها وعلا شأنها، بل إنه حصيلة شروط موضوعية وسياسية عديدة، منها التوازن داخل الحركة الوطنية. وقد تعذر الإصلاح طيلة الأربعين عاماً الماضية لأن التوازنات التي تدعم خيار الإصلاح وتجعله الخيار الحتمي وتحول دون الاستئثار والتفرد، لم تكن موجودة.

3-    الآن، وبمعزل عن قدرة حماس على إدارة السلطة، وبمعزل أيضاً عن قدرة فتح على استعادتها، فإن الأمر الأكيد أن لا فتح قادرة على استعادة مكانتها السابقة التي تسمح لها بالاستئثار والتفرد، ولا حماس قادرة على تجاهل قوة فتح وقدرتها على تشكيل قوة رقابة دائمة تمنع حماس من تكرار الممارسات التي انزلقت إليها فتح في السابق.

4-    هذا التوازن الذي يشكل ثمرة سيرورة طويلة من العمل الوطني الذي اختزن وسائل نضالية متنوعة ومعقدة، وضع منظمة التحرير والحركة الوطنية الفلسطينية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الدخول في أزمة أخطر من كل الأزمات وصولاً إلى تحلّل الحركة الوطنية وتفكك منظمة التحرير واندثارها، وإما بناء منظمة تحرير جديدة قائمة على أسس وطنية وسياسية وفكرية تختلف عما كانت عليه طيلة الأربعين عاماً الماضية، وتشكل وعاءً جديداً لتعبئة كل فئات الشعب في إطار وطني جامع يستند إلى تقاطعات توحّد جميع ألوان طيف الحركة الوطنية الفلسطينية.

5-    خطر الانحلال رغم أنه خطر ماثل وثمة شواهد كثيرة تعزز وجوده، بل تجعله الاحتمال الأكثر ترجيحاً، إلا أن وجود الاحتلال ومستوى العسف الذي يتعرض لـه الشعب الفلسطيني، وما تشهده المنطقة من تحولات تصب في مصلحة خيار المقاومة، كل ذلك يقلّل من مضاعفات هذا الخطر ويلح على ضرورة جبهه والتصدي لـه.

6-    لا يمكن تجاهل التحولات التي شهدتها حركة فتح عند النظر في مستقبل منظمة التحرير، خصوصاً في الفترة التي أعقبت اندلاع انتفاضة الأقصى ووفاة الرئيس ياسر عرفات. وهذه التحولات تشير إلى ثلاث حقائق أساسية لها صلة وثيقة بمستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية وبالتالي منظمة التحرير:

·     الحقيقة الأولى: بروز تيار يتمسك بخيار المقاومة والكفاح المسلح ولا يراهن كثيراً على العملية السياسية ونهج المفاوضات، وهذا التيار يمثل القوة الأكثر فعالية ونشاطاً في قواعد وكوادر فتح في الضفة الغربية وقطاع غزة.

·     الحقيقة الثانية: تقلص نفوذ التيار الذي ينبذ الانتفاضة ويزدري الكفاح المسلح، وهو بات الطرف الأضعف داخل حركة فتح. وهذا واقع يُرصد في صالح تسهيل إصلاح وإعادة بناء منظمة التحرير إذا جرت مخاطبة سليمة وناضجة للتيارات داخل حركة فتح.

·     الحقيقة الثالثة: ولادة تيار وسطي في فتح يسهم هو الآخر في إضعاف مواقف التيار التهادني والمساوم، وهو أقرب إلى تفهم حقائق المرحلة الجديدة، سواء على مستوى الساحة الفلسطينية، أو في فهم واقع فتح الداخلي، أو مستلزمات إعادة بناء منظمة التحرير.

7-    مشكلات إصلاح وبناء منظمة التحرير في ظل هذه المعطيات لم تعد من الوجهة الموضوعية عصيّة على الحل إذا جرى التزام بعض المبادئ من قبل كل أطراف الحركة الوطنية: المبدأ الأول يتمثل في ضرورة الاتفاق على برنامج جديد يشكل تسوية بين وجهات النظر المختلفة. والأرجح أن البرنامج الذي يلحظ مرحلية قائمة على مبدأ الالتزام بتنفيذ قراري الأمم المتحدة 194 و181 والانسحاب إلى حدود 4 حزيران 67، وبعد ذلك الاعتراف بإسرائيل، يشكل القاسم المشترك الذي يجمع كل الفصائل على نقاط مشتركة تحفظ حقوق كل فئات الشعب الفلسطيني من دون أي تفريط. المبدأ الثاني، هو قبول مبدأ التمثيل النسبي، الذي يمكن الاحتكام إليه عند تشكيل مؤسسات منظمة التحرير المختلفة، ويمكن أن تكون نتائج الانتخابات وتوزيع الأصوات على فصائل المقاومة وفصائل العمل الوطني الأخرى معياراً يتم على أساسه تحديد مقاعد كل طرف عند استكمال تشكيل المجلس الوطني ومؤسسات منظمة التحرير الأخرى. والمبدأ الثالث هو توزيع حصص ومقاعد مؤسسات منظمة التحرير بين الداخل والخارج على قاعدة النسبية العددية، أي أن تكون حصة الخارج موازية لحجم الفلسطينيين في الخارج بالمقارنة مع الفلسطينيين الذين ما زالوا موجودين في أرض فلسطين التاريخية.

وفي مطلق الأحوال يمكن القول إن الساحة الفلسطينية شهدت بعد انتفاضة الأقصى (2000) وحتى فوز حماس في الانتخابات (2006)، سلسلة من التحولات تضع منظمة التحرير على مفترق طرق، وهي وضعت الساحة الفلسطينية لأول مرة أمام خيارات متساوية الفرص. وتتراوح هذه الخيارات بين التفكك والانحلال والتقاتل، وبين إصلاح منظمة التحرير والارتقاء بها لتكون بمستوى التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، وهذه هي المرة الأولى التي تتساوى فيها الفرص.

 

 


 


·  باحث فلسطيني

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة