من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

 

حكومة الوحدة الفلسطينية  وآفاق التفاوض مع "إسرائيل"

د. محمد خالد الأزعر*

 

توطئة

       عندما صعدت حركة حماس إلى مركز صناعة القرار في سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية بتزكية انتخابية واضحة (يناير 2006)، ثم شكّلت حكومة السلطة (مارس 2006)، دارت رحى سجالات واسعة النطاق بشأن تأثير هذه المستجدات على مسيرة التسوية الفلسطينية-الإسرائيلية. وكان من الواضح في هذا الإطار تركيز الطرف الإسرائيلي على مقولة أنه لا تفاوض ولا تسوية مع سلطة فلسطينية تقودها "حركة إرهابية" تتبنى العنف المسلح ضد إسرائيل، ولا تعترف بها وترفض التعامل من خلال الاتفاقات التي أنجِزت على المسار الفلسطيني.

       وكي تبدو الحكومة الإسرائيلية بريئة من انتهاك عملية السلام على هذا المسار، فإنها طرحت تخلّي حركة حماس وحكومتها جهرة عن مواقفها تجاه هذه النقاط، وذلك كشرطٍ شارطٍ للتحاور معها والقبول بها شريكاً في هذه العملية. وبالنظر إلى البنية الأيديولوجية والبرامج السياسية لحكومة السلطة بقيادة حماس وحدها، فقد كان من المفهوم أن العرض الإسرائيلي لا يعدو هدف تعجيز هذه الحكومة بالتحديد، وإحراج حركة حماس عموماً، ووضع الحكومة والحركة معاً أمام خيارات مريرة. ليس هذا مقام الإفاضة حول هذه الأبعاد، لكن المهم هو أنه كان من المفهوم والمقدّر أن تأبى حماس، الحركة والحكومة، التعاطي مع هذه الإملاءات الإسرائيلية. وهو ما حدث بالفعل وأدى بالتداعي إلى انتقال إسرائيل عاجلاً إلى فرض الحصار المطبّق بكل المعاني على حكومة حماس. أما الأهم فكان تساوق ما يعرف ب" الرباعية الدولية" مع الموقف الإسرائيلي، بضغوطٍ أمريكية وأوربية صريحة.

       في غضون الجدل الذي احتدم بشأن ردود الأفعال الإسرائيلية وشبه الدولية هذه (ونقول شبه الدولية لأن الرباعية لا تمثل في التحليل الأخير المجتمع الدولي)، كادت تغيب عن الجميع، وضمنهم قوى فلسطينية وعربية، أن عملية التسوية كانت معطّلة من الأصل قبل وصول حماس إلى سدّة الحكم، بل وقبل قرارها بالانخراط في العملية السياسية لنظام الحكم الذاتي. بمعنى أن صعود حماس وبالتداعي ترجّلها أيضاً، ليس هو المحدّد الأب لتحرك قطار التسوية الفلسطينية من عدمه. فلقد جاءت حكومة حماس بعد عام كامل من رئاسة محمود عباس (أبو مازن) للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير. وفى غضون هذه الفترة لم تقدم إسرائيل، ولا الشريك الأمريكي (الوسيط؟!) شيئاً تفاوضياً يساعد الرجل وفريقه من أنصار التسوية السلمية والنضال المدني والإعتراف بإسرائيل على كسب الشارع الفلسطيني. ومن جانبها، كانت الإدارة الأمريكية قد تراجعت أو"تمايعت" إزاء التزامها برؤية الرئيس بوش الإبن حول الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية.. ولم يعد من الوارد الوصول إلى هذا الهدف حتى بنهاية العام 2009 وليس 2005 كما ورد في أصل الرؤية.. كما لم تعد هناك مواعيد مقدسة.

       القصد أنه إلى أن وصلت حماس لمقام الحكم الفلسطيني، لم تكن هناك خطة أمريكية واضحة لتفعيل رؤية بوش، وبدت واشنطن أميل إلى رؤية أرييل شارون القائمة على الحل الأحادي، الذي كان الجلاء عن غزة أحد تجلّياته. فإن كان قد قيل بأن حماس "لاشريك" إلا بالشروط الثلاثة الشهيرة (نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل والاتفاقات السابقة)، فقد كان الرئيس عباس وفتح لا شريكاً أيضاًً رغم العمل بهذه الشروط!

       أكثر من هذا دلالة على براءة حماس وحكومتها من قضية توقف عملية التسوية والتفاوض، أنهما فوّضتا أبو مازن في استئناف دوره في هذه العملية ولم تعترضا على ذلك. لكن إعلام التحريض وإثارة الأرض من حولهما تعمد تخبئة هذا التفويض والالتفاف عليه، محاولاً توكيد مسؤولية حكومة حماس (وتشدّدها!) عن حصار الشعب الفلسطيني .

       نستذكر هذه المعطيات كي نلاحظ أن الطرف الإسرائيلي نبذ الشراكة التفاوضية أولاً مع عباس وفريقه من أبطال اتفاق أوسلو وعملية التسوية، ثم نبذها ثانياً مع حكومة حماس وأردف ذلك بحصارٍ مقبض عليها ثانياً، ثم إنه نبذها من حيث المبدأ ثالثا مع حكومة الوحدة الوطنية أو الائتلاف المعبّرة عن تلاقي فتح وحماس وقوى فصائلية ومستقلة أخرى بعيد اتفاق مكةّ لكن هذا الموقف الأخير، تجاه حكومة الوحدة، لم يكن كسابقيه، مطلقا وباتاً ومغلِقاً لمعظم الأبواب ، وانما جاء في سياق مختلف نسبياً؛ إذ اتسم بالتعامل الإيجابي المحدود والمبرمج مع الرئاسة الفلسطينية عبر لقاءات من طبيعة إدارية وأمنية تعطى رائحة التفاوض، وإن لم تكن لها مذاقه إذا جازت التعبيرات..والمثل الصارخ على هذه المقاربة التحايلية هو الاجتماعات الدورية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الفلسطيني وفقاً لأجندة وتصور وضعتهماوأشرفت عليهما وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس.

       هذا يثير بضعة تساؤلات عن دواعي هذه الآلية الملتوية ومآلاتها، وما إن كانت ستفضي إلى انفتاح تفاوضي جاد بين إسرائيل والسلطة في عهد حكومة الوحدة؟، وعن البيئة العربية والدولية المحيطة بهذا الاحتمال؟، وقبل ذلك وبعده، عما إن كانت البيئتين الفلسطينية والإسرائيلية مهيّئتين داخلياً لانطلاقة تفاوضية ذات مغزى..؟!. لنتأمل في هذه التساولات ونحوها بدءاً من آخرها..

