|
الأراضي
الفلسطينية المحتلة عام 67 وآفاق المرحلة الجديدة
ورقة عمل مقدّمة إلى المؤتمر الدولي للقدس ودعم حقوق الشعب
الفلسطيني
طهران (14-16) أبريل/ 2006
وليد محمد علي
المدير العام لمركز باحث للدراسات
مدخل
الانتفاضة الأولى تكمل دور المقاومة اللبنانية
القيادة الفلسطينية تجهض الانتفاضة
الصمود الفلسطيني والعربي يفشل التسوية
خيار العدو الأخير وخطة الفصل العنصري
انتفاضة الأقصى وخيار "فك الارتباط"
خيار المرحلية الميدانية في مواجهة المؤامرة الجديدة
جريمة أريحا تدين أنصار التسوية
خاتمة
بسم الله الرحمن الرحيم
مدخل
لقد استطاع الشعب الفلسطيني بصموده ومقاومته وتضحياته، وبدعم
الشعوب العربية والإسلامية، إسقاط المقولة الصهيونية الزائفة
"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، فأكد بلحمه الحي وشهدائه العظام
أن فلسطين أرض لها شعب حي ومعطاء ومستعد لأقصى درجات البذل
والعطاء دفاعاً عن مقدساته وأرضه وحضارته.
هذا الواقع انعكس على الشعوب العربية والإسلامية، التي بدأت
تلمس -رغم تواطؤ معظم حكامها- مدى الإجرام الذي يمارسه الكيان
الصهيوني، ومدى الخطر الذي يمثله ليس على حاضر ومستقبل الشعب
الفلسطيني فحسب، بل وعلى حاضر ومستقبل كافة أقطارها. بما أثر
سلباً على نظرتها تجاه السياسات الغربية بشكل عام والسياسات
الأمريكية بشكل خاص، وكذلك على قدرة أمريكا على تنفيذ مشاريعها
بالسيطرة على العالم العربي والإسلامي حيث معظم احتياط الطاقة
العالمي.
ولتجاوز هذا المأزق كان لا بد من خطط لإنهاء القضية الفلسطينية
التي أصبحت تشكل المنارة التي تتجه صوبها أنظار أبناء الشعوب
العربية والإسلامية، وتدفعها نحو التفكير بآليات تمكّنها من
توحيد طاقاتها للدفاع عن نفسها واستعادة حقوقها، وتبوء موقعها
الذي تستحق على "خارطة طريق العالم".
من هنا بدأت مراكز الأبحاث في وضع خططها وتصوراتها لتجاوز هذا
الخطر ... ولعل الوثيقة التي أعدّها مركز بروكنغ
مطلع العام 1977 حول أزمة الشرق الأوسط تكشف الخطوط العامة
لهذا التوجه، ومما جاء فيها:
"إن للولايات المتحدة الأمريكية مصلحة قصوى في إيجاد تسوية في
الشرق الأوسط، تؤمّن استمرار تدفق النفط، وحفظ مصالحها الهائلة
والمتزايدة في التجارة، واستثمار الأموال وفي الاتصالات ...
كما أوصى التقرير ببعض شروط التسوية المطلوبة:
1.
الانسحاب الإسرائيلي من بعض الأراضي التي احتلّت عام 1967 مع
إجراء ترتيبات خاصة بشأن القدس.
2.
قيام دولة فلسطينية مستقلة، أو متحدة مع الأردن، أو منخرطة في
سوق أردنية "إسرائيلية" مشتركة، شرط أن يكون المفاوض الفلسطيني
مقبولاً لدى "إسرائيل".
3.
عقد اتفاقات "سلام" كاملة تتضمن التقدم المستمر على مراحل
مدروسة تسير نحو تطوير علاقات سياسية واقتصادية دولية وإقليمية
وكذلك علاقات تعاون.
4.
ينبغي أن يكون الانسحاب الإسرائيلي والاتجاه العربي نحو إقامة
العلاقات الطبيعية متوازيين، وهذا يستغرق سنوات قبل أن يتحقق
بصورة نهائية.
لكن "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن" حيث حصلت سلسلة التطورات
التالية:
1-
بعد أن نجحت الإدارة الأمريكية والقيادة الصهيونية، في الإيقاع
بمصر (السادات) وتوقيع اتفاقية "كامب ديفيد" بدا أن مرحلة
تنفيذ مخطط "التسوية" الأمريكية الصهيونية قد انطلقت. إلا أن
انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الراحل روح
الله الموسوي "الخميني" (رضوان الله عليه)، قلب المعادلة وأجبر
هؤلاء على إعادة الحسابات.
2-
الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 هدف الى:
·
إخراج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان.
·
إخراج القوات السورية، وتوجيه ضربة قاصمة لها.
·
فرض نظام حكم في لبنان موالٍ لأمريكا، ويوقع معاهدة سلام مع
"إسرائيل".
إلا أن الذي حدث كان معكوساً تماماً، حيث بدأت تزهر في لبنان
ثمار ثورة الإمام الخميني المباركة، فسقط اتفاق 17 أيار
(1983)، وبدأت عمليات المقاومة تلاحق العدو الإسرائيلي في
بيروت والجبل والبقاع الغربي والجنوب.
وقد لعب الجيش السوري دوراً حاسماً في معركة الجبل التي خاضها
المقاومون اللبنانيون الى جانب المقاتلين الفلسطنيين (الذين
رفضوا تنفيذ اتفاقية فيليب حبيب ومغادرة لبنان).
كل ذلك أفشل المخطط الصهيوني بتصفية المقاومة في لبنان.
الانتفاضة الأولى تكمل دور المقاومة اللبنانية
في المقلب الآخر، على أرض فلسطين، تمكن الشعب الفلسطيني من
تفجير حلقة جديدة من حلقات مقاومته المديدة (المستمرة منذ أكثر
من مئة عام) فكانت الانتفاضة الشعبية الكبرى (1987-1993)، التي
أعادت للقضية الفلسطينية وهجها، وفتحت آفاقاً واسعة أمام الشعب
الفلسطيني. فقد استطاعت تلك الانتفاضة أن تنقل الصراع من صراع
عبر الحدود إلى صراع داخل حدود فلسطين الانتدابية، وإن كان
وهجها قد تركز في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، إلا
أنه كان يمتد في بعض الأحيان وعبر عمليات المقاومة إلى داخل
فلسطين المحتلة منذ العام 1948. أي أن فعل الانتفاضة نقل
الصراع مع العدو الصهيوني إلى "تحت الشباك" وفق التعبير الذي
استخدمه العديد من المحللين الصهاينة.
لقد فعلت تلك الانتفاضة فعلها في أكثر من اتجاه، فمن جهة هددت
مستقبل الكيان الصهيوني، وأكدت فشله الذريع في إخماد مقاومة
الشعب الفلسطيني، أو الحد من قدرته على تجديد وسائله بإدامة
الاشتباك مع مشروعه الاستعماري الاستيطاني، لكنها وفي ذات
الوقت هددت أيضاً مستقبل القيادة الرسمية الفلسطينية وبدأت
بسحب البساط من تحت أقدامها، وهذا ما يعترف به أحدهم بقوله:
"المواجهة تحدث بين شبان فلسطينيين، أبناء جيل ترعرع وتثقف في
ظل الاحتلال، جيل عزل القيادة القديمة، وأخذ مكانها، مظهراً
سيطرة تكاد تكون كاملة على مخيمات اللاجئين وعلى الشارع
الفلسطيني".
كما كشفت الانتفاضة حقيقة أن استمرار مقاومة الشعب الفلسطيني
لا يربك مخطط العدو الصهيوني داخل فلسطين فحسب، بل تجاه الشعوب
العربية والإسلامية أيضاً ... "إن الضرر الذي سيصيب التأهب
للحرب بعد التعبئة الواسعة للاحتياط مثير للقلق في هيئة
الأركان العامة "الإسرائيلية".
وقد أدرك القادة الصهاينة باكراً التغير النوعي الذي أحدثته
الانتفاضة في تاريخ المواجهة مع مشروعهم، حيث يقول المعلق
العسكري الصهيوني المعروف زئيف شيف: "إنها حرب استنزاف لم نعرف
مثيلاً لها من قبل في كل حروبنا السابقة، وهي أشد ضراوة من كل
الحروب العادية الأخرى..".
كما أدركوا جذرية أهدافها وعبر عن ذلك الجنرال شموئيل أراد
قائد سلاح المظليين والمشاة في الجيش الصهيوني آنذاك في مقابلة
خاصة بقوله: "..إنها حرب لها علاقة بوجودنا".
لقد أيقظت تلك الانتفاضة (87-93) قضايا ومسائل تمس جوهر
المشروع الصهيوني ومصيره. فبعد كل المحاولات الصهيونية التي
بذلت للقضاء على الانتفاضة ووقفها بالقوة العسكرية، أو بواسطة
الإجرام الموصوف وإرهاب الدولة، الذي مارسته حكومة "إسحاق
رابين" الذي حمل لقب "كاسر عظام الأطفال"، وبعد فشل كل سياسات
الحصار والتجويع، توصل قادة الكيان الصهيوني، كما الإدارة
الأمريكية إلى استحالة القضاء على الانتفاضة عسكرياً أو
ميدانياً، وأن لا خيار أمامهم إلا خيار الاحتواء السياسي.
فـ"دان شمرون" الذي كان رئيساً لأركان الجيش الصهيوني، وقبل أن
يجرّب قواته في مواجهة الانتفاضة، كان يصرّح مختالاً معبّراً
عن "ثقته بتثبيت الهدوء ووقف الاضطرابات، وإعادة الأمور إلى ما
كانت عليه"!
لكنه بعد أن جرّب كل ما يملك من قوة وإمكانيات وقدرة على
الإجرام عاد ليقول "ليس ثمة حل عسكري للانتفاضة وهناك فقط
ضرورة الصبر والمثابرة".
إلا أن كل مثابرته وما بذل جنوده وأركان حربه من "جهود"، لم
تفلح في إيقاف الانتفاضة، ولم تؤثر في صمود الشعب الفلسطيني،
وهو أجبر بعد ستة أشهر إضافية من دعوته للصبر والمثابرة وخلال
محاضرة له في مركز دايان لأبحاث الشرق الأوسط على الاعتراف:
"إن حلاً سياسياً فقط سيؤدي إلى إخماد الانتفاضة، وإنه لا يؤمن
بأن خطوة عسكرية مهما كان حجمها يمكن لها إيقاف تفاعلاتها
مؤكداً متى رأى سكان المناطق أن عملية سياسية قد بدأت بموافقة
"إسرائيل" فإن الانتفاضة ستخبو".
القيادة الفلسطينية تجهض الانتفاضة
على الجانب الفلسطيني، ظنت القيادة الرسمية أن الوقت قد حان
لتحقيق برنامجها الذي تبنّته في الدورة الثانية عشرة للمجلس
الوطني الفلسطيني التي انعقدت في القاهرة عام 1974. (برنامج
النقاط العشر)، والذي اشتمل على أول إشارة برنامجية على
المستوى الرسمي الفلسطيني (م.ت.ف) بقبول "تسوية" تعترف بشرعية
وجود الكيان الصهيوني.
ففي تلك الدورة رفِض قرار مجلس الأمن رقم //242// لا لأنه
يعترف بشرعية الكيان الصهيوني، بل لأنه يتعامل مع القضية
الفلسطينية كقضية لاجئين. وأعتقد أن أكثر ما ينطبق على تبنّي
منظمة التحرير لذلك البرنامج (برنامج النقاط العشر) المثل
القائل: "أول الرقص حنجلة".
وبدل أن تؤثر الانتفاضة -وتضحيات وبطولات الشعب الفلسطيني-
إيجاباً في الموقف السياسي للقيادة الفلسطينية وتزيل إحباطها،
وتعيد ثقتها بشعبها وقدرته على الصمود وعلى التفاف الشعوب
العربية والإسلامية حول قضية فلسطين، إزدادت توهماً بقدرتها
على انتزاع "دولة فلسطينية"؛ وبدأت تردد معزوفة "زرعنا ويجب أن
نحصد"؛ واعتقدت أنها قادرة على بناء دولة على مساحة 20% من أرض
فلسطين إن هي تنازلت عن 80% من تلك الأرض واعترفت بشرعية
الكيان الصهيوني فوقها.
وتجاهلت هذه القيادة أن "دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة" غير
منقوصة، ولو على جزء من أرض فلسطين، تتناقض جذرياً مع طبيعة
المشروع الصهيوني أهدافاً ووظائف.
فإذا كانت تجزئة العالم العربي والإسلامي شرطاً ضرورياً لمنعة
وتقدم الأمة وأخذ موقعها الطبيعي بين الأمم، فإن تهويد فلسطين
هو الضمانة لاستمرار تلك التجزئة، وتكريس تخلّفها، وإبقائها
أرضاً وشعباً وثروات في خدمة الاستكبار العالمي.
إذن دفع وهم التسوية القيادة الفلسطينية الرسمية للعمل على
إيقاف الانتفاضة، وقطع الطريق على تطورها ومنع تفاعلاتها على
مستوى الأمة وأحرار العالم. فسارعت لتعقد في العاصمة الجزائرية
دورة للمجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15 تشرين الثاني/نوفمبر
1988 لتصدر قراراً يعلن: "قيام دولة فلسطين فوق أرض فلسطين،
وعاصمتها القدس الشريف". كما أصدرت قراراً يعترف ضمناً بالكيان
الصهيوني من خلال اعترافها بالقرار //181// الصادر عام 1947،
"الذي قسم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية ... وما زال يوفر
شروطاً للشرعية الدولية التي تضمن حق الشعب الفلسطيني في
الدولة والاستقلال الوطني.
هذا التراجع الجديد لم يكن نهاية المطاف ، فقيادة منظمة
التحرير كانت تدرك تماماً أن تمسكها بقرار التقسيم -181- سيشكل
عقبة أمام قبولها طرفاً في "التسوية" العتيدة.
فلا الكيان الصهيوني ولا الولايات المتحدة الأمريكية التي تملك
99% من الأوراق –حسب تعبيرهم- يمكن أن يقبلا بذلك القرار. لذلك
أبدت قيادة المنظمة استعداداً لتقديم المزيد من التراجعات
والتنازلات مقابل قبولها طرفاً في التسوية. وبالفعل فقد قبلت
تلك القيادة كافة الشروط التي أملتها الولايات المتحدة مقابل
المشاركة في مؤتمر مدريد (1991) عبر وفد لا يمثل منظمة التحرير
رسمياً بل كجزء من الوفد الأردني. ومنذ بداية المفاوضات كان من
الواضح الاختلال الكامل لميزان القوى، مما مكّن الصهاينة من
صياغة أسلوب مفاوضات يثبت ضمناً أن "ثمة دولة واحدة بين البحر
المتوسط ونهر الأردن هي إسرائيل، وأن هذه الدولة تفاوض لتحديد
وضع الأقلية فوق أرضها (الفلسطينيين)"!
وكما أصبح معلوماً فإن الوفد الفلسطيني "المفاوض" برئاسة د.
حيدر عبد الشافي ، فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أية نتائج
إيجابية كما فشل في تحديد جدول أعمال لتلك المفاوضات.
لكن ذلك لم يؤثر في قيادة المنظمة، ولم يدفعها لإعادة حساباتها
بل دفعها للإيغال في التنازل، وكان جلّ هدفها في تلك المرحلة،
أن تُقبل رسمياً كطرف مفاوض.
لذلك قبلت منظمة التحرير بالدخول في مفاوضات سرية، في العاصمة
النرويجية "أوسلو"، بدون أي جدول أعمال، وبعيداً عن الأمم
المتحدة، وعن قرارات "الشرعية الدولية" فأنتجت اتفاقاً كارثياً
هدد الشعب الفلسطيني ليس بوحدته فحسب، بل بوجوده أيضاً.
فكان أن جزئ الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي الذي سمّي باتفاق
أوسلو إلى أربعة أقسام:
-
الأول:
ما تبقى من أبناء فلسطين مرابطاً فوق الأراضي التي اغتصبها
الصهاينة عام 1948. وهؤلاء يراد تحويلهم إلى أقلية بلا هوية،
فيسهل تذويبهم أو إخضاعهم لمشاريع "الأسرلة".
-
-
الثاني:
اللاجئون الذين اقتلعوا من ديارهم عام 1948 وشرّدتهم الهمجية
والإجرام الصهيوني خارج حدود فلسطين.
-
الثالث:
فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة، والذين يمثل اللاجئون
أغلبيتهم، أريد للاتفاق (كما أثبتت الوقائع) أن يحاصرهم داخل
كانتونات مقطّعة الأوصال يمكن أن يطلق عليها دولة، لكن بلا
سيادة حقيقية ولا قدرة على الحياة دون مساعدات الغرب (الحامي
والراعي للكيان الصهيوني)، ودون الارتباط الوظيفي بالاقتصاد
والبنية التحتية الصهيونية ليشكل ذلك الجزء النموذج العملي لما
يراد "للشرق الأوسط أن يكون عليه". أي أن يشكل الفلسطينيون
اليد العاملة الرخيصة التي تستخدم لتأمين رفاه المستوطنين
الصهاينة!
أما القضايا الأساسية: الأرض- اللاجئون – الحدود- القدس-
المستوطنات- المياه .. إلخ، فقد تركها الاتفاق المذكور بلا حل
بانتظار ما أسموه مفاوضات الحل النهائي.
وكان كل ذلك جزءاً من الاستراتيجية الصهيونية، التي كانت تعمل
لخلق وقائع على الأرض تؤدي إلى مناخات أكثر ملاءمة لفرض تصور
الصهاينة لحل القضايا آنفة الذكر، وذلك من خلال سعيهم لتحقيق
هدفين:
الأول: التوصل إلى اتفاقيات مع كل من سوريا ولبنان.
الثاني: كسب اعتراف عربي وإسلامي بشرعية الكيان الصهيوني
والتطبيع معه.
