|
مستقبل حركة فتح ؟
إبراهيم أبو الهيجاء
خاص ب مركز باحث
عكست الانتخابات البلدية ولاحقا التشريعية وما تبعها من
استيلاء جزئي لحركة "حماس " على مقاليد السلطة عمق الأزمة التي
تعايشها حركة فتح التي كانت على مدار الأربعين سنة الماضية
صاحبة النفوذ والكلمة العليا في الشأن الفلسطيني ، ولابد أن
لذلك أسباباً كما له بالقطع تداعيات مهمة نظرا إلى ان مفاعيل
أزمة حركة فتح لاتقف بحال عند الشأن الحزبي ومالآته التنظيمية
بل لها انعكاس على واقع القضية الفلسطينية وخارطة اللاعبين ..
فيها وهذا ما ستحاول دراستنا استقصائه وتشخيصه .
أزمات الانطلاق
أعلنت حركة فتح عن ذاتها بعد قيام جناحها العسكري "العاصفة "
بتنفيذ عملية ضد منشأة إسرائيلية في مطلع كانون الثاني سنة
1965 ... وكانت مرارة نكبة 1948 والواقع الفاسد للأنظمة
العربية محركاً وملهماً لتأسيس حركة فتح ... وكانت أهداف
الحركة في حينه التحرير الكامل لفلسطين من خلال الكفاح المسلح
الذي تمارسه الجماهير ، والذي سيؤدي بنظر أصحابها إلى الوحدة
العربية ..وفعلاً استقطب الفعل العسكري الفتحاوي الكثير من
الفلسطينيين من الذين ملّوا الجدل الفكري العربي دون طائل
تجاه تحرير فلسطين .
بعد تبلور وجود حركة فتح بدأت تتشكل لديها مفاهيم مثل
علمانية الدولة الفلسطينية (سنة 1972) وتبني البرنامج
المرحلي لتحرير فلسطين (سنة 1974 ) والقبول بقرارات مجلس
الأمن المعترفة بإسرائيل (سنة 1983 ).... كل ذلك أفرز أزمات
داخلية عميقة كان أوجها بعد قبول حركة فتح التوقيع على
اتفاقية أوسلو ذائعة الصيت (سنة 1993 ) وما عنته من تنازلات
خطيرة في قضايا الأرض والقدس واللاجئين والسيادة .. ولكن غموض
أوسلو و مغريات السلطة ساهمتا في تبلور صنفين في حركة فتح
(الأول ) حالم بالتغيير ومراهن على الزمن، (وآخرين ) منتفعين
من ثروات السلطة حيث الأموال والنفوذ.
في زمن السلطة أدى تمركز الصلاحيات بيد الرئيس ياسر عرفات
نتاج القوة القانونية لمنصب الرئاسة والشرعية التاريخية
لعرفات في منظمة التحرير وحركة فتح إلى خلق قيادة فلسطينية
مأزومة بفرديتها وقراراتها والموالين لها والمعاقبين بسبها..
ولاحقاً أدت تداعيات اتفاق أوسلو والفردية القيادية
الفلسطينية إلى اتفاقيات متتالية بعضها أسوا من بعض وممارسات
إسرائيلية موغلة في العدوان وأحوال فلسطينية اجتماعية
واقتصادية رديئة... افرز كل ذلك هيمنة إسرائيلية مطلقة في
تفسير الاتفاقيات مع مساندة اميركية مفضوحة من وسيط اعتبر ذاته
نزيهاً ... وبالمقابل برز فرقاء داخل حركة فتح ..
منهم من ذهب بعيداً في تنازلاته لإسرائيل من خلال الإبداعات
المتتالية لتصورات الحل وهذا الفريق قام للأسف بضرب المقاومة
الفلسطينية واعتقال قادتها بل وقتل بعضهم ، والمساهمة الأمنية
في تمكين إسرائيل من اعتقالهم أو تصفيتهم... وغالبا ما كان
هؤلاء الأكثر استفادة من ثروات السلطة .
آخرون منهم كانوا محذرين ومتمردين على واقع التنازل لإسرائيل
وأكثر تفهماً للمقاومة الفلسطينية وهؤلاء غالباً ممن كانوا
الأقل حظاً من ثروات السلطة .
انكشاف التسوية
كانت محطة مباحثات كامب ديفيد وطابا والتي كان على رأسها (
باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي ، وبل كلينتون الرئيس الأميركي
، وياسر عرفات ممثلا ًعن الفلسطينيين ) مهمة في تأثيرها على
حركة فتح حيث أدى انكشاف سقف اليسار الصهيوني وعجزه عن
الاقتراب من أسوأ أطروحات فرقاء حركة فتح تجاه الحقوق
الفلسطينية إلى وضع حد فاصل بين الغموض والوضوح في التوجهات
والنوايا الإسرائيلية المضمرة تجاه الحقوق الفلسطينية ،
ونظراً لخطورة ذلك على مستقبل حركة فتح فقد حاولت الحركة تذكير
إسرائيل بان لديها خيارات أخرى من خلال تصعيد مظاهرات شعبية في
المحافظات الفلسطينية ولاسيما القدس التي كانت زيارة شارون لها
سبباً وجيهاً للرد الفلسطيني ... ولكن الأحداث لم تتوقف عند حد
التظاهر الشعبي واستشهاد بعض الفلسطينيين كحال هبة النفق في
سنة (1996 ) بل تعتدها إلى امتداد سريع
للأحداث بشكل بلور انتفاضة الأقصى ، وبذلك لم تستطع السلطة
الفلسطينية ولا حركة فتح التحكم في وتيرتها ... وعبرت
الانتفاضة بالوجه الآخر عن استياء شعبي من واقع الاتفاقيات
السياسية ودلت كذلك على مخزون شعبي ناقم على فئات فتحاوية
اتتها الفرصة لتوجيه غضبها ضد الاحتلال لهز قوة حركة فتح في
قيادة السلطة.
لكن هذه الانتفاضة التي تطورت من المظاهرات الشعبية إلى
الصواريخ القسامية والعمليات الاستشهادية التي ضربت العمق
الصهيوني ، أفرزت كذلك تضارباً فتحاوياً داخلياً بل وتمرداً
من بعض الأفراد والمجموعات والأجهزة ... بين طرف يشد باتجاه
الصمت تجاه رفع وتيرة الانتفاضة الفلسطينية مع دعم في الباطن
للمجموعات العسكرية الفتحاوية في مواجهة شعبية حماس المتصاعدة
جراء عملياتها المميزة وبالتالي خشية هذا التيار من فقدان
الشعبية بعد تآكل السلطة وقيام إسرائيل باحتلال المحافظات
الفلسطينية من جديد ... أما التيار الثاني فكان يعمل ضد
مكونات الانتفاضة ويضغط مع الولايات المتحدة وأوربا على
محاصرتها وأحيانا الالتفاف عليها باتفاقيات وهدن مختلفة من
مشاريع ( تينت ، ميتشيل ، باريس ، طابا ، خارطة الطريق ،...
) .
تغييب عرفات
تزامناً مع ذلك تزايدت الضغوط والاتهامات الدولية والداخلية
ضد الفريق الفتحاوي الذي يغامر بمنجزات الحركة في السلطة
وتحديداً ضد الرئيس ياسر عرفات الذي جعلته إسرائيل شيطاناً
وقميص عثمان في تبرير إجراءاتها ضد الفلسطينيين محاولة خلق
بدائل عنه ... تارة بتحريض مجموعات فتحاوية متنفذة للتمرد على
سلطاته... وتارة أخرى لإجباره (حسب خارطة الطريق ) على تعيين
رئيس للوزراء يفقده صلاحياته تدريجياً ... بعد ثم جاء تغييب
عرفات محاصراً معزولاً مقهوراً مجرداً من صلاحياته بفعل
الحصار الإسرائيلي والأميركي والى حد ما الأوروبي وحتى في ظل
صمت عربي بل وبتآمر من بعض الفتحاويين الذي حاولوا منازعته
صلاحياته .
بالعموم كان لهذا الاغتيال السياسي ذا اثر بالغ في مستقبل
حركة فتح .. فقد ساهمت فرديته واحتكاره للقرار في تخبط إداري
واصطفاف فتحاوية داخلية للسيطرة على مراكز التاثير والقرار
... ثم ساهمت شرعيته الثورية والتراجيدية التي قتل فيها في خلق
فراغ سياسي لا يستطيع احد ملاه ، كل ذلك أتى في حيرة داخلية
فتحاوية في كيفية التصرف تجاه اغتياله من جهة وفي اتهامات
داخلية لبعض المتنفذين في المشاركة في تغييبه لكي يكون لهم
حظوة الميراث مقابل إنهاء انتفاضة الأقصى .
وسيلة الانتخابات
نظراً لخطورة الموقف الفتحاوي الداخلي المضغوط من مخاوف
انهيار السلطة وفقدان النفوذ وتصارع مراكز القوى في مرحلة
مابعد عرفات والرغبة الدولية والإقليمية الدافعة باتجاه توحد
فتحاوي عاجل خلف قيادة " ابو مازن " بصفته النائب الفعلي
لعرفات في منظمة التحرير الفلسطينية والأكثر قرباً من الرغبات
الدولية الإسرائيلية والعربية ، كل ذلك أدى إلى تسارع
لانجاز انتخابات رئاسية جزئية دون الانتخابات التشريعية -
كماهو مقرر قانونياً - ، وكان الهدف من ذلك تخفيف حدة الفراغ
السلطوي والتاريخي وضبط مراكز القرار وقطع الطريق على فوضى
تستفيد منها حركة حماس الأكثر حضورا في ميدان الشارع والمقاومة
.
ولكن على الرغم من التوحد الفتحاوي المتسارع بالمخاوف
والضغوط إلا انه لم يحل دون مشاغبة قادها مروان البرغوثي
(مسئول اللجنة الحركية العليا في حركة فتح ) وهو الأكثر
حضوراً في الشارع الفلسطيني والأقرب للأجيال الشابة ودعاة
التغيير في الحركة ... وبالكثير من الضغوط العربية
والتمنيات الفتحاوية سحب مروان البرغوثي ترشيحه شرط عقد
المؤتمر السادس لحركة فتح واعادة تشكيل اللجنة المركزية لحركة
فتح و التحرك للإفراج عنه ... ولكن شروط البرغوثي لم تنفذ
وربح أبو مازن الرهان وبقي الفتحاوي الوحيد في مواجهة
مرشحين مستقلين ضعاف في ظل مقاطعة حركة حماس ، ورغم ذلك لم
يفز ابو مازن إلا بأغلبية ضعيفة ضمن مشاركة متدنية عكست قوة
مقاطعة حركة " حماس " .
لكن انتخاب ابو مازن لم يمكنه من حيازة السيطرة في مواجهة
حقبة عرفات المتشككة بنواياه والقيادات الشابة المتمردة على
صلاحياته ... وحتى إسرائيل والولايات المتحدة التي رغبت
برئاسة ابو مازن بعد شيطنة عرفات لم تعطي ابو مازن البضاعة
الكافية التي تمكنه من تثبيت أركان حكمه ولاحتى مكنته من
مواجهة المقاومة الفلسطينية رغم كونها مصلحة إسرائيلية صرفة
.. ولاحقاً أعلنت إسرائيل مخطط الانفصال عن قطاع غزة بشكل
أحادي وضربت بعرض الحائط التنسيق مع السلطة الفلسطينية ظل
مساندة أميركية منقطعة النظير ...كل ذلك أدى إلى هروب ابو
مازن نحو عقد صفقة مع حركة حماس وبقية الفصائل في ( آذار 2005
) تؤمن له تهدئة فلسطينية لمدة عام مقابل انجاز الانتخابات
المحلية والتشريعية وإصلاح منظمة التحرير لفلسطينية على أسس
تشاورية وتعددية .. وعلى الرغم من تململات فتحاوية من عناصر
الصفقة وتخوفها من فوز كاسح لحركة حماس نظراً لحجم إخفاق
حركة فتح في قيادة السلطة واحتساب الانفصال من قطاع غزة
كمؤشر لنجاح منطق "حماس " في المقاومة... و رغم ذلك إلا أن ابو
مازن وجد في هذه الانتخابات فرصة لضبر عدة عصافير بحجر واحد
فهو يؤكد التزامه باتفاق القاهرة وبشكل آخر يتخلص من خصومه
العرفاتيين والمناكفين .. وبشكل ثالث يحتوي حماس في لعبة
البرلمان ... لكن نتائج الانتخابات التشريعية أتت بعيدًا عن
توقعات الاحتواء والتوريط ، وتشكلت بطريقة قوضت حتى زعامته
ونفوذه السابقين .
وفي مواجهة ذلك حاولت حركة فتح لملمة شتاتها وحل التناقضات
داخلها تارة بتأجيل الانتخابات المحلية في بعض المناطق ..
وتارة بتأجيل الانتخابات التشريعية .. وتارة أخرى بالتلاعب
في النظام الانتخابي ... ولكن كل هذه المحاولات لم تحل دون
مواصلة حماس لتقدمها المستمر على الرغم من الحملة الإسرائيلية
المقابلة لها .
في غمرة ذلك حاولت حركة فتح انجاز انتخابات داخلية أو ما
أطلق عليه جزافاً ( البرايمرز ) كبديل سريع عن عقد المؤتمر
السادس إلا أن هذه الانتخابات صعدت الأزمة الفتحاوية الداخلية
بدلا ًمن حلها بالنظر إلى حجم التزوير الممارس فيها من جهة
وتحكم العصبية العائلية والمناطقية فيها ، دلالة على عجز حركة
فتح حتى في تحديد هوية المنتمين لها ... بالنظر إلى عضويتها
المفتوحة ومبادئها الغامضة وسيطرة أصحاب المصالح والنفوذ في
قرارها وبالتالي امتلاكهم الأدوات اللازمة لتجنيد العناصر
والفوز بمناصب الحركة العليا ... ثم ازدادت الأزمة تجذراً
بعد إلغاء الرئيس ابو مازن لنتائجها ممّا أدى إلى تبلور قائمة
مقابلة للقائمة التي أقرتها اللجنة المركزية لحركة فتح ...
ومرة أخرى كان البرغوثي خصم الأمس خصم اليوم فمن جهة هو من
رشحته اللجنة المركزية كرقم واحد للتحايل على نتائج (
البرايمرز الفتحاوي ) وهو ذاته من قاد بمعونة العقيدين جبريل
ودحلان قائمة مقابلة ومضادة ... نتاج ذلك اضطر الرئيس ابو
مازن إلى محاورة القائمة الفتحاوية المنافسة للقائمة
الفتحاوية الرسمية والخروج بتسوية أدت إلى انجاز قائمة
تلفيقية بين القائمتين أكثر منها حلاً للازمة الداخلية
المستعرة .
حكومة حماس
أدت الانتخابات التشريعية على الرغم من المخاض العسير
لإجرائها إلى تأكيد قوة نفوذ حركة حماس من جهة وإبراز عمق
الأزمة الفتحاوية الداخلية وحجم السخط الشعبي عليها في الجهة
المقابلة . وعلى الرغم من تهديدات ابو مازن بالتنحي في حال فوز
حماس هروباً من تحميله نتائج الانتخابات إلا انه تراجع عن ذلك
بفعل الضغوط الأميركية والفتحاوية ، مؤكدا مرة أخرى انه صمام
الأمان لبقاء أزمات حركة فتح تحت نار هادئة .
لكن لما لم يكن بإمكان ابو مازن تجاهل الفوز الساحق الذي
حققته " حماس " وحاجته للانقلاب عليه بشكل غير مباشر وهادئ
.. وحتى لايؤدي ذلك إلى التفاف اكبر حول حماس ، فقد تم تكليف
"حماس " بمسئولية رئاسة الوزراء مكبلة بالشروط والتحذيرات
الرئاسية ، و الضغوط الدولية والداخلية لتعرية صلاحياتها
وإفلاس خزينتها وسيطرة الكادر الفتحاوي على هياكلها .
بالرغم من كل ذلك إلا أن تولي " حماس " الحكومة يساهم بقدر
ما بإضعاف حركة فتح ؛ وحتى المؤامرات الفتحاوية الخفية
لإسقاط حكومة " حماس " ، فإنها ستزيد هي الأخرى من التعاطف
الشعبي معها ناهيك عن فضح ممارسات الفساد السياسي والإداري
والمالي الذي كانت تمارسه حركة فتح في السلطة .
بالعموم يمكن تفشيل حكومة " حماس " وعودة حركة فتح إلى السلطة
جراء انتخابات جديدة قريبة أو نتاج قرارات رئاسية وتدخلات
إسرائيلية وضغوط أميركية ... إلا أن هذا لا يعني البتة إن
أزمة حركة فتح قد جرى حلها.. بل ربما تكون قد بدأت للتو ...
لان الانتخابات التشريعية رفعت أصوات المطالبين بإصلاح الحركة
من جهة ، وكشفت المتسلقين المستولين على قرارها ، كما أن
استمرار الحال في ظل مصادرة شرعية "حماس " والتحايل على ثقتها
الشعبية سيؤدي بالقطع إلى ضعف شرعية المتنفذين والمستفيدين
الحاليين في حركة فتح وتصدع الجبهة الفتحاوية ومن حولها .
بنيوية الأزمة
مما تقد يتبين لنا أن حركة فتح مأزومة بشكل بنيوي ولا يمكن
إصلاحها ،.. ويمكننا تشخيص هذه الأزمة المستفحلة في أربع
محاور :
- الأزمة الفكرية
: فحركة فتح على الرغم من مرور كل هذه السنين على انطلاقتها
إلا أنها لم توضح بشكل جلي ونهائي الأسس الفكرية التي تستند
عليها في تحرير مواقفها ، وعلى الرغم من إشارات كثيرة على
علمانية الطرح والأفكار إلا أن حالة التدين الشعبي الفلسطيني
تحول دون إفصاحها ، وهذا يبقي حركة فتح مأزومة في التعبير عن
ذاتها ووجودها .
- الأزمة السياسية :
فان كانت الأزمة الفكرية مستبطنة في تداعياتها إلا أن الأزمة
السياسية لايمكن إخفائها او الحد من أثارها... فالثوابت
السياسية لحركة فتح التي انتقلت من التحرير الشامل مرورا
بالقبول بقرارات الشرعية الدولية إلى قبول اتفاقية أوسلو ثم
خارطة الطريق .. كل ذلك يؤكد العجز الفتحاوي عن تحديد ماهية
هذه الثوابت ، ورغم أن عنوان هذه الثوابت ارض 1967 إلا انه
لايبدو منطقياً هذا الثابت وادعاء إمكانية التفاوض مع إسرائيل
في ضوء أن إسرائيل لاتخفي نواياها كما لايمكن تجاهل أفعال
جرافاتها في الأرض الفلسطينية والتي تنفي أي إمكانية للحل أو
التسوية .. هذا التناقض يطرح ذاته بقوة كل يوم على حركة فتح
التي يتمسك المتنفذون فيها برفض المقاومة وبالمقابل يتمسكون
بالتفاوض دون طائل .
- الأزمة القيادية : من
الواضح فشل ابو مازن في الإمساك بتلابيب القرار الفلسطيني ،
وتحولت جرعته الديمقراطية من احتواء حماس إلى سيطرتها الجزئية
على مقاليد السلطة وبالتالي اصطدامها الحتمي معه .. وفي ذات
الوقت بقيت مراكز القوى داخل حركة فتح مترصدة لبعضها ..
ويتصاعد حضور وأداء المقاومة الفلسطينية ، وتمضي إسرائيل في
أجراءتها الأحادية مسلحة بالدعم الأميركي الكامل .. في ضوء
كل ذلك فان الضحية لهذه التضاربات سيكون بالقطع ابو مازن الذي
فشل في مهمته بنظر الجميع فلاهو قادر على وقف المقاومة ولاهو
راغب في حسم تيار فتحاوي لصالحه خوفاً من الآخر ، وهو فعليا
يدير أزمات وينجز توفيقات بين صراعات الداخل وضغوط الخارج ،
وسيجد نفسه قريباً خارج دائرة القرار الفلسطيني إما بتغييب
قسري أو هروب طوعي .. وهذا بدور سيعمق أزمة القيادة الفتحاوية
التي كان ابو مازن حلها المؤقت ، ولعل من خلف التسريبات
الإعلامية المتعددة على إطلاق سراح البرغوثي في صفقة ما دلالة
على تفكير الفاعلين الدوليين في حل هذه الازمة في ضوء قناعتهم
على أن حقبة ابو مازن قد قاربت على الرحيل وان السيطرة على
مارد " حماس " أصبحت ضرورية .
- أزمة النفوذ ومراكز القوى :
فمن الواضح أن بقاء هيكل السلطة الوطنية لدى حركة فتح أصبح
هدفا أكثر منه وسيلة لأنه التعبير الأوحد عن مصلحة تجمع كادر
حركة فتح ومشروعها السياسي ، ولاشك أن منازعة "حماس " لهذا
الحق بفعل الانتخابات التشريعية أدى إلى اضطراب فتحاوي ،تأكد
فيه أن بقاء حركة فتح وتمسكها بهذه الهيكلية الخاوية من
المضامين السيادية وحتى السلطوية هو قارب النجاة الوحيد لبقاء
المال والنفوذ الذي تشتري فيه الحركة التماسك المؤقت ومنع
التشرذم ... ولكن مشروع السلطة لايمكنه الاستمرار شعبياً بعد
الالتفاف على شرعية حماس بقصد إفشالها ، كما لايمكنه الاستمرار
سياسياً بعد تطبيق( اولمرت ) لخطة التجميع والانطواء ... عندها
سيكون سقوط السلطة محتوماً وان بقيت مظهراً لأنها ستصبح من حيث
لاتدري أو تدري وكيلاً للاحتلال وهذا ما لايقبله منطق الشعوب
فضلا عن التاريخ .
الأفق
كل هذه الإرهاصات والتباينات وما خلفها من تداعيات لها
ارتباط مباشر في مستقبل حركة فتح وزعامتها الضعيفة بقيادة ابو
مازن ، والتي ترتبط مباشرة بالمفاعيل الإسرائيلية والأميركية
والى حد ما المؤثرات الأوروبية والعربية ... وبقياس كل هذه
المفاعيل لا تمكن المتنفذين والمستفيدين من حركة فتح من تسويق
أي طرح سياسي ذا قابلية ولو جزئية لان (إسرائيل) ليس لديها
أية حلول جدية وهي ذاهبة حسب مخطط معلن يقيم خلالها دولة
للمستوطنات وينهي خلالها أي آفاق لدولة فلسطينية ذات سيادة
بدون قدس أو لاجئين ، وعليه فانه لن يبقى لسلطة فتح إن جرى
مصادرتها من حركة " حماس " سوى الشئون الإدارية والاستفادة من
ميزات النفوذ والمال ... كل هذا سيعجل في ظهور انشقاق حركة فتح
بين ثلاث تيارات :
v
فمنهم من هو ذاهب إلى مقاومة فاعلة أو منصهرة مع غيرها ، وقد
اثبت تشكل كتائب شهداء الأقصى صحة وجود هذا التيار في أحشاء
حركة فتح ، واستطاعت ان تعمل مع مجموعات عسكرية تابعة لحماس
والجهاد وحزب الله، وتمردت مراراً على قرارات حركة فتح وزعامة
السلطة حتى إبان سلطة عرفات القوية .
v
تيار ثاني ذاهب إلى تسوية متطرفة وهي فعليا ليست تسوية بل هي
بصمة فلسطينية لمخطط (اولمرت ) الأحادي مع تحسينات في بعض
الرتوش ولذر الرماد في العيون ...، وفلسطينياً لدينا نماذج من
ذلك التساوق أمثلة اتفاقية جنيف التي جرت بشكل غير رسمي بين
ممثلين اسرائيلين وفلسطينيين والتي تنسف فعليا ًحق اللاجئين
بالعودة ، وكذا اتفاق ( ابومازن – بيلين ) الذي ينسف فعلياً حق
الفلسطينيين بالقدس .
v
التيار الثالث هو الذي وجد ذاته معزولاً حائراً بين هذا التيار
وذاك ، فلا هو راغب في التخلي عن طوباوية فتح وأحلامها
الثورية ، لكنه بالمقابل لايمكنه تصور ذاته في عنوان غير حركة
فتح حيث طموحه وأمله ... لأن تسلحه برومانسية الثورة يشده بقوة
من داخله لرفض توجهات التسوية الجديدة، وسنجد الكثير من هؤلاء
المعتزلة متفرقين قد يبقوا فرادى وقد يبنون لأنفسهم توجهاً
يتبنى توجهات فتح الأصلية كحال ( فتح الانتفاضة ) أو معدلا
عنهم كحال ( فتح ياسر عرفات ) في ضوء أن ميراث عرفات السياسي
متناقض حاله كحال حياته ، الذي تجد فيه من يذهب بك يمنة تارة
ويسرة تارة أخرى .
باختصار تستطيع فتح التوحد والعودة إلى الأوج فقط على قاعدة
المقاومة كحال الانطلاق لان عوامله لازالت قائمة وقوية
...ولا يمكننا بصراحة المراهنة على عوامل أخرى في ضوء غموض
حركة فتح الفكري وعجزها السياسي وارتباكها التنظيمي
للإرهاصات الأنفة ... ولذا فالمراهنة فقط على تيار يخرج من
أحشائها أو ينصهر بغيرها ضمن مكونات الاشتباك مع حالة الاحتلال
.. . ولكن للأسف فان هذا سيكون ضمن تفتت قسري وليس كحل طوعي
.. لذا فانه لا يمكننا اليوم الحديث بوردية عن مستقبل فتح مع
فقدانها لذاتيته وارتباطها عضوياً بمشروع التسوية ... ولكن هذا
لا يعني أن ذلك مضر في القضية الفلسطينية فلربما هو جزء من
تعزيز الحقوق وعودة البوصلة حيث يجب أن تكون .
|