من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

ندوة مركز باحث للدراسات

حول

أسباب وتداعيات فوز حماس في الانتخابات التشريعية

25-2-2006

 

عقِدت في مركز باحث للدراسات ندوة مغلقة· حضرها عدد من المختصين والأكاديميين المهتمين بالقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى الوزير السابق الدكتور عصام نعمان، لتحليل أسباب وتداعيات فوز حركة حماس الكبير في الانتخابات التشريعية التي جرت في كانون الثاني 2006.

وقد بدأ مدير عام مركز باحث للدراسات أ. وليد محمد علي الندوة بتعريف بالشخصيات المشاركة فيها، ثم قدم تصوراً عاماً للتطورات التي سبقت وتبعت فوز حماس، مع طرح عدة محاور رئيسية على المشاركين من أجل تحليلها وتقديم أفكار أو تصورات حولها.

 

أ. وليد محمد علي:

النقطة الأولى التي من الممكن أن ننطلق منها هي أن الشعب الفلسطيني اختار حماس، وتقدمت حماس في الانتخابات بناء على برنامج سياسي متناقض إلى حدٍ كبير مع البرنامج السياسي الذي قاد الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ثلاثة عقود، أي منذ أن بدأ برنامج النقاط العشر ورؤية المرحلية السياسية. وفي النهاية نجح شيء آخر. نجح نضال الشعب الفلسطيني، ونجحت مقاومته وانتفاضته في دحر العدو عن قطاع غزة، من دون أي تنازلات. وإذا خرجنا من الإرهاب الفكري الذي كان يمارس علينا، فإن استراتيجية حرب الشعب التي تعتمد على رفع كلفة الاحتلال إلى الحد الذي لا يحتمله العدو ما يجبره على الانكفاء، قد تعيد المصداقية لما كان يطلق عليه في فترة من الفترات بالمد الثوري أو المرحلية الميدانية، إذا جازت التسمية؛ وهذا الطرح يتناقض مع المرحلية السياسية التي تتبع لميزان القوى التقليدية.

هل كل ما ذكرناه يفتح على أفق جديد لقضية فلسطين؟

النقطة الثانية: لقد تفردت حركة "فتح" بقيادة السلطة وبالهيمنة على م.ت.ف موضوعياً، مما أعاق أي محاولة لتطوير المنظمة، ببرامجها أو بهياكلها التنظيمية. وهنا نسأل: هل التوازن الذي حصل إثر الانتخابات بإنهاء تفرد "فتح" وهيمنتها على الساحة، يتيح فرصة لتوليد برامج سياسية فلسطينية تتناسب مع طبيعة مواجهة المشروع الصهيوني في المرحلة الراهنة؟

إن إعادة بناء المنظمة على قواعد تؤسس لمشروع وطني فلسطيني جامع تصب فيه كل طاقات وإمكانات الشعب الفلسطيني، قد تخلق فرصة لإخراج فلسطين من إطار أو يافطة "يا وحدنا"؛ هذه الكيانية الفلسطينية الضيقة، مع أن المشروع الصهيوني يستهدف كل الأمة وليس فلسطين وحدها... نعم توجد فرصة اليوم لأن تعود فلسطين كقضية مركزية للأمة، وليس للشعب الفلسطيني وحده. ألسنا نحن من بدأ بـ شعار "يا وحدنا"، وإن كان لهذا الطرح أسبابه ومبرراته المتداخلة، ولم يكن الحق دائماً على منظمة التحرير؛ فقد لعب النظام الرسمي العربي دوراً كبيراً في هذا المسار. وعليه، هناك فرصة لتعود فلسطين قضية كل الأمة، ولإطلاق مشروع يستقطب تأييد إنساني لهذه القضية في مواجهة العنصرية الصهيونية... ولنأخذ عبرة مما حصل مع عمدة لندن الذي يحوز على ثقة أغلب اللندنيين وقد رأينا ما جرى معه بالأمس·...

واليوم تتفاعل في العالم تيارات مناقضة للعنصرية ولمفهوم العولمة الأمريكية، وليس العولمة الإنسانية، لأننا جميعاً مع العولمة الإنسانية، ولا مواجهة للعولمة الأمريكية إلا بالعولمة الإنسانية.

إذن، هل نستطيع أن نفكر معاً، ولو بشكل أولي، حول إطلاق مشروع يعيد فلسطين كقضية إنسانية في مواجهة العنصرية الصهيونية وكيانها المغتصب لفلسطين؟

بمعنى آخر، هل يمكن التفكير بإطلاق جبهة دولية مؤيدة لقضيتنا، خاصة في ظل مؤشرات مشجعة، مثلما حصل في مؤتمر "دوربان" (جنوب أفريقيا) الذي جمع 3560 هيئة أو منظمة مجتمع مدني، والذي أعلن أن الحركة الصهيونية هي أشد أشكال العنصرية... وحينها اعترض التمثيل الرسمي الفلسطيني والعربي حيث جرى العمل على التخفيف من حدة بيان المؤتمر!

هذه تصورات مطروحة أمامنا للإجابة عليها، ليس فقط من خلال تلك الندوة بالطبع، وهدفنا جميعاً في المحصلة هو الخروج من الأزمة البنيوية التي نعيشها وبالأخص حركة التحرير الفلسطينية... وعليه نبدأ بمناقشة المحورين الرئيسيين المحددين سابقاً:

1-       تأثير فوز حماس على مستقبل فلسطين.

2-        تأثير تقدم حماس الشعبي والسياسي على المشروع السياسي الفلسطيني، وبالخصوص منظمة التحرير الفلسطينية (تجديدها).

أيضاً، نحن حاولنا من خلال توزيع القانون الأساسي للسلطة وصلاحيات المحكمة الدستورية دراسة واقع النظام الرئاسي الفلسطيني وصلاحيات الرئيس الذي سعى بعد فوز حماس إلى تعزيزها!

وقد حصلت تعديلات من قبل أبو مازن والمجلس التشريعي في مرحلته الانتقالية من أجل الإمساك بالأجهزة الأمنية بشكل محكم، وحتى المؤسسات المدنية الأساسية، وتفريغ بقية المؤسسات من صلاحياتها (مثال وزير الداخلية التي ليست له صلاحيات إدارية بل عملانية فقط!)

في السياق ذاته، أمامنا أيها الأخوة في ضوء التطورات التاريخية الجارية فرصة لإعادة بلورة استراتيجية حرب التحرير الشعبية أو المرحلية الميدانية التي تفتح على أفق استراتيجي، وتسمح بمواجهة سياسة متقدمة مع المشروع الصهيوني، ولو على أسس بعضها يستند إلى قرارات دولية (194-181).

إذن، هل نعود لنتبنى طرح (فلسطين لكل أبنائها، كما كانت عليه قبل المشروع الصهيوني العنصري)، بما يكسبنا المزيد من التعاطف أو الدعم العربي-الإسلامي والدولي، والذي يتزايد تأثيره يوماً بعد يوم، مثلما جرى من تغيير مفاجئ وحاسم للحكومة الإسبانية التي أيدت الحرب الأمريكية على العراق، بحكومة ترفض غزو العراق وتدينه!

مداخلات المشاركين

 

د. عصام نعمان:

النقطة الأولى: ولعلها المدخل الأهم فيما يتعلق بالمواضيع المثارة، هي أن حماس وصلت إلى السلطة من خلال الديموقراطية. وسيكون لهذا الأمر شأن كبير في الحاضر والمستقبل، ليس في فلسطين المحتلة فحسب، ولكن في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي.

إذن، الاستمرار في المقاومة وممارسة الديموقراطية ما عادا نقيضين. وقد صار من الممكن الوصول إلى السلطة من موقع المقاومة، بل يجب الوصول إلى السلطة من خلال الديموقراطية! كان ثمّة استحالة نظرية وعملية في الماضي، والآن أعطت حماس مثالاً واقعياً...

النقطة الثانية: تعهدت حماس –وأتمنى أن تحافظ على تعهدها – بأنها ستبقى مقاومة، وأن السلطة لن تثني عزمها في هذا المجال، مدلّلة على ذلك بأنها ليست بصدد التخلي عن ميثاقها وعن مواقفها، لاسيما ما يتعلق منها بالاعتراف بـ"إسرائيل".

لكن؛ هل تتجه حماس ذات الاتجاه الآن؟

كنت كتبتُ مقالاً –غداة انتصار حماس المدوّي في الانتخابات- بعنوان (وربما من العنوان يفهم المضمون): "معادلة التوافق الفلسطيني، حماس لإصلاح الداخل وعباس لمفاوضات الخارج"، والخارج يشمل إسرائيل. وأعني بذلك أن هدف حماس الأساس من وراء خوضها المعركة الانتخابية كان مزدوجاً: إصلاح الحاضر الفلسطيني على جميع المستويات للقضاء على مؤسسة الفساد، لأن الفساد أضحى مؤسسة في ظل السلطة الفلسطينية وسيطرة فريق معين من فتح عليها، وبالتالي تعزيز مؤسسات المجتمع المدني.

وهناك هدف آخر، وهو لجم الفئة الحاكمة الفلسطينية وثنيها عن الاستمرار في سياسة التنازل أمام العدو، وهذا كله ناجم عن اتفاقات أوسلو. الآن، ماذا ستفعل حماس بعد أن كلّف أحد أركانها بترؤس الحكومة؟ هل سيجر ذلك حماس إلى تراجعات تكتيكية فيما يتعلق بالأمرين الأساسيين وهما:

1-       رفض الاعتراف بـ إسرائيل.

2-       رفض التفاوض مع إسرائيل.

طبعاً يجب أن ننتظر، فالتخمين هنا ليس له فائدة. إنما يجب التأكيد على حماس أن بإمكانها أن تكون السلطة وفي المقاومة معاً، من دون أن تتولى مباشرة زمام السلطة. وأعتقد أنه ليس من الضروري أن يكون رئيس الحكومة من حماس؛ فمن الممكن أن تتوفر شخصية فلسطينية قيادية قريبة من حماس بصورة عامة، والإتيان بوزراء من أهل العلم والكفاءة والوطنية والالتزام ببرنامج وزاري يمثل أهداف الحد الأدنى والمدى القصير... وعليه؛ لماذا الإصرار أن يكون رئيس الحكومة حماسياً؟ وبالتالي نطرح التساؤل: هل ستتأثر حماس كمنظمة مقاومة بهذا الموضوع؟ أعتقد أنه سيؤثر لكن أرجو أن أكون مخطئاً.

النقطة الثالثة: ضرورة النظر إلى انتصار حماس في إطار عربي وإطار إسلامي، ذلك أن انتصارها هو وليد تطور أعتقد أنه تاريخي في المنطقة، منطقة الوسط الإسلامي: "وجعلناكم أمة وسطاً". وتمتد هذه المنطقة من موريتانيا في الغرب إلى ماليزيا في الشرق.. ومن الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفياتي السابق في الشمال حتى بلدان القرن الأفريقي الإسلامية في الجنوب، إذن؛ ثمة تطور تاريخي حدث، والرئيس الأمريكي كان صادقاً في التعبير عن هذا التطور حين قال: "نحن في حرب أو صراع مع الإسلام الراديكالي"، أو إن الإسلام الراديكالي متفشٍ في كل أنحاء منطقة الشرق الأوسط الإسلامية؛ ولكن ليس من قبيل المبالغة بأن أمريكا على وجه التحديد هي في صراع الإسلام ككل... وبصرف النظر عن مقادير الراديكالية والسلفية، في هذا الاتجاه، فالواقع هو أن الولايات المتحدة في صراع مع الإسلام ككل، إذن؛ لا يمكننا أن نقتصر في تحليلنا على ظاهرة انتصار حماس في فلسطين بالحديث فقط عن شروطه أو عناصره الداخلية،... هناك بعد عربي وإسلامي لا يمكن إنكاره وله دور كبير فيما حصل.

النقطة الرابعة: منذ العام 1948 تاريخ زرع "إسرائيل" في قلب أمتنا العربية... من أجل الفصل بين عرب المشرق وعرب وادي النيل، أصبحت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب

في الواقع؛ كانت القضية المركزية بالنسبة للقوى الثورية (الراديكالية الجادة سواء كانت قومية أو إسلامية). أما بالنسبة للحكومات، فقد كان الالتزام بالقضية نوعاً من المجاملة الرسمية، ولا يوجد بلد عربي أو حكومة عربية تصرفت على أساس أن القضية الفلسطينية كانت قضية الإسلام... ربما فقط مصر في عهد عبد الناصر؛ لكن منذ ما بعد حرب الـ 67 وصولاً إلى يومنا، أخذ هذا المفهوم بالتدهور التدريجي حتى في طروحات وشعارات القوى الراديكالية، والسبب هو أن قضايا أخرى نشأت في العالم العربي والإسلامي على قدر كبير من الأهمية.

اليوم توجد مشكلة في لبنان؛ وفي سوريا؛ وفي العراق (خاصة بعد احتلاله)؛ كذلك في إيران بعدما تصدى الغرب الأطلسي (الأوروبي والأمريكي) لمحاولة الإيرانيين امتلاك القدرة النووية وليس بالضرورة الأسلحة النووية، مع أن القدرة تقود إلى ذلك... وهناك أزمات في السودان وأفغانستان وباكستان؛ هناك قضايا منبعها هذه البلدان، لكنها تفيض بمدلولاتها وآثارها على بلدان عربية وإسلامية أخرى.

 كل ما ذكرته أضعف من مركزية القضية الفلسطينية، على الأقل حسب سلوكيات الحكومات، وربما أيضاً تأثرت المنظمات الراديكالية العربية والإسلامية. وليس من قبيل المبالغة القول الآن: إن الصراع العربي-الصهيوني يتحول ميدانياً إلى صراع إسلامي-صهيوني وبداخله دور كبير لإيران. وقد عبّر بوش بصراحة عن هذا الأمر حيث قال: نحن في حرب مع الإسلام الراديكالي". وأنا أقول إنه في حرب مع الإسلام كله. وبالتالي، فأي نظرة إلى مستقبل أداء حماس (وغيرها) في الساحة الفلسطينية وغير الساحة الفلسطينية كأداء حزب الله في لبنان مثلاً، يجب أن تأخذ بالاعتبار واقع تطور الصراع والمجابهة والمواجهة مع الولايات المتحدة باعتبارها رأس الإمبريالية العالمية. يجب أن نأخذ بالحسبان أن الإسلام ككل أصبح في صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية.

د. محمد النابلسي

المسألة بالنسبة للداخل هي مسألة خيار استراتيجي وليست مسألة فصائل... زعامة أو غيرها. ضمن هذه الممانعة، يجب أن نفكر بلقاء حماس وفتح وغيرها بما لا يتعارض مع مشروع الممانعة. لكن، هل وصول المقاومة إلى السلطة يشمل مطلق أشكال المقاومة؟ إن تسلّم حماس للسلطة هو استدراج وخطوة على طريق استيعاب الحركة. من هنا؛ فإن فوز حماس هو فوز صعب...

النقطة الثانية: أن نستذكر دوماً أن الاحتلال الإسرائيلي هو استعمار استيطاني، ولا يمكن مقارنته بالاستعمار العابر. هناك شعب يهودي لديه طموحات توسعية جاء واحتل الأرض وأصبح مقيماً.

نحن نعرف أن الاستراتيجية الأمريكية من أجل قبول شن الحرب هو تحديد نهايتها. نحن لا نريد خوض حروب غير منتهية؛ بينما على الصعيد الإسرائيلي، الهدف هو جعل الحرب غير منتهية، باستمرار الحرب. وبالتالي، الاستعمار التقليدي منهجياً لا ينطبق على الاستعمار الإسرائيلي.