الصمود الفلسطيني والعربي يفشل التسوية
لو تمكن الكيان الصهيوني من تحقيق الهدفين السابقين، لاستكمل
ذلك بعزل الفلسطينيين عن أمتهم العربية والإسلامية، فيزيد من
إحباطهم بما يسهل عليه استفرادهم وتزييف وعيهم، وإقناعهم
بعبثية المقاومة، أو المراهنة على شعوب أمتهم، وذلك لإجبارهم
على القبول بما يُفرض عليهم صهيونياً وأمريكياً.
لكن صمود سوريا، ورفضها التوقيع على اتفاقية "صلح" مع العدو
الصهيوني، رغم كل الضغوط وكافة أشكال الترغيب والترهيب التي
مورست عليها، والتي ردت عليها بتعزيز تعاونها مع الجمهورية
الإسلامية في إيران، وصولاً إلى احتضانهما ودعمهما معاً
للمقاومة في لبنان وفلسطين الأمر الذي أدى إلى تصاعدها وإلى
تحقيقها لسلسلة من الانتصارات المتراكمة على العدو الصهيوني،
ما عزز بدوره صمود الشعوب العربية والإسلامية ووعيها للخطر
الذي يمثله الكيان الصهيوني، وبالتالي رفضها لكافة أشكال
التطبيع معه.
هذا الصمود أسقط الأوهام الصهيونية، وحال دون تحقيق الهدفين
السابقين، فلا سوريا ولبنان وقعا اتفاقيات "صلح"، ولا تحقق
التطبيع مع الدول العربية والإسلامية، كما فشلت المباحثات
الثنائية والمتعددة.
تلك المقاومة التي استندت إلى الممانعة الشعبية، أدت إلى إعاقة
"التسوية"، فانكشفت حقيقة الثوابت الصهيونية الأمريكية تجاه
الشعب الفلسطيني ومنها:
1.
لا دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية على أي جزء من أرض فلسطين
(ناهيك عن كامل الأراضي التي احتلّت عام 1967 من فلسطين).
2.
لا سيادة للفلسطينيين على الحرم القدسي، ولا عاصمة لهم في
القدس الشرقية.
3.
رفض مبدأ حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم.
4.
لا انسحاب إلى خط الرابع من حزيران.
5.
تعزيز الاستيطان في القدس وتوسيع حدودها لتشمل نحو 20% من
أراضي الضفة الغربية، وضمها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة
منذ عام 1948 وإخضاع سكانها الفلسطينيين للقوانين
"الإسرائيلية".
إلا أن الذين تنازلوا سلفاً عن80% من أرض فلسطين التي احتلت
عام 1948، وأبدوا استعداداً عالياً للمساومة على حق العودة،
وحوّلوا ما تبقى من أرض فلسطين 20% (أرض الضفة الغربية وغزة
والقدس الشرقية) إلى أراضٍ متنازع عيها وفق منطق "أوسلو"،
استمروا في خداع أبناء فلسطين تحت ذريعة:
"إنه ليس بالإمكان أكثر مما كان، فأمريكا متفردة بالقرار،
والعرب والمسلمون تخلّوا عنا، ونحن "يا وحدنا"، فلا بديل ولا
خيار أمامنا إلا الاستمرار في التفاوض"!
لكن الانتصار المظفر الذي حققته المقاومة الإسلامية بقيادة
"حزب الله"، وتمكّنها من كنْس الجيش الصهيوني وعملائه من جنوب
لبنان وبقاعه الغربي (باستثناء مزارع شبعا) قلب السحر على
الساحر، وأكد للجميع، وفي مقدمهم الشعب الفلسطيني الرازح تحت
نير الاحتلال، أن هناك خيارات أخرى غير خيار استمرار المفاوضات
التي يستفيد منها العدو لخلق المزيد من الوقائع على الأرض، عبر
اتباع سياسة الاستيطان الزاحف ليبتز الفلسطينيين، ويجبرهم على
تقديم المزيد من التنازلات.
وهذا ما يؤكده الوسيط الأميركي دنيس روس عندما يتحدث في كتابه
"السلام المفقود" عن كيفية تصرف الحركة الصهيونية حيال معارضة
الفلسطينيين والعرب للمشروع الصهيوني فيقول: "تجذرت لديهم
(الصهاينة) طريقة متميزة في التفكير: خلق واقع لا لُبس فيه
بحيث لا يترك للعرب خياراً سوى تقبل ما رفضوه والتكيف معه. ...
لأن الرفض العربي لا يقارع إلا بالقوة التي لا تخطئها العين
وعن طريق خلق وقائع على الأرض ... إن العرب لن يعتادوا على
دولة "إسرائيل" ما لم يتضح لهم أنهم عاجزون عن إلحاق الهزيمة
بها، وأنها لن تختفي أبداً عن الوجود . السلام، إذاً ممكن، لكن
ذلك لن يكون إلا إذا تكيف العرب مع "إسرائيل" كحقيقة يستحيل
شطبها"!
كل ذلك لم يكن كافياً لإقناع قيادة السلطة الفلسطينية التي
نتجت عن اتفاق أوسلو بعقم استمرار الرهان على المفاوضات، وعلى
إمكانية تحقيق "تسوية" تعطي للفلسطينيين دولة على الأراضي التي
احتلت عام 1967، متوهمة بأن هناك إمكانية لتدوير الزوايا
وتذليل العقبات عبر المفاوضات التي جرت بصورة مكثفة عبر أكثر
من قناة وفي أكثر من محطة وعاصمة.
فقد عقدت قمة كامب ديفيد الثانية بين الرئيس الأمريكي السابق
"بل كلينتون" والرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس وزراء العدو
"باراك" (العام 2000) ونتيجة للمداولات والأفكار التي طرحت
فيها، إقترب الرئيس عرفات كثيراً من الموقف الذي كان قد تبلور
في أذهان شعب فلسطين، حيث تأكد أن الكيان الصهيوني لن يعطي
شيئاً لمصلحة الفلسطينيين، وأن الولايات المتحدة هي الخصم لا
الحكم، وأن أمن الكيان الصهيوني وزيادة قوته فوق كل اعتبار.
إذن فشلت كل المساعي ومحاولات "تدوير الزوايا" في إيجاد "ورقة
توت" تغطي مصائب "التسوية" التي كان يراد تمريرها وفرضها على
الشعب الفلسطيني، لأن الكيان الصهيوني كان يريد منها التغطية
على فشله في تحقيق مشروع "إسرائيل" الكبرى بفضل المقاومة
الباسلة التي خاضها المقاومون وفي مقدمتهم أبطال "حزب الله" في
لبنان.
لقد اعتقد هذا الكيان أن الظروف الدولية والإقليمية سوف تمكّنه
من فرصة سانحة للإلتفاف على فشله في تحقيق وظيفته العدوانية،
عبر "التسوية" التي كان يراد فرضها على الشعب الفلسطيني؛
"تسوية" تلغي "حق العودة"، وتعطي لليهود "أكبر قدس" حصلوا
عليها في التاريخ كما كرر الرئيس "بيل كلينتون" أكثر من مرة"!
خرج الراحل "ياسر عرفات" من قمة كمب ديفيد، وقد تعلم الدرس،
وأعلن موقفاً حازماً برفض الخضوع للإملاءات الصهيونية -
الأمريكية، وبدأ يحاول إعادة تجميع الصفوف بهدف استكمال مسيرة
المقاومة.
خيار العدو الأخير وخطة الفصل العنصري
إن فشل المحاولات الصهيونية لفرض التكيّف على الشعب الفلسطيني
وإخضاعه لخدمة المشروع الصهيوني، أعاد طرح "خطر" الديموغرافيا
الفلسطينية على مشروع تهويد فلسطين، حيث رأى الخبراء
والاستراتيجيون الصهاينة، هذا الخطر جلياً بعد احتلال أراضي
الضفة الغربية وقطاع غزة إثر عدوان عام 1967، بسبب تمسك
الفلسطينيين بأرضهم و"انزراعهم" فيها، حيث شكلت الكثافة
السكانية هاجساً أقلق قادة المشروع الصهيوني والقائمين عليه.
ثم كان تصور الصهاينة الجديد أنه بالإمكان إخضاع الضفة والقطاع
وتحقيق الحاجات الأمنية فيها بهدوء، فاكتفوا بالسيطرة العسكرية
الأمنية عليها وتحويلها إلى مستعمرة من نوع جديد، يتداخل فيها
الاستعمار التقليدي الذي يحوّل المستعمرات إلى أسواق ومحميات
ينهب ثرواتها ويستغل سكانها كعمالة رخيصة، مع الاستعمار
الاستيطاني الذي يستولي على أفضل الأراضي خصوبة وموقع
استراتيجي ويحوّلها إلى مستعمرات إستيطانية هي جزء فعلي من
كيانه الغاصب الذي تأسس عام 1948.
لكن تحقيق ذلك كان مشروطاً برضوخ الشعب الفلسطيني، وقبوله
بإستبدال حقوقه وكرامته بل وإنسانيته أيضاً، بالعيش الذليل
والتلذذ بالمآكل والمشرب والتناسل.
