|
قدمت هذه الورقة إلى مؤتمر الفكر السياسي الذي عقد في غزة
بتاريخ 15 أيار ذكر الثامنة والخمسون لنكبة فلسطين
المقتلعون الفلسطينيون بين مفهومي
النزوح واللجوء
وليد محمد علي
المدير العام لمركز "باحث للدراسات"
بسم الله الرحمن الرحيم
توطئة
إنطلق المشروع الصهيوني تجاه فلسطين من مقولة زائفة ومضللة،
وذات دلالات عنصرية عميقة "أرض بلا شعب" لـ "شعب بلا أرض"...
وعلى تلك المقولة تأسست الممارسة العنصرية الصهيونية. فلكي
تصبح فلسطين "أرضاً بلا شعب"، لا بد من اقتلاع شعبها ونفيه
خارج أرضه... ولكي يصبح أتباع "الديانة اليهودية" شعباً بلا
أرض لا بد من اقتلاعهم من بلدانهم وتسهيل أمر استعمارهم
استيطانياً لأرض فلسطين... ومن هنا كانت قضية الفلسطينيين
الذين بدأ اقتلاعهم منذ الأيام الأولى لتجسيد المشروع الصهيوني
فوق أرض فلسطين المستمر إلى يومنا هذا ومادام قادراً على فرض
مشاريعه ومخططاته لاستكمال تهويد فلسطين وبناء الدولة اليهودية
فوق ترابها المبارك...
لقد بدأت مأساة اللاجئين تأخذ شكلها الجماعي الموثق منذ ما
يربو على سبعة وخمسين عاما،ً وتحديداً مع إعلان الكيان
الصهيوني فوق 78% من أرض فلسطين عام 1948.
ينقسم المقتلعون الفلسطينيون إلى خمسة مكوّنات رئيسة:
-
الأول: اللاجئون الذين اقتلعوا من فلسطين التي احتلت عام 1948،
وهم المكوّن الأساسي من المقتلعين الفلسطينيين...
-
الثاني: النازحون، وهم من هجّروا من بيوتهم للمرة الأولى في
العام 1967 إثر الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة...
-
الثالث: المقتلعون الفلسطينيون الذين غادروا في فترات زمنية
مختلفة ولأسباب مختلفة، أهمها العدوان الثلاثي عام 1956 الذي
احتل فيه الصهاينة قطاع غزة (وصحراء سيناء)، أو من ألغيت
"تصاريح إقاماتهم""،
أو من طردوا في عمليات الإبعاد المتكررة... إلخ.
-
الرابع: المقتلعون ضمن فلسطين المحتلة عام 1948، وهم الذين لم
يغادروا الجزء المحتل من فلسطين عام 1948، ولكنهم غادروا مدنهم
أو قراهم لأيام معدودة لأسباب خاصة أو قسرية ومنعوا من العودة
إليها...
-
الخامس: المقتلعون داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، وهم الذين
أرغمهم الاحتلال أو الظروف القسرية على مغادرة مدنهم وقراهم أو
مخيماتهم وخاصة من قطاع غزة إلى الضفة الغربية...
تعريفات ومصطلحات وإحصاءات
يمكن القول بادئ ذي بدء إن سجلات المقتلعين الفلسطينيين تفتقر
بشكل عام إلى الانتظام والدقة والتحديث الدوري، رغم أن سجلات
وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) هي الأكثر
انتظاماً ودقة وتحديثاً. إلا أن عدم شمول إحصاءات الأونروا
لأعداد اللاجئين والنازحين خارج مناطق عملها (الضفة الغربية،
قطاع غزة، الأردن، سوريا، ولبنان)، إضافة إلى تكرار عمليات
الاقتلاع الفردية، والمجموعات الصغيرة، وغياب تعريف واضح
للاجئين والنازحين الفلسطينيين، كل ذلك أدى إلى وجود الكثير من
النواقص والفجوات المعلوماتية في سجلات الأونروا التي تعتبر
نظام التسجيل الوحيد المعترف به دولياً، رغم أنها لا تغطي إلا
نحو 55% من تعداد المقتلعين الفلسطينيين (ونسلهم).
يبلغ عدد الفلسطينيين اليوم نحو ثمانية ملايين نسمة، منهم نحو
46% لا زالوا منغرسين في أرض فلسطين التاريخية (13% في أراضي
فلسطين التي احتلت عام 1948، 33% في أراضي الضفة الغربية وقطاع
غزة)، ونحو 41% في الدول العربية المجاورة لفلسطين المحتلة. أي
إن نحو 87% من أبناء فلسطين -رغم كل الظلم والمعاناة والقهر
الذي لحق بهم- لا زالوا منزرعين في ثرى فلسطين أو في جوارها
يبذلون ما هو فوق الطاقة من أجل تحرير وطنهم والعودة إليه.
في ورقتنا هذه سنركز على الفئتين الرئيسيتين للمقتلعين
الفلسطينيين: اللاجئون والنازحون.
اللاجئون
تعريف اللاجئ: تؤكد معظم المصادر الإحصائية أن أكثر من 800 ألف
فلسطيني وفق إحصاءات الأونروا قد اقتلعوا عام 1948 من مدنهم
وقراهم التي دمر الصهاينة جزءاً كبيراً منها. (لقد دمر
الصهاينة في تلك الفترة نحو 500 قرية، وأزالوا معالمها عن
الوجود بعد ذلك بسنوات قليلة)...
ويبلغ عدد اللاجئين وفق إحصاءات الأونروا المنشورة عام 2000
نحو 3.4 مليون لاجئ (تشير التقديرات الفلسطينية إلى أن العدد
الكلي للاجئين يبلغ نحو خمسة ملايين)...
إضافة إلى 200 ألف مقتلع فلسطيني لا زال في الأراضي المحتلة
منذ عام 1948 فقد أوردت الأونروا أن لديها من اللاجئين
المسجلين في 59 مخيماً:
-
750 ألفاً في قطاع غزة موزعين في ثمانية مخيمات.
-
542 ألفاً في الضفة الغربية موزعين في تسعة عشر مخيماً.
-
1.4 مليون في الأردن موزعين في عشرة مخيمات.
-
365 ألفاً في سوريا موزعين في عشرة مخيمات.
-
359 ألفاً في لبنان موزعين في اثني عشر مخيماً.
ورغم كل السنين التي مرت والمعاناة التي لا تضاهيها معاناة
فليس هناك من تعريف حاسم وقاطع بعد لـ"اللاجئ الفلسطيني"...
فوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تعرّف اللاجئ
وفقاً للغرض الذي أسست من أجله ووفقاً لمجال نشاطها. فاللاجئ
الفلسطيني هو: "الشخص الذي كانت فلسطين موطن سكنه الطبيعي لمدة
عامين على الأقل قبل سنة 1948، والذي فقد نتيجة لحرب 1948
"مسكنه" ووسائل عيشه ولجأ إلى إحدى "الدول". وينسحب هذا
التعريف على أولاده وأحفاده.
وهذا يعني أن القوى المسيطرة على الأمم المتحدة استثنت "اللاجئ
الفلسطيني" من التعريف الذي جاء في نص الميثاق الخاص بوضع
اللاجئ –ميثاق 1951، والذي جاء في المادة 1.أ فقرة 2 منه وكذلك
في بروتوكول عام 1967 الخاص به:
"ينطبق مصطلح لاجئ على أي شخص ... مقيم خارج وطنه بسبب خوف
مبرر من التعرض للاضطهاد لأسباب العرق، الدين، الجنسية،
العضوية في مجموعة معينة أو رأي سياسي، وغير قادر أو غير راغب
بسبب الخوف أن يستفيد من حماية هذا البلد له أو لا يملك
الجنسية وكونه خارج بلد إقامته الرسمية لا يستطيع، أو بسبب
الخوف، لا يرغب في العودة إلى وطنه"...