النقطة الثالثة: بمقاربة موضوع حماس أقول إن اتفاق أوسلو أعطى غزة (لعرفات) بهدف إشعال حرب أهلية فلسطينية. كانت غزة قضية متفجرة لعرفات عبر أوسلو... ولأجل نزع الفتيل كان مشروع المعارضة السياسية؛ يعني أنه من خلال السلطة الفلسطينية، الفلسطينيون في الخارج كانوا يعيشون في فنادق خمس نجوم، ويتمتعون بتبرعات المقاومة، ونحن (فلسطينيو الداخل) الذين قاومنا وتعرضنا للقتل والحصار لم نحصل على شيء؛ ولا شك أن حماس تصرفت بطريقة عاقلة بخصوص معارضة أوسلو؛ أما بخصوص الفساد في المؤسسات، فقد فوجئت أن مؤسسة تحتاج لعشرين موظفاً تبين أن فيها سبعين موظفاً، وأكثر من ثلثي الميزانية تذهب رواتب لموظفين هم في الواقع لا يعملون!

النقطة الرابعة: منهجية أيضاً، تتخطى المصطلحات، وهي مسألة الإسلام الأصولي. الإعلام الغربي واجهنا بمسالة الإسلام الأصولي... الآن الأصولية ليست تعبيراً للاستعمال. والمؤسف أن هذا خطاب الاستعمار لأن الإسلام هو قضية إيمانية؛ الإسلام يعني: تؤمن أولا تؤمن... إذا كنت مؤمناً فعليك أن تقيم الفرائض، وهذا لا يعود للإسلام الأصولي. ويمكن أن نستعمل تعبيراً آخر غير أصولي أو راديكالي.

النقطة الخامسة: حين كان أخي حميدي بالكفاح العربي نشرت عنده مقالاً بعنوان "حلف بغداد حياً" في 26/4/1999، حيث أخذ كلينتون قراراً بتجديد استراتيجية الأطلسي، ونبشت وقتها فكرة تبديل العدو الاشتراكي (الشيوعي)، وترك حلف الأطلسي يقوم بدور أكبر لمواجهته!

ولإيجاد موضوع من أجل استمرار الحلف الذي لديه مصالح متجددة، تحول حلف الأطلسي من دفاعي إلى هجومي، وأصبح قرار تدخله في كل دول الشرق الأوسط بناء على قرار 26/4/1999. ورأينا في مراحل لاحقة أن قرار التدخل تحول من أطلسي إلى أمريكي.

إذن؛ أنا متفق مع د. نعمان بمجمل طرحه، ولكن عبر هذه النقاط المنهجية أردت أن أبيّن أننا في أزمة. يعني ما حصل ليس نصراً كاملاً. تجربة حزب الله في لبنان؛ إن الحزب لم يصوّت على الثقة لصالح حكومات ما بعد الطائف لغاية اغتيال الحريري، كما وضع نفسه خارج الممارسة العملية للسلطة... وعلى الأقل في المرحلة الانتقالية، أقترح ألا تباشر حماس ممارسة فعلية للسلطة!

 

د. ساري حنفي:

أنا أرى أن موضوع الديموقراطية هو أهم نقطة بانتصار حماس في فلسطين، لأنه لأول مرة في تاريخ المنطقة يوجد حزب إسلامي يشارك في السلطة. فتح فعلاً كانت حزباً قائداً.

في الحقيقة؛ إن ما حصل في فلسطين مهم جداً ويشجع على التغيير في المنطقة إذا كانت هناك ديموقراطية حقيقية فعلاً.

أيضاً هناك أمر مهم هو أن حماس حازت على 42% من أصوات الشعب الفلسطيني، وهذا يثبت أن هذا الانتصار هو انتصار حرج؛ أي بمعنى أن فتح التي دخلت بعشر قوائم، أو بالأحرى (فتح ومستقلين)، لو أعادت ترتيب أوراقها، كان من الممكن أن تفوز بتحالفها مع جهات ضعيفة. اليسار الفلسطيني ضعف كثيراً؛ أبو مازن أيضاً انتصر لكن ضمن لعبة ديموقراطية؛ بمعنى ضمن مفهوم تبادل السلطة، أي إنه في أية لحظة يمكن أن يسلّمها إلى طرف آخر.

أعجبتني فكرة د. النابلسي: أمام حماس معضلات، ولا نقول تناقضات.

·          المسألة الأولى: إن فضل نجاحها بالانتخابات يعود إلى لعبة الليبرالية الديموقراطية. إذن، هناك قوانين معينة للعبة يجب احترامها.

·          المسألة الثانية: إن حماس نجحت ضمن نظام دولي ونظام علاقات دولية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.

تقريباً؛ لم يعد هناك إمكانية للتعامل مع جهات غير حكومية. ولهذا لا مجال للمقارنة بين مفاهيم حركات التحرر الوطنية والمفاهيم الدولية...

أنا أقدّر أنه عاجلاً أم آجلاً سوف تكون هناك دولة فلسطينية، لأنه ضمن العلاقات الدولية الجديدة يجب أن تكون هناك دائماً أطر رسمية للتعامل. إذن؛ هنا تطرح النقطة التي أثارها، د. نعمان ود. نابلسي: ماذا نفعل بالمقاومة؟ أي أنه ضمن منظومة علاقات دولية؛ هل نستطيع القيام بالسلطة والمقاومة بنفس الوقت؟

لكن دعونا نعود إلى أهم نقطة: لماذا بدأت بالقول بأن النظام الليبرالي الديموقراطي هو الذي أنجح حماس؟! لأنه ضمن الليبرالية الديموقراطية هناك بعض المفاهيم: حرية الفرد، حق الإنسان في الحياة، وبالتالي تحريم قتل المدنيين أثناء الحرب، ضمن قوانين حقوق الإنسان والأعراف العالمية الإنسانية.

وهنا يطرح سؤال كبير هو: كيف تكون المؤسسة في السلطة (الدولة) ويكون في بعض أشكال مقاومتها قتل مدنيين؟

أنا لا أحكم، هذا جيد أو غير جيد... لكني أقول فقط بأنه توجد معضلة! لقد كنت في فلسطين، وعايشت كل سنوات الانتفاضة، وأعرف بأن عمل المقاومة هو ضمن إطار محدود جداً من الشعب الفلسطيني. هناك طبقة وسطى فلسطينية لو لم تقمعها "إسرائيل" لا أعتقد أنها كانت ستتحرك. لقد تحركت رام الله حين قطعوا جامعة بيرزيت. لاحظوا الطبقات الوسطى المرتبطة بالجامعة.

إذن، مع الأسف، هناك مجالات كثيرة للمقاومة في فلسطين لم تفعّل من حماس ولا من فتح ولا من أحد آخر... وهناك مثال على ذلك وهو المقاطعة، وبشكل أساسي مقاطعة البضائع. لقد درست كمية استهلاك الفلسطينيين من البضائع "الإسرائيلية"، فقد نقصت خلال الانتفاضة بنسب صغيرة جداً، وهي نفس النسب التي نقصت من المداخيل، بمعنى أن مدخول شخص ما كان ألف دولار والآن صار خمسمئة دولار!

لذا أرى أن المقاطعة مهمة جداً، وهناك طرق كثيرة للمقاومة. نحن نستطيع أن نقاوم بالتعبئة أو عبر عمليات عسكرية معينة موجهة ضد الجنود وغير ذلك، ولا نختزل المقاومة بصاروخ قسام.

بالنسبة للمقاطعة داخل فلسطين، فقد تشكلت هيئة لدراسة تأثيراتها وكنت عضواً فعالاً فيها. حددنا أربع أو خمس مواد أساسية مثل (حليب الأطفال).كانت تأتي من إسرائيل! وما حصل في قضية "الكرتون" الدانماركي أكد بأن الورقة الاقتصادية هي ورقة هامة جداً، لكننا مع الأسف حتى الآن لم نستخدمها، خاصة إذا كانت هناك بدائل.

أنا متفق مع الأخ وليد حول قضية "يا وحدنا"، وأنا أرى أننا إذا فعّلنا جهودنا لإعادة ثقة الشعب العربي فينا كفلسطينيين يكون الوضع أفضل. وهناك أيضاً نقطتان:

النقطة الأولى: هناك معضلة كبيرة الآن باعتبار أننا تحدثنا عن تغيير في كل المنطقة بسبب تحولات عالمية معقدة. وهذه المعضلة فيها سيناريوهان:

الأول إن حماس قدّمت نموذجاً بأنه توجد إمكانية للمسلم كي يغيّر في بعض قواعد اللعبة عكس ما يرغب حاملو المشروع الديموقراطي أو حاملو مشروع الإصلاح السياسي في المنطقة من أنصار الإمبريالية الأمريكية. في نفس الوقت؛ هناك مشكلة الفرز الذي ما زال يحصل على المستوى العربي، الفرز "بطريقة" صراع الحضارات. أي بمعنى ما وجدناه في قضية "الكرتون" الدانماركي، حيث اكتشفنا بأن أغلب الحكومات الأوروبية، وحتى الجيدة منها صارت مع اليمين المتطرف..

إذن؛ هناك فرز بهذا الاتجاه... وهناك تحدٍ كبير أمام حماس والحركات الإسلامية في العالم العربي لأنه إلى حد ما يهمهم هذا الفرز. ممكن أن يكون هذا الفرز حالة مغلوطة، وقد لا يكون علينا السير باتجاه هنتنغتوت وصراع الحضارات.

الثاني: أمام حماس رهانات كبيرة جداً، سياسية واقتصادية واجتماعية. وأنا أرى أن خطاب حماس حتى الآن (وربما كنت مخطئاً) غامض على المستوى السياسي، أي بمعنى: إننا سنكون جزءاً من أوسلو، ونحن لن نعترف بـ "إسرائيل"!

وعلى المستوى السياسي-الاجتماعي، ربما يكون طرح الحركة قريبً من شعارات الإخوان المسلمين بأن الإسلام هو الحل...

أمام حماس مهمة توضيح ماهية مشروعها الاقتصادي والاجتماعي الذي ستحمله في المنطقة، وخاصة في منطقة غير متدينة، فغالبية الناس في الضفة الغربية غير متدينين!

النقطة الثانية هي الموضوع الاقتصادي، وهو السؤال الكبير الذي يواجه حماس حالياً!

د. طلال عتريسي:

أود الحديث فقط حول التحديات التي أعتقد أنها تواجه حماس. وهي مجموعة تحديات لم أرتبها حسب الأولوية:

التحدي الأول: كيفية الجمع بين (حماس كمقاومة وحماس كسلطة). هناك تجربة لبنان، لكنها تواجه الآن ضغوطاً كثيرة، والمطلوب من المنظمات الإسلامية أن تدخل في السلطة، وهذا ليس إشكالاً بسيطاً؛ فالمطلوب هو وقف المقاومة، وقد كان هناك عرض أن يدخل حزب الله السلطة، وأن يصبح حزباً سياسياً... ظروف حماس طبعاً مختلفة ومعقدة، وأعتقد أن هذا أبرز تحدٍ. فخطاب حماس غير واضح، حول كيفية تصرفها تجاه هذه المشكلة، وجمعها بين الأمرين. إذا قررت الجهاد الإسلامي على سبيل المثال أن تنفذ عملية عسكرية، كيف تتصرف حماس وهي في الحكومة؟ هل تمنع أو لا تمنع ؟ تدين أو لا تدين؟ هذا غير واضح!

تقول حماس بأنها لن تدين ولن تمنع، وأنا أقول إن هذا تحدٍ ولا أسمّيه أزمة. المهم أنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة الأزمة.

التحدي الثاني: بفوز حماس في هذه الانتخابات الديموقراطية قدّمت هذه الحركة الإسلامية نموذجاً لكل التنظيمات الإسلامية في العالم بأن الإسلاميين يمكن لهم أن يصلوا من خلال المقاومة إلى السلطة أيضاً. هذا نموذج ستحمل حماس مسؤوليته، وهذا على المستوى الإسلامي العام؛ أما على المستوى الفلسطيني، حماس أيضاً قوة فلسطينية قدمت بديلاً عن فتح، وهي تتحمل مسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني مباشرة، خصوصاً أنها طرحت على نفسها ثلاث مسائل في برنامجها الانتخابي: الإصلاح والتغيير والمقاومة. يعني أن قسماً كبيراً من الذين انتخبوا حماس (من الشعب الفلسطيني) أرادوا هذه العناوين. كيف ستحفظ حماس هذه الشعارات التي انتخبها الشعب الفلسطيني على أساسها؟

التحدي الثالث: وهو الوضع الداخلي الفلسطيني، ليس فقط فيها يتعلق بالمقاومة، حتى في موضوع الإصلاح، يعني هل تستطيع حماس أن تقتلع الفساد من داخل المؤسسات؟ هل هذا ممكن؟ ونحن نعرف أنه عندما يعشعش الفساد توجد مراكز قوى، يمكن أن يصل معها الأمر إلى حد القتال للدفاع عن مواقعها وامتيازاتها!

لقد حصلت خلال السنوات الماضية عمليات قتل واغتيالات في فلسطين. هل هذا يمكن أن يجرّ حماس إلى مشكلة كبرى بمواجهة المتنفذين الذين لديهم مراكز قوى أمنية أو سياسية أو اجتماعية؟ لا نعرف ما إذا كانت حماس ستواجه كل ذلك دفعة واحدة، أم تدريجياً؟ أو بالتأجيل؟

التحدي الرابع: له علاقة بالوضع العربي-الإقليمي، ويتمثل في أن جزءاً من واقع حماس هو الاحتضان العربي، الرسمي أيضاً، وليس فقط من الشعب اللبناني (كمقاومة). كذلك يوجد احتضان إيراني لحماس كمقاومة. حماس اليوم في السلطة ونحن نعرف أن البعد العربي الرسمي يريد التسوية ويسعى لإنجاحها. كيف يمكن أن توفق حماس بين الحماية أو الرعاية السعودية-المصرية لها والتي تريد التسوية، وبين الحماية أو الرعاية السورية-الإيرانية التي ترفض التسوية؟ هذه معضلة كبيرة، وأنا أقرأ هذا الأمر تحدياً أو تعقيداً من التعقيدات المطروحة على حماس.

وأخيراً؛ أعتقد أن المجتمع الدولي أخطأ بممارسة الضغوط على حماس (يجب أن تفعلوا كذا وكذا)، لأن هذه الشروط تنهي حماس. فالاعتراف بـ"إسرائيل" ووقف المقاومة والموافقة على اتفاقيات أوسلو يقضي على حماس أو تصبح حماس مثل فتح (أو أي تنظيم آخر). لكن أنا لا أعتقد أن الأوروبيين سوف يقطعون علاقتهم بحماس؛ ورغم كل هذه الظروف، يبدو أنه ما زال لديهم قنوات اتصال مع حماس.

أ. محمود العلي:

الحقيقة، لدي سؤالان أو مسألتان:

السؤال الأول: هل ما يحصل هو صراع الداخل مع الخارج؟ فالحركة الفلسطينية نشأت في الخارج. وحماس بالأساس بدأت من الداخل، وخصوصاً أن منظمة التحرير والفصائل الوطنية حتى هذه اللحظة لها نفوذ ووجود في مناطق الشتات أكبر من حماس؟

هذا السؤال له علاقة أيضاً بانتهاء دور الحركة الوطنية الفلسطينية ضمن الإطار الذي كانت فيه سابقاً!

هناك صراع بين الداخل والخارج وهو في الحقيقة أحد الأسباب، فالفساد لم يبدأ مع دخول السلطة فقط، بل كان موجوداً قبل دخول السلطة. وبالتالي من هم في الخارج التحقوا بما هو موجود أصلاً.

"قصة" الفساد كانت موجودة بمعظمها في (م.ت.ف). والجميع يدرك كيف كانت العلاقات الداخلية وغيرها. ولا أتكلم فقط عن الفساد المالي إنما أتكلم حتى عن الرؤية والعلاقة مع الأطراف السياسية ومع الناس... وشراء الذمم، كانت هذه الظاهرة معممة في الخارج ثم انتقلت إلى الداخل.

حماس انتصرت الآن. هل هذا الانتصار يعني أن الحركة الوطنية الفلسطينية بمفهومها الذي نعرفه أصبحت ملحقة بالتيار الإسلامي في الداخل؟ هذا السؤال ينبغي الإجابة عليه.

السؤال الثاني: هل فعلاً أن الإرهابيين هم إسلاميون فقط؟ فالولايات المتحدة أو الإمبريالية الغربية، منذ زمن، أي طرف يعارضها في أمريكا اللاتينية أو أفريقيا كانت تقول إنه إرهابي؛ أي إن موضوع الإرهاب ليس جديداً بالنسبة للظاهرة الإسلامية، وكل شكل من أشكال المقاومة كان بالنسبة للغرب إرهاباً ولا زال!

هذا الإرهاب يلبسونه صورة ما، في اللحظة الراهنة هي صورة الإرهاب الإسلامي الذي يسمّونه الراديكالي أو الأصولي... حماس أمام تحدٍ في الداخل والخارج، هذا التحدي يكمن في كيفية إعادة صياغة حركة وطنية فلسطينية جديدة تستطيع أن تكون بمدى عربي ودولي (لأهمية المدى الدولي)، لأن شعارات حماس أيضاً يجب أن تكون مقبولة من العالم وليس مثل القول بأننا (إسلام ويهود). إذا عدنا لهذه القصة معناها أن المشكلة لا زالت قائمة مع العالم كله. لذا يجب أن توضع هذه الأمور أمامنا وأمام حماس كي نفكر فيها.

الموضوع يستهدف الموجودين في الداخل الفلسطيني أيضاً. فهناك ظواهر كثيرة أصبحت معادية للصهاينة ومن داخلهم، وهي تعمل على تطبيق على حق العودة. وحماس- في كل تلك المسائل هي امام هذا التحدي.

وهناك تحدٍ كذلك في المحيط الخارجي مثل الأزمة الموجودة مع السلطة اللبنانية بالنسبة للحقوق المدنية وغيرها. هل تستطيع حماس أن تعالج هذا الملف؟ هذه أسئلة فلسطينية لا بد من أن تكون لدى حماس إجابات عليها بحيث لا تكون إجابات متفرّدة لأنه إذا أرادت حماس الانفراد كما كانت حال فتح، فأعتقد أن مشاكل عديدة ستحصل لاحقاً. الآن حماس لا تستطيع أن تحكم طالما أن لديها برنامج لمحاسبة الفساد. ولكن أيضاً هذا مأزق آخر، وهل تستطيع أن تفعل ذلك وهي ليست في السلطة؟!

هذا سؤال صعب، فهي تقول بأنها تحارب الفساد أينما يكون، وهي مضطرة لأن تكون جزءاً من تركيبة هذه السلطة... ولكن كيف يجددون أشكال الممانعة مع العدو، وكيف يفاوضون أولاً؟

 هذه المسائل ستكون في صلب مسؤوليتهم التاريخية وهم مستهدفون. فـ "الإسرائيليون" يستهدفون "إسماعيل هنية" حتى لو صار رئيساً للوزراء!

 

أ. حميدي العبدالله:

لا شك أن القضية الفلسطينية مرت منذ العام 1948 وحتى اليوم في أربع مراحل رئيسية:

·     المرحلة الأولى ساد فيها رهان على المشروع القومي، ورهان على أن الدول العربية تعمل كقوى موحدة وتحرّك المشروع. لكن انتهى هذا المشروع طبعاً بعد هزيمة الـ 67.

·     المرحلة الثانية بدأت باعتماد الشعب الفلسطيني على نفسه عبر الكفاح المسلح، واستمرت بحيوية كبيرة حتى عام 1974 بعد وضع البرنامج الفلسطيني المرحلي، حيث بدأ في المرحلة الثالثة شعور آخر يطغى على الشعب الفلسطيني والقوى الوطنية الفلسطينية؛ وخلاصة هذا الشعور أن خيار الكفاح المسلّح وصل إلى طريق مسدود، واستنفذ أغراضه بعد المعارك التي حصلت في الأردن وفي لبنان، والحصار المفروض على القضية الفلسطينية وهيمنة ما يسمى الحل الدبلوماسي؛ وخلال تلك الفترة أي من العام 1974 حتى 28/9/2000، ساد هذا التفكير وهيمن على الحركة الفلسطينية العامة حتى لو كانت قوى وطنية فلسطينية أخرى تعارض هذا النهج. إلا أنه سيطر وبدأ يرسم السياسات الرسمية على الساحة الفلسطينية، وكان لديه حضور شعبي حقيقي، لأن صعود هذا التيار كان نتيجة للتجربة السابقة. لكن تجربة ما بين الـ (1974-2000) برهنت لغالبية الشعب الفلسطيني أن خيار المفاوضات والتسوية فاشل، وأن طرح كل الأوراق عند الأمريكيين والدول الغربية "المعتدلة" وصل إلى طريق مسدود.

هنا بدأت المرحلة الرابعة وهي مرحلة العودة مجدداً إلى خيار المقاومة، ولكن هذه المرة على أرض فلسطين حيث الاحتلال. هذه التجربة استمرت خمس سنوات رغم الظروف الدولية والإقليمية السيئة جداً والتي لم يمر مثلها في كل تاريخ القضية الفلسطينية (المعاصرة). فالنظام العربي وضعه معروف بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، ونتائج الغزو الأمريكي للمنطقة أيضاً معروفة!

كل هذه الظروف كانت ضد الشعب الفلسطيني، لكن في تلك الفترة استمرت مقاومة الشعب الفلسطينيين وكفاحه، رغم أنه كان يقاتل وهو أعزل بدون أي دعم، باستثناء الأشهر الأولى حيث حازت الانتفاضة على دعم شعبي عربي. لقد نجح الشعب الفلسطيني باستنزاف "إسرائيل"، وأرغم "الإسرائيليين" لأول مرة على تقديم تنازلات والانسحاب عن أجزاء من أرض فلسطين، بغضّ النظر عن توصيفنا لهذا الانسحاب (من غزة).

 وبالتالي؛ مرة أخرى، وجد الشعب الفلسطيني أن خيار الكفاح المسلح هو الخيار الأسلم، وهو خيار له نتائج وجدوى أكثر من خيار المفاوضات والرهان على الولايات المتحدة الأمريكية أو على "النظام العربي" الحليف لها. في هذا السياق جاء التحول في الساحة الفلسطينية وأول ثماره فوز حماس بالانتخابات التشريعية، فنجد أن الشريحة التي ما زالت تؤيد خيار التسوية لم يعادل فوزها 10% من مقاعد المجلس التشريعي، بينما من هم مع خيار المقاومة سواء من حماس أو فتح أو من الفصائل الأخرى، يشكلون الأكثرية الساحقة.

إذن، هناك تحوّل تاريخي مهم جداً على مستوى الحركة الوطنية الفلسطينية. لكن الأهم أيضاً هو التحول على المستوى الشعبي العام. فحتى لو أخذت حماس نسبة من مقاعد المجلس التشريعي ونسبة الأصوات التي أخذتها، (يعني 44%) ولو كانت فتح موحّدة ودخلت الانتخابات ورفضت الخيارات الأخرى وبقيت على ما كانت عليه، لظهر أيضاً أن الأكثرية ليست مع أوسلو.

بهذا المعنى علينا أن نقرأ القضية الفلسطينية اليوم انطلاقاً من هذا التحوّل على مستوى الشعب الفلسطيني وانعكاسه على الحركة الوطنية...

النقطة الثانية: هناك تحدٍ أول لحماس، وهو الجمع بين أهدافها الاستراتيجية حول تحرير فلسطين وبين أهدافها المرحلية. يا ترى ما هو الأصح؟ هل المرحلية التي تطرح رهناً، أم مرحلية الهدنة طويلة الأمد، بمعنى الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط 4 حزيران/1967 بدون الاعتراف بـ "إسرائيل". ثم بعد فترة طويلة ننظر في مرحلية غير المرحلية التي وضعت عام 1974، أي تلك القائمة على القرار 194، بمعنى عودة اللاجئين وحقوقهم، والقرار 181؛ وحتى لو حصل اعتراف "إسرائيلي" بهذا الثمن يجب الانتظار حتى يعود الفلسطينيون إلى أرضهم، لأن إسرائيل تخشى أن تصبح كياناً مختلفاً. فالمرحلية الحقيقية يجب أن تقوم على الانسحاب إلى حدود ما قبل 4 حزيران 1967، إضافة إلى تنفيذ القرار 194 الذي يلزم "إسرائيل" بإعادة اللاجئين الفلسطينيين وتطبيق القرار 181 أيضاً، فـ "إسرائيل" هي الخارجة على المجتمع الدولي، وبذلك نستطيع مخاطبة المجتمع الدولي.

أعتقد أن هذا الطرح يواجه حماس في الفترة المقبلة لأنه الأنسب لمخاطبة المجتمع الدولي. هناك خطاب يعود للطريقة القديمة وهو بلا فائدة، وخطاب يربط بين المقترحات وبين الهدف؛ فيما يتعلق بالتحدي الأول، هناك سيناريو يفيد بأن (حماس) يمكن أن تجمع ما بين السلطة والمقاومة. وسيناريو آخر فيه أربعة عناوين لما يتعلق بالنجاح؛ فنحن حيث نتحدث عن دولة أو سلطة فلسطينية نتحدث بالمعنى النسبي لأنه منذ بداية الانتفاضة إلى الآن لا توجد دولة فلسطينية بالمعنى الحقيقي. الدولة الفلسطينية (السلطة) موجودة فعلياً على أحياء، وهي غير قادرة كسلطة على ممارسة وظائفها ودورها. بهذا المعنى، هناك إمكانية لإدارة أحياء انكفأ عنها الاحتلال سواء في الضفة الغربية أو في غزة كما تم (نسبياً) في الفترة الواقعة ما بين (2000-2005) خلال الاعتداءات "الإسرائيلية" المتواصلة.

الأمر الثاني: كتائب شهداء الأقصى هي جزء من فتح. وكانت فتح في السلطة. وقد استطاعت أن تجمع بين خيار المفاوضات وبين خيار الكفاح المسلح ما بين (2000-2005). ومن الممكن أن يتكرر هذا الأمر على نحو أكثر إيجابية مع حماس. لكن قد تكون ردة فعل "إسرائيل" أعنف مما كانت عليه في السابق.. وفي الوضع الحالي توجد ثلاثة تيارات في فتح:

1-       تيار يمثله محمود عباس، وموقفه معروف.

2-       تيار ما تبقى من جماعة ياسر عرفات، وقد فازوا في الانتخابات حين تم انتخاب رئيس كتلة فتح النيابية في المجلس التشريعي...

3-       تيار من اتخذوا خيار المقاومة/ كتائب الأقصى.

وأنا أرى أنه إذا أحسنت حماس عملها، وخاطبت التيار الوطني، واستفادت من دروس تجربة تفرّد فتح (والتي كانت نتائجها سلبية جداً)؛ يعني إذا نشأت تحالفات بين حماس وبين هذه القوى الوطنية، وأولها فتح، وتم الجمع بين المقاومة والسلطة، يصبح الوضع أفضل.

الموضوع الرابع من المرتكزات التي تساعد على النجاح أن الشعب الفلسطيني أراد اليوم التغيير من خلال التصويت. ولا نستطيع أن نشبّه التجربة اللبنانية بالتجربة الفلسطينية، فالوضع مختلف. في منطقة الخليل مثلاً، لم ينجح أحد من حركة فتح. وقد جرى استطلاع رأي قبل الانتخابات أكد أن حماس ستفوز بكل الأصوات بسبب التحول في المواقف.

من هنا أقول إن حماس تنجح إذا اعتمدت سياسات رشيدة في القضايا الداخلية، وقضايا الصراع الحزبي، ومكافحة الفساد، وواصلت حملة حقيقية ضده لذلك يمكن أن تراكم حماس لصالحها الكثير وتحديداً في موضوع الوحدة الوطنية؛ فنجاح حماس أو فشلها مرتبط بتقديرها أنها ستظل مع الحركة الوطنية ومع الشعب الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني. فنحن لم نصل بعد إلى الاستقلال. والقضية المطروحة الآن هي أن تستفيد حماس من هذا المكسب في ظل الحرية النسبية الموجودة، والتي تضع القضية الفلسطينية في مسار جديد... على هذا الصعيد أعتقد أن الصورة ليست سوداء؛ فالقضية الفلسطينية مرتبطة بخيارات حماس المستقبلية، أي بقدر ما يكون لدى حماس قدرة على استشراف طبيعة هذه المرحلة واستكشاف أهمية وموقع الوحدة الوطنية على أسس جديدة تكون القضية الفلسطينية قد عادت من جديد إلى ما قبل وضع متاهات التسوية والرهان على المفاوضات. وبقدر ما تستطيع حماس العمل على بناء الوحدة الوطنية ومخاطبة كل فئات الشعب الفلسطيني المسيّسة أو المؤطرة سياسياً، يمكن الانطلاق من هذا الوضع لإنشاء حركة وطنية جديدة، وبالتالي تتجذر هذه الحركة الوطنية في إطار القضية الفلسطينية من جديد... وهناك بالتالي فرصة لعصرنة منظمة التحرير لتأسيس جديد للمشروع الوطني الفلسطيني.

أ. عبد الحليم فضل الله

هناك موضوع أساسي هو أن فوز حماس لا يمكن تثميره فلسطينياً فقط، لأنه في حال كانت هناك محاولة لتثمير هذا الفوز فلسطينياً، يصبح الوصل بين المقاومة والسلطة صعباً. وهذا الوصل قد لا تكون له أشكال واضحة؛ وعليه لا بد من تثمير هذا الفوز ضمن توازنات المنطقة؛ طبعاً ليس بمعزل عن الإطار الوطني لهذا الفوز، لأن الانتخاب يكرس أهمية أن تعبّر القوى السياسية والقوى المناضلة عن ذاتها وطنياً.

لكن وحدانية التعبير الوطني، لخصوصية القضية الفلسطينية، لا يمكن أن تؤدي المأمول إلا في حال تم ترسيم فوز حماس ضمن التوازنات القائمة في المنطقة، لأن الإطار مع وجود اختلال في المنطقة وخارجها،والظروف الموضوعية التي تؤثر في هذه القضية، لا يؤدي إلى النتائج المرغوبة.

إذن؛ هذا التثمير ممكن اليوم، لأننا نواجه مشروعاً أميركياً. وهذا المشروع الأمريكي يجري التعبير عنه بما يسمى "الشرق الأوسط الكبير". هناك في هذا السياق ثلاثة مفاهيم:

المفهوم الأول: إن العملية الديموقراطية قد تشرعن مشروع المقاومة أو تقرّبه من مفهوم السيادة، ولكن العملية الديموقراطية يجب أن تمارس داخلها. بمعنى أن هناك عملية سياسية اليوم ولكنها تدار من الخارج (لبنان). الديموقراطية تؤدي إلى إيجاد ظروف عملية سياسية، لكن هناك شرط أن لا تكون مدارة من الخارج.

المفهوم الثاني: مفهوم الإرهاب. ففوز حماس في الانتخابات، وهي منظمة مصنّفة "إرهابية"، ضرب مفهوم الإرهاب الذي تم إدراجه وإدخاله إلى قاموس المفاهيم الخاص بالقضية الفلسطينية، ولم يتم إدخاله سابقاً بهذا العمق وهذه القوة. وصلنا إلى مرحلة تم فيها، دولياً، تصنيف حركات المقاومة الفلسطينية بأنها حركات إرهابية!

المفهوم الثالث له علاقة بطبيعة الحركة الإسلامية. فهذا الفوز يدل على أن حركة حماس تطورت كثيراً. أي إنها غادرت إلى حد كبير المفهوم الأيديولوجي لتطبيق الشريعة الإسلامية وأصبحت حركة وطنية، أي حركة إسلامية تحولت إلى حركة وطنية، وهذا يقدّم إسهاماً نوعياً للآخرين.

من الآن وصاعداً، سنرى تقارباً وتباعداً في التطبيق بين الحركات الإسلامية. فحتى الحركات الإسلامية، وهي ليست إطاراً واحداً، تاريخياً وثقافياً وأيديولوجياً، تدخل التجربة الوطنية إليها لتعيد صياغتها. وهنا الخصوصية؛ لأننا نتحدث عن حركة إسلامية مقاومة... فنحن نعرف أن الحركة الإسلامية الوطنية لا تعاني من أزمة كبيرة، لكن الحركة الإسلامية المقاومة تعاني من أزمة كبيرة يعبّر عنها في العراق؛ وإن المفهوم "الجهادي" الذي تمارس من خلاله الحركة الإسلامية مقاومتها فيه لُبس كبير.

لقد جاء فوز حماس كي يساعد على حل هذه الإشكالية. فنحن تجاوزنا مفهوم الدين البحت أو الأيديولوجي البحت في الحالة الإسلامية. ونحن في نفس الوقت نضع مفهوم المقاومة ضمن رؤية متوازنة وطنياً مع الأخذ بعين الاعتبار الشروط المحلية والشروط الإقليمية. إن فوز حماس بقدر ما هو تحدٍ هو مأزق أيضاً، ونحن أمامنا فرصة لحل مأزق قائم. في لبنان كان مشروع المقاومة هو المشروع الوطني، والحلول الوطنية كانت سائدة حتى عهد قريب. كانت هناك رؤية وطنية جامعة والمقاومة متموضعة داخلها.

بدأ في لبنان ما يشبه التعايش بين الدولة والمقاومة، وانتهى بمشروع وطني، وهو أن المقاومة موجودة في الداخل. أما في فلسطين، فمنذ عام 1994 حتى اليوم، انتقلنا من التناقض بين السلطة ومشروع المقاومة إلى التعايش. لكننا توقفنا في مرحلة التعايش. يعني؛ رغم أن الانتفاضة مستمرة منذ خمس سنين، لم ننتقل من مرحلة التعايش إلى مرحلة وجود المقاومة والسلطة معاً داخل مشروع وطني. وإحدى الفرص الموجودة أمام حماس الآن، وهذا هو التحدي، ألا تدخل السلطة وهي تحمل مشروع المقاومة فقط، حتى يصبح مشروع المقاومة خاضعاً للقطاع العام. يعني بحسب الانتخابات 44% من الناس مع مشروع المقاومة، لكن 42% ليسوا مع هذا المشروع!

إذن؛ مهمة حماس في هذه اللحظة التاريخية أن تستغل السلطة، ليس لفرض خيارها الخاص للمقاومة، بل من أجل الإسهام في صياغة مشروع وطني يكون وضع المقاومة فيه واضحاً، ما يستدعي تراجعات تكتيكية سياسية. وهذا ينبغي أن يكون خاضعاً لنقاش عميق على الساحة الفلسطينية.

وبينما تصل حماس إلى السلطة وتقدم مشروعها المتكامل، ليس مطلوباً منها تقديم تراجعات بمشروعها الخاص وجوهره إزالة إسرائيل. يمكن أن يكون هناك تكتيك سياسي مضمون، لكن المهم أن "نتساعد" لصياغة مشروع وطني تكون المقاومة موجودة في قلبه، ومن الممكن أن تعبّر عنه وتفتح له آفاقاً مستقبلية.

كان هذا الواقع موجوداً في لبنان، رغم كل المقولات الحاسمة على صعيد المفاوضات وغيرها... مشروع المقاومة كان حاضراً، والمفاوضات السياسية حاضرة. وتم التعاطي بواقعية شديدة مع مستجدات العملية السياسية. وقد بدأت الوضعية السياسية للمقاومة قبل 1996، لكنها عبّرت نفسها في نيسان 1996.

طبعاً، هذا التحدي يستدعي تقاسم الأدوار مع الآخرين كما حصل في لبنان. وهذا يساعد على أن يتحرك مشروع المقاومة براحة في مواجهة التحديات السياسية التي كانت في يوم من الأيام. تقاسم الأدوار هذا ينبغي إيجاده أيضاً في فلسطين حتى لا يقع مشروع المقاومة الذي تتبناه حماس في مأزق، وهو مخرج للأزمة الراهنة. ويمكن إيجاد صياغة للخروج من هذا المأزق.

د. غسان العزي:

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تبقى حماس كما كانت، أم إنها ستتغير؟ لا أعرف كيف سيحصل تعايش بين سلطة ومقاومة مع بعضهما. فنحن أمام تجربة فريدة:

أولاً: إن حماس لم تنتصر بعد كحركة مقاومة، فما زالت الحرب قائمة، وهي ستحكم في المجلس التشريعي... إذا عدنا إلى برنامج حماس، نجد أنه ليس شبيهاً بأي برنامج انتخابي لحركة إسلامية أخرى... السلطة... حرية التعبير.. ومفردات إسلامية.. وهناك مصطلحات سائدة قريبة من الأحزاب الغربية، كالحزب الاشتراكي الفرنسي. والمفارقة أنه في ظل الحديث عن الديموقراطية من ناحية الانتخابات و"شرق أوسط كبير"، تصدر التهديدات بوقف المساعدات المالية إلى الشعب الفلسطيني؛ لكن الموقف الأوروبي سيتشتت مع الوقت. وفي المستقبل أعتقد أن نجاح التجربة الفريدة لحماس يتوقف على شروط حزب "كاديما" ونتائج الانتخابات الإسرائيلية. لكن لا أعتقد بإمكانية ربط المقاومة والسلطة بنفس الوقت، لسبب بسيط هو أن إسرائيل لن تسمح لحماس بتحقيق أهدافها، حتى على الصعيد الداخلي. كذلك في موضوع الفساد لسنا مرتاحين لإمكان نجاح التجربة. لدينا أحزاب في كل الوطن العربي للأبد، وفي كل العالم الأحزاب لها عمر محدود. ممكن تغيير اسم الحزب وأفكاره أما نحن فلا تغيير عندنا... من قال إنه يجب التغيير أصلاً! وبالتالي؛ الحزب المقاوم لا يمكن أن يكون هو نفسه في السلطة، بكل علاقاته الداخلية والخارجية!

وأضيف: إن أرض السلطة الفلسطينية هي أرض محتلة، ولا تستطيع حماس إكمال المقاومة وإقامة الدولة بين الضفة وغزة... وما أخشاه هو موضوع التدويل، لأن حماس لم تنتخب على أساس الحوار مع إسرائيل. محمود عباس يتحدث مع إسرائيل في المفاوضات!

وهنا أخشى أن نكون متجهين نحو أمرين: أن تتحول حماس إلى سلطة ممانعة وليس سلطة مقاومة، حيث لا توجد تجربة كهذه، ولا تظهر ملامح لمشروع سلطة المقاومة. وبالتالي لا يوجد بديل غير التدويل أمامنا، وحيث أنه ليس لدينا نظام إقليمي عربي يمسك بمثل هذه القضية الكبرى!

وفي الخلاصة أقول:

1-       يبقى السؤال الأساسي: كيف يمكن الجمع بين السلطة والمقاومة؟

2-       بحسب البرنامج الانتخابي لحماس ومواقف بعض مسؤوليها، هناك تناقض ومصطلحات غربية.

3-       فوز حزب "كاديما" سيؤثر على أداء حماس، وكذلك بالنسبة للمواقف الأوروبية (انقسام).

4-       إسرائيل والغرب سيعملان على إفشال تجربة حماس، وقد ينجحان في ذلك!

5-       هناك خشية من تدويل قضية فلسطين عبر اللجنة الرباعية: تغييب العمق العربي والإسلامي.

6-       حماس فجرت المشهد الفلسطيني (والعربي) الحزبي: يجب إحداث تغيير شامل داخل حماس يتناسب مع الواقع الجديد!

 

أ. حلمي موسى

توجد مقترحات، منها انضمام فلسطين إلى حلف الناتو لتحويلها إلى جزء من الصين، وتوجد أبحاث كثيرة على هذا الصعيد. لكن أرى أن هناك رغبة للإسقاط على الواقع. موضوع حماس هو جزء من سياق عربي إسلامي كلي؛ ولم ير الوجه الآخر وهو حقيقة وجود إسرائيل كرأس حربة للمشروع الاستعماري في هذه المنطقة. ومفروض أن تكون حماس والقضية الفلسطينية رأس حربة للمشروع المضاد. لكن الواقع الفلسطيني الجديد، رغم الانتصار، ضعيف؛ وبالتالي فإن الحديث عن مدّ ثوري يشعر الإنسان بأنه مخالف. ولدي رأي بأن نكتب الأحداث التي تجري في سياق الصعود على سلالم كهربائية، أي إننا جميعاً (كحالة عربية وإسلامية) نعيش وكأننا ننزل بواسطة سلم كهربائي، وبنفس الوقت معنا قوى ممانعة تحاول الصعود إلى أعلى؛ لكننا نحاول الوقوف بأحسن الأحوال في مكان نمنع فيه الانهيار. وأنا أتفق مع كل الذين تحدثوا عن مأزق حقيقي موجود لدى حماس. وأعتقد أن الأخطر منه موجود في كل القضية الفلسطينية.

واليوم؛ مع وجود حماس في هذا الموقع، صار مطلوباً من الفلسطينيين أوضاع مختلفة لم تكن مفروضة عليهم من قبل، مثل شخصية أبو عمار والواقع الذي كانت تعيش حركة فتح، مع عوامل ممانعة أقوى. وبرأيي؛ هناك تعبير للشعب الفلسطيني في قدرته على المقاومة لأبعد درجة ممكنة. لكن كانت هذه القدرة غير موجودة في سياق كلي شامل داخل المنطقة. وشعبنا يستطيع تحويل هذه القدرة إلى عامل ضاغط حقيقي فعّال. لكن؛ هل قدرته تصل إلى حد تحقيق النصر أم إجبار "الإسرائيليين" على إعادة التموضع فقط؟

في تقديري إن أحد أسباب خطة الفصل الإسرائيلية هو المقاومة... المقاومة الفلسطينية خلقت أوضاعاً تجبر إسرائيل على محاولة التخلص من المقاومة بوصفها مقاومة في "أحشاء الوحش". إسرائيل تحاول أن ترسم لنفسها حدوداً كي تخرج عوامل القوة الفلسطينية من داخلها، بحيث تجعل المقاومة الفلسطيني طرفاً أرعناً، ليس فقط على الصعيد المادي ولكن أيضاً على الصعيد السياسي العام، وذلك من خلال تفتيته.

لذلك أعتقد بأن قراءة ما حدث (فوز حماس) وكأنه انطلاقة نحو فعل جديد، رغم أنه من الزاوية الظاهرية قد يكون جزء منها صحيحاً، لكن بتقديري من الزاوية الداخلية الأمر مختلف كلياً. وعموماً؛ الإحساس الموجود في الساحة الفلسطينية أن الشارع الفلسطيني لم يصوّت بالمعنى السياسي بل هو صوّت على جزء من الأمور التي قد يكون انتصار حماس شكل تماساً فيها!

هذه الأمور تتعلق برفض الطريقة التي تعاطت فيها منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية مع الواقع السياسي. لكن مقابل المشروع السياسي لفتح وكذلك المنظمة ليس هناك مشروع سياسي فلسطيني آخر قابل للتحقيق؛ حماس ليس لديها مشروع سوى أن "فلسطين أرض للوقف الإسلامي"، وهذا ليس مشروعاً سياسياً!

النقطة الثانية: حماس ليس لديها مشروع للسلطة. حتى ما يقال عنه إنه مشروع تغيير وإصلاح وما شابه. أقول، هناك حقيقتان صغيرتان، وقد قلتها لخالد مشعل: (سئل الرنتيسي قبل استشهاده: هل يتمنى لحماس أن تنتصر في الانتخابات؟ فردّ على سائله: نحن نعرف لماذا تريدوننا أن تنتصر في الانتخابات، حتى تتشمّتوا منا). قبل يوم واحد من الانتخابات أنا سألت هنية شخصياً: هل ستصبح غداً رئيس حكومة؟ فأجاب: لا نفكر بهذا أبداً (شيل من راسك). حماس لم تتوقع الفوز، فقد خاضت الانتخابات على أساس احتلال موقع المعارض القوي فقط!

وحقيقة الأمر أن حماس كانت تسعى كي تشكل معارضة قوية داخل المجلس التشريعي، وليس أن تحصد هذا الفوز. لكن لا أظن أنهم كانوا يبنون على معطيات حقيقية. في الحقيقة؛ إن انتصار حماس واضح، لكن أعتقد أن فتح انتصرت أيضاً بعدما فعلته من مساوئ في الوضع الفلسطيني (فساد وما شابه). يعني أن تحقق فتح نسبة 42% من الأصوات هذا انتصار كبير لها. حماس انتصرت بفعل القانون الانتخابي الفلسطيني، القانون الذي ليس لها أي ضلع في بلورته، وربما صيغ أساساً ضدها. ومع ذلك هي استفادت منه وحققت الفوز. حماس أخذت ما نسبته 45% من الأصوات في القوائم، وهذا ليس الحجم الحقيقي لها، فقد نالت في الدوائر ثلث الأصوات، وهذا تعبير بدرجة معينة عن الحجم الحقيقي لحماس. وحجم فتح في القوائم كان أكبر من حجم حماس (42%).

هناك تقدير أن الناخب الفلسطيني شعر بأنه في قلب المعركة ما بين فتح وحماس. جزء قدّر أنه سوف يذلّ حماس بموضوع النقاط، وهناك جزء أيّد فتح لأنه خائف من أن تنتصر حماس. وبالتالي؛ فإن الطرفين أخذا أكثر من الحجم الحقيقي لهما، وخسرت قوى كان يمكن أن تكون في الوسط ما بين هاتين القوتين.

لكن عموماً؛ كما تفضل أحد الإخوة، لسنا الوحيدين في الساحة، وأنا أعتقد بأن من مصلحة الشعب الفلسطيني أن ينتصر مشروع حماس، أو أن تنجح الحركة في بلورة نفسها. لكن للمسألة وجه آخر. هناك عدو حاضر ولديه كل القوة، وإسرائيل اليوم ليست في الدرك الأسفل لضعفها، ولسنا في المستوى الأعلى لقوتنا. إسرائيل اليوم في ذروة قوتها، وهي مركز القوى الموجودة في المنطقة.