لقد أريد تحويل شعب فلسطين إلى حقل تجارب تنفذ فيه نظرية
"الترشيد" التي يعرّفها "ماكس فيبر" "بأنها: ... تحويل العالم
إلى نسق آلي يتم استخدام كل شيء فيه بكفاءة. يتحول الإنسان فيه
إلى وحدة تعمل بكفاءة شديدة، ثم يستهلك حسب قدراته المالية،
بعيداً عن أي مضمون أخلاقي أو قيمة إنسانية. سوق يحكم فيه من
يملك "الذهب والمال" لا تعوقه أي معوقات من قيم أخلاقية،
دينية، إنسانية أو خصوصيات وهويات.
لكن بفعل مقاومة الشعب الفلسطيني وصموده، فشل الكيان الصهيوني
والولايات المتحدة في إخضاع هذا الشعب ودفعه إلى الاستسلام رغم
كل ما استعمل من أساليب الإجرام والقتل والترهيب والترعيب ضده.
لقد اقتنع قسم من الصهاينة بأن لا خيار لمواجهة الهاجسيْن
الديموغرافي والأمني اللذين يقضّان مضاجع الكيان ويهددان
وجوده، إلا خيار "الانفصال" عن المناطق السكانية الفلسطينية في
قطاع غزة، والضفة الغربية.
وكان أن عيّن "إيهود باراك" مستشاراً خاصاً لشؤون خطة الفصل،
هو "دان شفتان"،
الذي كان يرى "إن سياسة الفصل ستتحقق من تلقاء ذاتها ...
وسيكون لزاماً على واضعي السياسة القومية أن يقترحوا طرقاً
لتحقيقها بشكل موجه، منهجي ومنظم، لأن هذا هو الخيار الذي
سيظهر في نهاية المطاف بعد أن تتحمل ""إسرائيل" أعباء ثقيلة"!
ويسجل شفتان في خلاصة رؤيته: "إسرائيل" ليست مهيّأة لتغيير
دوافع مقاومة الفلسطينيين الأساسية لها ... فلا التهديد الذي
تستخدمه "إسرائيل" بمستطاعه أن يردع، ولا الإغراء الذي تعرضه
"إسرائيل" الصهيونية بمستطاعه أن يؤثر. من هنا فقد أصبحت
الحاجة ماسة لتغيير مثل هذه الظروف، وخلق ظروف مختلفة أخرى من
شأنها أن تقلل الخسائر الخطيرة التي قد تلحق بـ"إسرائيل".
فالتهديد ليس رادعاً، لأن الفلسطينيين يعرفون جيداً أنهم
يتمتعون بحرية الحركة والعمل كما يحلو لهم في داخل المجتمع
الإسرائيلي ولا تستطيع "إسرائيل" أن تحاسبهم على محاولاتهم
لتقويض أسسها، دون أن تلحق الضرر بنفسها. وليس بمستطاع الإغراء
أن يترك أثراً يذكر على لاجئي عام 1948م ولا على الزعماء
المتحدثين باسمهم، لأن الانسحاب من نابلس... والخليل ورام الله
وحتى القدس الشرقية، لا يطرح حلاً لمواطني يافا وحيفا والرملة؛
وهؤلاء لن يألوا جهداً في رفض كل ما يمكن أن يحصلوا عليه من
"إسرائيل"، والاستمرار بالمطالبة عملياً "بالعودة" إلى داخل
الخط الأخضر" والسعي لتقويض أسس "إسرائيل" وتحقيق ذلك الهدف.
والمطلوب هو القدرة والجرأة على إحداث تحولات في المجال الممكن
تغييره والذي يجب أن يتم تغييره- والمجال الذي من الممكن العمل
من خلاله بحكمة وتصميم، هو المجال الذي بالإمكان من خلاله
تغيير الموازين لصالح "إسرائيل"، وتجنيب الدولة اليهودية
المخاطر التي تهدد بتقويض أسسها وتغيير شروط اللقاء بين السكان
الفلسطينيين و"إسرائيل"، إذ أن مثل ذلك سيحدث، إذا ما تم تبني
استراتيجية الفصل حتى القطع. إن حقيقة تبني استراتيجية الفصل
هو الخيار المرجح لكل من يرغب بتخليص "إسرائيل" من الضائقة
الخطيرة التي تتهدد مستقبلها ووجودها"!
نتائج كامب ديفيد الثانية وتصورات حزب العمل عن الفصل الاجباري/
تفاعلات في الاتجاهين الفلسطيني والصهيوني.
في الاتجاه الفلسطيني كانت مجموعة من الدروس والعبر لعل أهمها:
الدرس الأول: إن الكيان الصهيوني
الذي أسس كثكنة عسكرية متقدمة للاستكبار العالمي، تم تزويده
بكل ما يحتاج من دعم عسكري، اقتصادي، ثقافي وإعلامي... إلخ ،
للتغلب على جيوش الدول العربية. وقد استطاع بالفعل الانتصار في
كافة الحروب الكلاسيكية النظامية، حتى حرب تشرين أول/ أكتوبر
1973، والتي أظهر فيها الجندي المصري والسوري القدرة على صنع
الانتصار، تم إجهاض نتائجها والالتفاف عليها. لكن هذا الكيان
هزم في معارك حرب الشعب؛ إبتداء من معركة الكرامة عام 1969،
وصولاً إلى هزيمته النكراء في لبنان في أيار/ 2000.
الدرس الثاني: إن تجربة السنوات
الطويلة من المفاوضات العبثية مع العدو الصهيوني، لم تفلح في
ثني العدو عن الاستمرار في تحقيق خطوات حثيثة من أجل فرض وقائع
جديدة على الأرض تمكّنه من تجاوز أزماته، وتحقيق أهدافه
لاستكمال تهويد فلسطين والعودة لتهديد الأمة ومنع تقدمها
ووحدتها.
الدرس الثالث: الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع حضاري تاريخي
شامل، تجتمع في ثناياه كافة الأبعاد العسكرية، السياسية،
الاقتصادية، الدينية، القيمية، والثقافية.
الدرس الرابع: إن تجزئة الشعب
الفلسطيني، أو تجزئة قضاياه، لن تؤدي إلى حل أي منها، بل ستؤدي
إلى تصفيتها الواحدة تلو الأخرى لمصلحة المشروع الصهيوني.
الدرس الخامس: إن الوحدة الوطنية
الفلسطينية مسألة أساسية وحاسمة في الصراع المفتوح مع المشروع
الصهيوني. لكن الشعب الفلسطيني ومن خلال تجربته مع خيار
التسوية أصبح لا يرى إمكانية تحقيق وحدة صلبة إلا على أرضية
برنامج المقاومة، فمواجهة العدو ومخططاته هي التي توحّد
الجميع. وهذا الدرس كان من أهم ما تعلمه الشعب الفلسطيني من
تجربة "حزب الله" في لبنان. فقد تمكن الحزب عبر مقاومته وتركيز
جهده في اتجاه الهدف المحوري "تحرير الأرض" من توحيد معظم
المجتمع اللبناني شعباً ودولة خلف المقاومة الباسلة، رغم كل
تعقيدات الوضع اللبناني، بينما مزق وهم التسوية وحدة الشعب
الفلسطيني وضرب أسسها. ولا سبيل لإعادة تلك الوحدة إلا بنبذ
وهم "التسوية" والعودة إلى خيار المقاومة.
الدرس السادس: ضرورة تعزيز العمق
العربي والإسلامي للمقاومة الفلسطينية لتمكين الشعب من الصمود
والانتصار، فلولا الالتفاف السوري والإيراني حول المقاومة في
لبنان، والموافق الحازمة إلى جانبها لما استطاعت المقاومة
بقيادة "حزب الله" من تحقيق الانتصار.
وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق في الساحة الفلسطينية، إلا
بالتخلص من شعار "يا وحدنا" وإنهاء التلطي وراء القرار الوطني
المستقل، لتبرير الانعزال عن العمق العربي والإسلامي. فأي
انعزال للقضية الفلسطينية عن أمتها سوف يلحق الضرر بفلسطين
وبالأمة.
في الاتجاه الصهيوني
التصورات التي بدأت تتبلور داخل صفوف حزب العمل الحاكم آنذاك
بخصوص "الفصل الإجباري" لم تكن لتقنع تكتل الليكود بزعامة "آرييل
شارون"، فاقتحم على رأس آلاف الجنود ورجال الشرطة والمستوطنين
الحرم القدسي الشريف، الأمر الذي حمل إضافة إلى المعاني
السياسية، الاحتقار الكبير لكل المقدسات والكرامات والمشاعر
الفلسطينية والعربية والإسلامية والإنسانية.
