|
عرض كتاب
فلسطين.. سلام لا فصل عنصري
*
تأليف: جيمي كارتر
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق
الحلقة (1)... 14/12/2006:
يمثل هذا الكتاب صرخة حق مدوية من شخص كان في يوم ما على رأس
السلطة في الدولة الأولى في العالم وهى الولايات المتحدة، وهي
صرخة تعيد الحق لأصحابه، صحيح أن ذلك على المستوى المعنوي فقط
لكنها شهادة من المؤكد انه سيكون لها تداعياتها المختلفة لجهة
التأريخ لمسار النزاع العربي الإسرائيلي خاصة في شقه
الفلسطيني.
ولأنه كذلك فقد أثار كتاب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر
«فلسطين .. سلام لا فصل عنصري» الكثير من الجدل إزاء ما حواه
من مواقف رأت فيها بعض الأطراف الأميركية خاصة المؤيدة
لإسرائيل خروجا على النهج الأميركي المعتاد في الموقف العام من
مجريات الصراع وذلك رغم محاولة كارتر التزام قدر من التوازن
حتى لا يجر عليه المشاكل في ضوء تجارب سابقة منها تجربة بول
فندلي الذي تجرأ يوما ما على الكلام فانتهى به الأمر الى فقدان
مقعده في الكونجرس.
يعد الكتاب الذي تنشر« البيان» عرضا ومناقشة تفصيلية له على
عدة حلقات اعتبارا من اليوم إضافة جديدة لجهود كارتر على صعيد
المساهمة العملية والفكرية في تعزيز مساعي حل العديد من
القضايا الدولية وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي يرى أنها
أحد أسباب التوتر ليس على مستوى الشرق الأوسط فحسب بل على
المستوى الدولي كله مطالبا بضرورة الالتزام بالحقوق الفلسطينية
باعتبار ذلك مفتاح حل الكثير من القضايا على مستوى المنطقة بل
والعالم.
في خطوة تمثل تطويرا لدوره الذي قام به خلال فترة توليه الحكم،
يقدم الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر من خلال كتابه الجديد
رؤيته الخاصة بمسيرة الصراع العربي -الإسرائيلي خاصة في شقه
الفلسطيني. والفكرة الأساسية التي يؤكد عليها كارتر في كتابه
هي حتمية التوصل الى اتفاق بين أطراف الصراع في ضوء صعوبة حسمه
عسكريا. فعلى الصعيد الإسرائيلي كشفت الأحداث،حسبما يذكر
الرئيس الأميركي الأسبق، أنه مهما بلغت درجة القوة التي تصل
اليها الدولة العبرية فإنها لن تنجح في كسر إرادة الشعب
الفلسطيني، وهو الأمر الذي تعكسه مجموعة كبيرة من التطورات.
وفي المقابل فقد تزايدت القناعة لدى الجانب العربي بمختلف
أطيافه بصعوبة، إن لم يكن استحالة، القضاء على إسرائيل
وإزالتها من الوجود، وعلى هذا فإن الأمر الذي يجب العمل على
تحقيقه هو الدفع بالجهود المختلفة نحو إرساء السلام في المنطقة
بعد عقود من الصراع.
كارتر.. داعية السلام:
وعلى مدى صفحات الكتاب التي تتجاوز المئتين يقدم كارتر خلاصة
تجربته العملية سواء خلال توليه مهام الحكم كرئيس للولايات
المتحدة أو فيما بعد ذلك كأحد الداعين للسلام من خلال دوره
الذي حرص على لعبه عالميا بادئا تناوله لموضوعه من لحظة زيارته
الأولى الى إسرائيل عام 1973 وهي الزيارة التي جعلته في قلب
الصراع.
ومن هذا الجانب يتطرق الى الدور المحوري الذي لعبه خلال فترة
توليه الحكم والذي مثل اختراقا على صعيد القضية برمتها من خلال
الجمع بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء
الإسرائيلي مناحم بيغن في كامب ديفيد. ويصل كارتر في تناوله
الى التطورات الأخيرة لما يجري على صعيد القضية الفلسطينية
عارضا بالتفصيل لرؤيته بشأن اتفاقات أوسلو والدور الذي لعبته
الإدارة الأميركية سواء خلال فترة حكم كلينتون أو حكم بوش الأب
أو الابن.
وبعيدا عن التفاصيل فإن مجمل السيناريو الأساسي الذي يرى كارتر
أنه يمكن أن يمثل خطوة على طريق حل الصراع يتضمن ثلاث نقاط
أساسية يرى أنها يجب أن تكون محل أي ترتيبات مستقبلية وهي:
1- حق إسرائيل في الوجود ضمن حدود معترف بها وأن تعيش في سلام
وهو أمر يجب الإقرار به من قبل الفلسطينيين وبقية جيران
إسرائيل.
2- أن قتل المدنيين سواء في إسرائيل أو فلسطين أو لبنان
بالقنابل أو الصواريخ أو من خلال عمليات الاغتيال أو أي وسائل
عنف أخرى أمر مرفوض
3- حق الفلسطينيين في العيش بسلام وكرامة في إطار أرضهم التي
حددتها المواثيق الدولية ما لم تجر عليها تعديلات من خلال
مفاوضات تقوم على التراضي مع إسرائيل.
وفيما يعتبره المؤلف تأكيداً على ضرورة التوصل الى حل يشير الى
دوامة العنف التي اندلعت مؤخرا في غزة من ناحية وبين إسرائيل
ولبنان من ناحية أخرى ويرى أنها إنما تمثل دليلا حيا على
الحاجة الى التوصل الى اتفاقية سلام شاملة، وانطلاقا من ذلك
يشير الى أن إسرائيل تبقى في النهاية هي المفتاح ويجب عليها
اتخاذ قرارات أساسية في هذا الخصوص مؤكدا ضرورة الحفاظ على
حقوق الإنسان الفلسطيني وفق القواعد التي يقررها القانون
الدولي بما في ذلك حق تقرير المصير وحرية الرأي والمعاملة
المتساوية وكذلك حق لم شمل العائلات.
يؤكد كارتر أن أحد أهم أهدافه السياسية خلال توليه الرئاسة
وفيما بعد ذلك كان إرساء السلام في الشرق الأوسط، متطرقا الى
التغييرات الهائلة التي ألقتها حرب أكتوبر على شكل الشرق
الأوسط خاصة لجهة تعزيز الموقف العربي.
وفيما يشير إلى طبيعة موقفه الحقيقي قبل أن تطغى عليه الضغوط
التي يتعرض لها أي رئيس أميركي، فإنه يأتي على ذكر الأزمة التي
تسبب فيها تصريحه في أعقاب توليه الرئاسة حيث أشار في مارس
1977 الى ضرورة تأسيس وطن للشعب الفلسطيني الذي عانى الكثير
على مدى سنوات، وهو ما تسبب في انتقادات شديدة وجهت له.
ويشير كارتر إلى ما يمكن اعتباره النواة الأولى لمبادرة
السادات بالذهاب الى القدس والتي أدت الى التطورات التي
شهدناها على المسار المصري وانتهت الى ما آلت إليه الأمور
الآن. فخلال زيارة للسادات الى واشنطن بعد نحو أسبوعين من
تصريح كارتر المشار اليه صارحه الرئيس السادات بأنه يريد
الإقدام على خطوة جريئة نحو السلام تقوم على أساس القرارات
الدولية المتعلقة بالنزاع، وعلى ذلك جرى مناقشة أبعاد قضايا
النزاع وتفاصيله وخاصة ما يتعلق بحدود إسرائيل الدائمة ومستقبل
القدس والحقوق الفلسطينية.
لقد جاء ذلك في الوقت الذي تولى فيه مناحم بيغن مقاليد الحكم
في تل أبيب كرئيس للوزراء منهيا بذلك رئاسة اسحق رابين من حزب
العمل، مع ما هو معروف عنه من تشدد بدأه بإعلان رفضه التخلي عن
غزة والضفة الغربية في أية اتفاقية سلام دائمة. ومع ذلك يشير
كارتر الى أنه لدى زيارة بيغن للولايات المتحدة فيما بعد، فإنه
وجد لديه رغبة في مواصلة النقاش بشأن ما أثاره السادات في
لقاءاته مع الرئيس الأميركي.
ويذكر كارتر أنه أجرى مناقشات مع الملك حسين عاهل الأردن
والرئيس السوري حافظ الأسد بشأن الصراع غير أنه فيما يبدو لم
يكونا راغبين في الانخراط في مفاوضات على النحو الذي كان يفكر
فيه الرئيس السادات وبيغن. وبالطبع يشير الى أن منظمة التحرير
كانت خارج نطاق التفكير إزاء السياسة الأميركية التي كانت تقوم
على تصنيفها على أنها منظمة إرهابية.
ورغم ذلك يشير كارتر الى أنه عمل على إيجاد قناة مع ياسر عرفات
يمكن من خلالها إقناعه بقبول الإطار العام للقرارات الدولية
بما يمكن معه إلحاق المنظمة بالعملية التفاوضية. ورغم ذلك يبدو
من سياق تناول كارتر أن السادات أقدم على خطوته بزيارة القدس
دون الترتيب معه .
حيث يشير إلى أن ما يمكن اعتباره كرما ساداتيا لم يقابل بما
يماثله على الجانب الإسرائيلي. فخلال اتصالات الرئيس المصري
الراحل مع كارتر راح يطلعه على مخاوفه من أن تنتهي مبادرته الى
لاشيء إزاء تعنت بيغن وإصراره على بقاء المستوطنات الإسرائيلية
في سيناء. وعلى هذا الأساس طلب أن يزور الولايات المتحدة ليلقي
من هناك خطبة يدين فيها على الملأ موقف بيغن «الخائن لعملية
السلام».
ترتيبات كامب ديفيد:
هنا بدأ كارتر جهدا مكثفا من أجل الترتيب لزيارة سلام له الى
المنطقة وتشاور مع الزعماء العرب الذين وجدهم حسب قوله يساندون
مبادرة السادات في أحاديثهم الخاصة غير أن موقفهم العلني كان
مختلفا جد الاختلاف.
وإزاء ما بدا من بوادر إخفاق لجهود السلام كان تفكير كارتر
دعوة السادات وبيغن إلى كامب ديفيد لعقد محادثات بعيدة عن
الضغوط. ويذكر في هذا الخصوص أن السادات وبيغن كانا على
المستوى الشخصي غير متوافقين وعلى ذلك اتجه الى البحث عن صيغة
لاتقوم على أساس تفاوضهما مباشرة وإنما من خلال فرق العمل
الخاصة بالبلدين.
وهنا يشير كارتر الى أنه رغم متاعب هذا الأسلوب إلا أنه مكنه
من تجاوز التصادم بين السادات وبيغن وإن كان هذا الأخير قد
أرهقه على حد ما يذكر حيث أنه كان يدقق في كل كلمة يجري
مناقشتها بشأن ترتيبات الاتفاق لدرجة الاستعانة بالقواميس وكتب
المترادفات اللغوية من أجل تحديد المعنى الدقيق لبعض الكلمات
التي كان يجري التفاوض على إدراجها في مسودات الاتفاقات .
ولعل ذلك يعزز الرأي الذي ذهب اليه كثيرون في تلك الفترة من ان
الرئيس المصري الراحل أبدى قدرا كبيرا من التساهل في المفاوضات
وأنه لم يستغل كافة الأوراق التفاوضية التي كانت متاحة له
جيدا، وهو ما يؤكده إشارة كارتر الى أن السادات كان يترك له
التفاصيل لكي يقررها الرئيس الأميركي وفق رؤيته أو يترك الأمر
للفريق التفاوضي المصري والذي كان على رأسه أسامة الباز.
ومن الجوانب الملفتة للنظر في سياق ما يتطرق اليه كارتر بشأن
مفاوضات هذه الفترة انه كان من الواضح أن بيغن قدم إلى كامب
ديفيد من أجل التفاوض على سيناء فقط وأنه لم يكن في باله
القضية الفلسطينية وتحديد مستقبل الضفة وغزة، بل إنه على
المستوى المصري لم يكن لدى بيغن، وفق رواية كارتر، رؤية
لاتفاقية سلام شاملة.
وهو أيضا ما يعزز فكرة أن السلام الذي كان يجري الإعداد له في
تلك الفترة كان سلاما منفردا بين مصر وإسرائيل رغم محاولات
الجانب المصري تحويله الى سلام شامل يين العرب وإسرائيل، وهو
ما يؤكد عليه كارتر بالإشارة الى ان السادات كان يريد اتفاقية
سلام شاملة تشمل تحديد مصير الأراضي المحتلة والحقوق
الفلسطينية والتزام إسرائيل بالحل السلمي لكافة النزاعات
الأخرى مع جيرانها.
وإزاء تزايد حدة الاختلافات بين الطرفين فقد هدد السادات وبيغن
في مراحل مختلفة من المفاوضات بإنهائها والعودة الى أوطانهما
غير أنهما قبلا بعد تدخلات من كارتر بالتوصل الى إطار عمل
لمعاهدة سلام مثلت ما تم التعارف عليه باتفاقيات كامب ديفيد.
وكانت القضية التي بقيت محل خلاف هي القدس .
حيث وضع كارتر نصا خاصا بها يتضمن حرية الوصول الى الاماكن
المقدسة لكل أصحاب الديانات السماوية من دون اضطهاد او تمييز
وأن تدار هذه الاماكن من قبل أتباع تلك الديانات إلا أنها
صادفت رفضا في النهاية من قبل كل من السادات وبيغن وأصرا على
حذفها.
قصور وعدم احترام:
ويقر كارتر بأن اتفاقيات كامب ديفيد شابها نقطة قصور أساسية قد
تكون هي التي أدت الى تقويض إمكانيات تحولها الى بداية حقيقية
للسلام في المنطقة تتمثل في عدم النص على تجميد عملية
الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة. فضلا عن أن إسرائيل
لم تحترم نصوص الاتفاقية، حيث أنها، وفق ما يذكر كارتر، لم
تقدم ما يعزز الحكم الذاتي الفلسطيني الذي نصت عليه
الاتفاقيات، وبدلا من سحب قواتها العسكرية ووجودها المدني فقد
شددت تل أبيب من قبضتها على الوضع في الأراضي المحتلة.
جاء ذلك في الوقت الذي واجه فيه السادات مواقف قاسية من قبل
الدول العربية وصلت الى حد قطع العلاقات الدبلوماسية
والاقتصادية كإجراء عقابي على ما قام به، وفي ذات الوقت الذي
راح فيه بيغن يعتبر أن اتفاقيات كامب ديفيد غير قابلة للتطبيق
سوى في شقها المصري، متصورا أنه من خلال الاتفاقيات استطاع
استبعاد القوة العسكرية المصرية من ميزان الصراع في الشرق
الأوسط.
كما واصلت اسرائيل سياسات الاستيطان التي ظلت محل إدانة دولية
وصدر بشأنها قرار مجلس الأمن رقم 465 ويدعو الى تفكيك
المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة منذ حرب 1967 بما في
ذلك تلك التي أقيمت في القدس الشرقية.
ولعل طرح كارتر للأمور على هذا النحو يدفع الى التساؤل حول
الأبعاد التي كانت تحكم تفكير الرئيس المصري الراحل في ذلك
الوقت وما اذا كان ينطلق في سياساته آنذاك من نوع من المثالية
السياسية والتي لم يكن لها موضعها في التفكير الإسرائيلي أو
غيره، أو أنه كان ينطلق من إطار يحكمه ما يمكن تسميته بمسرحة
العمل السياسي الأمر الذي يعكسه الشكل الذي تمت به زيارته
للقدس والشكل الذي كان يعتزم به إعلان إدانته لمواقف بيغن على
النحو الذي أشرنا اليه في السطور السابقة، وهو نوع من الأداء
لا يتجاوز تصفيق الجمهور..
الأمر الذي حظي به السادات بالفعل في الاوساط الغربية، غير أنه
لم يتجاوز التصفيق الى نتائج عملية على أرض الواقع. إن النتيجة
النهائية التي يصل اليها كارتر من حصاد استعراضه لتلك الفترة
تتمثل في تأكيده على أن إسرائيل يجب أن تتوصل الى سلام شامل
ونهائي وأن هذا الحلم يمكن إدراكه اذا ما طبقت اتفاقيات كامب
ديفيد والتخلي عن احتلالها للأراضي الفلسطينية، في ظل اعتراف
عربي بإسرائيل في إطار حدودها «الشرعية».
ويشير كارتر إلى محورية وضع الفلسطينيين في أي تسوية للصراع في
المنطقة ويقدم كارتر رؤيته الخاصة لتطورات الصراع العربي-
الإسرائيلي ويعرض من خلالها تفاصيل عديدة ليست غريبة عن القارئ
العربي. ويعرض لبعض ما حرصت المنظمات الصهيونية على ترديده
بشأن مساعي العرب الى القاء إسرائيل في البحر، فيشير إلى انه
التقى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في 1990 حيث فند التهمة
الموجهة للمنظمة في هذا الخصوص .
مشيرا - عرفات - الى أنه يعمل على إقامة دولة فلسطينية الى
جوار الدولة الإسرائيلية تضم مسلمين ومسيحيين ويهوداً. غير أن
كارتر وفيما يبدو حرصا منه على التزام قدر من التوازن في
تناوله يشير الى أن أي شخص يتطرق الى الصراع يجب أن يضع في
اعتباره كذلك معاناة اليهود على مدى قرون من الشتات ومن
الاضطهاد في مختلف الأقطار التي عاشوا فيها.
ويستعرض كارتر مواقف الدول العربية من تطورات الصراع العربي
الإسرائيلي فيشير الى أنه باستثناء الاتصالات المصرية مع
الفلسطينيين فإن بقية الدول التي تحيط بإسرائيل لا تلعب دورا
يعتد به في أية عملية سلام محتملة. وهنا يقدم الرئيس الأميركي
الأسبق حصاد رؤيته لمواقف الدول العربية المختلفة من خلال
زياراته المختلفة التي قام بها خلال فترة توليه الحكم.
وفي إطار حديثه عن دوره في محاولة إرساء السلام يشير الى أنه
حاول كثيرا مع حافظ الأسد لإقناعه بتغيير موقفه المتشدد
والتعاون معه من أجل التوصل الى اتفاق مع إسرائيل.
وهنا يذكر كارتر أنه دعا الأسد الى زيارة واشنطن غير أنه أجاب
بأنه ليس لديه الرغبة حتى في زيارة الولايات المتحدة. ورغم ذلك
يشير الى أنه لدى لقائه الرئيس السوري الراحل في جنيف فإنه لمس
لديه الرغبة في عملية السلام وأن تقوم على أساس قراري الأمم
المتحدة 242 و 338 وأن يكون السوفييت أطرافا فيها وألا تتم من
خلال محادثات مباشرة مع إسرائيل.
ثم ينتقل إلى الحديث عن بعض الانطباعات التي تكونت لديه من
خلال زيارته للأردن، وهنا فإن الموقف الأردني كان يتمثل في أنه
رغم الآفاق الواسعة التي تفتحها اتفاقية السلام بين مصر
وإسرائيل إلا أنه مما يقوض من تأثيراتها الإيجابية تحييدها
لموقف مصر، فضلا عن استمرار إسرائيل في سياسات الاستيطان وذلك
رغم الوعد الذي قطعه الرئيس الأسبق رونالد ريغان على نفسه
بتجميد عمليات الاستيطان الإسرائيلية.
ثم يغوص بنا كارتر في مسيرة عملية السلام فيشير الى أنها بحلول
نوفمبر 1988 بدأت احتمالات السلام تتزايد مع قرار الملك حسين
فك الارتباط الأردني بالضفة الغربية وإعلان ياسر عرفات أن
منظمة التحرير تقبل عدداً من القرارات الدولية تشمل الاعتراف
بحق إسرائيل في الوجود.
مزاعم كلينتون وباراك:
وفي إطار استعراضه لمسارات الصراع العربي الإسرائيلي يتطرق
كارتر الى فترة حكم كلينتون فيشير الى أنه من سوء حظ عملية
السلام أن من يسميهم الإرهابيين الفلسطينيين، نفذوا عمليتين
استشهاديتين، في مارس 1996 بعد أسابيع قليلة من الانتخابات
الفلسطينية، ما أدى الى مقتل 32 إسرائيليا وهو الأمر الذي وفر
مناخا مناسبا لفوز الصقور ممثلين في بنيامين نتانياهو في
الانتخابات الإسرائيلية في تلك الفترة.
وقد انعكس ذلك في مواقف شارون الذي تولى حقيبة الخارجية حيث
راح يدعو الى تعزيز عمليات الاستيطان في الأراضي المحتلة بكافة
السبل، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن اتفاقات أوسلو إنما
تعد بمثابة انتحار سياسي إسرائيلي ، وهو ما أدى الى تزايد
المقاومة الفلسطينية - يصفها كارتر بالعنف - مما أدخل المنطقة
في دوامة جديدة من عدم الاستقرار.
وعلى خلفية هذه التطورات جاء سعي كلينتون للتوصل إلى تهدئة،
فكانت قمة واي ريفر في اكتوبر 1998 وخلالها تم التوصل الى
ترتيبات للتهدئة تمثلت في الاتفاق على إعادة انتشار القوات
الإسرائيلية، فضلا عن مجموعة من الإجراءات الامنية والإفراج عن
معتقلين، واستئناف مفاوضات الوضع الدائم غير أنه لم تكد تمر
أسابيع حتى قرر مجلس الوزراء الإسرائيلي تأجيل تنفيذ واي ريفر.
الحلقة (2)... 15/12/2006:
يفسر التناول الذي نعرض له في هذه الحلقة من كتاب كارتر الجديد
(فلسطين.. سلام لا فصل عنصريا) أبعاد الهجوم الذي ناله والجدل
الذي دار بشأن المواقف التي يعرض لها الرئيس الأميركي السابق
من خلال الكتاب، حيث يعرض بالرأي والتحليل للعديد من تطورات
الصراع في دورته الراهنة مقدما آراء من الطبيعي أن لا ترضي
قطاعا كبيرا من الأوساط المسيطرة على مقدرات الأمور في
الولايات المتحدة من أنصار إسرائيل.
وكنا قد خصصنا الحلقة الأولى من هذا الاستعراض لتناول المرحلة
التي كان كارتر على رأس الحكم فيها رئيساً للولايات المتحدة
وهي المرحلة التي شهدت تحقيق أكبر اختراق على صعيد الصراع
العربي الإسرائيلي ممثلا في اتفاقيات السلام المصرية
الإسرائيلية وحاولنا من خلالها تقديم التفاصيل الجديدة التي
تعكس خبرة كارتر الشخصية بشأن ما دار خلال تلك الفترة من أحداث
ومواقف بشأن الصراع العربي الإسرائيلي. الملمح الأساسي في
تناول كارتر على مدى صفحات الكتاب هو الكتابة الموضوعية التي
تحاول النظر الى الصراع برؤية بالغة الحياد الأمر الذي انعكس
فيما يوحي بمساندته للحقوق الفلسطينية والعربية، وهو أمر طبيعي
في ضوء الظلم الذي يلحق بالفلسطينيين باعتبار أنهم الطرف
الأضعف في معادلة الصراع مع إسرائيل.
وبعد أن تطرق الى عدد من التطورات المتعلقة بحقبة التسعينات
وصعود نجم الليكود الأمر الذي انتهى بتولي بنيامين نتانياهو
الحكم بما استتبعه من نتائج سلبية على عملية السلام يشير كارتر
الى أن الأمر لم يختلف كثيرا مع تولي حكومة باراك الحكم رغم
تمثيلها لحزب العمل ذي الاتجاهات الحمائمية بحسب الوصف السائد
في الأوساط السياسية الإسرائيلية. وهنا فإنه من الجوانب المهمة
التي يكشف عنها تناول كارتر أنه حتى فيما بعد تولي حكومة باراك
الحكم في مايو 1999 بدا من الواضح التزامها بنفس ما سارت عليه
حكومة الليكود بمبدأ تجنب التطبيق الكامل لاتفاقات أوسلو او
تطبيق قرارات الأمم المتحدة بشأن الصراع. ورغم ذلك فقد واصلت
الولايات المتحدة، حسبما يذكر الرئيس الأميركي الأسبق، رعاية
مفاوضات سلام كان من بينها قمة شرم الشيخ ثم كامب ديفيد
الثانية.
ويشير كارتر إلى أنه فيما كان كلينتون يعد لتمهيد الأجواء أمام
التسوية فإن أعداد المستوطنين في الأرضي المحتلة كانت تتنامى
بشكل كبير خلال فترة حكم باراك. يريد كارتر الإشارة الى عبثية
محاولات التسوية التي كانت تجري وليس إدانتها بالطبع في ضوء أن
الحكومات الإسرائيلية سواء كانت عمالية أم ليكودية تعمل على
تفريغها من مضمونها. وهنا يوضح أنه حتى الاقتراح الذي تقدم به
كلينتون بشأن نسبة الانسحاب من الأراضي المحتلة والتي كانت تصل
وفق ما ذكر في ذلك الوقت الى نحو 91% إنما تعد نسبة خادعة في
ضوء ان هناك أراضي خارج نطاق المستوطنات وتحيط بها، من المفترض
أنها تعتبر محظورة على الفلسطينيين، تقدر بنحو 400 متر في إطار
كل مستوطنة، فضلا عن الطرق التي ستؤدي الى تلك المستوطنات،
وغير ذلك مما كان فعليا يرتفع بنسبة الأراضي التي ستبقى في
حوزة إسرائيل حال الأخذ بمقترحات كلينتون.
قيود على الفلسطينيين:
لقد كان هذا الوضع يؤدي، حسب رؤية كارتر، الى ما يعتبره تقسيم
الضفة الى كانتونات خاصة في ظل السيطرة الإسرائيلية على وادي
نهر الأردن مما لا يوفر للفلسطينيين أي حرية مرور الى الأردن،
فهناك حوالي مئة نقطة تفتيش عسكرية تحيط بالفلسطينيين وتغلق
الطرق التي تربط بين المدن الفلسطينية. وعلى ذلك يشير كارتر
فيما يبدو الى اعتراف بصحة الموقف الذي اتخذه الرئيس الفلسطيني
الراحل ياسر عرفات، إلا أن هذه الظروف كانت تجعل من الصعب على
أي قائد فلسطيني القبول بمثل هذه الشروط. هنا وفي صراحة يحسد
عليها المؤلف يشير في توضيح للحقائق إلا أنه على الرغم من كل
ذلك فإن بيانات صدرت من واشنطن وتل أبيب نجحت في إلقاء تبعة
فشل المفاوضات على الرئيس عرفات، مضيفا أن النتيجة الطبيعية
لذلك كانت تواصل أعمال العنف في الأراضي المقدسة.
وفي مواصلة استعراضه لما يراه حقائق المفاوضات ويكشف عن زيف
الرؤى التي تم طرحها في ذلك الوقت سواء من قبل الأميركيين أو
الإسرائيليين يذكر كارتر أنه فيما بعد ذلك تم الترتيب لعقد
مفاوضات طابا في مصر يناير 2001 في الأيام الأخيرة لحكم
كلينتون حضرها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ووزير الخارجية
الإسرائيلي حيث تم الزعم فيما بعد ان الفلسطينيين رفضوا عرضا
سخيا من باراك يقضي باحتفاظ إسرائيل بنحو 5% من الضفة، فيما ان
الحقيقة تشير الى أنه لم يتم تقديم عرض من هذا النوع. ثم يشير
كارتر الى ان انتخاب شارون فيما بعد ذلك بشهرين قضى تماما على
فرص التوصل الى تسوية، الأمر الذي توقفت معه جهود التوصل الى
حل للصراع.
فقد جرت انتخابات عامة في إسرائيل بعد تولي الرئيس جورج بوش
الابن الحكم مباشرة في الولايات المتحدة جاءت بشارون إلى الحكم
في تل أبيب بكل ما هو معروف عنه، حسب توصيفات كارتر، من عدائية
في التعامل مع الفلسطينيين. واستمرارا لنهج التشدد أعلن شارون
معارضته لاتفاقات أوسلو وعزمه تقويض الهجمات على المدنيين
والقوات الإسرائيلية.
ويقدم كارتر في هذا الجزء رؤيته لتطورات تلك الفترة والتي وقعت
فيها بعض العمليات الاستشهادية وطرح المبادرة العربية ثم حصار
إسرائيل لمقر عرفات وهو الأمر الذي كان يمثل قمة في التشدد
الإسرائيلي لم تجد معه حكومة الرئيس بوش سوى تحذير رئيس
الوزراء الإسرائيلي معه من النتائج، ثم كانت موافقتها على قرار
للأمم المتحدة يطالب إسرائيل بالانسحاب من رام الله والتي
أدرجت ضمن الحكم الذاتي الفلسطيني في 1995، غير أن إسرائيل
تجاهلت هذا القرار.
الخروج من الدائرة:
يشير كارتر إلى أنه في محاولة للخروج من الدائرة المغلقة
للصراع، خرج الرئيس بوش في يونيو 2002 بحل الدولتين وهي المرة
الأولى التي يعلن فيها رئيس أميركي هذا الموقف وإن كان الرئيس
الأميركي قيد هذا الطرح باشتراطه تغيير القيادة الفلسطينية من
خلال تأكيده أن السلام يتطلب قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة
وأنه على هذا الأساس يمكن للدولة الفلسطينية أن تجد طريقها الى
الوجود.
وفي محاولة لتلمس حقيقة الموقف وسط ضباب الاتهامات المتبادلة
بشأن تدهور العملية السلمية يشير كارتر الى أن المسؤولية في
هذا الصدد تم القاؤها على عاتق الجانب الفلسطيني، وراح بوش
وشارون يماهيان بين موقفيهما مما كان يجري على الساحة
الفلسطينية في الحرب على الإرهاب معتبرين أن رد الفعل على
احداث العنف إنما يعد جزءا من هذه الحرب. وقد كان المطلب
الأميركي الوحيد من إسرائيل هو أن تعود الى مواقعها العسكرية
التي كانت تتخذها في سبتمبر 2000 قبل اندلاع الانتفاضة.
ويذكر كارتر أنه إزاء ما بدا من عدم قبول لعرفات كشريك فقد حظي
تعيين محمود عباس (أبو مازن) بالارتياح من قبل بوش وشارون إزاء
ما هو معروف عنه من كونه نموذجا للاعتدال الفلسطيني. غير أنه
فيما يشير الى الدوامة التي يبدو أن القضية الفلسطينية دخلتها
ولن تخرج منها، يوضح كارتر ان وصول عباس الى الحكم لم يؤد الى
تقدم في عملية السلام بقدر ما أدى الى تزايد مساحة الصراع على
الساحة الفلسطينية بين عرفات وأبومازن.
وفي إشارة إلى ذلك يذكر كارتر أنه في أبريل 2003 أعلنت الأمم
المتحدة عن تبنيها لخارطة الطريق برعاية ما عرف باللجنة
الرباعية. وفيما يمثل إلقاء باللوم على إسرائيل يذكر الرئيس
الأميركي الأسبق أنه فيما قبل الفلسطينيون بكافة بنود خارطة
الطريق فإن إسرائيل وضعت العديد من الشروط ورفضت بعض بنودها
بما كان يعني في النهاية تقويض التوصل الى سلام نهائي. وفي
تأكيد على هذا الفهم يقدم كارتر هنا مقتطفات من كلمة شارون
أمام قمة العقبة التي عقدت في يونيو 2003 حيث راح يعلن استعداد
إسرائيل للعودة الى المفاوضات وفق الخطوات التي نصت عليها
خارطة الطريق ( في الحدود التي اقرتها إسرائيل).
ويكشف هذا التناول في هذه الحدود مدى الإجحاف الذي لحق
بالفلسطينيين والزيف في المواقف الإسرائيلية والأميركية ما
يعكس بحق الأهمية التي يمثلها الكتاب الذي يقدمه كارتر
باعتباره يمثل رؤية أميركية محايدة.
مبادرة جنيف:
في إشارة إلى طبيعة تفكير كارتر نفسه ورؤاه يعرض لنا بعد ذلك
مبادرة جنيف والتي تشير الى سعيه للتوصل الى سلام يلبي الحدود
المشروعة للفلسطينيين مع الإقرار في الوقت ذاته بإمكانية قبول
تنازلات لصالح إسرائيل. ويجب ألا ننسى هنا أننا نتعامل مع
شخصية أميركية ليس من المفترض ان تتبنى مواقفنا بالكامل. لقد
واصل كارتر دوره لتحقيق أفكاره وهو ما انعكس في المفاوضات غير
الرسمية في جنيف والتي خاضها فريقان من الجانب الإسرائيلي
والفلسطيني ممن لعبوا أدوارا رئيسية في مفاوضات طابا التي جرت
في الأيام الأخيرة لحكم الرئيس كلينتون وهم بالتحديد يوسي
بيلين من الجانب الإسرائيلي وياسر عبد ربه من الجانب
الفلسطيني.
لقد كانت المفاوضات التي تجري في هذا الإطار غير رسمية وتستهدف
الوصول الى إطار عمل يتعلق بالقضايا الكبرى محل الخلاف وهي
المستوطنات وحق العودة والقدس وتكون في الوقت ذاته محل قبول من
الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية.
يذكر كارتر أن بيلين اتصل به آنذاك ليستشيره بشأن ما يجب عمله
ويطلعه على مسار تطورات هذه المبادرة. لقد كان التحرك في إطار
هذه المبادرة وفق ما يذكر كارتر أن غالبية الإسرائيليين
والفلسطينيين ستؤيد التوصل الى اتفاق شامل حتى لو تطلب ذلك
تنازلات على الجانبين تتعلق بالمستوطنات أو غيرها من القضايا.
وقد تم التوصل بالفعل الى شبه اتفاق على هذه القضايا شمل توسيع
الحدود الدولية لإسرائيل ليشمل أراضي في الضفة بما يمكنها من
إلحاق عدد من المستوطنات بها كما تم النص على جوانب تتعلق
بحرية الوصول الى القدس وكذلك العودة المقيدة للاجئين
الفلسطينيين.
ووفق السياق الذي يذكره المؤلف فإن من الواضح أن هذه الحلول تم
التوصل اليها بالتشاور معه. وقد سعى كارتر إلى استثمار هذا
التطور إثر وقوع الاختيار عليه للفوز بجائزة نوبل للسلام فكان
تصوره أن يكون الاحتفال في اوسلو أو استوكهولم فرصة للكشف عن
هذه التطورات وجذب أنظار العالم الى ما تم التوصل اليه، الأمر
الذي لم يلق ترحيب الحكومة السويدية بسبب ما يمكن أن يسببه هذا
الأمر من جدال يمكن أن يطغي على الاحتفال بالجائزة ذاته.
ويشير كارتر إلى أن مبادرة جنيف التي لعب دورا كبيرا في التوصل
اليها كوسيط أميركي حظيت بتأييد العديد من قادة العالم وأن
استطلاعا للرأي أجرته مؤسسة بيكر كشف عن أن أغلب الإسرائيليين
والفلسطينيين قبلوا ما ورد فيها من مبادئ رغم المعارضة القوية
من قبل القادة الكبار على الجانبين. فقد أدان شارون هذه
المبادرة كما قابلها البيت الأبيض بالصمت غير أن وزير الخارجية
كولين باول ساندها والتقى مع المفاوضين الرئيسيين. كما ان
عرفات أيد المبادرة كمسار يمكن من خلاله اجراء مفاوضات غير
رسمية غير أنه لم يحدد موقفا نهائيا بشأن ما تم التوصل اليه.
ويعرب كارتر عن تصوره بأن المبادرة كان لها تأثيرها القوي في
إسرائيل حيث أدت الى تطور دراماتيكي فيما يبدو لاحتواء
نتائجها. فعلى عكس العهد الذي قطعه شارون على نفسه خلال قمة
العقبة وطالب باعتماده في العملية السلمية مع الفلسطينيين بعدم
اتخاذ إجراءات أحادية فإنه قرر في يونيو 2004 مبادرة الانسحاب
الأحادي من غزة، الخطوة التي أيدها بوش؛ الذي أعلن خلال قمة
العقبة كذلك ترحيبه بدعوة شارون الى عدم اتخاذ أي إجراءات من
جانب واحد من أطراف الصراع، وهو ما يشير، حسب رواية كارتر، الى
حجم التناقض الإسرائيلي وعدم الالتزام بما يقطعه المسؤولون
الأميركيون والإسرائيليون على أنفسهم.
مفارقات مثيرة للدهشة:
يورد الرئيس الأميركي الأسبق فيما يمكن اعتباره مذكراته بشأن
مسيرة السلام مفارقات مدهشة على هامش هذه الخطوة أن المستوطنين
الإسرائيليين في غزة والذين قدر عددهم حسبما يذكر بنحو 8 آلاف
شخص كانوا يعيشون بين 3,1 مليون فلسطيني ويسيطرون على نحو 40%
من الأراضي الخصبة وأكثر من نصف موارد المياه، وأن نحو 12 ألف
جندي كانوا يقومون بالدفاع عن وجودهم، بمعدل جندي ونصف لكل
مستوطن!
ثم يتطرق كارتر الى الجدار الذي أقامته إسرائيل في الضفة
الغربية والذي يحتل موقعا رئيسيا في رؤيته لتطورات الصراع
ويمثل جوهر الفكرة التي يسعى الى طرحها من خلال الكتاب وذلك من
خلال فصل عنونه بـ (الجدار .. السجن) ومن خلاله يعرض كارتر
لشكل العلاقة التي آل اليها الحال بين إسرائيل والفلسطينيين
والتي أصبحت تشبه حالة الفصل العنصري على غرار تلك التي كانت
قائمة في جنوب إفريقيا.
ويشرح كارتر فكرته مشيرا الى أن إسرائيل وصلت في علاقتها مع
الفلسطينيين الى المرحلة التي أصبحت معها لا تجد ضرورة في
التوصل الى سلام، فمع تزايد السيطرة الإسرائيلية على القدس
الشرقية، ومع الأمن النسبي الذي يوفره الجدار الذي تم بناؤه،
والذي يحيط بالأجزاء الباقية من الضفة الغربية، ومع وجود بضعة
آلاف من المستوطنين خارج هذه المواقع يتمتعون بالأمن جراء
الوجود الكثيف للقوات الإسرائيلية المكلفة بحمايتهم فقد أدى
ذلك كله الى تنامي الرغبة الإسرائيلية في تفادي أو تجنب أي
جهود جديدة للتوصل الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين يقوم على
أساس خارطة الطريق.
وقد تصور الإسرائيليون أنهم من خلال هذه العملية والتي تجاوزوا
فيها الفلسطينيين بل وكذلك الأميركيين وتصرفوا خلالها من جانب
واحد يمكنهم أن يكرسوا فكرة الحل النهائي من جانب واحد للمشكلة
الفلسطينية.
وهنا يصف كارتر بعبارات واضحة هذه التطورات بأنها ليست سوى نوع
من الفصل العنصري على الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين في
الأراضي المحتلة، حيث هناك جهود حثيثة ومكثفة لفصل المستوطنين
عن الفلسطينيين، ومن الأمثلة التي يقدمها على ذلك أن الأسرة
اليهودية يمكنها ان تنتقل من القدس الى منزلها في المستوطنات
في أعماق الضفة الغربية من خلال طرق غير مسموح لغير اليهود
بالمرور فيها بل وحتى دون معايشة أي مظهر من مظاهر حياة
المواطنين الفلسطينيين والذين تمر هذه الأسرة عبر أراضيهم، وهو
ما يكشف حسب كارتر عن النظام بالغ الإحكام في الفصل العنصري.
مستقبل مظلم:
يشير المؤلف هنا الى أن الانسحاب الأحادي من غزة تم وسط ما
يمكن اعتباره حصارا بحريا وجويا على الفلسطينيين حيث لم يكن
يسمح لهم بالمرور بحرا أو جوا من دون الخضوع للإجراءات
الإسرائيلية. ويقرر كارتر ان مستقبل الضفة الغربية أكثر
ضبابية، وفي هذا الإطار يذكر أن إسرائيل لم تكتف بإقامة هذا
الجدار فقط بل إنها أقامته كذلك باقتطاع أراض فلسطينية وهو ما
يزيد من مساحة الأراضي التي تحتلها إسرائيل حال التسوية، فضلا
عن أن الجدار أدى الى تقسيم قرى فلسطينية، مما يؤدي الى تقطيع
أواصر العائلات والأسر الفلسطينية. ويذكر هنا الضرر الكبير
الذي لحق بمدينة قلقيلية وسكانها البالغ عددهم 45 الف نسمة
ومصادر المياه التي استولت عليها إسرائيل جراء كون الجدار
العازل يحيط بالمدينة، كما يشير الى الضرر الذي لحق بمدينة بيت
لحم.
وفي إطار فضح الطبيعة العنصرية للجدار العازل يشير كارتر الى
بعض التفاصيل المتعلقة بالجوانب الفنية لإنشائه ومن ذلك كونه
يضم نظاما للإنذار والمراقبة ويرسم صورة بالغة الكآبة بشأن
التأثيرات السلبية التي يمثلها الجدار على حياة الفلسطينيين
وعلى مستقبل السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية منتهيا الى
التأكيد على ان الأمر قد ينتهي الى صعوبة وجود أرض يقيم عليها
الفلسطينيون دولتهم المستقلة. ومن خلال استعراض مفصل لكافة
الجوانب المتعلقة بقضية الجدار العازل ينتهي كارتر الى الإشارة
الى أن أحداث غزة ولبنان الأخيرة كشفت عن حتمية وصول الأمور
الى مرحلة من التصعيد على خلفية الأوضاع في فلسطين وعن حجم
الغضب العالمي من قبل المجتمع الدولي تجاه إسرائيل والولايات
المتحدة.