حركة حماس هي طرف يحاول أن يصعد، لكن هذا الطرف ما زال ضعيفاً، والخشية أن يزداد ضعفاً. أنا أعتقد اليوم بأنه إذا كان لحماس عدو "تحبه" فهو إسرائيل! أعداء حماس اليوم ليسوا إسرائيل وأمريكا فقط، وبمقدار ما تزداد الحركة قوة يزداد الأعداء. هناك ثلاثة أعداء رئيسيين لحماس على الساحة الآن:

العدو الأول: بنية السلطة الفاسدة، حتى فكرة الفساد، إذا أراد المرء أن يتطرق لها بشكل عابر، نجد هناك الفساد في السلطة، والفساد لمصلحة الناس عموماً؛ أي تشغيل الناس وما شابه. ولمن لا يعرف الواقع الفلسطيني، يعمل في مؤسسات السلطة أكثر مئة ألف موظف (بشكل رسمي). ومع أن حماس لا تقدم للشعب الفلسطيني عشر ما تقدمه وفتح والسلطة الفلسطينية، يشعر الناس بأن 90% مما تقدمه السلطة فتح هو حق وواجب. وكل ما تقدمه حماس للشعب الفلسطيني في الداخل (أقصد إذا ما فتحت حماس عيادة فهذا جيد)، فهي غير ملزمة به!

هذا الوضع سوف يتغير حين تغدو حماس قوة سلطوية. ومن الناحية الأخرى إن فوز حماس خلق ازدواجية بين شرعيتي الرئاسة والسلطة؛ ونتحدث هنا عن وضع حماس في السلطة خلال أقل من سنة. الشعب الفلسطيني أعطى شرعية لرئيس منتخب؛ وأي محاولة من جانب حماس لانتقاص هذه الشرعية فيه انتقاص لشرعيتها؛ وقد حصل انتخابه بناء لبرنامج سياسي مغاير، بل هو نقيض لبرنامج حماس.

وهناك أيضاً ازدواجية العلاقة بين الداخل والخارج، أو بين ما يسمى بالسلطة الفلسطينية وم.ت.ف. ليست صدفة أن فتح، من خلال رئيس المجلس التشريعي، حاولت أن تحشر حماس في الزاوية، عندما أعلن رئيس المجلس التشريعي (أبو الوليد) بأن أعضاء الحركة ومن معها يشكلون في المجلس الوطني ما نسبته 20%؛ إضافة إلى مفارقات عديدة موجودة. ما أودّ قوله: هناك الآن قوى معادية لحماس، وأقصد قوى عربية، وليست إسرائيلية أو أمريكية، تريد -وبمساعدة دولية- أن تعاقب كل التيار الإسلامي في المنطقة العربية، من خلال معاقبة وإذلال حماس بعد إمساكها بالحكومة الفلسطينية.

 

د. خلدون الشريف:

أنا في الحقيقة أرغب في إعادة قراءة محاور الندوة، وأهمها: (انعكاس فوز حماس على مستقبل القضية الفلسطينية). كما قال السيد عبد الحليم، نحن لا نستطيع أن نعزل فوز حماس على كل ما يجري في المنطقة؛ فالمنطقة، تتجه -شئنا أم أبينا- إلى الإسلام نتيجة سقوط كل الأفكار التي كانت سائدة في القرن العشرين، ونتيجة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية المنحازة في مواجهة كل القضايا التي تتعلق بالمسلمين بشكل خاص.

لقد أعطت حماس إشارة الانطلاق إلى التوازن السنّي-الشيعي من خلال انتصار الحركة الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي. وبهذا المعنى أنا أتطلع إلى فوزها كحالة قد تنعكس على كل المنطقة رويداً رويداً؛ وهذا مفهوم حين تتحدث أمريكا عن الإسلام الراديكالي وعن الصراعات المذهبية، وسعيها لتشجيع هذه الصراعات، منذ أن تحدث الملك الأردني عبدالله عن ما سمّاه "الهلال الشيعي"!

إن فصل موضوع حماس وربطه حصراً بالقضية الفلسطينية يؤدي إلى النتائج المتداولة الآن. وهذا الموضوع يتطلب رعاية دقيقة جداً لحماس ولسلطتها من قبل الشارع العربي، حتى لا أقول الأنظمة العربية... وحسب معلوماتي، إن حماس مغطاة مصرياً وسعودياً وإماراتياً وقطرياً وإيرانياً، وبالتالي فإن هذا الغطاء يفوق الغطاء الذي حصلت عليه السلطة الفلسطينية من خلال (أبو مازن)!

والمعروف أن المخابرات المصرية تغطي عمليات حماس وتهريب الأسلحة إليها بشكل أو بآخر! ومن ناحية أخرى، تضغط الولايات المتحدة على مصر لإعادة التعامل مع حماس. من هنا ينبع السؤال: هل وصول حماس إلى السلطة تم برغبة شديدة من الولايات المتحدة أم لا؟

يعني هل كان هذا المشروع مؤازراً من قبل أمريكا وإسرائيل أم لا؟

حول تأثير فوز حماس على مستقبل م.ت.ف، أنا أوافق تماماً على ما اقترحه الدكتور غسان، بشأن رفض تجميد منظمة التحرير أو فتح. تسقط فتح مثلاً، ويظهر تركيب جديد. وهذا يمكن أن يكون مجموعة من كل شيء. لا شيء يدعوني للتمسك بمنظمة أو بتنظيم معين، والدليل على ذلك هو أن فتح كانت مجموعة اتجاهات مضمومة بمنظمة واحدة، ثم تباعدت؛ وصارت حماس حسب تركيبتها؛ كما نشأ حزب الله في كتلته الأساسية من أمل. لا شيء يلزم أن نبقى متمسكين بعنوان المنظمة أو بعنوان حماس أو غيرها!

الفكرة هي أننا نرغب في أن تفوز حماس في الانتخابات، وأن تفوز بإدارة السلطة الفلسطينية. وتقديري الشخصي أنه من خلال الموضوع المالي مارست أمريكا الضغوط ثم تراجعت، وكذلك أوروبا. هم أرادوا استعادة (50) مليون دولار، والأوروبيون أرادوا استرداد بضعة ملايين يورو أيضاً لإعاقة عمل سلطة حماس.

لكن، الآن تأمين هذا التمويل للحركة هو حجر الزاوية في تحقيق النجاح لها. إن حزب الله اليوم لم يتأسس نجاحه فقط على موضوع المقاومة، بل أيضاً على سياسة دعم الفقراء والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية، والتي بدأت تعمل حماس على أساسها؛ لكنها بحاجة إلى تمويل أكثر وأكبر لضمان صياغة واستمرارية جديدة مشروعها.

إذا حصل تأمين هذا الدعم لحماس، تكون الحركة قد انتقلت إلى مرحلة أخرى، خاصة أن الاتجاه المقابل الذي هو الاتجاه الصهيوني-الأمريكي، يقف الآن لمواجهة خيار آخر يسمى الخيار الإيراني-السوري- الحزب اللهي- الحماسي إن صحّ التعبير، مع الفوارق بين المحورين. هذا المحور يستطيع أن يواجه ذلك المحور، لأن ذلك المحور يريد أن يصل إلى تسوية ما، وكل ما تريده أمريكا من المنطقة ليس حماس أو حزب الله، هي تريد النفط؛ وبالتالي هناك إعادة صياغة مشروع ما أو تسوية ما بين الفرقاء قد تؤدي إلى القبول بسلطة الآخر ( حتى لا أقول طرد الآخر أو إبعاد الآخر). لم يقل أحد أن أمريكا ستكون بالمطلق ضد المشروع الإسلامي في المنطقة؛ في مكان ما الباب مفتوح لإعادة التسوية! تأمين التمويل لحماس والدعم اللوجستي والغطاء السياسي والشعبي قد يجعل الأنظمة العربية أمام واقع مختلف، كما طرح الأستاذ حميدي العبدالله. هذا هو المطلوب اليوم، وبعد ذلك يعود الأمر فيناقش من زوايا أخرى.  

المناقشات

د. عصام نعمان:

نعم؛ من الممكن التوفيق بين المقاومة والسلطة، وهذا حدث في التاريخ المعاصر. يتعلق الأمر بالولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي في مراحله الأولى، وكذلك فيتنام والصين. هي مسألة أولوية وتركيز، ضمن كيان واحد. فلنغادر قليلاً مفهوم الدولة. ثمة كيان قد يكون دولة وقد يكون سلطة كما هي الحال في فلسطين الآن، والتوفيق ممكن بين الأمرين من خلال التركيز.

ما قاله بعض الإخوة، خاصة الأخ حلمي، بأن حماس لم تكن تسعى إلى الفوز بأكثرية، وفوزها كان مفاجأة لها، هو تقدير صحيح، فهي أرادت أن تستحوذ على قوة وازنة في المجلس التشريعي تدفع باتجاه الإصلاح. وهذه كانت أولويتها كمقاومة نحو إصلاح الوضع الداخلي بجميع مستوياته، ومن ضمن ذلك محاربة الفساد.

من الناحية الوطنية والسياسية كان هم حماس لجم جماعة أوسلو، وهم متعددون، ووقف تهافتهم وتراجعهم المضطرب أمام "إسرائيل" والسياسة الأمريكية في المنطقة. لكن الأولوية الأساسية كانت لإصلاح الداخل.

لو كنت في المكتب السياسي لحماس، وجرى البحث في مسألة من يكون رئيس الوزراء المقبل، لكنت رشحت مصطفى البرغوثي، فبرنامجه مستمد من أفكار إدوارد سعيد. هل اطلع أحد منكم على أطروحات إدوارد سعيد بالنسبة للموضوع الفلسطيني في الداخل؟ إن إدوارد سعيد هو مصطفى البرغوثي. أنا لا أقول بأن الأخير يترجم إدوارد سعيد ولكنهما التقيا...

إذن، من الممكن ضمن هذا الكيان، السلطة الفلسطينية، فلسطين، تأسيس كيان فلسطيني. المتوافر منه في هذه المرحلة.

نعم؛ ممكن التركيز، لأن مشكلة الحركات الوطنية العربية كانت في أطوارها. ففي بعض أطوار نضالها كانت مقاومة، ومشكلتها أنها لم تراع جيداً المجتمع العربي. فالمقاومة كانت تقاتل العدو من جهة وتتعاطى في الشؤون السياسية العليا، فيما علاقتها بمجتمعها وخدماتها لمجتمعها كانت محدودة.

إن أول مغايرة في هذا الموضوع تجلّت في علاقة حزب الله مع مجتمعه. أنتم تعرفون بأن هناك جانباً غير معروف كفاية عن علاقة حزب الله بمجتمعه، لجهة أنه يقدم خدمات اجتماعية واسعة في هذا الإطار. فمجتمعه متعلق به، ليس فقط بسبب قتاله ضد "إسرائيل" بجدارة، والحزب قاوم الاحتلال الإسرائيلي في الشريط الحدودي بجدارة، بل هناك حياة إنسانية ومتطلبات اجتماعية حيث قدّم الحزب خدمات أكثر من غيره بكثير، وبالتأكيد أكثر من الدولة؛ فما الذي يمنع حماس أو غيرها أن تولي هذا الجانب أهمية؟ وهل يمكن مقاومة "إسرائيل" إذا لم يكن لدى المجتمع الفلسطيني الحد الأدنى من القدرة على المقاومة أو تحمل شظف العيش في ظل الاحتلال "الإسرائيلي" وفي ظل المقاومة الفلسطينية لهذا الاحتلال... هذه قضية يجب أن نوليها اهتماماً.

موضوع آخر هو موضوع الاعتراف بـ ""إسرائيل" أو عدمه. أعتقد بأننا (وغيرنا) مطالبون بإيجاد معادلة جديدة. أنا أفرّق بين المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الإقتلاعي وبين "إسرائيل" التي أصبحت واقعاً شئنا أم أبينا، أو أحد أشخاص القانون الدولي العام. أنا لست مطالباً ولست مضطراً أبداً أن أعترف، ولا يجوز الاعتراف بالمشروع الاستعماري الصهيوني الإقتلاعي. ولكن في كل أنحاء العالم جرى هذا الموضوع، فالعدو يقيم كياناً، يقيم نقاط رسوم، يقيم دولة، إنه أحد أشخاص القانون الدولي؛ ومع أنني أقاومه، لكن أيضاً أنا مضطر لأن أتعامل معه، وهي كلمة أفضل من كلمة المفاوضة، لأن المفاوضة لها مضمون تراجعي وانهزامي..

علينا التعاطي مع "إسرائيل" كأمر واقع، وعادة لا يتعاطى المرء فقط مع أصدقاء. أنت مضطر أن تتعاطى مع أعداء أيضاً، ومرة أخرى نعيد ذكر الاتحاد السوفياتي وفيتنام وإيران... هم يتعاطون مع أعداء، فالتعاطي لا يعني الاعتراف بمضمون المشروع الأساسي، ويجب دائماً التركيز على عدم الاعتراف بالمشروع الأساسي.

والآن، بعد أن أصبحت المقاومة في السلطة، وقبلها كانت مقاومة "فتح" وما زال منها جناح عسكري يقاوم. يجب إيجاد معادلة حتى لا نبقى أسرى مفاهيم ومصطلحات معيّنة، حتى إذا قام واحدنا (أو قامت إحدى المنظمات) بالتعاطي ولو لفظياً، تتجه إليه مباشرة أصابع الاتهام بأنه يتعامل مع عدو، وبالتالي يجب الوقوف منه موقفاً سلبياً.

أ. حلمي موسى

الحديث حول دعم عربي لحماس في اعتقادي يستند إلى معطيات قديمة. وأنا أميّز هنا بين أمرين:

الأول: هو الدعم الشعبي وارتفاعه على الصعيد المعنوي، إلا أنه محدود نسبياً على الصعيد المادي (رغم أنه حتى المحدودية مسألة نسبية). بمعنى أنه إذا كان المحدود لعمل تنظيمي ممكن أن يكون كبيراً. لكنه إذا كان لشعب فيسمونه محدوداً.

الثاني: الدعم ذي الطبيعة السياسية، بمعنى ماهية ما توفر من دعم لهذا التنظيم أو ذاك.

أعتقد أن حماس تواجه مشكلة مع حلفاء كانوا معها سابقاً. حماس الآن ليست أمراً مسلّماً به. بالعكس، هناك رفض لحماس ليس فقط لأسباب تتعلق بالقضية الفلسطينية، بل أيضاً لأسباب تتعلق بالبنية الداخلية في المملكة العربية السعودية (وغيرها) وبالأيديولوجية المطلوبة؛ لأجل هذا أقول: يجب الانتباه لأن الأمور ليست بالضبط كما جرى طرحها أو عرضها. عندما نتحدث عن علاقة تاريخية مهمة جداً كانت قائمة بين الإخوان المسلمين وبين النظام الأردني، أعتقد أن هذه العلاقة انقلبت الآن لتصل إلى نوع من العداء بين الطرفين عموماً، ومع حماس على وجه الخصوص. وليس صدفة هذا التوتر في العلاقة اليوم بين حماس والنظام الأردني، فهو نظام له روابط كبيرة مع الفلسطينيين، ومع ذلك هو حتى هذه اللحظة يرفض دخول وفد من حماس إلى أراضيه. هذه المسألة لها معنى كبير جداً لمن يحاول أن يقرأها.

وإذا أخذنا العلاقة بين حماس وبين مصر، أعتقد أنها –بواقعها- أكثر تعقيداً مما قد تبدو عليه من زيارة خالد مشعل إلى القاهرة. هذا التطور ما معناه؟ بتقديري إنه جزء من العداء لحماس، وهو نابع من طابع العداء القائم بين النظام المصري والإخوان المسلمين. أنا آمل التنبّه لهذه المعطيات، وخصوصاً إننا نعرف موقف أمريكا من الإسلام عموماً من الإسلام "السنّي" وبالأخص؛ أثناء حرب أفغانستان كانت لأمريكا مواقف معينة، وقد أنشأت منظومة علاقات من خلال روابطها مع منظمة المؤتمر الإسلامي الذي كان إلى حد كبير معادياً للإطار القومي العربي وللنزعة التحررية العربية!

أمريكا الآن بنظرتها للإسلام، خصوصاً من الإسلام الذي يحاول بشكل الأشكال أن يظهر كما لو أنه مدافع عن أوّليات. أنا لست مختلفاً مع أمريكا اقتصادياً أو أيديولوجياً، لكن "هذا الإسلام" صارت كل المسائل بالنسبة له أبجديات وطنية أو قومية، وهنا مكمن العداء الذي يبرز بين الإسلام وأمريكا. لكن فوز حماس أثار انطباعات لا مبالية إلى حد ما لدى دوائر الإدارة الأمريكية، وخصوصاً تيار "تشيني" الذي اعتبر أنه بمعزل عن أي شيء، فإن الآتين أفضل من الذين كانوا!

أثار هذا الرأي غضباً هائلاً بدءاً من مجموعة من الأنظمة العربية وليس لدى قوى فاعلة داخل الإدارة الأمريكية تتنازع مع بعضها. فقد ذهل الوفد الأردني الذي كان هناك عندما سمع الأمريكيين يتحدثون بهذه اللهجة. فأمريكا الراهنة تختلف في سياستها عن أي بلد أو دولة أو نظام، وهي تتصرف كما لو أن لديها القدرة والحق في أن تفعل ما تشاء وأن لا يحاسبها أحد!

لقد أشعل انتصار حماس مصابيح حمراء في العديد من الدول، وخصوصاً مصر والأردن، وحتى في أروقة الإدارة الأمريكية، بما يعنيه من تغيير في الاندفاعة الأمريكية تجاه ما يطرأ المنطقة. في المقابل، هناك من يقول: نستطيع أن نتحمل، كما يقدّر الأمريكيون (إسلاميون نحن نربيّهم أو غيرهم فنحن نعلّمهم...) من جهة أخرى، إن الدعوة الروسية لحماس قد أحرجت الأنظمة العربية. و(أبو مازن) ذهب مرتين إلى دول الخليج لحثها على دفع المستحقات المالية للسلطة، وجزء منها ليس تبرعات، بل هي مقتطعة من العاملين الفلسطينيين هناك (نسبة 5%).

العنصر الثاني: إذن (أبو مازن) ذهب بعد توصية أمريكية إلى تلك الدول للتجاوب. لكن اليوم هناك توصية أمريكية معاكسة، بأن لا يتم الدفع إلا ضمن قنوات محددة يجري الاتفاق عليها بين دول الخليج والأمريكيين. وعلاقة أمريكا اليوم مع السلطة الجديدة تأخذ اتجاهين:

-         محاولة إفشال حماس لجهة الاستمرار في تقديم الخدمات للشعب الفلسطيني.

-         حرمانها من محاولة استغلال السلطة الفلسطينية، التي سعت أمريكا إلى تفريغها في ظل عرفات.

واليوم سوف يجري تضخيم مؤسسة السلطة بشكل كبير على حساب المجلس التشريعي والجمهور، والسيناريوهات موجودة؛ هناك سيناريو واقعي يقدّر أن الوضع الفلسطيني سوف يزداد تأزماً يوماً بعد يوم، سواء كان ذلك نابعاً من اعتبارات أمنية (توتير وما شابه) يشلّ الحياة الفلسطينية العامة بحيث تبقى الحكومة تحت شرعية واحدة وهي شرعية الرئيس، فهو يستطيع عمل كل شيء؛ وبالتالي، على حماس ألا تراهن على شيء اسمه انتخابات فلسطينية جرت؛ أو أن تسير الأمور بهدوء معين ولكن بتوتر عالٍ ودائم خصوصاً بين السلطتين، ولا يدفع التناقض بين الشرعيتين (الرئاسية والتشريعية) إلى حد إجراء انتخابات عامة للرئاسة؛ ومن خلال الاعتقاد بأن حماس لها الأغلبية في المجلس التشريعي، لكن ليس لديها أغلبية في الشارع، فالجمهور الفلسطيني لم يصوّت بأغلبيته لحماس بل القانون الانتخابي هو الذي أعطى حماس هذه الأغلبية!

أ. حميدي العبدالله

في الواقع؛ هناك تطور حصل في الساحة الفلسطينية هو خلاصة مسار موضوعي. نحن متفقون على أن ما يواجه حماس تحديات كبيرة جداً، فالغرب كله ضد حماس، و"إسرائيل" ضد حماس، كذلك النظام العربي، وجزء من الفلسطينيين هو مختلف أيضاً مع الحركة. أما على توصيف هذا الجزء (حجمه أو فعله) فهو مرتبط بسلوك حماس؛ بمعنى أن فتح الآن منقسمة انقساماً برنامجياً على خيارات. ولا ننسى أن حماس حققت هذا الفوز الذي يفوق ما لديها من القدرات التقليدية بفعل الانقسام داخل حركة فتح، وهو انقسام على البرامج والخيارات الوطنية.

هذا الفوز الذي حققته حماس، والذي أوصلها إلى السلطة، وضع الشعب الفلسطيني أمام خيارين: خيار العودة إلى ذات السلطة بنفس الطريقة السابقة، أو إعادة السلطة إلى الشعب الفلسطيني. الخيار الأول أغلق؛ وأنا أعتقد أن ما حصل من أهم التحولات الكبرى في تاريخ الشعب الفلسطيني الذي جرّب خيار المفاوضات والرهان على أمريكا، وعلى الدبلوماسية، وعلى الوساطة المصرية والسعودية وغيرها؛ لكن منذ عام 1974 إلى الآن لم يصل شعبنا إلى نتيجة على الإطلاق، لذلك عاد ليعتمد خيار المقاومة.

لقد فازت حماس. وستكون في السلطة حتماً من أجل جعلها رافعة لتعزيز الخيار المقاوم. ومن المؤكد أن إسرائيل لن ترضى بهذه الخيارات وهي في الأساس لم تقبلها من (أبو مازن)... وسوف يحصل "قتال" من جديد... لا أعتقد أن هناك خلافاً حول هذه النقطة.

المواجهة الآن بين الفلسطينيين والإسرائيليين سائرة باتجاه التصعيد وليس باتجاه التفاهم، حتى ولو مرّت مرحلة هدوء. وخلال هذه المرحلة هناك خياران أولهما: أن تدير قوى سياسية الأرض الفلسطينية المحررة، فلن تعود إسرائيل إلى غزة ثانية.

تستطيع حماس في ظل المواجهة الحالية أن تدير رفح، فنحن لا نتحدث عن سلطة قائمة متماسكة... لهذا السبب فإن الحديث عن فشل حماس كخيار حتمي هو تشاؤم أكثر من اللازم.. حماس تستطيع بحجم المعونات المادية التي تحصل عليها، والدعم الشعبي والسياسي الذي هو نتيجة خيارها السياسي، أن تصمد. وكذلك هناك الدعم السياسي والمالي من بعض الدول العربية التي أعلنت أن لديها استعداداً لذلك (إيران على الأقل أعلنت هذا رسمياً). وإذا أخذنا مسار الصراع الحالي في الساحة الفلسطينية مع ربطه بوضع المنطقة ككل، هناك رغبة لدى العديد من الدول العربية في قطع المعونات، لكن هي لا تستطيع قطعها بشكل سريع أو نهائي.

إذن، هناك إمكانية لدى حماس لإدارة أحياء سكنية، فنحن لا نحكي عن سلطة مركزية، بل عن إدارة أحياء في مناخ مقاومة. ونستنتج من هذا الأمر أن هناك إمكانية لحماس لقيادة السلطة في ظل استمرار المقاومة.

توجد دراسات نشرت منذ التسعينيات أتبعت بجملة دراسات عن التجارب الميدانية تفيد بأن أحد أسباب صعود حماس ونجاحها هو تمكّنها من إدارة مجتمعات محلية، حتى قبل انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية أو من قطاع غزة، لذلك؛ هناك إمكانية أن يتابع هذا المسار مع تسمية قطاعات من فتح للتعاون من خلال السلطة وأموالها.

وعليه، سوف تنجح حماس في إدارة المناطق المحررة خلال أربع سنوات. لكن في سياق الصراع يبقى التحدي الأساس حول ماهية البرنامج السياسي الذي ستقدمه حماس لحل القضية الفلسطينية: هل تستطيع حماس أن تتبنّى برنامجاً يخاطب المجتمع الدولي، ويرسخ الوحدة الوطنية ويوحّد الجناح الوطني في فتح؟ وقد حصل منذ فترة طويلة أن اجتمعت (13) منظمة فلسطينية حول وثيقة، وكانت حماس موافقة عليها. هل يمكن أن يتحول برنامج حماس ليكون برنامج هذه الفصائل كي تتأسس وحدة وطنية فشلت في تحقيقها فتح بتفردها نتيجة حسابات سياسية محدودة خلال السنوات الأخيرة؟

 سؤال مطروح للنقاش. وإذا فشلت حماس في تقديم برنامج سياسي لحل القضية الفلسطينية، ممكن حينها أن تدير السلطة أربع سنوات، لكنها ستصل إلى طريق مسدود.

لكن إذا استطاعت حماس أن تضع برنامجاً سياسياً وتفتح دينامية جديدة للصراع، ممكن أن تدخل حينها القضية الفلسطينية لأول مرة في مسار جديد، في إطار مراكمة الانتصارات. فلا نستطيع الرهان على صنع انتصار حاسم وبدفعة واحدة على عدوٍ بحجم إسرائيل، لديه دعم من كل الدول الغربية ومن بعض العرب بشكل أو بآخر!

د. ساري حنفي

أول نقطة حول المقاومة: نحن رأينا كيف كانت هناك مقاومة وسلطة. وحين شعرت "إسرائيل" أن السلطة تعاطت بتراخٍ مع المقاومة دمرت السلطة باجتياح...

النقطة الثانية: يبدو أننا ننسى "السلال المتروكة"، وإحدى هذه السلال وارد أن يكون فيها انقسام داخل حماس في اتجاهين، وينتصر الاتجاه الذي هو مع الشرعية الدولية... نسمّيها شرعية دولية أي بمعنى أننا نعمل ضمن الشرعية الدولية!

النقطة الثالثة: هي موضوع الفساد. حيث كنت في فلسطين مسؤولاً عن مشروع، وكنا حينها مجموعة باحثين فلسطينيين ودانماركيين. عملنا في إعداد بحث شامل عن فساد السلطة، ثم حصلت لدينا مشاكل مع السلطة نفسها، فغيّرنا اسم المشروع وسميّناه "بحث النظام الريعي الفلسطيني"!

وأهم نتيجة توصلنا إليها من خلال هذه الأبحاث أن المشكلة الرئيسية ليست في الفساد الذي نجده في دول أخرى، بمعنى أن أحداً يستحوذ على أموال لنفسه فحسب!

تنقسم مشكلة الفساد الفلسطيني إلى ثلاثة مستويات:

الأول: التوظيف العائلي والفصائلي، وهي مشكلة كبيرة جداً، أي عدم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب. فحين كنت خبيراً في الأمم المتحدة بوزارة التعاون الدولي حينذاك، رأيت أناساً ممتازين ثم يظهر شخص أو أكثر أمامهم" يخرّب كل شيء".

الثاني: الاحتكارات؛ وهذه النقطة مرتبطة بأوسلو، كل الاحتكارات هي فساد. فكيف يستطيعون تغييرها وهم يعملون ضمن اتفاق أوسلو الذي أوجدها وبروتوكول باريس أيضاً!

الثالث: غياب الشفافية؛ أي عبر صرف أموال من خارج الموازنة، كيف يمكن لثورة بأن تكون شفافة! هذه المشكلة هي مشكلة فتح ومشكلة أبو عمار، وهي لا تزال قائمة. كيف ستتصرف حماس لمعالجتها؟

كانت المجموعة الأوروبية قبل شهر من الانتخابات قد سحبت (16) مليون يورو من المساعدات للفلسطينيين لأن السلطة خالفت. هي قالت بأن الأمر حصل بسبب الفساد، لكن الحقيقة هي أن الأموال استخدمت من أجل توظيفات، وكان التوظيف ممنوعاً حينها.

الخلاصة التي أريد قولها: المشكلة قائمةً فعلاً، وليس سهلاً على حماس تحقيق إنجازات كبيرة حيالها... لكن جزءاً من هذه المشكلة العويصة هي السلطة الفلسطينية نفسها. في كل الدول - ما بعد التحرر- تظهر مشكلة يسمّونها مشكلة ( الديمو بلايتيشن) يعني خلق التعبئة، يعني ثوار لديهم سلاح.. إلخ، ماذا نفعل بهم فيما بعد؟

في باريس أو في البرازيل... كان هناك أناس كبار في السن، ماذا يفعلون معهم؟ فهم لم يعودوا مفيدين للوطن، فوجدوا حلاً وهو وضعهم مدراء عامين!

أقول لكم: إن مخصص المدير العام في فلسطين بلغ (1350$). وأقل مخصص لمدير مؤسسة لا يقل عن (3000$) بالـ (NDO). ويبلغ مخصص محاسبة بالـ (NDO) (2000$)، وهذا جزء من أناس لا يفيدون عملياً، وهم فاشلون بالأصل. صاروا سفراء وكانوا سائقين عند سفراء آخرين. توجد مشكلة مركّبة، ولا أتصور أنه من السهل على حماس تحقيق إنجازات سريعة في موضوع الفساد.

الدكتور محمد النابلسي:

أولاً: نحن نرى أن اتفاقية التجارة العالمية اجتاحت المنطقة. والسعودية هي آخر دولة وقعت عليها. إن عملية المقاطعة ليست ناجحة، فالبضائع الإسرائيلية تتسرب إلى دول الخليج، وهناك بضاعة إسرائيلية تدخل إلى لبنان، ومسألة مقاطعة البضائع "الإسرائيلية" في فلسطين شبه مستحيلة.

ثانياً: دينامية الانتخابات. هذا الموضوع حسب اعتقادي لم يكن مطروحاً للنقاش. وعندما نطرحه، يعني موضوع دينامية الانتخابات، كيف يستقيم ذلك؟ نحن نسأل كم هو عدد المتعاملين مع إسرائيل من الفلسطينيين؟ نسأل عن عدد العمال الفلسطينيين الذين أسهموا في بناء الجدار الفاصل؟ وعن اختراقات إسرائيلية عديدة في المجتمع الفلسطيني وصولاً إلى النتائج التي ظهرت لدينا. من هنا، إذا أردنا الحديث عن مشروع فلسطيني فتحاوي أو (حمساوي)، نتساءل كم يتسع هذا المشروع للجمهور الفلسطيني؟

عندما أتكلم مشروع عن سياسي وأترك الجمهور فهو مشروع مخترق... قبل ذلك، هناك سؤال حول اغتيال عرفات والظروف التي حصلت خلالها... إلى صمت السلطة عن اغتياله؛ وبمقارنة بسيطة بين اغتيال عرفات واغتيال الحريري، يظهر أن المسؤولين في الداخل الفلسطيني لم تعد لديهم مشكلة في كشف الحقيقة عن اغتيال عرفات (فتح خصوصاً). أتصور أن هذا ما أوصل محمود عباس إلى السلطة...