انتفاضة الأقصى وخيار "فك الارتباط"
أدت التفاعلات التي حدثت لدى الطرفين المباشرين للصراع
الفلسطيني - الصهيوني إلى اختمار الحالة الثورية عند
الفلسطينيين، فانفجرت "إنتفاضة الأقصى" كحلقة متجددة من حلقات
المقاومة الفلسطينية، والتي دشن فيها الشعب الفلسطيني القرن
الأول من الألفية الثالثة متسلحاً بكل الدروس والعبر التي
استقاها من تجربته في الانتفاضة الشعبية الكبرى (87- 93) ومن
تجارب شعبنا في مقاومته على مدى القرن الأخير من الألفية
الثانية، الأمر الذي حصّن إلى حد كبير "انتفاضة الأقصى" في وجه
كل محاولات استثمارها. وقد حدد مجاهدو الانتفاضة هدفهم بوضوح –
دحر الاحتلال وطرد المستوطنين دون قيد أو شرط- وتصاعدت
الانتفاضة، وفشلت كافة الوسائل العسكرية والأمنية في وقفها أو
الحد من فعاليتها ، بل هي ازدادت اتساعاً وشمولية. مع ازدياد
إجرام العدو ووحشيته، أعلنت الشعوب العربية والإسلامية وقوفها
إلى جانب الانتفاضة من خلال مظاهراتها المليونية التي خرجت في
شوارع العواصم والمدن.
تقدمت الانتفاضة ، وحققت خطوة متميزة إلى الأمام من خلال تزايد
العمليات العسكرية، وبدء العمليات الاستشهادية، ليس رداً على
الإجرام الصهيوني فحسب، بل لإدراك الشعب الفلسطيني أن لا شيء
يمكن أن يجبر هذا العدو على التراجع إلا المقاومة والخسائر
البشرية والمادية...
"فقط فقدان أرواح يهودية عديدة في الحرب... يجعل تصور تراجع
إسرائيلي ممكن، لأنه يبرر اعتماد مبدأ قدسية الحياة اليهودية،
واعتبار المحافظة عليها أهم من أي اعتبارات أخرى".
وقد أدرك العدو الصهيوني الخطر الحقيقي الذي تشكله الانتفاضة
والمعنى العميق لها. وقد عبّر عن هذا رئيس الموساد آنذاك "إفراييم
هاليفي" بقوله: عندما نلقي نظرة على خارطة التهديدات التي
تواجه إسرائيل في العقد المقبل... نجد أنها ليست تهديدات ضد
حدود الكيان... المعركة بين إسرائيل وجيرانها، وبالأساس هي
تاريخية وجودية".
لكن بعد أن فشلت كافة الوسائل العسكرية التي اتبعتها حكومة حزب
العمل في وقف انتفاضة شعب فلسطين ومقاومته، انتخب الكيان
الصهيوني "آرييل شارون" على رأس حكومة كان برنامجها يقول
بالقضاء على الانتفاضة ووقف مقاومة الشعب الفلسطيني في
مئة يوم. وقد فشل شارون في ذلك واشتد عود انتفاضة الأقصى
واتسعت رقعتها وقوي فعلها، حيث طورت حركات المقاومة أشكال
مواجهاتها العسكرية الميدانية لقوات الاحتلال وللمستوطنين
وحرمت الكيان الصهيوني من الأمن والاستقرار في قاعدته المركزية
(أرض فلسطين التي احتلت منذ العام 1948).
إثر ذلك توصل صانعو السيناريوهات والقرارات في الكيان
الصهيوني، في مؤتمر هرتزيليا الرابع الذي عقِد بتاريخ
16-18/12/2003 إلى نتيجة مفادها انسداد طريق التسوية
"الإسرائيلي-الفلسطيني". وخرج المؤتمرون بفكرة القيام بخطوات
أحادية الجانب. وكان "إيهود أولمرت" الرئيس الحالي لوزراء
العدو بالوكالة هو صاحب الفكرة ومطلقها الأول.
نجح خيار المقاومة مرة جديدة، وكان النجاح هذه المرة فوق أرض
فلسطين، حين أجبر العدو على تفكيك مستوطنات من فوق أرض فلسطين
(المستوطنات التي زرعت في قلب قطاع غزة، إضافة إلى 4 مستوطنات
في شمال الضفة الغربية (غنيم، كديم، حسوفي، سانور).
لكن ما لا يجب أن يغيب عن أذهاننا البتة هو أن العدو الصهيوني
لم ينسحب إنسحاباً نهائياً عن أي جزء من أجزاء فلسطين، ولم
تتجاوز الخطوة التي أجبر عليها من أن تكون انكفاء عن مدن
وبلدات ذات كثافة سكانية عالية ليحرم المقاومين من الاستفادة
من نقطة ضعف أي جيش محتل وهي الانتشار وسط شعب معادٍ؛ فقادة
المشروع الصهيوني لا زالوا ينطلقون من أن هناك دولة واحدة فوق
أرض فلسطين الانتدابية هي دولة "إسرائيل".
وهم بعد أن فشلوا في اقتلاع جميع الفلسطينيين من على أرض تلك
الدولة، وعجزوا عن وقف مقاومتهم، وجدوا أنفسهم مضطرين في هذه
المرحلة. للتعامل مع جزء من الفلسطينيين المقيمين في مدن
وبلدات قطاع غزة والضفة الغربية كأقلية تقليم فوق "أرض
الدولة". وللتخلص من المتاعب الأمنية والديموغرافية ومن أعباء
السيطرة المباشرة عليهم، تبلور في مراكز الأبحاث وصنع القرار
تصور قائم على إعطاء الفلسطينيين المقيمين هناك حقوق "أقلية
قومية" تدير شؤونها المدنية بشكل موسّع (داخل) دولة "إسرائيل"،
لا على أرض خاصة بهم!
وها هو "دوف فايسغلاف" كبير مستشاري شارون يكشف الجوهر الحقيقي
لخطة فك الارتباط. إن مغزى خطة فك الارتباط هو تجميد عملية
السلام، وبذلك تمنع إقامة دولة فلسطينية، وتمنع مناقشة المسائل
الخاصة باللاجئين والحدود والقدس. وإن هذه المسائل تمثل صفقة
كاملة تسمى الدولة الفلسطينية، وأن هذه الصفقة بكل ما تحمله من
معنى تم استبعادها لأجل غير مسمى من جدول أعمالنا، وتم ذلك
بمباركة الرئاسة الأميركية وتصديق مجلس الكونغرس".
فخطة
فك الارتباط، ووفق ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، تقوم على:
-
إخلاء قطاع غزة من المستوطنات... على أن يحافظ على القطاع
كمنطقة منزوعة السلاح.
-
سينتشر الجيش الإسرائيلي على الحدود الخارجية للقطاع، وسيسيطر
بشكل مطلق على المجال الجوي.
-
ستواصل "إسرائيل" القيام بعمليات عسكرية في المجال المائي
لقطاع غزة، وستحتفظ لنفسها بالحق الأساسي في استخدام القوة ضد
التهديدات التي قد تنشأ في المنطقة.
ومن الواضح أن خطة فك الارتباط تهدف إلى تحقيق مجموعة من
الأهداف الصهيونية المرحلية، والتي تصب في الهدف الاستراتيجي،
استكمال تهويد فلسطين. ومن تلك الأهداف:
-
إستكمال تهويد القدس، وتوسيعها لتشمل نحو 20% من أراضي الضفة
الغربية.
-
إستكمال السيطرة على منطقة الأغوار والتي تمثل نحو 15% من
أراضي الضفة.
-
إستكمال بناء جدار الضم والعزل العنصري للسيطرة على الأحواض
المائية التي تغذي. الضفة الغربية، وكذلك أخصب مناطقها
الزراعية.
-
تكريس المستوطنات الأساسية الكبرى في الضفة الغربية.
-
تحويل ما تبقى من مدن وبلدات الضفة الغربية إلى معازل يحيط بها
سور العزل والضم العنصري من الغرب، والمواقع العسكرية
والمستوطنات في غور نهر الأردن من الشرق، وتقطعها الطرق
الالتفافية ويسيطر عليها عبر قواعد عسكرية تقام على قمم سلسلة
جبال الضفة.
ومن أهم ما يمكن أن نقرأه عن جدار العزل والضم العنصري، ما
كتبه الصحافي الفرنسي "آلان مينارغ" في كتابه "جدار شارون" إثر
فترة طويلة قضاها متابعاً، وبشكل ميداني، لخطط ومراحل تنفيذ
الجدار. ومما قاله في هذا الكتاب:
"إحدى أولويات الحكومة كانت أن يتضمن الجدار أكبر عدد ممكن من
المستوطنات شرق الحاجز، لزيادة احتمالات ضمها إلى إسرائيل...
كذلك المنطقة شديدة الخصوبة وطبقة المياه الجوفية. فالمياه بكل
وضوح ستكون في يد "إسرائيل". وهناك مزيّة أخرى للجدار في
استراتيجية شارون، فهو يقطّع الأراضي الفلسطينية، مانعاً
تقريباً كل اتصال بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. وهذا ما
سيؤدي فيما بعد إلى انهيار الاقتصاد الفلسطيني، جاعلاً
الفلسطينيين تابعين كلياً لـ"إسرائيل".
إن الجدار الفاصل الغربي، الموازي للخط الأخضر، وهو المعروف
أكثر، يتوغل بعمق داخل الضفة الغربية، على طول 30 كيلومتر نحو
الشرق، ويشمل مستوطنات كبيرة (أرييل وعمانوئيل).
وهناك سلسلة من الجدران في القدس وضواحيها تلحق جزءاً من بيت
لحم وتطوّق ضواحٍ فلسطينية عديدة. وهكذا تجد أحياء عربية نفسها
مقطوعة معاً. وحتى يكون هذا الجدار فعالاً، ينوي أرييل شارون
السيطرة أيضاً على الضواحي الفلسطينية للقدس مثل بير نبالا
والرام وأبو ديس التي توجد وراء الجدار مباشرة. فالحكومة تنوي
إذن بناء جدران ثانوية حول هذه المناطق التي ستوضع تحت إشراف
الجيش. وستتصل عندئذٍ مع بقية الضفة الغربية بواسطة شبكة من
الأنفاق أو نقاط المراقبة. ويأمل شارون هكذا في تجنب أي تسرّب
بين القدس الشرقية والضفة الغربية، وجعل حياة الفلسطينيين
المدنية من الصعوبة بحيث يختارون مغادرتها من أنفسهم.
سياج ثالث سيجري بناؤه أيضاً على طول نهر الأردن، في سفوح
التلال، لحرمان الضفة الغربية من الأراضي المروية الواقعة على
ضفاف النهر الغربية.
أخيراً، يقوم البعد الأخير للمشروع على زيادة الجيوب
الفلسطينية، وبعض هذه الجيوب قد اكتمل. ففي قلقيلية، تطوّق
الأسلاك الشائكة أربعين ألف ساكن، لا يستطيعون النفاذ إلى بقية
الضفة الغربية إلا من باب واحد. بالإضافة إلى عدة قرى في
المنطقة مطوّقة بالطريقة نفسها. وهناك حواجز أخرى تنشأ، كذلك
الذي يحيط بطولكرم وضواحيها (أربعة وسبعون ألف ساكن). وبعض
الحواجز تظهر على الخرائط، إلى الشمال –حول رمانة (ثمانية آلاف
ساكن)- إلى الجنوب، حول كيفيا ورنتيس، وبيت لاهيا وأريحا حتى
القسم الفلسطيني من الخليل.
كل هذه العناصر مجتمعة تثبت أن بناء الجدار يعبّر عن مشروع
سياسي شامل. والبروفيسور أرنون سوفير وقادة المستوطنين - مثل
رون نحمان - لا يخفون ذلك: "المقصود هو تحطيم الضفة الغربية
لتحويلها إلى سلسلة جيوب وبانتوستانات مسيطر عليها جيداً،
وبالتالي منع كل اتصال لأرض دولة فلسطين في المستقبل"، وحتى
الوصول إلى الجيوب سيخضع للإسرائيليين.
إن هذا المخطط، بعبارة أخرى، يعني تنفيذاً أحادياً للعرض الذي
قدمه شارون للفلسطينيين، أي إعطاؤهم 40% من الضفة الغربية. فقد
صرح شارون في الكنيست بأن هذا المسار لن يعدّل "نتيجة لمطالب
الفلسطينيين، أو الأمم المتحدة، أو محكمة العدل الدولية". إلا
أنه لم يستبعد تعديلات خاضعة لأهداف عملية أو لاعتبارات
داخلية.
بعد كل ذلك ستظهر الضفة الغربية عندئذ كجزيرتين محاطتين تماماً
بأراض "إسرائيلية" ومقطّعتين عن كل اتصال مع العالم. الجزيرة
الجنوبية (الخليل وبيت لحم) ستكون مفصولة عن الجزيرة الشمالية
(رام الله، نابلس، جنين). وإن أراد فلسطيني الذهاب من بيت لحم
إلى رام الله، فعليه عبور حدودين.
في أفريقيا الجنوبية، زمن التمييز العنصري، كانت "البانتوستانات"
أيضاً محاطة تماماً بأراضي الدولة العنصرية، ومقطوعة عن بقية
العالم. وهذا ما يدور في رأس شارون، فيما يبدو، عندما يذكر
"الدولة الفلسطينية" المكوّنة من عدة جيوب بدون حدود خارجية مع
الأردن أو مصر. "إنهم يحبسوننا كالعصافير في قفص. وكل ما عليهم
فعله الآن هو تغطيته بشبكة، حتى لا نتمكن هكذا من الطيران
أيضاً. يعلّق يعقوب سعدي أبو سعد، وهو عامل بناء من القدس،
عمره 25 عاما".
وبتاريخ 15/3/2006 وزعت وكالة الصحافة الفرنسية " تقريرا تحت
عنوان:
"جدار
الفصل يتطابق مع أحواض وآبار المياه ويضمّها للجهة الإسرائيلية":
أهو من قبيل الصدفة أن
"جدار
الفصل"
الذي تبنيه إسرائيل على الأراضي الفلسطينية يخترق قرية نزلة
عيسى شمالي الضفة الغربية، والتي تقع فوق
"الحوض
الغربي":
أحد أكثر خزانات المياه الجوفية غزارة في المنطقة؟
فأمام كتل الاسمنت المرتفعة عشرة
أمتار
والمغطاة بكتابات تندد بـ"جدار
الفصل العنصري"
وتدعو
إلى
"المقاومة"،
يقول رئيس المجلس المحلي لنزلة عيسى، زياد سالم، وقد بدا عليه
الضيق
"أنظروا،
واننا
نمشي هنا فوق خزان جوفي ضخم".
فالحوض المائي الغربي الذي يمر في نزلة عيسى يتميز بقدرته
المستمرة على التجدد في هذه المنطقة شبه القاحلة التي تستغل
حقولها الجوفية بشكل مفرط.
وبعد أن دمّر الاحتلال الاسرائيلي سبعة منازل فلسطينية في نزلة
عيسى، شطر القرية نصفين عازلاً
ستة منازل في الجهة الاخرى من الجدار، ما تطلب بناء
أقنية
خاصة لامداد هذه المنازل بالمياه، بعد الاستحصال على
إذن
من سلطات الاحتلال.
وتؤكد رئيسة منظمة
"كير"
غير الحكومية في قطاع غزة والضفة الغربية،
أليزابيث
سيم
"إن
ترسيم الجدار يتطابق مع مسار الأحواض
وآبار المياه. وتقع الأخيرة،
كما لو أنها صدفة، في الجهة الإسرائيلية".
من جهته، يؤكد مدير مجموعة المياه الفلسطينية غير الحكومية
"هيدرولوجي
غروب"،
عبد الرحمن التميمي،
أن
المسارين
"يتطابقان
مئة في المئة"،
مضيفاً
"إن
الإسرائيليين
يريدون بذلك تقطيع أوصال الأراضي
الفلسطينية مع الاستيلاء على الآبار والأحواض الجوفية.
إن
الجدار يفصل بعض التكتلات السكانية عن مصدرها الوحيد من
المياه، كما يمنع شاحنات الصهاريج من التنقل، وهذا أدّى
لإلى
ارتفاع سعر المياه بشكل كبير".
وأشار التميمي إلى
أن
بناء الجدار في مدينة قلقيلية تسبب في مصادرة
أو
تدمير حوالى عشرين بئراً، تمثل 30 في المئة من مصادر المدينة.
ويصف الفلسطينيون الجدار بـ"جدار
الفصل العنصري"،
لأنه
يتوغل داخل الضفة الغربية ويعزل آلاف الفلسطينيين عن
أرضهم،
جاعلاً من المستحيل قيام دولة فلسطينية قابلة للاستمرار، في
حين تزعم سلطات الاحتلال أن الهدف من بناء الجدار المقرر أن
يمتد على أكثر من 650 كلم، هو مكافحة
"الارهاب".
وكانت محكمة العدل الدولية حكمت بعدم
شرعية بناء الجدار، وطالبت السلطات الإسرائيلية بإزالته.
وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مطلب المحكمة، غير
أن إسرائيل استكملت أعمال البناء التي أنجزت منها 500 كلم،
متجاهلة قرار المحكمة الدولية.
تقول الباحثة في مركز الأبحاث والتحليل الجيوسياسي في باريس آن
لو سترات، إن
"المياه
تشكل جزءاً لا يتجزأ من الصراع العربي
-
الإسرائيلي منذ بدايته"،
فيما تؤكد الوزيرة الفلسطينية السابقة المكلّفة شؤون القدس هند
خوري، والمعيّنة
حالياً مندوبة لفلسطين في باريس
إنه
"مع
الجدار، يسعى الإسرائيليون بصورة أكيدة للاستيلاء على موارد
المياه وإزالة القرى".
وتضيف
"من
دون مياه لا توجد حياة، والسياسة الإسرائيلية
ركزت دوماً على دفع الفلسطينيين باتجاه الصحراء"".