أما اللاجئون الفلسطينيون، المسجلون في سجلات وكالة الأمم
المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى،
فقد تم استثناؤهم قانونياً من ذلك تعريف ذلك الميثاق حيث نصت
المادة الفقرة -1.د على ما يلي:
"عدم جواز تطبيق تعريف هذا "الميثاق" على الأشخاص الذين
يتلقّون في الوقت الحاضر حماية ومعونة من أجهزة ووكالات الأمم
المتحدة غير المفوضية العليا للاجئين"...
مما سبق يمكن للباحث المهتم والمتابع أن يستنتج أن تعريف
"اللاجئ الفلسطيني" تُرك فضفاضاً ومليئاً بالثغرات بما يمكّن
العدو الصهيوني من منع الشعب الفلسطيني من العودة إلى دياره
وتقرير مصيره فوق تراب وطنه على أساس هذا التعريف.
فتعريف الأونروا للاجئ لم يشمل فقط المقتلعين الفلسطينيين من
ديارهم بل شمل فئات أخرى كما سجلنا سابقاً. في ذات الوقت هو لا
يشمل الفلسطينيين الذين اقتلعوا من ديارهم في مراحل الصراع
اللاحق قبل وبعد نكبة عام 1948، الذين لا ينطبق عليهم تعريف
الأونروا "للاجئ"، وكذلك لا تعترف مفوضية اللاجئين بشمولهم
بصلاحياتها، رغم انطباق تعريف اللاجئ الوارد في ميثاق 1951،
وبروتوكول 1967 عليهم.
أما التعريف الذي قدمه رئيس الجانب الفلسطيني في الوفد
الفلسطيني-الأردني المشترك خلال الجلسة الأولى لمجموعة العمل
الخاصة باللاجئين في أوتاوا (أيار 1992) فقد جاء فيه:
"اللاجئون الفلسطينيون هم كل الفلسطينيين وذرياتهم الذين طردوا
من/أو أجبروا على ترك بيوتهم في الفترة الممتدة ما بين تشرين
الثاني 1947 (قرار التقسيم) وكانون الثاني 1949 (اتفاقية رودس)
من المنطقة الخاضعة لسيطرة "إسرائيل" في كانون الثاني 1949".
ويتطابق التعريف الذي قدمه رئيس الجانب الفلسطيني في مفاوضات
(أوتاوا 1992) مع التعريف الصهيوني "للغائبين" أو الفلسطينيين
الذين تم تجريدهم من أهم حقوقهم الإنسانية والمدنية...
ورغم أن هذا التعريف في جوانب معينة يمكن اعتباره أوسع من
تعريف الأونروا، حيث لا يقتصر على اللاجئين المسجلين رسمياً في
سجلات "الأونروا"، لكنه أيضاً لا يشمل كل المقتلعين واللاجئين
الفلسطينيين، سواء الذين غادروا قبل قرار التقسيم أو الذين
غادروا في مراحل مختلفة بعد كانون الثاني 1949.
بعد "اتفاقيات أوسلو" .. وبعد الفصل الواضح بين آليات العمل
لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين اقتلعوا من ديارهم إبان
نكبة فلسطين عام 1948، وما اصطلح على تسميته "قضية النازحين"
حيث تم فصل قضيتهم وتكليف اللجنة رباعية الأطراف (الكيان
الصهيوني، مصر، الأردن، م.ت.ف) بها، الأمر الذي انعكس على
التعريف الذي أعدّته دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير
الفلسطينية... ليقدم أثناء محادثات الحل النهائي لقضية
اللاجئين وجاء التعريف كالتالي:
اللاجئ الفلسطيني هو:
أي شخص
أ.
كان في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 أو بعد هذا
التاريخ، مواطناً فلسطينياً وفقاً لقانون المواطنة الفلسطينية
الصادر في الرابع والعشرين من تموز 1925، أو كان في التاريخ
المذكور أعلاه أو بعده مقيماً بشكل دائم في فلسطين ولم يكن
مواطناً في أي بلد آخر أو كانت جنسيته غير محددة وغير واضحة.
ب.
كان مكان إقامته الطبيعي في فلسطين/في المناطق التي أصبحت
لاحقاً تحت سيطرة دولة "إسرائيل" بين أيار 1948 و20 تموز 1949.
ت.
أجبر على ترك مكان إقامته الطبيعي بسبب الحرب، ولم يكن بإمكانه
الرجوع إليه نتيجة إجراءات وممارسات السلطات "الإسرائيلية".
ث.
كان خارج مكان إقامته الطبيعي في فلسطين في 29 تشرين الثاني
1947، أو بعد هذا التاريخ، ولم يكن بإمكانه الرجوع إليه بسبب
الحرب أو نتيجة إجراءات وممارسات السلطات "الإسرائيلية".
ج.
فقد في أي وقت بين 29 تشرين الثاني 1947 و 20 تموز 1949 مصدر
رزقه نتيجة الحرب، أو بسبب إجراءات وممارسات السلطات
"الإسرائيلية" سواء كان هذا اللاجئ أو اللاجئة:
-
أحد سكان القرى الحدودية في الضفة الغربية الذي فقد حق الوصول
إلى أراضيه الزراعية بسبب خضوعها للسيطرة "الإسرائيلية".
-
أحد سكان الضفة الغربية أو قطاع غزة الذي فقد عمله في المناطق
الخاضعة لسيطرة "إسرائيل".
-
أحد أفراد القبائل البدوية، أو شبه البدوية الذي لم يعد
بإمكانه الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة "إسرائيل"، حيث كان
يقوم سابقاً برعي ماشيته والمتاجرة بها لاحقاً.
2- ذرية اللاجئين الفلسطينيين وأزواجهم/زوجاتهم من اللاجئين
الفلسطينيين حسب تعريف اللاجئين المذكور أعلاه، سواء كان هؤلاء
الأشخاص على قيد الحياة أولا.
النازحون
النازح/النازحون مصطلح ظهر في العقود الأخيرة من النصف الثاني
للقرن العشرين بهدف تجزئة حق العودة للفلسطينيين الذين اقتلعوا
من وطنهم في مراحل الصراع المختلفة مع العدو الصهيوني. لذا لن
نجد تعريفاً متفقاً عليه لهذا المصطلح.
ويمكن القول بشكل عام (مادمنا نتحدث عن المقتلعين
الفلسطينيين) إن تعبير (نازح/نازحون) يطلق على المقتلعين الذين
جرى اقتلاعهم لأسباب وبوسائل متعددة أثناء عدوان حزيران عام
1967 أو بعد ذلك. ويجب الالتفات هنا إلى أن بعض من أطلق عليه
صفة (نازح/نازحون) هم ذوو صفة مزدوجة، أي إنهم لاجئون من الذين
اقتلعوا من قراهم ومدنهم عام 1948، وكانوا يقيمون في الضفة
الغربية وقطاع غزة حتى عدوان حزيران 1967.
"وقد نصت المادة (12)- من إعلان المبادئ "أوسلو" على تشكيل
لجنة رباعية من مصر، الأردن، "إسرائيل" وفلسطين، وبحث الأمور
التي تهم الأطراف جميعاً. وتم إقرار تأسيس اللجنة على مستوى
وزراء الخارجية كلجنة دائمة، ويتفرع منها لجان فرعية على
المستوى الفني لموظفين رفيعي المستوى.
وهكذا فإنه يدخل ضمن اصطلاح النازحين خمس فئات رئيسية هي:
الفئة الأولى
هي التي نزحت مع بدء العمليات العسكرية في حرب حزيران عام
1967، وحتى بداية أول إحصاء "إسرائيلي" للسكان الفلسطينيين في
شهر أيلول من نفس العام، وهي تشمل أيضاً سكان القرى الثلاث (عمواس،
يالو، وبيت نوبا) التي أزالتها قوات الاحتلال من الوجود.
الفئة الثانية
هي التي كان مكان إقامة أفرادها العادي والدائم في الضفة
الغربية وقطاع غزة والقدس، وذلك لغاية ساعات الصفر في حرب
1967، ولكن لحظة وقوع الحرب كانوا موجودين خارج الضفة الغربية
وقطاع غزة والقدس بشكل مؤقت، لأغراض الدراسة أو العلاج أو
العمل، وحال وقوع الحرب دون تمكنهم من العودة إلى وطنهم.
الفئة الثالثة
هي التي تشمل جميع الأشخاص الذين حالت الأوامر العسكرية
والإدارية "الإسرائيلية" دون عودتهم لمدنهم وقراهم ومخيماتهم
في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وذلك رغم حصولهم على
بطاقات الهوية الصادرة عن سلطات الاحتلال العسكرية، وخروجهم
بتصاريح أو وثائق سفر "إسرائيلية" انتهت مدتها دون أن يتمكنوا
من العودة.
الفئة الرابعة
وهي التي تشمل كل الأشخاص الذين أبعدوا قسراً إلى خارج الضفة
الغربية وقطاع غزة والقدس، بأسلوب سافر ومعروف بحجج أمنية
وغيرها.
الفئة الخامسة
وهي التي تشمل نسل الفئات الأربع السابقة.
ومع ذلك فإن "إسرائيل" أصرت على عدم التسليم بهذا التعريف
للنازحين، وذلك في اجتماعات اللجنة المستمرة الرباعية، ولم
تتفق على تحديد تعريف عام وشامل لكل النازحين. كما أصرت
"إسرائيل" على موقفها في اجتماعات لجنة الخبراء المنبثقة عن
اللجنة "المستمرة الرباعية"، والتي عقدت في القاهرة بتاريخ
21/2/1996، ولم تستطع الوفود إقناع الوفد "الإسرائيلي" بأن
أحفاد النازحين ممن كانوا يقيمون في فلسطين خلال حرب 1967 هم
أيضاً من النازحين، أسوة باليهود الألمان "ضحايا المذابح
النازية" حتى عام 1945 والذين تطالب "إسرائيل" من ألمانيا
بالتعويض عليهم وعلى أحفادهم حتى سنة 1946، كما جاء ذلك في
خطاب حاييم وايزمن رئيس الدولة اليهودية أمام برلمان أوروبا في
ستراسبورغ في ديسمبر 1996. وحاولت الوفود المجتمعة تجاوز هذه
المعضلة ببحث المصادر التي اعتمدها كل طرف لاستقاء معلوماته
منها حول عدد النازحين إثر حرب 1967، واتفق على تخصيص
الاجتماعات اللاحقة لها لبحث هذا الموضوع بالإضافة إلى طرق
وأشكال عودة هؤلاء.
المقتلعون الفلسطينيون والمسؤولية الدولية..
"إن حرمان الضحايا الأبرياء من حقهم من العودة إلى منازلهم،
والسماح للمهاجرين اليهود بالقدوم إلى فلسطين، يعتبران اعتداء
على المبادئ الأساسية للعدالة. وفي الواقع فإن ذلك يهدد على
الأقل باستبدال اللاجئين العرب الذين زرعوا تلك الأرض عبر
قرون"... هذه هي العبارة التي سجلها الوسيط الدولي في فلسطين "الكونت
فولك برنادوت" في تقريره الذي قدمه إلى الأمم المتحدة في
16/9/1948، والتي دفع حياته ثمناً لها، حيث اغتالته عصابات
الإرهاب الصهيوني "شتيرن" بتاريخ 17/9/1948. (أي بعد يوم واحد
من تقديمه التقرير).
وعلى أساس تقرير "برنادوت" صدر القرار الشهير رقم 194، والذي
تنص فقرته -11- على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم،
كما شكّلت بموجب ذلك القرار "لجنة التوفيق الدولية في فلسطين"
من مندوبين عن: أمريكا، فرنسا وتركيا.
إن سلطات الانتداب البريطاني، التي دعمت وسهلت مهمة العصابات
الصهيونية وتواطأت مع الوكالة اليهودية لاستجلاب المستعمرين
اليهودن وضغطت على الفلسطينيين وأعاقت استعداداتهم للدفاع عن
وجودهم، كما الأسرة الدولية التي أصدرت قرار تقسيم فلسطين
-181، والذي منحت (وهي لا تملك) 54% من أرض فلسطين إلى من لا
يستحق (العصابات الصهيونية)، تتحمل جميعها المسؤولية العملية
والسياسية والأخلاقية الكاملة حيال كارثة اقتلاع الشعب
الفلسطيني من أرضه، وهي جريمة مستمرة، لا يكاد يوجد مثيل لها،
وهي من الحالات النادرة التي لا زال ضحاياها يعيشون المعاناة
التي تتجاوز طاقة البشر على التحمل.
في دراسة للباحث المتخصص "تيري رمبل" بحسب تقرير مفوضية الأمم
المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 1998، فإن كل اتفاق سلام رئيسي
تقريباً عقد في العالم منذ العام 1997، يحتوي على شروط تتعلق
بعودة السكان النازحين". وفي بعض الأحيان استخدمت القوة
الدولية لإعادة اللاجئين كما حدث مع اللاجئين الألبان الذين
تمت إعادتهم إلى ديارهم في كوسوفو قبل سنوات.
ولكن الكيل بمعايير مزدوجة هو الذي يجعل الكيان الصهيوني
استثناء فوقياً في الواقع السياسي الدولي، وهو الذي يضع الشعب
الفلسطيني كاستثناء مأساوي في الحالة العامة لشعوب الأرض قاطبة
خاصة فيما يتعلق بمسألة اللاجئين المقتلعين من ديارهم.
فاللاجئون الفلسطينيون وحدهم المحرومون من حق العودة إلى
ديارهم. كما إنهم الوحيدون المستثنون من حماية المفوضية العليا
لشؤون اللاجئين.
الموقف الفلسطيني من قضية المقتلعين الفلسطينيين
تميز الموقف الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية (ولمجمل الفصائل
الفلسطينية) بالانسجام التام مع الموقف الشعبي الفلسطيني
المتمسك بحق العودة للديار التي اقتلع منها الفلسطينيون على
مدى سنوات الصراع مع العدو الصهيوني. وكان هناك ترابط دائم ما
بين حق العودة وإنجاز التحرير. وقد استمر ذلك الموقف الرسمي
حتى تبنى المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشر
المنعقدة في القاهرة عام 1974، برنامج النقاط العشر الذي سجل
إمكانية القبول بالقرار 242، الذي يعترف بشرعية الكيان
الصهيوني فوق الأراضي التي اغتصبت عام 1948 إذا ما تم التعامل
مع القضية الفلسطينية كقضية سياسية. وتبلور الانحراف عن الموقف
الشعبي الفلسطيني المتمسك بحق العودة عند توقيع اتفاقيات أوسلو
وما تبعها... فجرى الفصل بين قضية المقتلعين الفلسطينيين عام
1948، تحت اسم "اللاجئين" وقضية المقتلعين عام 1967 تحت اسم
"النازحين"، حيث تم تأجيل البحث في قضية اللاجئين إلى ما يسمى
"مفاوضات الحل النهائي" التي لا يبدو في الأفق أي موعد واقعي
لبدئها.
وتقدم في هذه المرحلة بعض القيادات الرسمية الفلسطينية (عبر
تصريحات ومبادرات) إشارات واضحة حول الاستعداد لقبول الموقف
الصهيوني الرافض لحق عودة اللاجئين إلى الديار والممتلكات التي
اغتصبت منهم عام 1948.
الموقف الصهيوني
لا يزال الموقف الصهيوني من قضية المقتلعين الفلسطينيين
منسجماً مع حقيقة أن الكيان الصهيوني تأسس على حساب الشعب
الفلسطيني، تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً.
لذا فإن هذا الكيان يرفض تحمل أي قدر من المسؤولية المعنوية أو
المادية عن معاناة المقتلعين الفلسطينيين، ويصر قادة الصهاينة
بتلاوينهم الفكرية (اليسار واليمين) على رفض عودة هؤلاء. وإن
كان هناك قبول من البعض بمبدأ عودة اللاجئين إلى مناطق "الدولة
الفلسطينية العتيدة"، فهو مشروط بحصولهم على أثمان باهظة
(الصهاينة) من المجتمع الدولي والدول العربية ومن الفلسطينيين
أنفسهم، ليس أقلها المقايضة بحق عودة اللاجئين إلى فلسطين
المحتلة منذ العام 1948.
إن القيّمين على المشروع الصهيوني يرون في عودة اللاجئين إلى
ديارهم تصفية لمشروع "الدولة اليهودية"، وإن كانوا أحياناً
يعتقدون أنهم يموّهون على موقفهم العنصري من خلال الادعاء بأن
الرقعة الجغرافية الضيقة لفلسطين لا تتسع لملايين العرب
العائدين!
ولكن هل يصمد هذا المنطق الصهيوني أمام الحقيقة؟ أليس من حق
الفلسطيني أن يعود إلى وطنه كأي إنسان فوق هذه الكرة الأرضية؟
هل أرض فلسطين تتسع "ليهود العالم" الذين تعمل الحركة
الصهيونية ليل نهار لاقتلاعهم من أوطانهم وجلبهم إلى فلسطين،
ولا تتسع لأهل فلسطين المقتلعين منها؟ أية دولة عنصرية تريدها
الحركة الصهيونية بحجة المحافظة على تشكلها "كدولة يهودية؟ أية
قيم إنسانية تبرر اقتلاع الإنسان من مسكنه وأرضه ومنعه من
العودة إليها؟
ماذا لو سعى آخرون لتطبيق هذا المنطق العنصري الصهيوني؟ ألا
يحمل ذلك بذور دعوة للاحتراب العالمي وللتطاحن المفتوح وفق
منطق لا يقبله إلا المجانين المصابون بمرض معركة "هارمجدون"!
خاتمة
إن من بين أهم أهداف الكيان الصهيوني، من خلال إصراره على
التمييز بين "اللاجئين" و"النازحين"، هو تجزئة القضية
الفلسطينية وتفتيت الهوية الواحدة للشعب الفلسطيني، وتقسيمه
إلى أقسام وفئات لها مصالح مختلفة، بل ومتناقضة أحياناً
وعليه، فإن ما يجب الإلفات إليه في هذه المرحلة التاريخية
الدقيقة التي تمر بها القضية الفلسطينية هو حملة الضغط المنظمة
التي تشارك فيها أطراف متعددة لا تقتصر على الكيان الصهيوني
والولايات المتحدة، من أجل دفع الجانب الرسمي الفلسطيني للقبول
بمقايضة "دولة فلسطينية" غير ذات سيادة كاملة بحق العودة.
والمطلوب أكثر من أي وقت مضى العمل لتعزيز قوى الممانعة
الفلسطينية بالمعنى الواسع للكلمة ورص صفوفها لمنع الانزلاق
نحو تصفية العصب المركزي للقضية الفلسطينية -قضية اللاجئين-
خدمة لمصالح شخصية أو فئوية ضيقة.
هذا المنطق العنصري الصهيوني، لا يمكن أن يقنع الرأي العام
العالمي الذي يسير قدماً نحو الرفض الحاسم لكل أشكال العنصرية
والتمييز العنصري. ولكن لتسريع عملية انكشاف الوجه العنصري
القبيح للصهيونية لا بد من العمل لاستيلاد مشروع وطني فلسطيني
منطلق من العمق الحضاري الإنساني للعقيدة والحضارة العربية
والإسلامية.
|