د. خلدون الشريف:

اليوم 70% من اقتصاد الكون مرتبط بـ (200) شركة معولمة. وحين نقول أنها معولمة، هذا يعني أنها بدون هوية. إذا أتينا مثلاً لمقاطعة الدانمارك، فمنتجات الدانمارك بشكل عام ضئيلة جداً، والشركات الأساسية صارت شركات معولمة لا هوية لها. وبالتالي حتى المقاطعة الشعبية الفعلية لا يمكن أن تكون جدّية وفعالة بوجود شركات معولمة. إذن يجب أن نفتش عن بديل. وقد قال الدكتور محمد النابلسي جملة صحيحة: قد يتحول لبنان إلى رأس حربة لإعادة تسويق المنتجات الإسرائيلية! طبعاً، هي لن تسوّق على أساس أنها منتجات إسرائيلية بل منتجات برازيلية مثلاً.

إذن موضوع المقاطعة تجاوزته الدول، والعمل يجب أن يتم بالماكروبوليتيك أي إعادة المحاور. هناك صياغة تنازلات متبادلة بين الفرقاء المتفقين على المشروع؛ يعني في لحظة ما يمكن أن لا نكون (نحن وسوريا) متفقين على التفاصيل، ويجب تقديم تنازل بين فريقنا والفريق السوري لمصلحة المشروع. بيننا وبين الأردنيين أيضاً، وبيننا وبين الإيرانيين. اليوم أنا أعتبر أن هناك تمايزاً بين موقفنا والموقف الإيراني، وأنا أعتبر أن الموقف الإيراني أو الموقف الشيعي (حتى أكون أوضح) إيجابي، حين أتحدث في طرابلس أقول: "كثّر الله خير الشيعة فهم يعملون بدلاً من تلك الواجبات التي علينا ولم نعملها"!

حول تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بتدمير إسرائيل... كنت أسمع مرة للأستاذ غسان سلامة وهو يتحدث في حلقة لجورج غانم... كان يقول سلامة بأن خطاب الرئيس نجاد ليس خطاباً انفعالياً ولا ردّة فعل ولا زلّة لسان، بل يدخل ضمن استراتيجية (وأنا أوافق عليها) هي:

إيران اليوم تدرك أن المشروع الأمريكي-الإسرائيلي يهدف إلى ضرب كل الشيعة في هذه المنطقة. بالنسبة للسنّة، الأساس اليوم هو فلسطين، لأن المحيط الفلسطيني محيط سنّي وهذا ينطبق على المحيط العربي (الأردن وغيره)، حيث الحال المذهبية لم تكن موجودة. لكن اليوم المذهبية في الوطن العربي يفرزها الأمريكيون شئنا أم أبينا. حين نصل اليوم إلى درجة أن تشكل فلسطين القضية المركزية للسنّي العربي، وأن تصبح قضية مركزية للإيراني (الشيعي)، هذا يساعد في عملية الدمج بين فئات المجتمع الإسلامي ككل.

هذا الواقع يعيد القضية المركزية إلى أوجها، والتي حين يتبناها الرئيس نجاد يخجل الملك عبدالله الثاني لأن نصف شعبه فلسطيني. ماذا يعمل، وكيف سيواجه؟ هل سيقول بأنه يدعم حماس ولا يستقبل وفد حماس. لكننا نعلم أن الشعب الأردني يموّل حماس شاء أم أبى الملك عبر تحويلات مصرفية أو تحويلات مالية مباشرة، وبالتالي يجب إيجاد مشروع محوري إقليمي لإعادة مسار المواجهة مع المشروع الأمريكي.

أ. محمود العلي:

الحقيقة، لدي سؤالان أو مسألتان:

السؤال الأول: هل ما يحصل هو صراع الداخل مع الخارج؟ فالحركة الفلسطينية نشأت في الخارج، وحماس بالأساس بدأت من الداخل. خصوصاً أن منظمة التحرير والفصائل الوطنية حتى هذه اللحظة لها نفوذ ووجود في مناطق الشتات أكبر من حماس!

هذا السؤال له علاقة أيضاً بانتهاء دور الحركة الوطنية الفلسطينية ضمن الإطار الذي كانت فيه سابقاً! هناك صراع بين الداخل والخارج وهو في الحقيقة أحد الأسباب، فالفساد لم يبدأ مع دخول السلطة فقط، بل كان موجوداً قبل دخول السلطة. وبالتالي من هم في الخارج التحقوا بما هو موجود أصلاً.

"قصة" الفساد كانت موجودة بمعظمها في (م.ت.ف). والجميع يدرك كيف كانت العلاقات الداخلية وغيرها. ولا أتكلم فقط عن الفساد المالي، إنما أتكلم حتى عن الرؤية والعلاقة مع الأطراف السياسية ومع الناس... وشراء الذمم، كانت هذه الظاهرة معممة في الخارج ثم انتقلت إلى الداخل.

حماس انتصرت الآن. هل هذا الانتصار يعني أن الحركة الوطنية الفلسطينية بمفهومها الذي نعرفه أصبحت ملحقة بالتيار الإسلامي في الداخل؟ هذا السؤال ينبغي الإجابة عليه.

السؤال الثاني: هل فعلاً أن الإرهابيين هم إسلاميون فقط؟ فالولايات المتحدة أو الإمبريالية الغربية، منذ زمن، كان أي طرف يعارضها في أمريكا اللاتينية أو أفريقيا كانت تقول إنه إرهابي؛ أي إن موضوع الإرهاب ليس جديداً بالنسبة للظاهرة الإسلامية، وكل شكل من أشكال المقاومة كان بالنسبة للغرب إرهاباً ولا يزال!

هذا الإرهاب يلبسونه صورة ما، في اللحظة الراهنة هي صورة الإرهاب الإسلامي الذي يسمّونه الراديكالي أو الأصولي... حماس أمام تحدٍ في الداخل والخارج، هذا التحدي يكمن في كيفية إعادة صياغة حركة وطنية فلسطينية جديدة تستطيع أن تكون بمدى عربي ودولي (لأهمية المدى الدولي)، لأن شعارات حماس أيضاً يجب أن تكون مقبولة من العالم من حيث القول بأننا (إسلام ويهود). إذا عدنا لهذه "القصة" معناها أن المشكلة لا زالت قائمة مع العالم كله. لذا يجب أن توضع هذه الأمور أمامنا وأمام حماس كي نفكر فيها.

الموضوع يستهدف الموجودين في الداخل الفلسطيني أيضاً، فهناك ظواهر كثيرة أصبحت معادية للصهاينة ومن داخلهم، وهي تعمل على تطبيق على حق العودة. وحماس- في كل تلك المسائل أمام هذا التحدي.

وهناك تحدٍ كذلك في المحيط الخارجي، مثل الأزمة الموجودة مع السلطة اللبنانية بالنسبة للحقوق المدنية وغيرها. هل تستطيع حماس أن تعالج هذا الملف؟ هذه أسئلة فلسطينية لا بد من أن تكون لدى حماس إجابات عليها بحيث لا تكون إجابات متفرّدة، لأنه إذا أرادت حماس الانفراد كما كانت حال فتح، فأعتقد أن مشاكل عديدة ستحصل لاحقاً. الآن حماس لا تستطيع أن تحكم طالما أن لديها برنامج لمحاسبة الفساد. ولكن أيضاً هذا مأزق آخر، وهل تستطيع أن تفعل ذلك وهي ليست في السلطة؟!

هذا سؤال صعب، فهي تقول بأنها تحارب الفساد أينما يكون، وهي مضطرة لأن تكون جزءاً من تركيبة هذه السلطة... ولكن كيف يجددون أشكال الممانعة مع العدو، وكيف يفاوضون أولاً؟

 هذه المسائل ستكون في صلب مسؤوليتهم التاريخية وهم مستهدفون. فـ "الإسرائيليون" يستهدفون "إسماعيل هنية" حتى لو صار رئيساً للوزراء!

بالنسبة للمشهد الأول: هناك ترسيخ للعنصرية الصهيونية والعدوان الإسرائيلي يقابله التركيز العالمي على نمو الإسلام "الإرهابي" (العمليات التي حصلت في بريطانيا وقبلها في مدريد والآن انتصارات حماس..إلخ). من الممكن -مع موضوع الرسوم في الدانمارك- ألا يبقى التركيز كالسابق... بمعنى أن علينا دراسة اهتمامات الأوروبيين، هل هي ذاتها.. بأن "إسرائيل" ما زالت تشكل خطراً عالمياً، كما كان الوضع منذ ثلاث سنوات، أم أن هناك معطيات جديدة؟

قد يكون الإسلام برأي الغربيين العاديين هو العدو بعد هذه التعبئة الحاصلة. وقبل فترة كانت هناك أحاديث حول مقاطعة الدانمارك والنروج والمظاهرات التي حصلت. نحن هنا من منطقة متخلفة بحسب هؤلاء، وبالتالي فإن "إسرائيل" هي المشهد الحضاري الوحيد!

إذن، علينا ألا نعتمد على أن هناك متغيرات من دون معرفة كيفية مواجهتها. وهذه المواجهة لا تتم من طرف واحد بل من أكثر من طرف. قد يكون أحد أشكال المواجهة أن تكون هناك حملات، كما كان يحصل في الخارج سابقاً عن طريق إيفاد مندوبين لعقد مؤتمرات وإنشاء شبكات لدعم القضايا العربية.... ممكن بهذه الطريقة أن تفتح حواراً مع الآخر، ولا تكفي مسألة العمليات العسكرية... وإذا لاحظتم أنه لم يكن هناك تركيز منذ فترة على الوضع الداخلي في فلسطين المحتلة. الآن، أصبحت عمليات الاغتيال والقتل وحتى بناء الجدار روتينية. كل الكرة الأرضية اعتبرت الجدار خطأ، ورغم ذلك لم يعد له أولوية في المشهد الدولي بسبب ما يحصل حالياً. وقد يكون هذا إنتاج أمريكي، حتى تتغير اهتمامات الشعوب الأوروبية والأمريكية... إلخ.

أ. حميدي العبدالله

يدور النقاش حالياً وكأن الصراع بين حماس وبين السلطة. يوجد اختلاف كبير، وإذا لم نلمس الاختلاف في مزاج الشعب الفلسطيني وانعكاساته على الحركة الوطنية الفلسطينية بما فيها فتح، لا نستطيع قراءة الديناميات اللاحقة للحركة السياسية على الساحة الفلسطينية.

ليس الوضع الآن بأن تكون حماس لوحدها وفتح في المكان الثاني معها، حتى أن جزءاً من أسباب فوز حماس كان انقسام فتح. هناك كلام بأن حماس أخذت أكثر من حجمها، وهذا سببه ان فتح بددت أصواتها إما بتعدد اللوائح أو بترشيح كثير من المستقلين... إلخ.

لكن السؤال المطروح: لماذا لم تستعد فتح أو تحاول استعادة وحدتها؟ هل هذا تحول عابر يمكن بعد فترة تجاوزه، أم أن هذه الانقسامات أصبحت نهائية؟!

داخل فتح هناك اليوم تيار كبير وصل إلى قناعة أن الخيار السياسي للقيادة الفلسطينية الرسمية، وتحديداً في ظل قيادة محمود عباس، وصل إلى طريق مسدود ولم يعد يشكّل حلاً. ومنطقياً ليس هناك تطابق مع حماس، ليس لاعتبارات أيديولوجية، بل كذلك بسبب اختلافات سياسية.

د. ساري حنفي:

هناك مؤرخ مشهور كتب تاريخ العالم من وجهة نظر صراع الطبقات... وقد ذكر كيف تحولت المافيا في جنوب أفريقيا إلى مؤسسة، وكيف صار المافيويون عناصر رئيسية في حركات تحرر كجيش كامباني وحركة إيطاليا... إلخ.

 ما نشهده الآن في فلسطين هو تحوّل بعض عناصر الثورة إلى مافيات (زعران)، وهنا ربما تكمن المشكلة، وهي المشكل الرئيس لحماس. خذ نابلس لوحدها، وما يسمى الفلتان الأمني أو الإشكالات (الزعرنة) التي حصلت خلال سنتين أو ثلاث سنوات فيها والتي لا يطيقها أي نابلسي.

إن مشكلة فتح هي الشرذمة والإنغلاق. كذلك مشكلة المخيمات الفلسطينية في لبنان لجهة القيادات الفلسطينية التي تبدو مرتاحة بأن يبقى المخيم كما هو، مغلق... إلخ.

 هناك أيضاً صراع كتائب شهداء الأقصى في رام الله مع مثيلتها في البيرة، وهما جناحان...وكذا مخيم بلاطة مع نابلس.. هناك مشاكل وشرذمة..

تعليقاً على كلام الأخ وليد، ولست متأكداً أن هذا الأمر مسلّم به، لكن علينا دراسته، وهو أن القضية الفلسطينية هي قضية مركزية لدى العالم العربي والإسلامي. أنا أتساءل حول واقعية هذا الطرح؛: وعلينا جميعاً أن نتساءل عن الكاريكاتير الذي رسم في الدانمارك واستطاع أن يفعّل أهم الأسلحة لدى العالم العربي والإسلامي أي المقاطعة، وأحرج كل أوروبا...

لكن لماذا حصلت كل الانتهاكات "الإسرائيلية" خلال الانتفاضة، مع الدعم الأمريكي لها، ولم يتحرك الشارع العربي والإسلامي جدياً في المقاطعة؟!

 

 

 

أ. وليد:

أثناء الانتفاضة الثانية كانت المظاهرات العربية (المغرب) أشمل وأعم وأوسع من المظاهرات الأخيرة. لكن الإشكالية أن الساحة الفلسطينية كان لديها مشروع لا يتناسب مع إبقاء فلسطين قضية أو مشروع الأمة... الانتفاضة تحتاج دعماً، وشعار "يا وحدنا" انتهى. وعلينا طرح فلسطين كقضية في إطار المشروع نهضة الأمة... هل فلسطين استهدفت لوحدها أساساً بالمشروع الصهيوني واحتلت بذاتها؟! أم احتلت لإبقاء أنظمة عربية متخلفة مجزأة للسيطرة عليها؟!

د. محمد النابلسي

كوندوليزا رايس أعلنت في المؤتمر الصحفي الذي عقدته يوم سمّيت مستشارة للأمن القومي، وكان ذلك في شباط 2005، بأنها تتصور الحل في الشرق الأوسط عبر كونفدرالية فلسطينية-إسرائيلية-أردنية، وعراقية ما بعد حل المشكلة العراقية؛ إضافة إلى من ينضم إليها طبعاً بعد تغيير الخارطة في المنطقة..

اليوم، بدأ المشهد يرتسم في الشرق الأوسط، ويتحول من استراتيجية تقليدية إلى أخرى جدية عرفت فيما بعد باستراتيجية الفوضى البناءة والحرب الوقائية. إن متابعة الأحداث الماضية تؤكد ما نقوله: ففي 22/2/2001 كان كولن بول وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك يزور دول الشرق الأوسط، لتهيئة ظروف الحرب على العراق، وكانت الانتفاضة الفلسطينية في أوجها والأنظمة العربية تبحث الموضوع العراقي على حساب الانتفاضة. لقد بدأ تطبيق نظرية الحرب الافتراضية.

تم تخطيط المرحلة الأولى في تغيير خارطة المنطقة بحرب العراق، ثم خطط رامسفيلد للسيطرة على المقاومة العراقية، وبدأنا نسمع عن تقسيم السعودية إلى "دولة حج ودولة نفطية"!