كل
ما سبق يؤكد أن البحث عن "تسوية عادلة" مع العدو الصهيوني، لا
يعدو أن يكون سراباً. وأن قدر شعب فلسطين وطريقه الإجباري هو:
إدامة المقاومة وتطويرها، لتعيد الصراع مع المشروع الصهيوني
إلى حقيقته كصراع وجود لا يمكن التعايش بين طرفيه، لأن
الصهاينة لا يفهمون من "التسوية" إلا ما يساعدهم على تحقيق ما
عجزوا عن تحقيقه في حروبهم المتتالية، وليقطفوا نتاج إجرامهم
وإرهابهم ومجازرهم لإخضاع الآخر لاستكبارهم وهيمنتهم.
وإن سعوا لتسوية فمن أهدافها زيادة الفرقة والشرذمة داخل
العالم العربي والإسلامي لإنتاج صراعات جاهلية (مذهبية، إثنية
وعشائرية) تضعف مكوّنات الأمة العربية والإسلامية، وتحوّلها
إلى طوائف وقبائل متناحرة يصبح فيها الكيان الصهيوني (الغيتو
العنصري الأكبر) القاضي والحاكم.
إن الخضوع لمنطق القوة الأميركي - الصهيوني والقبول بـ"التسوية"
التي يسعون لفرضها، ستحوّل الكيان الصهيوني إلى قاعدة آمنة
تستقطب المزيد من اليهود والمافيات والمرتزقة، بالإضافة للمزيد
من الدعم الاستكباري ليتمكن الكيان من العودة مجدداً للقيام
بالدور الوظيفي الذي أسس للقيام به باعتباره "الثكنة العسكرية"
المتقدمة للاستعمار العالمي، فيؤسس لقوة يفرض بها علينا الخضوع
الكامل والتحول إلى فائض بشري يؤمن رفاه المستوطنين الصهاينة،
ودول الاستكبار العالمي.
العبودية لم تحدث عبر التاريخ إلا عند توفر شرطين أساسيين:
الأول: حاجة العبد لسيده.
الثاني: جهل العبد لهويته، حضارته، انتمائه وتاريخه، أو تنكره
لذلك.
إن حالة التخلف التقاني والتكنولوجي التي لا زال يعيش فيها
معظم عالمنا العربي والإسلامي أمر واضح ، كما أن محاولات منعنا
من التقدم عبر كافة الوسائل لا تزال قائمة.
أما تمسكنا بهويتنا وانتمائنا واعتزازنا بحضارتنا وتاريخنا،
فهذا ما يراد "للتسوية" أن تنسفه، لنصبح بعد ذلك مهيئين تماماً
للعبودية. لكن العبد كان في السابق وسيلة من وسائل الإنتاج
الضرورية فكانوا يحافظون عليه بيولوجياً بكامل أعضائه وعضلاته.
أما في عصر الأتمتة وثورة المعلومات فلم يعد هناك حاجة إلى
الكثير من البشر، ولم يعد من سبيل أمام الشعوب المستضعفة إلا
التحول إلى فائض بشري يستخدم لرفاه المستكبرين!
خيار المرحلية الميدانية في مواجهة المؤامرة الجديدة
تمكن الانتفاضة الشعبية والمقاومة المسلحة الفلسطينية من إجبار
العدو على الانكفاء القسري، وتفكيك مستوطنات من فوق أرض
فلسطين، يؤسس موضوعياً لمرحلة نضالية جديدة، يمكن أن تؤسس
لهزيمة المشروع الصهيوني برمته.
إن تاريخ الشعوب، وتجارب حركات التحرر تقول بضرورة التوقف عند
كل محطة تاريخية لتقييم المرحلة السابقة، إيجابياتها
وسلبياتها، إنجازاتها وعثراتها، مكامن الضعف والقوة، ومن ثم
الانتقال لوضع التصورات والبرامج والخطط التفصيلية التي تساعد
على تطوير نقاط القوة، واختزال نقاط الضعف، واشتقاق برامج
للمرحلة المقبلة تتلاءم مع الواقع والحاجات الميدانية دون
إغفال الأهداف الاستراتيجية.
وهذا يعني ضمن ما يعني في الواقع الفلسطيني، وانطلاقاً من
طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني كصراع حضاري شامل، وانطلاقاً
من تجربة الصراع مع العدو التي تحدثنا عنها فيما سبق،
واستناداً إلى تجارب حركات التحرر التي خاضت حروب شعبية ناجحة
في مواجهة قوى الاستعمار، فإننا أمام إعادة البحث في مسألة
"مرحلة النضال الفلسطيني"، وأنا أدرك سلفاً مدى حساسية ودقة
طرح هذه المسألة، خاصة أن تشويهاً كبيراً قد لحق بها، نتيجة
للعبث السياسي الذي ساد في الساحة الفلسطينية في المراحل
السابقة.
إن قوانين حرب الشعب كما صاغتها حركات التحرر المنتصرة بدماء
وتضحيات الشهداء تفرض الأخذ بمبدأ "مرحلة النضال". فمرحلة
النضال هي عملية ميدانية تفرضها طبيعة حرب الشعب، حيث لا يكون
الانتصار على الأعداء بالضربة القاضية، بل عبر تراكم الإنجازات
التي تتحقق خلال مراحل المقاومة المتتالية.
·
إن مرحلة النضال كمرحلية ميدانية، تتمثل في مرحلية ميدانية
عملانية تتواكب مع برنامج سياسي يرى الواقع ولا يستسلم له، بل
يعمل عبر المقاومة بكافة أشكالها، ووفق التجربة وطبيعة العدو،
لتغيير الواقع بشكل مستمر.
·
المرحلية الميدانية تستخدمها الشعوب المستضعفة التي لا تمكّنها
قواها من مواجهة شاملة مع قوات العدو، فتلجأ لاختيار نقاط ضعف
هذا العدو في الزمان والمكان المحددين وتوّجه له ضربتها، الأمر
الذي يؤدي، في حال تحقيق انتصارات جزئية في ذلك المكان المحدد،
إلى رفع الروح المعنوية لأبناء الشعب المحتل، ويزعزع الروح
المعنوية عند الطرف المعادي، ويزيد من التأثير السلبي في
معنويات جنوده. وفي فلسطين كحالة محددة تلحق الأذى بمعنويات
المستوطنين إلى جانب معنويات الجنود.
·
يزداد الالتفاف الشعبي حول المقاومة مع تحقيق الإنجازات وتزداد
المجموعات المقاتلة عدداً وعدّة، وتحدّد ضربة جديدة في مكان
وزمان جديدين. وهكذا دواليك الأمر الذي يؤدي في حال استمراره
إلى تضاعف قوة المقاومة مقابل انهيار متزايد في صفوف العدو
الذي لن يجد أمامه إلا خيار استمرار التراجعات الجزئية.
ولننتقل مجدداً إلى واقع الصراع فوق أرض فلسطين، فإن تمكن
المقاومة الفلسطينية من التركيز والاستفادة من نقطتي ضعف
العدو: العامل الديموغرافي والعامل الأمني، فرض على العدو
الانكفاء والتراجع الجزئي. وهذا يشكل نجاحاً باهراً لفكرة
"المرحلية الميدانية" والتي نطرحها كمرحلية ميدانية عملانية،
بديلة عن المرحلية السياسية.
فالمرحلية الميدانية تفرض وقائع تراكمية على الأرض تؤدي إلى
تغيير تدريجي تراكمي في موازين القوى، بينما الثانية تخضع
لموازين القوى القائمة.
·
المرحلية الميدانية تزعزع قوى العدو وتستفيد من نقاط ضعفه،
بينما المرحلية السياسية تمكن العدو الذي تميل موازين القوى
لمصلحته من تحقيق وحدته وزيادة طاقاته بعد أن تعطيه الفرصة
لالتقاط الأنفاس دون "اشتباك ومشاغلة".
·
المرحلية الميدانية تفترض إدامة الاشتباك مع العدو بكل الوسائل
المتاحة، بينما المرحلية السياسية تنفي هذه الديمومة
باستبعادها العنف المسلح أو التعاطي التكتيكي معه بما يخدم
إدخالها في لعبة المفاوضات.
·
المرحلية الميدانية هي مرحلية حرب الشعب طويلة الأمد بينما
المرحلية السياسية هي مرحلية النخب التي تسعى لاستغلال تضحيات
الشعب وتسارع إلى قطف الثمار لتحقيق غايات خاصة (لقد زرعنا
وحان وقت الحصاد).
جريمة أريحا تدين أنصار التسوية
لقد جاءت العملية الإرهابية المنظمة التي نفذها الجيش الصهيوني
بحق السجناء العزّل في سجن أريحا (أحمد سعدات وفؤاد الشوبكي
ورفاقهما) أمام أنظار العالم، وبعد خمس دقائق من انسحاب من
كانوا يشرفون على السجن من ضباط أمريكيين وبريطانيين رغم
الاتفاق و"الضمانات" التي كانت معطاة لاحتجاز المناضلين هناك،
لتكشف بوضوح مدى التواطؤ والانحياز المطلق من قبل من أطلق
عليهم مراقبي الشرعية الدولية لمصلحة الكيان الصهيوني ومخططاته
الموجّهة ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه.
تلك الجريمة كانت محمّلة بالعديد من الدلالات والمعاني
العميقة. فهي جاءت بعد فوز حركة "حماس" في الانتخابات
التشريعية ، وبعد أنباء عن أن الحكومة الفلسطينية القادمة
ستطلق سراح المعتقلين السياسيين الفلسطينيين في سجن أريحا
وسواه، كما أنها حصلت قبيل الانتخابات البرلمانية في الكيان
الصهيوني والتي يخطط "إيهود أولمرت" وحزبه "كاديما" للفوز بها
(لكسب المزيد من التأييد الشعبي، وهذا ما حصل كما بيّنت
الاستطلاعات)؛ كذلك ليؤكد الكيان الصهيوني أنه صاحب القرار
الأول والسيادة المطلقة على كل ما يجري فوق أرض فلسطين.
إن عملية "إرهاب الدولة المنظم" التي نفذتها العصابات
الصهيونية بتواطؤ فاضح من قبل "الشرعية الدولية" وبالتقاطع مع
عجز لا يوصف في الواقع الرسمي العربي، جاءت لتكشف عقم المراهنة
على "تسوية عادلة" مع الكيان الصهيوني، وأن من يسير على تلك
الدرب، لن يكون مصيره بأحسن من مصير الذي يركض وراء السراب،
وستقتله حتماً شمس الحقيقة.
إن قدر الشعب الفلسطيني وخياره الوحيد هو المقاومة، ولا مستقبل
له إلا إذا أعاد ترتيب أوضاعه ورصّ صفوفه ووحّد قواه لضمان
استمرار مشروع المقاومة.
ونقصد هنا المقاومة بالمعنى الشامل والواسع للكلمة، حيث تتداخل
فيها كافة أشكال وأساليب الكفاح والمواجهة التي يجب أن تنظم
وفق فعل متراكم مدروس، وليس كردات فعل على الإجرام الصهيوني
فحسب. فإلى جانب المقاومة المسلحة كخيار أساسي في مواجهة جنود
الاحتلال وقطعان مستوطنيه، هناك خيار إطلاق العمليات الفدائية
في عمق فلسطين المحتلة عام 1948 مجدداً، كأسلوب مجرّب يهز أمن
الكيان ويفقد مستوطنيه الشعور بالاستقرار، إضافة لما تلحقه هذه
العمليات من خسائر في الاقتصاد والسياحة وتأثيرها السلبي
البالغ على الرأي العام الصهيوني.
وبموازاة المقاومة المسلحة يجب تفعيل المقاومة المدنية بكافة
الأساليب السلمية المتاحة، وبذلك يقدم الفلسطينيون في (الضفة
الغربية) نموذجاً رائداً جديداً أمام العالم لتذكيره بحقوقهم
ومطالبهم.
وكي نخلق بيئة ملائمة (موّلدة وحاضنة) لخيار المقاومة في ظل
الظروف السياسية المستجدة، نرى أهمية العمل على تفعيل
المقترحات التالية:
إلى جانب خيار المقاومة نرى أهمية العمل على:
1.
إستعادة تجربة الانتفاضة (87-93) بزيادة الاعتماد على الذات
عبر: تطوير أشكال الإنتاج المنزلي، تفعيل العمل التعاوني،
تعزيز روح التكافل بين قطاعات الشعب، هذا بهدف الاستغناء قدر
الإمكان عن المساعدات الدولية التي ثبت أن جزءاً كبير منها
يستغل للضغط على الشعب الفلسطيني..
2.
إنشاء هيئات ومؤسسات أهلية تشرف على المناحي الحياتية الضرورية
للسكان.
3.
تعميم ثقافة المقاومة والانتفاضة كقدر وخيار وحيد أمام الشعب
الفلسطيني.
4.
إعادة الزخم للفعاليات الشعبية عبر سلسلة متتالية من أشكال
المواجهة مع جنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه، ومنها على سبيل
المثال:
أ)
المظاهرات المستمرة ضد جدار العزل والضم العنصري.
ب)
مظاهرات ضد الحواجز أو المعابر الصهيونية التي تفصل بين مدن
وبلدات الضفة الغربية،
أو التي تفصل الضفة عن القطاع، أو تفصلها عن الدول العربية
المجاورة.
ت)
إحياء مظاهرات واعتصامات خاصة للتضامن مع الأسرى والمعتقلين.
تنظيم مظاهرات ضد الصعوبات والعقبات التي يضعها جنود الاحتلال،
وهي تعيق حركة الأم والطفل والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة ...
إلخ.
خاتمة
لقد أكد الشعب الفلسطيني في الانتخابات التشريعية الأخيرة،
انحيازه الواضح لخيار المقاومة، واستعداده لتحمل الصعاب، وبذل
المزيد من التضحية والعطاء، ورفضه الصريح لاستمرار المفاوضات
العبثية التي اوصلت إليها أوهام "التسوية" مع العدو الصهيوني.
هذا الواقع الجديد الذي يتيح فرصة ذهبية لقوى المقاومة ولكافة
المخلصين من أجل صياغة برنامج ثوري لقيادة المرحلة القادمة.
برنامج يشتمل على إعادة بناء منظمة التحرير كصيغة جبهوية
تحررية تشكل حاضنة لمشروع وطني فلسطيني جامع تصب فيه كل طاقات
وإمكانات الشعب الفلسطيني، ويعيد فلسطين كقضية مركزية للعرب
والمسلمين، لها أيضاً عمقها الإنساني الأشمل.
إن مواجهة الحصار الذي تفرضه قوى الغرب الاستعماري على شعبنا
لإخضاعه وإجباره على التكيف مع حاجات المشروع الصهيوني، أمر
ممكن، إذا استبدلنا العمل السياسي غير القائم على أسس علمية
تنتجها وتتابع تنفيذها مؤسسات مؤهلة، ببرنامج سياسي (لا يتناقض
مع المشروع الاستراتيجي لتحرير فلسطين) قائم على أساس التمسك
بكافة قرارات الشرعية الدولية.
فعلى الرغم مما تلحقه تلك القرارات بالشعب الفلسطيني من ظلم،
ورغم أن من اتخذ معظم تلك القرارات هو مجلس الأمن حيث الهيمنة
الأمريكية، إلا أن التمسك الجاد والمتابعة الحثيثة والدعوة
الدائمة لإلزام الكيان الصهيوني بتنفيذ تلك القرارات، سكيشف
طبيعته العدوانية العنصرية التي لا تتيح له تنفيذها (قرارات
الشرعية الدولية). فتنفيذ القرار-181- الذي يعطي الشعب
الفلسطيني الحق في بناء دولته على نحو نصف فلسطين، وكذلك
القرار رقم -194- المتعلق بحق العودة، يعني إنجاز خطوات هامة
على طريق تصفية المشروع العنصري الصهيوني.
كذلك فإن الدعوة لتفعيل توصية قرار محكمة العدل الدولية القاضي
بهدم جدار الضم والعزل العنصري، والتي تتحدث عن بطلان وعدم
قانونية كافة الإجراءات التي اتخذتها قوات الاحتلال الصهيوني
منذ العام 1967، ستساعد في حشد التأييد العالمي الى جانب الهدف
الذي حددته انتفاضة الأقصى منذ انطلاقتها (دحر الاحتلال وتفكيك
المستوطنات وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967
وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين).
كل ذلك يساعد على طرح رؤية للحل النهائي للقضية الفلسطينية
قائمة على فكرة – دولة فلسطين الديموقراطية- لكل أبنائها من
مسلمين ومسيحيين ويهود كما كانت عليه قبل تأسيس الكيان العنصري
الصهيوني. تلك الرؤية ستجد قبولاً ودعماً واسعاً من تيارات
عالمية معادية للعنصرية ومؤيدة لحقوق الإنسان ورافضة للهيمنة
الأمريكية المتوحشة.
إن القضية الفلسطينية تمر في هذه المرحلة التاريخية في وضع
معقد ومتشابك. ففلسطين لا زالت محتلة بكاملها، وشعبها لا زال
يعيش في مرحلة التحرر الوطني، وعلى كافة القوى والفصائل
والهيئات الأهلية أن تصيغ برامجها انطلاقاً من هذه الحقيقة،
وبالأخص منها حركة حماس التي فازت بشكل مشرّف في الانتخابات
التشريعية الأخيرة.
لكن العدو الصهيوني أجبر في الوقت ذاته على الانكفاء عن مناطق
يقيم فيها مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين من حقهم أن تدار
شؤونهم بشفافية، وأن يحصلوا على كل الدعم من أمتهم ومن أحرار
العالم، وأن تكون السلطة القائمة على شؤونهم في خدمتهم لا
عبئاً عليهم؛ سلطة تبذل ما تستطيع لتأمين العيش الكريم لذلك
الجزء الحبيب من أبناء فلسطين، ليستكمل دوره الريادي كرأس حربة
في مقاومة الكيان الصهيوني وإدامة الاشتباك معه لمنعه من تحقيق
الأمن والاستقرار لمستوطنيه.
أما هزيمة المشروع الصهيوني برمّته وتحرير كل فلسطين فهي واجب
وطني وقومي وديني إنساني، ولهذا بحث آخر.
|