وهنا يشير إلى ما يمكن اعتباره وهم الأمن الإسرائيلي رغم
الإجراءات المختلفة التي عملت إسرائيل على القيام بها من أجل
توفير الأمن لمواطنيها وقواتها ومن ذلك عملية اختطاف الجندي
الإسرائيلي في غزة والجنديين على يد حزب الله اللبناني وهما
عمليتان تؤكدان أن إسرائيل ما زالت عرضة للخطر في ضوء إدراك
المتشددين الفلسطينيين واللبنانيين ما تمثله هذه العملية من
أهمية لإسرائيل وفي ضوء سوابق أخرى تم خلالها استرجاع أعداد
كبيرة من الأسرى العرب. ومن ذلك إطلاق سراح نحو 1150 فلسطينيا
مقابل ثلاثة جنود إسرائيليين في عام 1985، وكذا مبادلة 123
لبنانيا مقابل رفات اثنين من الجنود الإسرائيليين في عام 1996،
وإطلاق سراح نحو 433 فلسطينيا وعدد آخر من المعتقلين مقابل رجل
أعمال إسرائيلي ورفات ثلاثة جنود إسرائيليين في عام 2004.
الحلقة الأخيرة (3)... 17/12/2006:
تمثل الجوانب التي يوردها كارتر في كتابه وثيقة إدانة حقيقية
ليس فقط لإسرائيل وإنما كذلك للولايات المتحدة إزاء ما يكشفه
من عوج يؤكد زيف الأطروحات الإسرائيلية الأميركية التي يرفع
لواءها اليمين الحاكم في كل من تل أبيب وواشنطن. وأهمية هذه
الشهادة أنها تعكس بحق مقولة (وشهد شاهد من أهله) فضلا عن
الموقع الذي احتله كارتر في السياسة الأميركية والأهمية
الرمزية التي يشكلها في الفترة الحالية.
فكارتر لا يتوانى عن أن يلقي باللوم كاملا على السياسات
الإسرائيلية في الحالة المتردية التي وصلت إليها الأمور في
المنطقة معتبرا أن التوتر الذي تعيشه إنما يعود في جانب منه
إلى هذه السياسات. كما يوجه اللوم إلى الإدارة الأميركية
الحاكمة حاليا معتبرا أن مساندتها لإسرائيل سبب الكثير مما
يعتبره العالم ازديادا للإرهاب. وبعد أن أشرنا في الحلقة
السابقة إلى ما تطرق إليه كارتر بشأن النهج الإسرائيلي في
التعامل مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يعرج كارتر على وجه
آخر من أوجه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وهو المتعلق بالأسرى
الفلسطينيين الذين يعانون الأمرين في سجون الاحتلال في ظل
معاملة تنتهك القوانين والأعراف الدولية.
يشير كارتر في كتابه إلى أن منظمات حقوق الإنسان الدولية تقدر
عدد الفلسطينيين الذين دخلوا السجون الإسرائيلية منذ عام 1967
يتجاوز 630 ألف فلسطيني، أي ما يقدر بنحو 20 % من إجمالي الشعب
الفلسطيني، ليس ذلك فحسب بل إن من بين المعتقلين نساء وأطفالا.
وهنا يقول إن الأطفال في السن التي تتراوح بين 12 و 14 عاما
يمكن أن تصدر بحقهم أحكاما بالسجن لمدد تصل إلى ستة أشهر. كما
ان الأطفال الذين تتجاوز أعمارهم 14 عاما يعاملون وفق القانون
الإسرائيلي معاملة البالغين فيما يمثل انتهاكا للقانون الدولي.
كما يشير كارتر إلى إقرار المحاكم الإسرائيلية للتعذيب كوسيلة
للحصول على اعترافات من الفلسطينيين، وينتهي إلى أن كافة اوضاع
المعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل إنما تتم خارج نطاق القونين
الدولية وخاصة معاهدة جنيف.
ويخرج كارتر من تناوله ذلك إلى أن دوامة العنف التي تحياها
المنطقة والتي يلقي بجانب من أسبابها على إسرائيل إنما تكشف عن
الآثار الكارثية لعدم التوصل إلى حل للصراع في الشرق الأوسط.
فإسرائيل التي تعتبر قوة عسكرية كبيرة في المنطقة يمكنها
بمساندة اميركية تدمير البنية الاقتصادية في غزة ولبنان
وبغيرهما وإلحاق خسائر كبيرة بهما، غير أنه حال حدوث ذلك فإن
حركات المقاومة من الممكن أن يكون لها دور وتصبح أكثر توحدا
وتحظى بتأييد أكبر.
وفي ذلك يذكر استطلاعا للرأى أجراه مركز لبناني للأبحاث
والمعلومات أشار إلى أنه بعد نحو ثلاثة اسابيع من العمليات
الإسرائيلية في لبنان فإن نحو 87% من اللبنانيين أعلنوا
مساندتهم لحزب الله في موقفه، وتتضمن هذه النسبة 80% من مسيحيي
لبنان والذين ليس لديهم، حسبما يذكر كارتر، توجهات بالغة
العداء تجاه اسرائيل، ويعارضون سياسيا حركات المقاومة المسلحة
المسلمة.
إسرائيل مطلقة اليدين:
وفي مواصلته لرحلة استعراض حقائق الموقف يشير إلى أنه على مدى
خمسة أسابيع وقفت الإدارة الأميركية معارضة أي قرار فوري بوقف
النار على الجبهة اللبنانية مشجعة إسرائيل على مواصلة أعمالها
العدوانية. ويأبى كارتر أن يدع هذه التطورات تشغله عن القضية
الأساسية على جبهة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني فيشير إلى أنه
إزاء إنشغال العالم بما كان يجري على الصعيد اللبناني فإن
إسرائيل كانت مطلقة اليد في غزة ما أدى إلى مقتل نحو 200
فلسطيني منهم نحو 44 طفلا فيما لم تخسر في هذه العمليات سوى
ثلاثة جنود.
إن السؤال المنطقي الذي يطرحه كارتر في إطار تناوله لهذه
التطورات إنما يدور حول أسباب ونتائج حرب إسرائيل على لبنان؟
في تحديده للسبب يشير إلى ما أعلنه حزب الله من مساندة
الفلسطينيين في غزة وتخفيف الضغط عليهم، في مسعى للتأكيد من
المؤلف على محورية حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. ويتساءل
عمن هو الخاسر ومن هو الرابح جراء تلك العمليات؟
يجيب أنه رغم إدعاءات النصر من كلا الجانبين إلا أن الأسر
اللبنانية والإسرائيلية كانت هي الخاسر الأكبر. أما على الصعيد
الأميركي فقد تمت إدانة موقف ادارة بوش على موقفها جراء مساندة
إسرائيل وتشجيعها على العدوان وتأخير عمليات وقف إطلاق النار.
فضلا عما سبق فقد أدت الحرب، وفق رؤية كارتر، إلى تزايد شعبية
حزب الله في اوساط الجماهير العربية رغم الإدانات التي نالها
موقفه من النظم العربية في بدايات الحرب.
وفي محاولة لتقديم رؤية ختامية بشأن ما آلت اليه عملية السلام
يشير كارتر إلى أنه منذ معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام
1979 سالت الكثير من الدماء دون ضرورة، كما تكررت الجهود من
أجل التفاوض للوصول إلى سلام بين إسرائيل وجيرانها ولكن مصيرها
كان الفشل. وعلى الرغم من انتقاد الاتفاقيات التي وقعت بين مصر
وإسرائيل من قبل بعض الأطراف العربية إلا أنها تقف دليلا على
أن الدبلوماسية يمكن لها أن تحقق السلام بين الخصوم.
ذكر كارتر أن هناك عقبتين أساستين تقفان في طريق السلام الدائم
في الشرق الأوسط ويتمثلان في اعتقاد بعض الإسرائيليين أنهم
لديهم الحق في الاستيلاء على الاراضي الفلسطينية ومحاولة تبرير
ذلك بعدائية الفلسطينيين. أما العقبة الثانية فتتمثل في موقف
بعض الجماعات الفلسطينية التي ترى أن رد فعلها إنما يجب أن يتم
من خلال العمليات الاستشهادية.. للفوز بالآخرة، وتحقيق ما
يرونه انتصارا على إسرائيل.
قمع واضطهاد:
وفي المقابل فإن رد الفعل الإسرائيلي إنما يتمثل في القمع
والاضطهاد، والذي يقابله من قبل المتشددين الفلسطينيين رفض
الاعتراف بشرعيتها والسعي إلى تدميرها، ما يشير إلى دورة العنف
واللاجدوى التي يمكن أن تدخلها قضية الصراع بين فلسطين
وإسرائيل الأمر الذي يحذر منه كارتر مشيرا إلى أن دورة عدم
الثقة والعنف تتواصل وجهود السلام تتبعثر، وهو ما أدى إلى
ازدياد الخسائر في ظل فرض الاحتلال إجراءات قاسية.
وحسبما يذكر فإنه منذ سبتمبر 2000 حتى مارس 2006 فإن نحو 3982
فلسطينيا و1084 إسرائيليا قتلوا في الإنتفاضة الثانية، وتتضمن
هذه الأرقام نحو 708 أطفال فلسطينيين و123 إسرائيليا.
وكما أوضحنا فيما سبق فقد تزايد عدد الضحايا في الأحداث
الأخيرة التي وقعت في غزة ولبنان. ويعزز كل ذلك ما يراه كارتر
رد الفعل العقلاني الوحيد على هذه التراجيديا المستمرة وهو
إحياء العملية السلمية عبر المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين
الأمر الذي يراه يصطدم بعقبة تخلي الولايات المتحدة عن بذل
الجهود لتحقيقه.
ثم يتطرق إلى ما يعتبره مفاتيح أساسية لأي تسوية مستقبلية
مشيرا إلى أنها تتطلب ضمان أمن إسرائيل .. فالعرب يجب أن
يعترفوا بشكل واضح بأن إسرائيل حقيقة ولها الحق في أن تعيش في
سلام وفي إطار حدود معترف بها وآمنة، مع التزام أكيد من قبل
الدول العربية بعدم ممارسة أعمال عدائية تجاه إسرائيل.
أما الجانب الثاني فيتمثل في ضرورة حسم الجدال الداخلي في
إسرائيل بشأن الحدود الدائمة لإسرائيل. وهنا يشير إلى ضرورة
التزام الدولة العبرية بالقرارات الدولية التي صدرت في هذا
الخصوص على أن يكون أي تعديل لتلك الحدود من خلال المفاوضات
بينها وبين الفلسطينيين. وفي هذا الصدد يشير إلى قبول
الفلسطينيين غير المشروط لخريطة الطريق في الوقت الذي تحفظت
عليها إسرائيل بمجموعة من الشروط تفرغها من مضمونها.
ورغم تلك الصورة التي يقدمها كارتر ويراها بالغة الكآبة بشأن
مستقبل العملية السلمية إلا أنه يرى مع ذلك أن هناك إشارات
مشجعة من إسرائيل تتمثل في سوابق التزمت خلالها بتحقيق السلام
مثل اتفاقيات كامب ديفيد والانسحاب من سيناء وكذلك ترحيل
المستوطنين من غزة وهى سوابق يمكن تطبيقها مؤكدا على ضرورة
انسحاب إسرائيل الفعلي من الأراضي التي احتلتها في عام 1967
وفق القرار 242 .
ومن المبادئ التي يؤكد عليها كارتر ضرورة احترام سيادة كل دول
الشرق الأوسط والحدود الدولية لهذه الدول، وفي هذا الصدد يشير
إلى أن الإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني يمكن أن يجلب الاعتراف
العربي بإسرائيل وحقها في العيش في سلام مع التزام عربي بالحد
من أعمال العنف التي تتم من قبل المتشددين الفلسطينيين.
عقبة كأداء:
على الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي الأسبق على حق إسرائيل في
العيش بسلام، فيما يبدو محاولة لطمأنة الدولة العبرية، إلا أن
ذلك لا يمنعه من الإشارة إلى أنها هي ذاتها تمثل عقبة كأداء
أمام السلام.. فعلى مدى أكثر من ربع قرن كانت مواقف بعض القادة
الإسرائيليين على صدام مباشر مع السياسات الرسمية للولايات
المتحدة والمجتمع الدولي بل ومع الاتفاقيات التي جرى التفاوض
عليها.
ويقرر كارتر انه بغض النظر عن طبيعة الوضع على مستوى السلطة
الفلسطينية سواء تلك التي ترأسها عرفات أو محمود عباس أو حتى
تلك التي تشكل حماس الحكومة فيها فإن إسرائيل واصلت سيطرتها
وإحكام قبضتها على الأراضي الفلسطينية الأمر الذي يمثل العقبة
الأساسية أمام التوصل إلى اتفاقية سلام شاملة في الأرض
المقدسة.
فمن اجل مواصلة احتلالها، حرمت إسرائيل المواطنين الفلسطينيين
من حقوق الإنسان الأساسية. ويضيف كارتر : لا يوجد إنسان موضوعي
يمكن له أن يرى الأوضاع في الضفة الغربية ويعارض مثل هذه
المقولة.
يؤكد كارتر على وجود عاملين آخرين ساهما في زيادة العنف وزعزعة
الاستقرار الإقليمي يأتي على رأسهما التغاضي الأميركي عن أفعال
اسرائيل غير الشرعية سواء من قبل البيت الأبيض او الكونغرس على
مدى السنوات الأخيرة.
وهنا يشير كارتر إلى مفارقة أنه فيما يوجد جدل كبير في إسرائيل
ذاتها بشأن سياساتها في الضفة الغربية، فإن الوضع بالغ
الاختلاف في الولايات المتحدة نظرا لوجود قوى مختلفة سياسية
واقتصادية ودينية هناك تناصر السياسات الإسرائيلية بمختلف
السبل، وهو ما يؤدي إلى أنه نادرا ما يتم مناقشة هذه السياسات
على المستوى الأميركي على نحو انتقادي أو توجيه اللوم إليها،
هذا فضلا عن أن الأصوات التي تصدر من القدس تسيطر على وسائل
الإعلام الأميركية، وقد أفرز هذا الوضع حالة غريبة مؤداها أن
غالبية المواطنين الأميركيين ليسوا على دراية كافية بما يدور
في الأراضي المحتلة.
ومن المفارقات التي يشير إليها كارتر أن القادة السياسيين
ووسائل الإعلام في أوروبا ينتقدون بشدة السياسات الإسرائيلية،
ويدلل على ذلك بالدهشة التي أصابت الولايات المتحدة جراء
استطلاع للرأي أجرته صحيفة هيرالد تربيون في أكتوبر 2003 وشمل
7500 شخص من 15 دولة أوروبية أشار إلى أن إسرائيل تعتبر من
وجهة نظرهم أكبر خطر على السلام العالمي متقدمة على كوريا
الشمالية وإيران وأفغانستان.
وفيما يمثل إدانة صريحة للسياسات الأميركية التي تمارس بشأن
إسرائيل يذكر كارتر أن بلاده استخدمت الفيتو على قرارات مجلس
الأمن الدولي أكثر من 40 مرة للحيلولة دون صدور قرارات تدين
إسرائيل، ويشير إلى أنه في بعض الحالات فإن تصويت الولايات
المتحدة بالفيتو أضر بمصداقية الولايات المتحدة، معتبرا أن
غياب الرغبة في بذل جهد كبير من أجل حل المشكلة الفلسطينية
إنما يمثل عاملا رئيسيا من أسباب مشاعر الكراهية للولايات
المتحدة والأنشطة الإرهابية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
الموقف من حماس:
ثم يتطرق كارتر إلى إحدى القضايا الهامة وتتمثل في موقف
الولايات المتحدة وإسرائيل من وصول حماس إلى الحكم حيث يشير
إلى عمليات التضييق الشديدة التي تستهدف شل حكومة حماس والحد
من فاعليتها سواء من خلال وقف المساعدات الإنسانية أو تمويلها
وفرض قيود على حركة قادتها في الحكومة للمشاركة في أنشطة دولية
وهى كلها محاولات تستهدف في النهاية عزل حكومة حماس المنتخبة
ديمقراطيا من قبل الشعب الفلسطيني.
وفي هذا الإطار يذكر أن إسرائيل عملت على وقف مفاوضات السلام
بل والهرب من بعض القيود التي ترى الولايات المتحدة ضرورة
التزامها بها ولجأت إلى سياسات الحل من جانب واحد والتي تستهدف
في النهاية ترك أجزاء محدودة ومفككة من الضفة الغربية
للفلسطينيين تمثل ما تبقى من أرضهم. كما أن احتجاز آلاف
المعتقلين العرب في سجونها، فيما قامت هي برد عسكري مدمر على
اختطاف ثلاثة جنود صعد من المخاوف العالمية بشأن إمكانية تحول
الرد الإسرائيلي إلى مستوى الحرب الإقليمية.
وعلى الرغم من كل هذه التحديات إلا أن كارتر يدعونا إلى عدم
اليأس وتصور أنه لا أمل في المستقبل، قائلا ان ذلك يجب ألا
يجعلنا نتخلى عن جهود تحقيق السلام الدائم من أجل الإسرائيليين
والحرية والعدالة من أجل الفلسطينيين ويجب علينا الاعتماد في
هذا الصدد على مجموعة من العوامل الإيجابية.
وهنا يشير إلى ما قاله أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1979 (إن
الشعوب تساند التسوية وأن القادة السياسيين هم العقبة أمام
ذلك) ومع مرور السنوات فإن استطلاعات الرأي العام أظهرت بشكل
واضح أن غالبية الإسرائيليين تفضل الانسحاب من الأراضي
الفلسطينية مقابل تحقيق السلام، كما أن استطلاعات أخيرة للرأي
العام أشارت إلى أن نحو 80 في المئة من الفلسطينيين ما زالوا
يريدون حل الدولتين مع إسرائيل إلى جانب 70 في المائة يساندون
محمود عباس كرئيس ومتحدث باسمهم مع ما يتسم به عباس من اعتدال.
فضلا عن ذلك يشير كارتر إلى أن هناك بعض العوامل المشجعة
الأخرى التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، منها تنامي الإدراك
لدى الإسرائيليين بأن حل القضية الفلسطينية إنما يعد أمرا
حيويا اذا ما أرادوا التوصل إلى تسوية شاملة، وفي الوقت ذاته
تزايد الاعتراف على الجانب العربي بأن إسرائيل حقيقة لا يمكن
إنكارها، وفي ذلك يشير إلى أن الكثير من الفلسطينيين والعرب
يرون أن مبادرة العاهل السعودي والتي أقرتها القمة العربية في
بيروت 2002 تمثل نوعا من الاعتراف بحق إسرائيل في العيش في
إطار (حدودها القانونية).
وفي مسعى منه لاستنباط ما يبشر بالامل في حل الصراع، يشير
كارتر إلى أنه مما يمكن ان يعتبر أحد العوامل المساعدة على ذلك
أن كلا من إسرائيل والدول العربية صادقت على قرارات الأمم
المتحدة الخاصة بالنزاع ومنها القراران 242 و 338 والتي على
أساسها تم التوصل إلى اتفاقيات سلام بين إسرائيل وبعض جيرانها.
رؤى للسلام:
يستعرض الكاتب في هذا الخصوص رؤيتين للسلام إحداها فلسطينية
والأخرى إسرائيلية تعكسان تصوراً مشتركاً بشان تقديرات ما يجب
أن يتم فعله. يعكس الرؤية الفلسطينية جوناثان كتاب، وهو مدافع
عن حقوق الإنسان حيث يقول إن كل شخص يعرف الوضع الذي يمكن أن
يحقق سلاما دائما ونهائيا يلبي المطالب التي تعكس مصالح طرفي
النزاع.
ويحدد هذا الوضع في حل الدولتين، الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود
1967، تفكيك المستوطنات، صيغة ما من صيغ المشاركة في قدس موحدة
على أن تكون عاصمة الطرفين، أن تكون الضفة الغربية وغزة
منزوعتي السلاح للقضاء على أي تهديد لأمن إسرائيل، الوصول إلى
حل ما لمشكلة اللاجئين يتضمن الإقرار بنوع من حق العودة، مع
تعويضات. ويضيف الناشط الفلسطيني : إن كل واحد يعرف الحل ولكن
السؤال هو : هل توجد الإرادة السياسية لتطبيقه؟
أما الجانب الإسرائيلي الذي يقدمه كارتر فهو ممثل بالدكتور
ناعومي حازان وهو أستاذ في الجامعة العبرية وشغل منصبا في
الكنيست حيث يقول: لا اعتقد أنه يوجد أي اختلاف الآن بين
غالبية الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، في تفهم ضرورة التوصل
إلى نوع من التوافق بين الشعبين.
ويوجد سيناريوهان بشأن الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق
ذلك.. الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق تقرير
المصير، والأخذ بحل الدولتين مع توفير العوامل التي تجعل هذا
الحل عادلا يسمح بقيام دولة فلسطينية لها مقومات الحياة إلى
جانب إسرائيل على حدود 1967. واذا ما كان هناك تعديل في هذه
الحدود فإنه يجب أن يقوم على أساس مبادلة الأراضي. ويؤكد
ناعومي على حاجة إسرائيل اذا ما أرادت الحفاظ على ديمقراطيتها
ذات الأغلبية اليهودية إلى إنشاء دولة فلسطينية .
وفي إطار محاولة توسيع نطاق الشعور بالأمل يشير كارتر إلى أنه
في إطار هذه المساعي يجب ألا ننسى أن رئيس الوزراء الفلسطيني
الحالي اسماعيل هنية - لم يذكر كارتر اسمه - أعلن أن حكومته
تؤيد إجراء مفاوضات سلام بين إسرائيل ومحمود عباس، مضيفا أن
حكومته سوف تغير موقفها من رفض إسرائيل اذا ما كان هناك
اتفاقية يجري التفاوض عليها يمكن ان يوافق عليها الفلسطينيون.
إلى جانب ما سبق فإنه من الجوانب الجديرة بالأخذ في الاعتبار،
حسبما يذهب كارتر، أن جماعات فلسطينية مختلفة أعلنت استعدادها
للتخلي عن العمليات الاستشهادية وغيرها من الأعمال إذا ما قبلت
إسرائيل تطبيق قواعد القانون الدولي والعمل بما حددته خارطة
الطريق من أهداف لتحقيق السلام.
من بين الآمال الأخرى التي تبعث احتمالات التوصل إلى تسوية
مبادرة مروان البرغوثي الزعيم القيادي في فتح والمعتقل في سجون
إسرائيل وقيادي معتقل من حماس في مايو 2006 بالتصديق على مقترح
يتضمن القبول بحل الدولتين. ويشير إلى التأثيرات المختلفة التي
أدت اليها مبادرة المعتقلين الفلسطينيين خاصة لجهة الدعوة إلى
حكومة وحدة فلسطينية. ورغم تقدير رؤية الرئيس الأميركي الأسبق
في هذا الخصوص إلا أنها تعكس قدرا من المثالية ..
ذلك أن المشكلة ليست في مواقف الطرف الفلسطيني وإنما على
الجانب الإسرائيلي. وكما أشار هو في إطار كلمته في الكنيست فإن
الامر يرتبط بموقف القادة السياسيين وهم في هذه الحالة
الإسرائيليين ذلك أن القادة الفلسطينيين ليس لديهم رفاهية
الرفض الأمر الذي يؤكده موقف هنية الذي أشار كارتر نفسه إليه.
ويخلص كارتر إلى أن هناك ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها أمام
إسرائيل فإما أن تلحق الفلسطينيين بها وهو ما قد يعني في
النهاية زيادة كبيرة في أعداد المواطنين غير اليهود الذين لهم
الحق في العيش والتمتع بالمساواة مع اليهود وهو ما قد يفسح
المجال أمام إمكانية أن يشكل غير اليهود أغلبية مؤثرة تتناقض
مع أهداف إسرائيل.
فضلا عن أن ذلك سيجعل إسرائيل في عزلة دولية ونيلها الإدانات
من قبل المجتمع الدولي وضياع فرص إنهاء العداء مع العالم
العربي. وإما أن تقيم إسرائيل نظاما كاملا للفصل العنصري على
شاكلة السياسة التي تتبعها الأن مع ما يفرضه ذلك من استمرار
الأزمة وإما أن تنسحب إسرائيل إلى حدود 1967 وفق قرار الأمم
المتحدة 242 ووفق الإطار الذي تم الاتفاق عليه في كامب ديفيد
واتفاقات أوسلو وخارطة الطريق.
وحسبما يرى كارتر فإن هذا السيناريو يبدو هو الذي يوفر فرصا
للاستقرار وخروجا من حالة اللا حل للصراع العربي الإسرائيلي
وفي ذات الوقت فإنه يمكن بالتفاوض الاتفاق على مبادلة للأراضي
تحقق هدف إسرائيل في ضم بعض المناطق التي يقيم بها مستوطنون
اليها.
ويحرص كارتر في ختام كتابه على التأكيد على أن الأمر بيد
إسرائيل كما أشرنا فيما يمثل إلقاء بتبعة الأمور عليها حيث
يقول: إن السلام سوف يتحقق لإسرائيل والشرق الأوسط..
فقط إذا ما قبلت الحكومة الإسرائيلية تطبيق القانون الدولي،
وقبلت إرادة المجتمع الدولي ممثلة في خارطة الطريق، بل وقبلت
التلاقي مع رغبة الأغلبية من مواطنيها، وكذلك التلاقي مع
التزاماتها في الاتفاقيات السابقة.. بذلك يتحقق السلام وستكون
مأساة للإسرائيليين والفلسطينيين بل والعالم كله اذا ما تم رفض
السلام لصالح نظام من الفصل العنصري لا يتيح بأي حال من
الأحوال اختفاء العنف.
*المصدر:
البيان الإماراتية 14
- 15، و17/12/2006
|