كما بدأنا نسمع عن تحرير الأذربيجانيين من الإيرانيين، وكل ذلك في سياق مخطط مدروس. بدأنا نسمع كذلك عن توجهات في فلسطين.. الكونفدرالية المعلنة من قبل رايس. لكن تحول المنظمات التي كانت تحتضنها دمشق من منظمات إرهابية إلى منظمات مشروعة (حماس خصوصاً) غيّر المشهد السياسي، وذلك بسبب الانتخابات. وبغض النظر عن الوضع الذاتي الفلسطيني والقدرات المحدودة، لكن على صعيد الشرق الأوسط عامة يجب أن ترسم هذه الانتخابات مشهداً جميلاً، فقد أزالت الضغوط عن سوريا في قضية احتضان منظمات لم تعد إرهابية بل لها مشروعية سياسية وشعبية؛ وهذا يعني أن الصراع حول "الشرق الأوسط الكبير" والكونفدرالية يصطدم بثلاث عقبات:

1-       المقاومة العراقية، وهي تشمل كل الشعب العراقي.

2-       نجاح حزب الله في لبنان.

3-       نجاح حماس في الانتخابات.

وهذا الوضع يعزز مقاومة (حلف بغداد الجديد). نحن إذن في سياق تصادم بين مشروعين: مشروع الممانعة، ومشروع الخضوع. إن القضية الفلسطينية اليوم أمام خيارين:

1-       خيار يقوم بدور جامع حول كوندوليزا رايس مع إسرائيل..

2-       خيار أظهرته الانتخابات في فلسطين... وهذا مجرد الحديث عنه ليس حالة بسيطة.

أ. حميدي العبدالله

برأيي، هناك ثلاثة تيارات داخل فتح، سياسياً وعملياً... تيار عبأته القيادة التاريخية، وتيار يتأرجح بين القيادة والانتفاضة، وتيار المقاومة والانتفاضة... مروان البرغوثي هو في الوسط... وهناك أشخاص آخرون مؤثرون موجودون في حركة فتح. ولو حصلت انتخابات أو عقِد المؤتمر الوطني لفتح سوف يسيطرون على حركة فتح.

عملياً؛ صار تيار عرفات أقرب من تيار "أبو مازن". ومن الآن فصاعداً نقرأ حصيلة أي تطور على الساحة الفلسطينية من خلال توازن نسبي بين حماس وحركة فتح، مع أرجحية لحماس إذا ما أضيف التيار الوطني داخل حركة فتح المؤمن بخط المقاومة، إليها. وإذا اختلّ ميزان القوى لفترة طويلة، يكون الوضع لصالح تيار محمود عباس!

لا يستطيع تيار عباس، من دون السلطة أو الدعم الخارجي، استعادة زمام المبادرة من جديد. لكنه يستطيع عمل أي شيء ليخلق أزمة تستخدم لمصلحة خياراته... لهذا؛ علينا قراءة ميزان القوى... الآن، هناك سيناريو لإعادة ترتيب المجلس الوطني؛ ممكن أن يكون كما حصل في العام 68 مع عرفات، أو مع حركة فتح بناء على حجم قدرتها على حل المعضلات المطروحة؛ في سياق آخر، تعتبر التوازنات الآنية إيجابية لأول مرة في الساحة الفلسطينية، ومن هنا أهمية إعادة صياغة م.ت.ف في إطار قيادة جماعية جديدة، والقاسم المشترك الأساس هو قوة الخط الوطني المتجسد باستمرار الكفاح المسلح والخط المقاوم.

هذا هو السيناريو الأرجح، أي إعادة بناء م.ت.ف من جديد على أسس تكرّس مشاركة الجماهير في صنع القرارات. عندها يمكن أن تشكل هذه المنظمة رافعة للسلطة الجديدة، في الأرض المحتلة.

وفي مطلق الأحوال، علينا الانتباه إلى التحول الموضوعي لأنه الأساس. لقد حصل في الساحة الفلسطينية تحول لصالح خيار المقاومة، وليس ضد خيار التسوية فقط؛ لذا لا يمكن العودة إلى ما كنا عليه بين الـ 1974 و2000. نحن دخلنا مرحلة جديدة في مسار القضية الفلسطينية، وطابع هذه المرحلة لفترة طويلة جداً هو المواجهة والمقاومة. وهنا تكمن أهمية البرنامج السياسي الذي يساعد حركة حماس كي تحقق انتصارات، حيث يكون لديها برنامج شامل وواضح يجمع بين البراغماتية والثبات على المبادئ الاستراتيجية.

المرحلة الماضية التي وقّع على أساسها اتفاق أوسلو، حيث أراد أنصار التسوية العودة إلى طرح الرابع من حزيران، مع ترك باقي الأمور غامضة، وصلت هذه المرحلة إلى طريق مسدود. والآن؛ المرحلة التي تلمحّ إليها حماس ترتكز على عقد هدنة تمتد من عشر إلى خمس عشرة سنة على أساس استعادة الأرض المحتلة إلى حدود الرابع من حزيران. وهناك مرحلية ثالثة بدمج الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران بموضوع تطبيق قراري الجمعية العامة 194 و181، لأن هدفنا هو مخاطبة المجتمع الدولي من جهة، وكذلك أن تصبح إسرائيل أمام خيار من اثنين:

1.    إذا استجابت الكتلة الأساسية من الشعب الفلسطيني في الخارج، وعادت إلى أرض 1948، صار الفلسطينيون الأكثرية، وبالتالي تحل المشكلة بنفس سيناريو (روديسيا...)

2.    أن ترفض "إسرائيل" حق العودة وتطبيق القرارات الدولية، ما يتيح خياراً أساسياً أفضل بشأن مخاطبة العالم من أجل تعبئة الشعب الفلسطيني ضمن برنامج واقعي جداً، تظل حماس متمسكة به مع استمرار المقاومة والممانعة!

أ. حلمي موسى

هناك ملاحظة بخصوص التيارات داخل فتح. هذه التيارات موجودة في كل التنظيمات خصوصاً في حماس! وتقديري بأن الصراع الموجود اليوم في الساحة الفلسطينية رغم أن له وجهة معينة تتداخل مع الموضوع السياسي، لكن ليس فقط الموضوع السياسي هو المؤثر.

بالنسبة لزيارة روسيا، نعم هي خرق استراتيجي لحماس، مع أن البعض داخل حماس رفض الزيارة على أساس أنه من المعيب أن نقبل دعوة من روسيا التي تحارب "إخوتنا الشيشان". أنا أتحدث عن قوى لها تأثير بالفعل في قضية التهدئة التي منحت حماس مشروعية معينة على الصعيد الفلسطيني، وداخل حماس هناك تيار قوي جداً ضدها. ما أقصد هو أن التيارات داخل القوى يمكن أن تؤثر بشكل أو بآخر، والسياسة ليست هي العنصر الحاسم في تحديد الموقف الأخير.

أنا اليوم أتحدث عن فتح/الداخل. فتح يقودها "إمام غائب" مع وكيلين، و"الإمام الغائب" هو الآن البرغوثي، ومن المحتمل أنه حين يخرج من السجن سوف تهينه فتح في البداية، لكن طالما هو في السجن يبقى له وكيلان؛ أحدهما رجوب في الضفة الغربية والثاني دحلان في غزة، وكلاهما يكره البرغوثي الذي صار له درجة معينة بغياب الزعيم عرفات.

بالنسبة لـ أبو مازن، هو أيضاً مفضّل في الساحة الفلسطينية، وهذه قيمته بتقديري. على الصعيد السياسي له درجة معينة من المصداقية تأخذها كل قيادة فتح بنظر الآخرين. أي بمعنى أن شخصاً مثل (أبو مازن) حين يجتمع بحماس، فإن لحماس درجة معينة من الموثوقية تجاهه. إنه يتحدث بدون مواربة، كرأيه الذي يقول بأن إلقاء حجر على الإسرائيليين خطر على المصلحة الفلسطينية. هو يؤمن بهذا؛ لهذا فإن حماس قريبة منه، وذلك لسبب بسيط هو أن هذا الكلام يفيد ضمناً بأن الذي يرفض أن يرمي حجراً على الإسرائيليين لأنه خطر على الشعب الفلسطيني يرفض أن يوجّه سلاحاً بوجه فلسطيني آخر. وبالتالي، فقد خلق هذا الأمر درجة معينة من الثقة بالسيد (أبو مازن) وخصوصاً في اللجنة المركزية لفتح التي قالت عنه مرة بأنه خائن، لكن في نفس الوقت عند أول أزمة واجهتها فتح كلّهم التقوا حوله وأتوا به بوصفه الزعيم الأوحد، وأعطته اللجنة المركزية لفتح أكثر مما كانت تعطيه لعرفات. أتى هذا الحديث لتوضيح الإشكاليات تجاه المسائل التي طرحت آنفاً.

برأيي أنه لو توحدت فتح وأجّلت الانتخابات ولو ليوم واحد لرأيتم أن النتيجة ستكون مختلفة بسبب تعدد العوامل التي دفعت الناس لتحديد ما يرغبون. أنا لي أقارب عائلة فتحاوية في عمارة يسكن فيها أكثر من (40) عائلة، ولي أخت في بيتها (75) شخصاً، راحوا إلى الانتخابات فسألوا السائق: ألا تنتظرنا ؟ قال لهم: جئت فقط لأوصلكم؛ فانتخبوا لائحة حماس ولم ينتخبوا لائحة فتح!

إذن؛ دوافع الناس مختلفة، وهناك جملة عوامل، منها ما نعرفه وما لا نعرفه، وعليه فإننا نخطئ إن بالغنا بانتصار حماس!

أ. حميدي العبدالله

 ما قصدته هو أن تيار الشباب من الذين كانوا حول الرئيس عرفات والتيار الذي يضم كتائب الأقصى كانوا على خلاف مع التركيبة الرسمية لفتح. وهذه الخلافات سياسية وليست تنظيمية؛ بمعنى أن الموالين يطرحون بأنهم أقاموا مؤتمراً عاماً وانتخابات ديموقراطية، لكن في واقع الحال، الذين تبنّوا كتائب الأقصى لديهم ملاحظات جوهرية على مجمل الخط السياسي الذي انتهجته القيادة الرسمية.

إذا أخذنا مثلاً (اللجنة الحركية العليا) في الضفة الغربية؛ نجد أن شبابها أعلنوا أكثر من مرة (على الملأ) أنهم يختلفون مع القيادة الرسمية في موضوع الكفاح المسلّح. حتى العمليات الاستشهادية كان لهؤلاء الشباب موقف ثابت مؤيد لها، في الوقت الذي كانت فيه القيادة الرسمية تتأرجح بين موقفين:

-         أبو مازن الذي يتحدث عن رفض العمليات بالمطلق.

-         ياسر عرفات كان له طريقان حيالها.

يقول "الرافضون" بأن التسوية بدون مقاومة مع "إسرائيل" غير ممكنة هذه خلافات سياسية وبرنامجية.. ولو أنها لم تصل إلى درجة الانشقاق... لكن علينا أن نلحظ التمايزات التي لها علاقة بموضوع الفساد، ومراكز القوى السياسية أيضاً. إلا أن لكن التلاوين الثلاثة تعكس اجتهادات داخل حركة فتح لها بعد سياسي كبير.

إن من حمى الساحة الفلسطينية خلال الفترة السابقة (فترة الزلازل التي أعقبت أحداث 11 أيلول) من حرب أهلية هي المقاومة. وقد استمرت هذه المقاومة، وكان التيار المقاوم في فتح يعارض بقوة "جماعة التسوية" داخل السلطة.

ما أقصده هو أن فتح ما عادت فتح. هي حالياً عدة تيارات تتفاعل في الساحة الفلسطينية ككل، والقناعة الأبرز بأن برنامج التسوية وصل إلى طريق مسدود، ليس فقط عند حماس أو عند الفصائل الأخرى، بل داخل فتح أيضاً وكل الشعب الفلسطيني. إذن، يجب العمل على أرضية سياسية جديدة نقرأ على أساسها حركة التناقضات الفلسطينية.

أ. حلمي موسى

إن الوقائع التي تحصل أمامنا تؤكد صحة تقديراتنا... كانت هناك هيمنة لفتح في الانتخابات حيث صارت هناك هيمنة لحماس.. هناك ترتيب وليس تغيير... وكما جاءت حماس من مصدر المقاومة، كذلك فإن فتح حين سيطرت أتت من المقاومة، وليس من موقع نقابي. ونحن نسأل قيادة حماس: هل أنتم من طينة أخرى أم من نفس الطينة، نحن أولاد شعب واحد، نتأثر بقلوبنا وتعليمنا.. إلخ.

الأيديولوجية قشور... وليست هي من يحدد للناس جوهر كل السلوك... فهي تعطي لسلوكنا معنى أو مبرراً... ولولا كان الوضع غير هذا لرأينا كل الناس على أيديولوجية واحدة!

على هذا الأساس أشعر –وعن تجربة- أن أحد عوامل الفشل التي تخصّ التجربة الاشتراكية، هو أن ماركس كان يقول بأن الدولة الاشتراكية الأولى يجب أن تأتي في المكان الأكثر تطوراً في المجتمعات. لكنها جاءت نسبياً من بين المجتمعات التي كانت أقل تطوراً والتي حدد فيها ما سمي بالتواجد الاستراتيجي.

الآن؛ أحد ما يقول بأن أسباب فشل الثورة الاشتراكية أنها لم تبدأ من المكان الأكثر تطوراً، بل بدأت في المكان الأكثر تخلّفاً. فلسطين اليوم على الصعيد الإسلامي ليست المكان الأكثر تنويراً، عدا فكرة المقاومة تقريباً.

فالحركة الإسلامية الفلسطينية ليس لديها ما تضيفه إلى الواقع الإسلامي في المنطقة العربية، على صعيد إدارة المجتمع وجملة الظروف الأخرى... للإقبال على التغيير تنحصر مهمة الحركات الإسلامية في الوجهة السياسية. وإن أخطر ما في حياة المجتمعات هو الموقف السياسي، وذلك لسبب بسيط وهو أنه ليس أسهل من تغيير الموقف السياسي!

يكفي أن ننظر إلى كثير من الناس من الذين كانوا يساريين وهم اليوم "يبررون" للإسلاميين أو لليبراليين أو للأمريكان... إلخ. إذا أخذ الموقف السياسي هو بنصف المعيار، وبتقديري تكمن الخطورة في هذه النقطة. لكن في الموقف البنائي تستطيع بناء مؤسسة أو غيرها بناء على مجموعة قيم أخلاقية، وهذا لا يعني أن الموقف السياسي بدون معنى. بالعكس، الموقف السياسي معبّر عن حق وعن إدراك للمعطى، وهذا مهم جداً.

الواقع الفلسطيني الراهن هو واقع معقّد، لا يتجه نحو حلول للمأزق والمعضلات القائمة، وإنما يتجه نحو أزمات أكثر وأكبر. 

 

 

 

 

 


 


· المشاركون في الندوة: المدير العام لمركز باحث للدراسات: أ. وليد محمد علي، نائب مدير المركز: أ. حسن صعب، الدكتور عصام نعمان (وزير سابق...)، الدكتور طلال عتريسي (مدير معهد العلوم الاجتماعية- باحث متخصص)، الدكتور ساري حنفي (أستاذ جامعي وباحث)، الدكتور غسان العزي (أستاذ جامعي/علاقات دولية)، أ. حميدي العبدالله (باحث فلسطيني)، أ. محمود العلي (باحث فلسطيني)، الدكتور علي فياض (مدير المركز الاستشاري/أستاذ جامعي)، الدكتور محمد النابلسي (مدير مركز الدراسات المستقبلية)، الدكتور خلدون الشريف (ناشط سياسي-لبنان)، أ. حلمي موسى (متخصص في الشؤون "الإسرائيلية")، أ. عبد الحليم فضل الله (نائب مدير المركز الاستشاري)، أ. أبو حسن تيسير (باحث فلسطيني).

· تعرض للاتهام بمعاداة السامية لأنه انتقد صحفياً يهودياً!

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة