|
في الذكرى 59 للنكبة.. إلى أين تتجه صورة المخيم؟
بقلم: أنور حمام
مقدمة:
يعاني المخيم هذه الأيام معضلة وجودية حادة تتعلق به كمكان كان
من المفترض أن يكون منتجا لكل ما أنيط به من ادوار تاريخية -
نضالية، فهو يعاني من نظرة المحيط الاجتماعي له كمكان، وهذه
النظرة التي لا تخلو من أفكار مسبقة ومعلومات خاطئة في أحيان
كثيرة ومبالغ فيها عادةً، ولكن ما يلفت الانتباه ما يلاحظ من
مواقف وتمثلات للاجئين لأنفسهم من جهة، ومن جهة أخرى موقف
اللاجئين أنفسهم اتجاه المخيم كمكان وفضاء –اجتماعي- اقتصادي
-نضالي عادة ما كان مصدر فخر وامتلاء لهم، تلك الصورة
التقليدية بدأت تتصدع أمام متغيرات عاشها ويعيشها المخيم،
والتي بدأت تدفع باتجاه إلصاق صور وقيم وتصورات وآراء حول
المخيم تتناقض بل تشوه تاريخا كاملا من الكفاح والالتزام
والألم والمعاناة والصبر، وفي هذا السياق سيتم معالجة سريعة
لصورة المخيم والمراحل التي مرت بها والتأثيرات التي خضعت لها
انطلاقا من العام 1948 ولغاية الآن، وتسليط الضوء على الأسباب
الكامنة وراء تغير المواقف والصور في كل مرحلة.
بعد النكبة – مرحلة العزلة والضياع..
بعد نكبة عام 1948 تعرض اللاجئين الهائمين على وجوههم لسلسلة
من التشويهات والنظرة السيئة حولهم، فقد تم التعامل معهم على
طول حقبة الخمسينات باعتبارهم الهاربين من الأرض، والبيت ومصدر
الرزق، وتعرضوا لعملية عزلة قاسية فرضتها حالة الجهل وغياب
المعلومات الدقيقة حول مجريات الأمور. وضعف الرواية الفلسطينية
أمام الرواية الصهيونية، والوقوع تحت تأثير هذه الرواية حول
مجريات اللجوء والتي كانت تركز على اعتبار أن اللاجئين هاربين
وبائعين للأرض والأملاك، وهذه الرواية دفعت لتحميل اللاجئين
أنفسهم مسؤولية ما حدث، وترافقت هذه الصورة مع اضطهاد سياسي
عانى منه مجتمع اللاجئين في المخيمات وأوضاع اقتصادية بمنتهى
البؤس. مهما يكن فقد نظر للمخيم كمكان خاص لجماعة تائهة هاربة،
فاللاجئ حسب المحيط الاجتماعي الذي وجد فيه عنوة، هو إنسان
تتناقض الصور حوله والتمثلات والمواقف فهو"الهارب" و"المطرود"
و"المجتث" و"بائع الأرض" و"المقتلع منها" وهو "النتيجة والسبب"
في آن واحد لما ألت إليه أموره، وزاد من حالة العزلة والضياع
في هذه المرحلة شكل المخيم كمجتمع جديد مستحدث ومركب من
مجموعات وعشائر وحمايل وقرى ومدن وخرب وبدو وأشباه بدو تكدسوا
فوق بقع جغرافية صغيرة بشكل قصري، وزاد من هذه العزلة شكل
الخيمة التي تم السكن فيها والتي تحمل دون أدنى شك إشارة لتدني
– ولو لحظي- للمستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وهذه
العزلة كذلك تعمقت بجملة من المتغيرات كالاختلافات الثقافية
والاجتماعية بين اللاجئين أنفسهم وبين اللاجئين والمحيطات
الاجتماعية التي وجدوا فيها في داخل فلسطين التاريخية وخارجها.
النكبة وتفكيك العزلة..
هذه العزلة والصورة المشوهة للاجئين والمخيم بداخله بدأت تتغير
تدريجيا من خلال الاختلاط المباشر والزواج والعمل والدراسة،
لكن الحاسم في تغيير التشويهات التي لحقت باللاجئ هي حرب 1967
والتي جعلت المحيط يدرك أن ما حدث عام 1948 لم يكن بهذه
البساطة التي تخيلوها، وهاهي أحداث النكسة دفعتهم هم أنفسهم
للجوء والهرب خوفا من القتل وحفاظا على العرض والشرف. ومن جهة
أخرى كان لانخراط المخيمات واللاجئين بالعمل الفدائي الدور
الكبير في تعديل الصورة حول اللاجئ والمخيم، فقد أصبح ينظر
للمخيمات بمثابة معسكرات للمقاومة والكفاح المسلح، ومن هذه
المخيمات تم خروج مجاميع الفدائيين الذين خاضوا عمليات فدائية
ومعارك مثل "الكرامة" والعمليات على طول خط النار في مناطق
الأغوار وبيسان ولاحقا في الجنوب اللبناني، وصولا لحصار بيروت،
وترافق كل ذلك مع بروز نهج جديد مقاوم على المستوى الوجودي لدى
اللاجئين وهو تبني إستراتيجية التعليم كسلاح وكتعويض عن
الملكية المفقودة (الأرض التي هي وسيلة الإنتاج للاجئين ما قبل
النكبة)، كل هذه العوامل مجتمعة أعادة الاعتبار للمخيم وصورته
وصورة اللاجئ داخله، فلم يعد يُنظر للاجئ كهارب وكبائع للأرض،
أو كطابور من البشر في انتظار مخصصات التموين التي تعطيها
وكالة الغوث الدولية، بل تم إعادة الاعتبار له ولمعاناته التي
عاشها عام 1948، وأصبح ينظر له كفدائي وكمقاوم وكمركز للثورة
والكفاح، فالجيل الجديد الذي تربى في المخيمات نظر له كجيل
أكثر راديكالية وتمسكا بالحقوق من جيل النكبة، وحل "الفعل" لدى
الجيل الجديد المقاوم مكان "الحنين" الذي اتسم به الجيل الأول،
وعلى رأس هذا الجيل الجديد يقف طلبة المدارس ولاحقا طلبة
الجامعات الذين شكلوا الداعمة الأساسية للتحركات الجماهيرية
داخل المخيم وخارجه.
الانتفاضة الأولى- صورة مخيم التنظيم..
تفاعلت جماهير المخيم مع كل المحطات الكبرى التي برزت بعد
"معركة الكرامة" و"يوم الأرض" وفيها تشكلت الطلائع الأولى
للتنظيمات الفلسطينية ببعدها الاجتماعي كلجان العمل التطوعي
ولجان الشبيبة، إضافة إلى الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال
والتي لعبت دورا رياديا في تخريج نهج وكوادر جديدة للحقل
النضالي داخل المخيمات، وترافق كل ذلك مع تحسن نسبي لأوضاع
المسكن في المخيمات ونتيجة تحسن الأوضاع الاقتصادية وفتح أسواق
عمل للاجئين داخل الخط الأخضر أو في الخليج العربي، كل تلك
العوامل شكلت مصادر مهمة لتمويل الحياة اليومية داخل المخيمات.
هذه الحالة الرائدة للفعل النضالي داخل المخيمات كانت مبكرة،
بحيث يمكن القول أن الانتفاضة داخل المخيمات كان موجودة فعلا
قبل انتفاضة 87 بل إن هذه الانتفاضة كانت بمثابة إعادة إنتاج
لانتفاضة المخيمات، وتعميم لنهج المقاومة الموجود أصلاً في
المخيمات على القرى والمدن الفلسطينية، وعمليا سيطرت التنظيمات
بمثقفيها وكوادرها ولجانها التنظيمية والاجتماعية والرياضية
والثقافية على مجمل نواحي الحياة داخل المخيمات، بحيث اضطلعت
هذه التنظيمات بمهمتين رئيستين (1) تنظيم الحياة داخل المخيم
(2) التصدي للاحتلال. وهنا تبرز جملة من التجارب الرائدة التي
وجدت داخل المخيمات من محاربة للاحتلال والعملاء ولمظاهر
الانحراف الاجتماعي كالمخدرات، وشكل شباب المخيمات نموذجا
للانضباط والالتزام التنظيمي الذي جعل من المخيمات الهدف
الأكثر عرضة للاستهداف والاضطهاد من قبل الجيش الإسرائيلي، وفي
هذا السياق يمكن تفسير ارتفاع أعداد الشهداء والجرحى المعتقلين
والمبعدين من أبناء المخيمات.
السلطة وتراجع دور المخيم:
مع اتفاق أوسلو بدأت صورة المخيم تتقزم تدريجيا، فالمكانة
الاجتماعية ورأس المال النضالي الذي كان معيارا رئيسيا في
المراحل السابقة لم يعد كذلك، تم الانتقال لمعايير جديدة
ورأسمال جديد اقتصادي وظيفي، فمكانة الإنسان الاجتماعية لم تعد
تتحدد في السلم الاجتماعي بعدد المرات التي دخل بها الإنسان
السجن أو الإصابة أو الإبعاد أو الاستشهاد لأحد أفراد الأسرة،
بل تم الاعتماد على متغيرات جديدة، كالدرجة الوظيفية في مؤسسات
السلطة والتي تبنى على الموقع التنظيمي والشهادة الأكاديمية،
وشبكة العلاقات المصلحية الجديدة، ومدى الاقتراب من مراكز
القوة والنفوذ، وفي الكثير من الأحيان الاعتماد على "الفهلوة"،
وبدأ في هذه المرحلة ينظر للمخيم كمجموعة من الشباب الأقوياء
وأصحاب هيبة بحكم تاريخهم النضالي، ولذا تم التركيز على
استغلال هذه القوة ليصبحوا "كمستزلمين"، من قبل مراكز القوة
داخل السلطة، وأصبحوا في أحيان كثيرة اليد التي يبطش بها
المسئول، أو التي يسعى لتجنبها وتحييدها بضمان تحالف مصلحي
معها، إضافة إلى أن بعض شباب المخيمات بدءوا يدركون على نحو
سيئ مكانتهم وهيبتهم، وهذا الإدراك قاد أعداد منهم لاستغلال
هذه الهيبة وممارسة ادوار تسيء لصورتهم هم أنفسهم أولا ولصورة
المخيم، ومهما يكن فقد ظلت هذه المرحلة تحافظ نوعا ما على وجود
حالة نضالية ولكن بدون فعاليه كبيرة، حيث شهدت هذه المرحلة
تراجعا للأدوار التنظيمية داخل المخيمات (الفصائل كانت تحكم
المخيمات)، وهذا التراجع يعود للتناقضات التي بدأت تظهر داخل
البنى التنظيمية وخصوصا فصائل "م.ت.ف" كالتناقضات بين العائدين
والمقيمين، وتناقضات بين القمة والقاعدة، وبين النظرية
والتطبيق، وتناقضات عدم القدرة على مواكبة التطورات السياسية
والاجتماعية والكونية.
ومهما يكن فقد شكلت هذه المرحلة بداية تشكيل لجان ومؤسسات
مهتمة بموضوع اللاجئين والتي ستعمل على تعزيز ثقافة العودة،
ومع تنامي وصعود حركة "حماس" كحركة بدأت تتغلغل في أوساط
الشباب والنساء والأطفال عبر ما تملكه من سيطرة على المساجد،
الأمر الذي رشحها لتكون وريثة للحالة النضالية في ظل غياب
فصائل "م.ت.ف" بشكل فعلي عنها.
انتفاضة الأقصى والاختلال في الصورة..
هذه الانتفاضة لم تأتي كنتاج ومخاض طبيعي كما حدث في الانتفاضة
الأولى، بل كانت انتفاضة موجهه وبقرار وتوافق غير معلن بين
"فتح" و"حماس"، فـ"فتح" تريد الهروب من الضغط والعرض الذي قدم
لها في "كامب ديفيد"، و"حماس" تريد القضاء على أوسلو، ومهما
يكن فقد لعب شباب المخيم الدور الأبرز في هذه الانتفاضة، فداخل
المخيمات تم تشكيل مجموعات كبيرة من كتائب الأقصى والقسام
وسرايا القدس وأبو علي مصطفى ولجان المقاومة الوطنية، وخاض
شباب المخيم معارك شرسة للدفاع عن المخيمات في اجتياح 2002
وخصوصا ما حدث في جنين كعلامة فارقة في تاريخ المقاومة داخل
المخيمات.
اجتماعيا كان المخيم يسير بأكثر من مستوى في هذه الانتفاضة،
فهناك مستوى يقوده شباب المقاومة، ومستوى أخر تستر باسم
المقاومة ولكنه مارس كل المحرمات من ابتزاز وقتل وتجارة سلاح
وسيارات مسروقة ... إلخ . كل ذلك ترافق مع حالة من الفلتان
الأمني وتردي في الأوضاع الاقتصادية وانحسار أسواق العمل.
التغيرات التي طرأت على بنية المخيم وتأثيراتها:
منذ انتفاضة الأقصى بل قبل ذلك بسنوات عاشت المخيمات جملة من
المتغيرات التي سيكون لها تأثير كبيرة على مكانتها:
1- الهجرة الداخلية من المخيم: هناك فئتان من البشر يغادرون
المخيم للسكن خارجه كلما سنحت لهم الظروف، الفئة الأولى فهم
الحاصلين راس مال أكاديمي أي شهادات أكاديمية عليا وحصلوا على
وظائف حكومية أو وظائف في مؤسسات خاصة، والفئة الثانية
المالكين لرأس مال اقتصادي والذين تمكنوا من بناء بيوت خاصة
خارج المخيم.
2- الهجرة الداخلية للمخيم: بدأت المخيمات تتعرض لغزو من فئات
ليست لاجئة للسكن فيه وهذه الفئات في معظمها تعاني من أوضاع
اقتصادية صعبة، بل من أفقر الفقراء، وعمال مياومة، وعمال
خدمات، وهذا الأمر اثر على شكل العلاقات داخل المخيم.
3- الإجراءات الإسرائيلية: قليلون يدركون أنه وخلال انتفاضة
الأقصى تم القضاء على جيل كامل داخل المخيمات، جيل تم اقتياده
نحو القبور والسجون، فقد تم إفراغ المخيمات من الكم الأكبر من
الجيل المؤمن بالمقاومة والتضحية، وهذا الإفراغ تم بالتصفيات
والاغتيالات والاعتقالات ولا زالت هذه الإجراءات مستمرة.
4- الاكتظاظ السكاني: المخيم أصبح مكان لا يتسع للمتواجدين
بداخله، والمعادلة التقليدية هي التالي (بقعة أرض ثابتة وسكان
متزايدون) والتمدد العمودي للمخيم أصبح يشكل خطرا على المخيم
حيث أن الكثير من البيوت داخل المخيمات لا تقام على أسس هندسية
سليمة.
5- غياب العمل الجماهيري وطغيان العمل النخبوي: حتى مع بروز
اللجان والجمعيات والمنتديات والمؤسسات الخاصة باللاجئين أو
العاملة في أوساطهم، هذه اللجان تعمل ضمن برامج ومشاريع ممولة،
ومع انتهاء التمويل ينتهي البرنامج أو المشروع، إضافة إلى أن
هذه المشاريع يتم فيها انتقاء المشاركين بصورة تضمن الالتزام
والانضباط والقدرة على متابعة البرنامج أو النشاط، الأمر الذي
يجعل من أعمال هذه المؤسسات مقصورة على فئة دون غيرها، وهذا
الأمر أضعف العمل الاجتماعي الطوعي داخل المخيمات والذي كان له
ادوار مهمة في حياة المخيم تاريخيا، وكمحدد أساسي لصورة
المخيم.
6- تراجع الأدوار التنظيمية الحقيقية لصالح العائلية
والعشائرية: فالتنظيمات داخل المخيمات لم تعد تلعب نفس الأدوار
الاجتماعية والنضالية والثقافية التي عادة ما ميزتها، وطغت على
هذه التنظيمات الامتدادات العائلية، فالموقع التنظيمي أصبح
محدد بجملة من المحددات العائلية ومدى امتلاك مصادر القوة.
كل هذه العوامل جعلت من صورة المخيم التقليدية تتراجع لصالح
صورة جديدة، فالناظر للمخيم من الخارج يرى بالمخيم كمكان تعمه
الفوضى، والسلاح وثقافة القوة، وبدأت تغزو المخيمات أمراض
اجتماعية تهدد الناشئة داخله.
* باحث فلسطيني متخصص في قضايا اللاجئين.
|