 

البيئة الفلسطينية: مآلات حكومة الوحدة والتفاوض

       لعل أبرز ما يلفت النظر في حيثيات تشكيل حكومة الوحدة أو الائتلاف الوطني الفلسطيني أنها انبعثت فى أجواء أزمة محمومة على الصعيد الداخلي والخارجي، وليس عن تراضٍ بالمطلق حول شراكة سياسية حقيقية أدّت بالطرفين إلى افتتاح عهد جديد من العمل الوطني الموحّد. وبقول آخر، فان ثلاثة أيام من الحوار والتباحث المكثفين في مكة المكرمة لم ينجحا في تخطّي عقبات تراكمت على مدار سنوات كثيرة بين الفرقاء، لا سيما حركتي فتح وحماس.

       لقد سيق قطبا الحياة السياسية الفلسطينية ونظام السلطة الوطنية إلى صيغة مكة، وفى وجدانهما هدف مشترك واحد له الأولوية هو إزالة شبح الحرب الأهلية بينهما، التي لم تعد مجرد افتراض وإنما صارت حقيقة تلوح ببشاعة ولا يمكن إنكارها. أما فيما عدا ذلك من أهداف وموجبات أو محدّدات لحكومة وحدة شديدة الأركان، فقد افتقدت تماماً أو ذوت إلى حدٍ ملموس. فمن جهتها وضعت فتح، والرئاسة الفلسطينية دون ريب، نصب عينها هدف تفكيك الحصار المضروب على السلطة وشعبها، المنسوب إلى أيديولوجية حماس وبرنامج حكومتها، وذلك ربما أكثر بكثير من اجتراح حكومة بديلة مقبولة كشريك تفاوضي سيتم التعامل معه إسرائيلياً ودولياً فوراً. ندفع بذلك وفي الذهن أن أبو مازن وبطانته في "فتح" لابد وأنهم على إدراك ووعي كاملين بأنهم لم يكونوا شركاء تفاوضيين قبل قيام حكومة حماس على ما أشرنا أعلاه.. لكن رفع الحصار من شأنه- عندهم بالطبع- أن يعيد تعويمهم في الداخل الفلسطيني ويجذب إليهم أفئدة وأفكار الحشود التي حشروها في ذمة السلطة الفلسطينية وأجهزتها، وظيفياً ومالياً. هذا علاوة على إظهارهم بمظهر المهمومين بأحوال الناس واقتصادهم جنباً إلى جنب مع مظهر الحريصين على أمنه وسلامته من الفتنة الداخلية والصدام المروع.

       حماس بدورها، ذهبت إلى مكة ومن قبلها إلى سلسلة الحوارات المتنقلة بين رام الله وغزة والقاهرة ودمشق،وهي تعبّأ بقضية فك الحصار وتحقيق الانفراج الاقتصادي والمالي لعموم أبناء الشعب تحت الاحتلال.. لكن الأرجح أنها كانت على وعي أكبر واهتمام بتفاقم السلم الأهلي وضرورة تجنيب المجتمع الفلسطيني مغبّة فتنة كبيرة تضطلع بها قوى في الداخل معزّزة من أعداء الخارج. ونلحظ التركيز على هذه الناحية، كهدفٍ أول لدى قياديي ومحاوري حماس، من تعليقاتهم اللاحقة على توقيع تفاهمات مكة التي موجزها أن حماس سعت للشراكة السياسية مع الآخرين إلى الحدود التي لا توجب تفريطها في ثوابتها الوطنية.

       من آيات اهتمام المتحاورين وحكومتهم الوطنية بتفكيك الحصار أنهم توافقوا سريعاً على إيكال الوزارات المعنية مباشرة بالتعامل مع القوى المانحة، كوزارتي الخارجية والمالية، وحرصوا على تخيّر المسؤولين عنها من العناصر المقبولة خارجيا. وبالمفهوم ذاته، يمكن التدليل على صعوبة التلاقي على بقية مقتضيات الوفاق والشراكة السياسية الداخلية، بالنظر إلى التباحث والتدافع مطوّلاً، في مكة وبعدها، حول من يتوّلون رقبة الشؤون الداخلية والأمنية ومصير القوة التنفيذية (التابعة لحماس)، والتوقف عند كل كلمة وهمزة وفاصلة لدى صياغة نقاط الاتفاق الخاصة بالتعامل مع إسرائيل تفاوضاً أو مقاومة! وقد لا يخفى على فطين كيف جاءت صياغة الاتفاق- وما قبله من اتفاقات وطنية عامة- على نحوٍ يقبل الالتباس والفهم المتباين فيما يتعلق بهذا التعامل.

       وبشكلٍ أكثر تفصيلاً، نلاحظ أن برنامج حكومة الوحدة كان أميل إلى الوضوح والشفافية عند تعرّضه للقضايا الموصولة بهموم الداخل.. ومن ذلك  "أن إحدى المهام الأساسية للحكومة ضبط الأمن الداخلي ووقف مظاهر الفلتان والفوضى. وسيقام لهذا الغرض مجلس أمن قومي يكون مرجعية عليا لكافة أجهزة الأمن وإطاراً ناظماً لأنشطتها وسياساتها.." .. والنصّ على "تفعيل القضاء وضمان استقلاليته لمحاربة الفساد والالتزام بسيادة القانون.. وتتعهد الحكومة بإجراء إصلاحات مالية وإدارية وسنّ قوانين تكفل محاربة الفساد"..و " تعمل الحكومة على تكريس الوحدة الوطنية والسلم الأهلي والتعددية السياسية والديمقراطية ". نحن هنا إزاء تعبيرات قاطعة. أين هذا من النصوص المتعلقة بقضايا التفاوض والتسوية.. فثمة في هذا السياق من يستهجن التمييز بين مفهوم "احترام" الحكومة للشرعيتين العربية والدولية والاتفاقات السابقة، الذي ورد في متن برنامج الحكومة واتفاق مكة، وبين مفهوم "الالتزام" بهذه الأمور الذي رفضت حماس العمل به من قبل.

       كذلك يبدو من التزيّد في الغموض أن تكِل الحكومة شؤون التفاوض إلى رئيس منظمة التحرير، فيما المنظمة ذاتها مغيّبة مهجورة المؤسسات. هذا دون الحديث عن وجه الغرابة في إيداع مصير أي اتفاق للتسوية مع إسرائيل إلى تصديق المجلس الوطني للمنظمة "بعد تشكيله من جديد" أو إلى استفتاء فلسطيني عام. إذ إن تشكيل المجلس المومأ إليه أو إجراء استفتاء للشعب الفلسطيني قضايا غاية في التعقيد وربما تحتاج لأجل طويل!.. فهل نفهم من ذلك أن المتحاورين كانوا على قناعة بأن الطرف الإسرائيلي يفتقد نية التفاوض؛ وأنه حتى لو فاوض، فإن إنجاز شيء يستدعي المصادقة عليه بالمجلس الوطني الجديد أو بالاستفتاء يبدو بظهر الغيب ؟ ربما، لكن الأقرب للمنطق أن حكومة الوحدة نشدت صياغة السلم الأهلي والتوافق مع محيطها العربي أساساً، وأنها بتشكيلها وبرنامجها مضت على حد السيف في مقاربتها لشؤون التسوية وشجونها. فهي أعلنت التزامها بالتهدئة المسلحة مع إسرائيل (دون نبذ المقاومة العنيفة كلياً)، كما أكدت عدم تحليقها خارج سرب التسوية العربي بشروط مبادرة قمة بيروت 2002 التي تجدّد عرضها عن قمة الرياض 2007. ولو أنها لقيت تجاوباً إسرائيلياً صريحاً لانخرطت في التفاوض الجاد. كذلك يفهم من خطاب حركة حماس اللاحق لتشكيل الحكومة أنه لا نية لهذه الحركة في معاكسة الهدف الفلسطيني العام المتمثل في قيام دولة فلسطينية في حدود 4 حزيران 1967، عاصمتها القدس الشرقية مع حل عادل لمشكلة اللاجئين وفقاً للقرار الأممي الشهير رقم 194 لعام 1948.

       ولأن حماس ميّزت في اتفاق مكة وحكومة الوحدة التي بنيت عليه بينها كحركة وبين هذه الحكومة، فإن المنطق يقضي بأنها ليست مطالبة بالاعتراف بإسرائيل ،لأن الاعترافات من شأن الحكومات لا الأحزاب  والحركات السياسية، مهما بلغ حجمها وكانت شعبيتها. وإجمالاً، فإن الوضع الفلسطيني أضحى بقيام حكومة الوحدة مهيئاً لعملية تسوية تفاوضية مع إسرائيل، حدودها وسقفها الشرعيتين العربية والدولية ذات الصلة بقضية فلسطين، وذلك بغضّ النظر عن " لعبة الصيغ".. هذا ما تقضى متغيرات أساسية ترتبت على قيام حكومة الوحدة واستتبعتها، ومنها:

1-  أن حركة حماس قد اتخذت مسافة من حكومة الوحدة، متيحة لهذه الحكومة فرصة التحدث ببرنامجٍ مغايرٍ لبرنامجها. ولو كانت حماس انصاعت للشروط المطلوبة منها لما احتاجت الى إشراك آخرين معها. وعليه، يمكن لحماس الادعاء بأنها لم تخضع لهذه الشروط، لكن يصعب عليها القول بأن حكومة الوحدة تتحرك على أرضية برنامجها ورؤاها.

2-  أن حكومة الوحدة باتت جزءاً من الاتجاه العربي العام المحفوز بهاجس السلام الاستراتيجي بحسب مبادرة قمتي بيروت العربية 2002 والرياض 2007، التي تعرض السلام الشامل والتطبيع مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأرض المحتلة 1967 وقيام الدولة الفلسطينية وبقية الشروط الواردة في المبادرة..

ومع ما يفهم من هذا التحليل بأن البيئة الفلسطينية تبدو مستعدة للتفاوض وفق خطوط تنظيمية وسياسية محدّدة المعالم تحظى بتوافق وطني عام، إلا أن ثمة في هذه البيئة ما يثير القلق تجاه حدود هذا الاستعداد وأفقه الموضوعي والزمني.

   فمن ناحية، تظهر الوقائع والتفاعلات الجارية على الأرض أن طاقة المصالحة الوطنية بين القطبين "فتح" و"حماس" لم تستطرق من القمة القيادية إلى العناصر الوسيطة والقاعدية. يشهد بذلك التراشق الإعلامي والمماحكات والاحتكاكات من كل الأشكال التي تبرز وتخبو بين هذه العناصر، مشيرة إلى أن هناك من يخفي العصي في الدواليب ويتحيّن المناسبات والفرص لتشغيل الخلافات. ولا يمكن في إطار هذا الواقع القلق استبعاد تأثير المشروعات والرؤى الشخصية التي يضمرها البعض والتي أدى اتفاق مكة وحكومة الوحدة إلى كبتها مؤقتاً أو التعارض معها. كما لا يمكن عزل العامل الإسرائيلي المتغلغل في أحشاء بعض الأشخاص والشِلل وقدرته على تحريكهم في هذا الاتجاه أو ذاك بحسب أجندة لا صلة لها بالهموم الوطنية الفلسطينية، وقتما أراد.

   ومن ناحية ثانية، هناك أحاديث وأخبار ليست كلها بلا أصل، وتتواتر جهرة وخفية حول اضطلاع كل من "فتح" و"حماس" بمراكمة السلاح والتدريب، تهيئاً لمواجهة مسلحة ليس مع العدو الإسرائيلي وإنما ضد بعضها البعض عند أول منعطف يظهر فيه فشل حكومة الوحدة. ويقال أن الطرفين يستعدان لمعركة كسر عظم بتحريض خارجي، الأمر الذي يسمّم أجواء حكومة الوحدة ويجعلها والعاطفين عليها في وضع متوتر، ولا يطلِق ملكاتها لتطبيق رؤاها الداخلية والخارجية.

   ومن ناحية ثالثة، ليس من صالح حكومة الوحدة ولا يقوّي مركزها التفاوضي أن تتلصّص أسباب الانشقاقات والتصدعات الداخلية لدى بطانتها وأرضيّتها التنظيمية داخل فتح وحماس. وتتعلق هذه الملاحظة بالمشاحنات الداخلية في البنية التنظيمية لهذين القطبين، بناء على اختلافٍ بين أجنحتهما وعدم رضاء الجميع عن برنامج مكة وحكومة الوحدة. وتتجلى آيات هذه الملاحظة في "فتح" بالذات الأكثر عرضة وقابلية للتعارض بين الأجنحة والرموز القيادية. السؤال هنا يدور حول إشعاع الانشطارات والتباينات الداخلية على الوفاق الوطني بين الحركتين، وصعوبة توقع ديمومة هذا الوفاق في القمة إذا لم تتوفر أسباب الوفاق في البنية الذاتية لكل منهما.

   ومن ناحية رابعة، تتعامد مظاهر الاحتداد الباقية بين فتح وحماس على صعد كثيرة مع استمرار المداخلات الخارجية على خطوط التفاعل بينهما. ومن ذلك اليد الأمريكية الممدودة لدعم ما يسمي بالحرس الرئاسي بالمال والسلاح والتدريب والتسهيلات المختلفة، الأمر الذي يستبطن تقوية فريق على فريق؛ الرئاسة وفتح على حماس وقوتها التنفيذية. وتنظر حماس إلى هذه المداخلة الانتقائية في ضوء الحصار المستمر على بقية المؤسسات، بعين الحذر والخطر والرفض.

   ومن ناحية خامسة، لا يبشّر استمرار الحصار على الحالة الفلسطينية من لدن معنيين أقوياء، كالرباعية الدولية، بتحريض إسرائيلي-أمريكي ظاهر، بسيرورة الحكومة الجديدة في مناخ مواتٍ خالٍ من الضغوط. ولا يوفّر هذا الحصار موارد كافية، مالية واقتصادية أو دعم سياسي إلى الحد الذي يكفي لتمويل أعمال هذه الحكومة وإشاعة التفاؤل الشعبي بقدومها مقارنة بالواقع المقبض الذي حفّ بسابقتها. وفي هذا السياق يبقي المجال مفتوحاً لاستمرار الانفلاتات متعددة الأنماط وسيادة الفوضى وضعف صدقية المؤسسات..

   إلى ذلك كله، ليس ثمة من جهودٍ حقيقية جادة لتطبيق الشق المتعلق بتفعيل منظمة التحرير بعد تطويرها، وإيجاد صيغة لإدماج حماس والجهاد الإسلامي في صلبها، وبسط سيطرتها ومرجعيتها ويدها العليا على مسار العمل الوطني عموماً.. مع أن هذا الشق يمثل حاجة ملحة للاضطلاع بقضية التفاوض وتحديد أفقها ومداراتها. وللذين يستسهلون هذه المهمة ندفع بأنهم واهمون، ونزعم بأنها من أكثر المهمات صعوبة أمام الحركة الوطنية الفلسطينية عموماً، في ضوء محدّدات ضاغطة موجزها تغيّر البيئة الحاضنة للمنظمة فلسطينياً وإقليميا وعربياً ودولياً، وهجران ميثاقها ونظامها الأساسي، ناهيك الحديث عن تكلّس هياكلها وأبنيتها وانجراف محتواها الوظيفي لصالح السلطة الوطنية. 

   انطلاقاً من هذه المعطيات ونحوها، يعتقد البعض بأن حكومة الوحدة قد لا تعمّر طويلاً، لا سيما وأنها قامت قبل التوافق على أسس الشراكة السياسية بين الشركاء (الإخوة المتشاكسين!)، وهو ما يخالف منطق الأشياء.. إذ كان الأدعى للاستقرار التباحث حول هذه الأسس بشكل قبلي. ومن التوقعات التي تبني على هذا الاعتقاد أن هؤلاء الشركاء يتفاعلون وفي خواطرهم أن السبل قد تتفرّق بهم في لحظة أو أخرى، وأنهم عندئذٍ مقبلون على خيارات أخرى، في طليعتها الانتخابات الرئاسية والتشريعية المبكرة، باعتبار أن استكمال حكومة الوحدة لدورتها، السنوات الثلاث المقبلة، سيكون أقرب إلى المعجزات. وتذهب التوقعات أيضاً إلى أن الشريك التفاوضي الإسرائيلي على دراية بهذه الأحوال الفلسطينية، وهو يجتهد ما وسِعه الجهد لإفساد جوانب الوفاق منها والتحريض على جوانب التنابذ.. لكن أحوال هذا الشريك المفترض ليست بدورها مما يبشّر بصلاحيته لمفاوضات ذات بال.

 

البيئة الإسرائيلية: وضعية اللاشريك!

   فور تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية، لم تضيّع إسرائيل وقتاً قبل أن تعبر عن رفضها لهذه الحكومة وبرنامجها وترفض شراكتها التفاوضية، وتدعو إلى استمرار الحصار عليها، شأنها مع حكومة حماس السابقة. وقد استندت الحكومة الإسرائيلية في موقفها السلبي هذا إلى تقرير استخباري رفيع المستوى انتهي إلى أن "حكومة الوحدة تعكس وجهة نظر حماس. فهي تتمسك بالإرهاب كحق مشروع تحت زعم المقاومة،وتطالب بحق العودة ولا تعترف بإسرائيل. وهناك تناقضات بين خطابي فتح وحماس داخل هذه الحكومة. فعباس يدعو إلى استئناف المفاوضات مع قيادة منظمة التحرير، بينما يتحدث إسماعيل هنية رئيس الوزراء عن حق المقاومة. وكل التغييرات في برنامج هذه الحكومة عن سابقتها ليست جوهرية، ولا تلبّي شروط الرباعية الدولية، وإنما تعبّر عن قبول أبو مازن وفتح لشروط حماس..".

   ويمضي التقرير إلى أن "برنامج حكومة الوحدة لا يعترف صراحة بإسرائيل ويخلو من مفهوم دولتين لشعبين. ويطالب عوضاً عن ذلك بإزالة الجدار الأمني الإسرائيلي وبالقدس كعاصمة لدولة فلسطينية في حدود 1967. لكن البرنامج لا يشير إلى أن هذه الدولة نهائية بما يعني أن التسوية المطلوبة مؤقّتة وليست دائمة. وتتمسك الحكومة بعودة اللاجئين المادية إلى أراضيهم، أي تصفية الطابع اليهودي لإسرائيل".

   وينتهي التقرير إلى أن "أبو مازن يصلح كمفاوض، غير أنه مقيّد بمصادقة المجلس الوطني لمنظمة التحرير الذي لم يتكوّن، أو بإجراء استفتاء فلسطيني شامل تستطيع حماس عرقلته".

   لا يوصي هذا التقرير بالتعامل مع حكومة الوحدة. وتبرز الوقائع بأن حكومة إيهود أولمرت قد قاربت الطرف الفلسطيني بناء على هذه التوصية. غير أن أولمرت ومحازبيه، وبناء على توصية أخرى أو حتى توجيهات أمريكية، لم يقطع الصلة بمنهجيته السابقة على نشوء حكومة الوحدة.. وقوامها التعامل بلطف مع أبو مازن حول المسائل الأمنية والمعيشية التي تعود بالنفع على إسرائيل. أما موقفه العام، فهو أن حماس أولت لـ "فتح" بعض الحقائب الوزارية غير المهمة وربطت صناعة القرارات الفارقة بشخصيات مستقلة، أملاً في فك الحصار وفي اتخاذ أبو مازن وسيلة إلى الاعتراف بها وتخفيف الضغوط الدولية عنها؛ وأنها تسعى للتلاعب بالألفاظ والتهديد دوماً بتدهور الأوضاع وانهيار السلطة الفلسطينية إذا لم تحصل على التمويل والدعم الدوليين.

   والحق أن الباب الإسرائيلي الموارب مع أبو مازن لا يعني القناعة بقدرته الطليقة على استقبال وتقبّل الإملاءات، وخاصة بعد تفاهماته مع حماس. كل ما في الأمر أن اولمرت لا يريد قطع خطوط الاتصال مع الرجل بايعاز من واشنطن التي تتحرك فلسطينياً علي وقع درايتها بتأثير العامل الفلسطيني على بقية شؤونها وقضاياها في المنطقة العربية. وتشهد بذلك نوعية القضايا والمحاور التي تعلنها إسرائيل بين يدي لقاءات أولمرت-أبو مازن، مثل لقاء 25/3/2007، الذي لم يتجاوز تبادل وجهات النظر حول أمور قشرية وغير جوهرية كتذليل المرور الفلسطيني على بعض المعابر وبعض ما يخصّ تدريب وتمويل حرس الرئاسة!، والضغط على الرئيس الفلسطيني لاستخدام نفوذه في وقف قذائف المقاومة الصاروخية ضد إسرائيل.. ومن المدهش حقاً ما يقال عن استطراد المباحثات إلى بعض المسائل الفنية الاقتصادية والأمنية والسياسية للدولة الفلسطينية المقبلة!

   لا يمكن عموماً الادعاء بأن الجانب الإسرائيلي بصدد تفاوض مع الرئيس الفلسطيني، من شأنه أن يتطور إلى تبصّر حلول للوضع النهائي الفلسطيني.. وذلك إلى درجة أن اللقاءات التي جرت في هذا الإطار لم تنل اهتماماً من الصحافة الإسرائيلية التي خصّصت لها بالكاد مساحات محدودة في صفحاتها الداخلية.

   لا يعود هذا الوضع فقط إلى أن حكومة أولمرت لا تثق في حدود قدرة الرئيس الفلسطيني على التصرف بمعزلٍ عن شراكة حماس وظلال اتفاق مكة، أو لأن أولمرت يودّ اجتراح خطوات أحادية على غرار أستاذه شارون مع قطاع غزة.. وإنما يعود أيضاً لسببين آخرين مهمين:

* السبب الأول: دخول العامل العربي بقوة على المسار الفلسطيني وعملية التسوية بعامة مع إسرائيل، عبر تجديد عرض مبادرة قمة بيروت 2002 . فالجدل المصاحب لهذه المبادرة قبيل وبعيد قمة الرياض، يغري الحكومة الإسرائيلية باحتمال عقد صفقة أكبر مع العالم العربي برمّته، تنال خلالها إسرائيل مكافأة "التطبيع العربي" معها قبل الشروع في التسوية أو التسويات السياسية. كما قد تتمكن أيضاً من إزاحة حق العودة الفلسطيني من إضبارة المسار الفلسطيني. وبهذا الخصوص ترى بعض المصادر الإسرائيلية بأن الجامعة العربية، مؤسسة القمة العربية بالذات، وليس محمود عباس، هي الأقدر على عقد اتفاق سلام أو ترطيب العلاقات معها حتى من فوق رأس الفلسطينيين!

* السبب الثاني: والأهم في تقديرنا، هو ضعف حكومة أولمرت ذاتها، فهي غير مؤهّلة ولا قادرة أصلاً على المضي في عملية تسوية جادة على كافة المسارات العربية، وليس على المسار الفلسطيني فقط. هناك شبه إجماع إسرائيلي وغير إسرائيلي من متابعين عدول على أن هذه الحكومة آيلة للسقوط على خلفيات كثيرة: نكستها العسكرية أمام حزب الله صيف 2006؛ فساد معظم أعضائها الأخلاقي والمادي؛ افتقادها رئيساً ووزراء للخيال والمواهب السياسية، أو كما يصفها كتّاب إسرائيليون ب"الخواء السياسي"؛ ضعف شعبيتها إلى دركٍ لم تعهده حكومة غيرها منذ أعلِنت الدولة الصهيونية. وهذا كله معطوف على بيئة سياسية إسرائيلية شاملة موسومة بالتضعضع الحزبي داخل الائتلاف الحاكم وخارجه. فحزب كاديما معرّض للانهيار، والليكود يطرح ذاته كبديلٍ له بزعامة بنيامين نتنياهو بشكل أهوجٍ ومتعجل، وحزب العمل يفتقد للخيارات القيادية التي تنتشله من أيدى زعيم فاشل قيادياً ووزارياً مثل عمير بيرتس. وإجمالاً، فان 60 في المئة من سواد الإسرائيليين يرون أن معظم القيادات السياسية في الدولة ليست أهلاً للثقة.

   كيف إذن لحكومة هذا حالها من البؤس القيادي، وقوى سياسية هذا حالها من الشعبية، أن تجترح تسوية بحجم التسوية الفلسطينية أو حتى تشقّ تفاوضاً يحظى بالصدقية ويمكن تمريره والقبول بنتائجه؟ البعض يصف هذا المشهد الإسرائيلي متهكماً، ولعله كان جاداً، بانعدام الشريك باعتبار أن إسرائيل لا يسعها في إطاره إلا التهرب من المبادرات الفلسطينية والعربية والعمل على استهلاك الوقت بالتمييز بين فلسطينيين عقلاء معتدلين وآخرين متطرفين أشرار. وكذا الحال بالنسبة للعالم العربي عموماً الذي ينقسم لدى إسرائيل المأزومة بالعجز القيادي إلى عرب متشددين وعرب معتدلين.

   كأنّ المشهد الإسرائيلي لا يبشّر بالاستقرار على خيار التفاوض مع حكومة الوحدة الفلسطينية. لكن إسرائيل ليست اللاعب الوحيد في المدينة، على الرغم من أهمية مواقفها. وتصدق هذه القناعة أيضاً على الطرف الفلسطيني، الذي أضحى في مرحلة حكومة الوحدة أكثر تعامداً والتصاقاً بالعامل العربي. والشاهد أن المحدّدات الخارجية الإقليمية والدولية المؤثرة تقليدياً على مسار الصراع والتسوية في بعده الإسرائيلي-الفلسطيني، صارت أكثر بروزاً في ربيع 2007. وقد يمتد هذا الأثر إلى بقية فصول هذا العام. وهذا يدعونا للتوقف مليّاً عند معنى إعادة تداول مبادرة السلام العربية وأصدائها على هذا المسار..      

   

الظهير العربي وفلسطين.. المبادرة العربية وما بعدها   

   من وجهة نظر جديرة بالاهتمام، تُعد قمة الرياض العربية 2007 مناسبة فارقة على مضمار جهود استعادة النظام العربي سكّة السلامة والفعالية عوض مرحلة ممتدة من الخمول والانفلاش. وعلّة هذا التقدير أن القمة اتسمت بملامح لم يألفها النظام على مدار الثلاثين عاماً الماضية مثل: الحضور المكثّف للزعامات العربية على مستوى الملوك والرؤساء والأمراء، وذلك على الرغم من المقاطعة الليبية وغياب الرئاسيتين التونسية والمغربية، وخطاب المصارحة الشفاف الذي تميز به الزعماء، لا سيما العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، حين اعترف بقصور القيادات عن أداء واجباتها تجاه قضايا الأمة، والتبلور النسبي الواضح لقيادة للنظام العربي ممثلة في الرياض، وبروز شيء من الصلابة في وجه الضغوط والإرادات الخارجية مع ملاحظة مخالفة بعض المرادات الأمريكية على نحوٍ لم نعهده كثيراً من القمم السابقة منذ أفول الحرب الباردة.

   إذا صحّ هذا التصور، ولو بالمفهوم النسبي، فإن  في الواقع العربي ما يدعو للتفاؤل بخصوص الدور العربي في المعمعة الفلسطينية. ذلك أن القاعدة العامة المؤكدة نظرياً وتطبيقياً أن كل ازدهار أوإيناع لأحوال النظام العربي يواكبه ويليه انتشاء للحالة الفلسطينية، والعكس بالعكس. فمعظم مكتسبات حركة التحرر الفلسطينية استظلت بالرعاية العربية؛ كما أن تضعضع المحيط العربي بالشظى والخلافات الساخنة والباردة والاستتباع للقوى الدولية وعدم التلاقي على مصادر تهديد الأمن القومي أو القطري، انحداراً إلى وقوع أطراف عربية تحت الاحتلال المباشر، هذه المعطيات ونحوها تنذر بالأسوأ فلسطينياً.

   لا يحتاج المتابع لعناء كي يلحظ كيف جاءت قمة الرياض في مناخ مفعم بالمعطيات السلبية المشار إليها. ولكن الملاحظ أيضاً أنها حاولت الانعتاق من هذا المناخ، وأن أحد آيات هذه المحاولة تجلّت في إعادة تقعيد القضية الفلسطينية في بؤرة الإنشغالات والهموم العربية. القمة قالت بمنطوق الخطاب ومضمونه أن العرب ما زالوا يعبؤون بسيرورة هذه القضية ويعتبرونها مدخلاً مناسباً لقياس أوضاعهم الدولية وعلاقاتهم الخارجية، وأنها تقع على خطوط تماس مختلف القضايا التعاونية والخلافية المتفاعلة في منطقتهم. هذه نتيجة لا بأس بها قياساً بما شاع طويلاً من أن القضية قد تراجعت على مدرج الأولويات العربية، ولم تعد لها الخطوة ولا أضحت قضية العرب الأولى.

على أنه من باب الاستدراك والتدبر في التفصيلات، ينبغي التوقف عند عدد من المحاذير التي يمكن أن تساق، ونحن بصدد تقييم حدود هذا الدور المستعاد والصحوة العربية تجاه القضية الفلسطينية.

فمن ناحية، يمكن أن يقال عن حق بأن قوى خارجية موسومة بالعداء للحقوق الفلسطينية تنبهت لضرورة إيجاد حل لهذه القضية، إذا ما أريد للمنطقة وكثير من قضاياها الساخنة (كالقضية العراقية) أن تستقر وتسكن. تقرير بيكر-هاملتون الأمريكي في نهاية العام 2006 فعل ذلك، وهو نصح الإدارة الأمريكية بعدم إغفال العامل الفلسطيني في تدفق أو معاكسة المصالح الأمريكية في الرحاب الشرق أوسطية. وهذا لا يمنح الصحوة العربية تجاه مفاعيل وتداعيات القضية الفلسطينية ميزة المبادرة الاستثنائية، وربما أدى إلى الظن بأن اهتمام القمة بالقضية يأتي تلبية – ولو بشكل غير مباشر – لرغبة واشنطن ومحازبيها، وأنه سيكون على قياس الرؤية الأمريكية للتسوية الفلسطينية المتساوقة مع المنظور الإسرائيلي .

ويترتب على هذا الاعتقاد، من ناحية أخرى، ضرورة التمييز بين تنشيط الدور العربي الفلسطيني وبين مغزى هذا التنشيط وتوجهاته. بمعنى أن مجرد وضع فلسطين على رأس الأجندة العربية لا يؤدي طردياً وخطياً إلى تظهير العنصر الفلسطيني بكل معاملات ومكوّنات القوة العربية، وإنما قد يعمل على كبح المطالعة الفلسطينية للحقوق الوطنية وتطويعها لصالح رؤية مغايرة كلياً أو جزئياً لهذه الحقوق.

من الأمثلة التي تثير هذا التخوف، ما يقال من أن اتفاق مكة الفلسطيني الذي جرى برعاية عربية، سعودية، أنقذ الساحة الفلسطينية من لهيب الاقتتال الداخلي وأنجز توافقاً وطنياً فلسطينياً بلغ ذروته في حكومة وحدة ائتلافية لا سابقة لها، لكنه جاء – وهذا هو بيت القصيد – على حساب الخطاب المقاوم الذي تتبناه حركة حماس، وربما تم تطويع هذه الحركة وإدراجها في غمرة الباحثين عن حلول وتسويات تنتقص من الحقوق الفلسطينية تاريخياً وقانونياً.

أصحاب هذا الرأي يشكّون في إيجابية المداخلة العربية الفلسطينية، ويستطردون بشكوكهم هذه إلى الدور العربي الفلسطيني الذي جسدته قمة الرياض. ويدلّلون على صحة تقديراتهم بأن القمة اجترّت توجهات ومواقف سابقة عفا عليها الزمن وثبت عقمها، وفي طليعتها مبادرة قمة بيروت 2002 ! إنهم يتساءلون عن الجديد الذي تضمنته المبادرة قياساً بحالها قبل خمسة أعوام. وعندما يقال بأن قمة الرياض تتجه إلى تفعيل المبادرة عبر تبنيها من مجلس الأمن أو تسويقها والترويج لها من خلال لجنة خاصة للمتابعة، يرد أخرون بالسؤال: وماذا بعد ؟ إن لمجلس الأمن عشرات من القرارات والوثائق المزجاة إسرائيلياً، كما أن فكرة الترويج للمبادرة تبدو عملية هروبية، لأن الرفض والقبول بها معلّق بذمة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي في التحليل الأخير، وليس ثمة مؤشر قبل القمة ولا بعدها على انثناء هذا التحالف عن موقف الرفض الذي يستعصم به منذ العام 2002.

ما يفهم من سياق هذا الجدل حول حدود الدور العربي الفلسطيني بعد قمة الرياض أن هناك مخاوف "مشروعة" من أن الحالة العربية العامة لم تصل، رغم إيجابيات القمة، إلى مرتبة التفاوض من موقع القوة والقدرة على فرض الشروط والرؤى الذاتية، ولو في الأطر التي ارتضاها العرب قبل خمس سنوات (السلام مقابل الأرض والدولة الفلسطينية في حدود 1967!). والدليل على ذلك أن القمة لم تعرض بدائل ولا هي لوّحت بإجراءات عقابية معينة في حال احتفظت إسرائيل بموقف الرفض القديم. ثم إن القمة لم تحدد سقفاً زمنياً للتجاوب مع المبادرة من عدمه، تكون بعده في حلٍ منها وتصبح معذورة في اللجوء إلى خيارات وبدائل أخرى.

هذا الفهم يثير التساؤل عما إذا كان أهل القمة غافلين عن هذه النقائص، والسبب الذي يدعوهم إلى تجديد عرض يدركون حدود فرصه من القبول والرفض ؟!. ويتصل بهذا السؤال استفهام آخر عن مغزى الجدل الإسرائيلي قبيل قمة الرياض حول إمكانية التعامل مع المبادرة العربية وعن المضامين الإيجابية فيها، شريطة تشذيبها من بعض المطالب والمحتويات ؟!. ما الذي أجبر إسرائيل على جدلٍ كهذا وهي التي ألقت المبادرة ظهرياً لخمس سنوات بالكامل ؟ إجتهاداً، نعتقد مع البعض بأن العامل المستجد في هذا السياق هو الرغبة الأمريكية في مغازلة القمة عبر المدخل الفلسطيني، ولكن بطريقة التفافية أفعوانية. فواشنطن صارت على دراية كافية بأهمية استقطاب التأييد العربي في معاركها الحالية والمقبلة في الساحتين العراقية والإيرانية عبر المدخل الفلسطيني. لكنها لا تود الأخذ بتوصيات بيكر-هاملتون حرفياً، وإنما تسعى إلى خريطة أو مقاربة سياسية لاتصطدم بالمبادرة العربية ولا تأخذ بها في وقت واحد.

السبيل الممكن لمثل هذه المقاربة هو حث إسرائيل على إبداء المرونة تجاه المبادرة وصولاً إلى إخضاعها للتفاوض. وفي التفاوض تصبح بنود المبادرة عُرضة للتفتيت والمساومة على أبرز ما فيها، حق العودة الفلسطيني بالذات! ثم أولوية التطبيع العربي على قضية التسوية والسلام النهائي. القصد، أن واشنطن – وتل أبيب دون ريب – باتت مقتنعة بأن إسرائيل لن تخسر شيئاً إذا ما أجابت على يد السلام الاستراتيجي العربي بنعم ولكن. بل وربما كان نفع هذه الإجابة مضموناً تماماً لكل من السياستين الأمريكية والإسرائيلية في إطارهما الشرق أوسطي، كونها، أي الاستجابة المشروطة، ستفضي إلى استهلاك الوقت والجهد وطاقة الغضب العربي ضد هذه السياسة الأمريكية العراقية، بِحَسْب واشنطن باتت تُعني بالمصير الفلسطيني جدياً وبعملية السلام العربي-الإسرائيلي. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الاستجابة ستمنّي العرب وربما ساقتهم للتعاطف مع السياسة الأمريكية المتنمرة ضد إيران، وستحجب نسبياً أو كلياً فيضان النفوذ الإيراني على المضمار الفلسطيني، كما ستعلّق المقاومة الفلسطينية وتعرقل خطاب حماس وشركائها "المتطرفين". كل هذا ونحوه بدون أية تبعات على واشنطن أو إسرائيل، لأن المسألة لن تعدو "التفاوض على المبادرة العربية". وبالطبع، فإن قبول العرب بهذا التفاوض سيعني مباشرة إطلال نذر التطبيع معهم، دون إلزام لإسرائيل بالتطبيق المسبق أو حتى بالموافقة المسبقة على هذه المبادرة، لاسيما الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف والحل العادل لقضية اللاجئين وفقاً للقرار 194.

إذاً، إخضاع المبادرة العربية للتفاوض بغرض تعديلها أو تغيير معالمها لتوافق رؤية إسرائيل للتسوية، هو أول السيناريوهات التي ستعمل إسرائيل، بدعم أمريكي، على تطبيقها. ومن الواضح أن إيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية لم يتأخر في استطلاع السبل إلى هذا السيناريو، إذ دعا الزعماء العرب "المعتدلين" إلى اللقاء معه لبسط مبادرتهم والتحاور حولها.‍

السيناريو الثاني الأكثر احتمالاً وتداولاً هو الضغط باتجاه لقاء إسرائيلي مع "الرباعية العربية" التي ابتِدعت أخيراً. وفي ذلك فائدة جليّة لهدف التطبيع الإسرائيلي مع المنظومة الخليجية، كون هذه الرباعية تضم السعودية (صاحبة المبادرة الأم) ودولة الإمارات (إلى جانب مصر والأردن). وليس من المستبعد أن تأتي الدعوة لهكذا لقاء من لدن الرباعية الدولية بإيعاز أمريكي.

أما السيناريو الثالث فقد يدور حول الوصول لهدف اللقاء العربي-الإسرائيلي على مرحلتين: الأولى، فلسطينية-إسرائيلية يتم الزعم بعدها أن ثمة تقدماً على طريق التسوية يحتاج إلى تشجيع عربي ودولي فتحدث الدعوة للمرحلة الثانية مع "الرباعية العربية" والطرفين الفلسطيني الإسرائيلي. وذلك أيضاً يحقّق  هدف إرهاصات التطبيع الإسرائيلي-العربي قبل التسوية السياسية.

رابع السيناريوهات وأكثرها معقولية بالنسبة للجانب العربي هو السعي الحثيث عربياً، المقترن بتوافق صلب وتلويح دبلوماسي باحتمال اللجوء إلى بدائل عقابية وبخاصة من الدول ذات الصلة بإسرائيل، للدعوة إلى المؤتمر الدولي على غرار تجربة مدريد الأولى مع تلافي عيوبها. نعني بذلك إلقاء كرة التسوية ليس فقط في ملعب مجلس الأمن، وإنما أيضاً في ملعب كل الذين شاركوا في مدريد للنظر مجدداً في عملية التسوية برمّتها وعلى جميع المسارات.

واضح إننا بهذا السيناريو الأخير نطرح بديلاً أقوى بكثير من الاستعطافات المصاحبة لدبلوماسية السلام كخيار استراتيجي وحيد. ولا يدخل هذا التفكير في باب الترف الفكري. هناك قوى دولية مهمة وفاعلة، كروسيا وأسبانيا وفرنسا ماعادت تستمرئ التلاعب الأمريكي-الإسرائيلي بمصير التسوية الفلسطينية. وقد أظهرت موسكو لغير مرّة امتعاضها من السلوك الأمريكي داخل "الرباعية الدولية" وانحرافها عن هذا السلوك. وغداة طرح المبادرة العربية مجدداً، ذهبت موسكو إلى أن الجانب الفلسطيني أوفى بالتزاماته من خلال برنامج حكومة الوحدة الوطنية، ومن الضروري الانفتاح عليه. وعموماً يظل هذا البديل الأخير أكثر مأمونية قياساً بغيره مما أوردنا أعلاه ومما يجول بخواطر آخرين، ومنها سيناريو من الجائز أن يطلّ على المعنيين ولكن من إسرائيل هذه المرة.

لقد تساءل البعض: هذه مبادرة العرب، فأين مبادرة إسرائيل ؟ وبهذا الخصوص يتصور هؤلاء أن تجتهد الدبلوماسية الصهيونية الإسرائيلية بتوليف مبادرة خاصة بها للتسوية مع العرب، يراد منها المزيد من إشغال الساحة الشرق أوسطية والرأي العام الدولي عما يعتبر هجوماً عربياً سلمياً جرى توكيده في مؤتمر قمة الرياض وينتظر المزيد في الشهور المقبلة. ونحسب أن اصطكاك المبادرات وازدحامها، وتضاربها بالطبع، سيذهب بالجهود العاطفة على القضية الفلسطينية إلى مكْلمة كبرى تتصارع فيها الأفكار والتنظيرات بلا جدوى حقيقية، فيما توغِل إسرائيل أكثر في أحشاء فلسطين المحتلة قضماً بالاستيطان وتهويداً للقدس، محميّة بحصار مقبِض للفلسطينيين لم تستطرد الجهود العربية لإخراجهم عملياً من قمقمه!

 

الإطار الإقليمي للتسوية وحدود الدور الفلسطيني:

       للوهلة الأولى يبدو النشاط العربي الملحوظ على صعيد القضية الفلسطينية مكسباً للطرف الفلسطيني. غير أن المرء لابد أن ينظر بحذر إلى هذه الظاهرة في ضوء أحوال النظام العربي وصلاته بالواقع الدولي وما يمكن أن تنطوي عليه هذه الصلات من ضغوط ومساومات.. ومن استعراض السيناريوهات المومأ إليها أعلاه باقتضاب، نلاحظ أن هناك توجهاً إسرائيلياً، تعطف عليه الولايات المتحدة، للإقلاع بعلاقات تطبيعية مع العرب بمعزل عن الموضوع الفلسطيني، الأمر الذي ينطوي على مخاطر للطرف الفلسطيني. وتُعوّل إسرائيل في سعيها هذا على سابقة وجود دول عربية تصالحت معها وعقدت اتفاقات سلام دون الالتفات إلى فلسطين ولا حتى إلى قضية الإجماع العربي حول مسائل الحرب والسلام معها.

       والحق أن التخوف من مرور هذا التوجه تحت أي شعارات وتكتيكات أمر مشروع. غير أن الطرف الفلسطيني ليس هامشياً ولا ثانوي التأثير، بحيث يحسب البعض أنه متذيل تماماً لظهيره العربي، أو أنه مجرد متلقٍ لما قد يملى عليه عربياً وهو في حالة من السلبية. وبالنظر إلى أهمية هذه الموضوعة، موضوعة حدود التلاقي والانفصام بين ما للعرب وللفلسطينيين في نهر القضية الفلسطينية، لاسيما على مضمار التسوية الفلسطينية، فقد يجدر الاستطراد إليها والتأمل فيها بشيء من العمق؛ نطرح ذلك وفي تصوّرنا أن المرحلة المقبلة ستشهد بعض التناظر والجدل حول هذه الموضوعة، بل وهناك ما يشي بأن هذا التناظر قد بدأ بالفعل؛ وآية ذلك ردود الفعل التي توالت بعد ما نسب إلى الملك الأردني عبد الله الثاني حول احتمال استبدال التعويض بحق العودة للاجئين الفلسطينيين ومساهمة العرب في هذا الحل!..

       عادة ما يتم التأريخ لبداية المداخلة العربية الرسمية على خطوط التفاعلات الفلسطينية ، الداخلية والخارجية، بنداء الملوك والرؤساء العرب إلى الأشقّاء الفلسطينيين لوقف ثورة 1936 "اعتماداً على حُسن نيّات الصديقة بريطانيا ".. وبقية القصة الشهيرة. ولم تكن تلك البادرة منبتّة الصلة عما تلاها من وقائع وأحداث على مدار السبعين عاماً الماضية.

       في هذه الحقبة الممتدة، راوح الخط البياني للدور العربي في أحشاء القضية الفلسطينية بين الصعود والهبوط، لكنه لم ينقطع بالمرة. ليس هنا مقام الاستطراد لبواعث هذه الظاهرة، غير أن الجدير بالإشارة هو أن محصّلتها تمثلت إجمالاً في علوّ شأن كلمة العرب، النظام العربي، في قيام وقعود القوى الفلسطينية الفاعلة أو النشطة سياسياً؛ وكذا الحال وربما بحيثية أقوى بالنسبة للنظام السياسي الفلسطيني على تعدد أشكاله. المراد أن القوى الفلسطينية التي قدِّرت لها الحياة والفعل في نهر القضية الوطنية هي تلك التي كانت تحظى أكثر من غيرها بالعطف والتوافق والإسناد العربي، وربما كان العكس بالعكس. هكذا كان الحال مع اللجنة العربية العليا (1936-1946) والهيئة العربية العليا (1946-1948) وحكومة عموم فلسطين (1948-1964) ومنظمة التحرير الفلسطينية (1964) والسلطة الوطنية الفلسطينية (1994).

       على أن صعود حركة حماس بمواصفاتها المعروفة إلى سدّة الحكم وصناعة القرار الفلسطيني، استتبعه شيء من الإرباك لهذه القاعدة العامة.. فحماس لم تلق قبولاً تلقائياً أو سلِساً من المحيط العربي، لكن هذا المحيط وقع أسير الحيرة في التعامل معها بسبب تزكيتها الانتخابية (هذه بالمناسبة واحدة من فضائل الديمقراطية الانتخابية!). لقد جاءت هذه الحركة برؤى وسياسات ومواقف وبرامج مغايرة على نحوٍ أو آخر للتوجهات العربية العامة. بل وحاولت نسج أنماط من التحالفات تتجاوز المألوف فلسطينياً إلى حدٍ ملموس. وهنا حار النظام في كيفية التعاطي مع نظام فلسطيني اعترته تحولات في موازين القوى. ولأن حماس لم تستمرئ طويلا مفهوم الشرعية العربية تجاه التسوية مع إسرائيل ممثّلة في مبادرة قمة بيروت 2002، فقد صارت مدعاة للقلق العربي.

       ويبدو أن هذا القلق تحول إلى عبوس وتجهم مضمرين. الأمر الذي يشي به الالتزام عربياً بالحصار الخارجي الذي ضرب حماس وحكومتها والموالين لها، حتى على الرغم من وصول لظاه وحممه لقطاعات شعبية فلسطينية واسعة. ويقيناً، فإن الجفاء العربي تجاه حماس أوقعها أسيرة دائرة يصعب اختراقها، كونه تعامد ضدها مع الكائدين المناكفين لها في الداخل والمحاصرين المعادين لها دولياً.

       في هذا الإطار تبلورت حالة معقدة على صعيد العلاقات العربية -الفلسطينية، مع حكومة حماس بالذات. فلا النظام العربي أفصح عن عدائه لهذه الحكومة ولا هو جَسَر الهوّة معها محاولاً انتشالها. وبدورها، كانت حكومة حماس من الذكاء بحيث مضت على حد السيف؛ فلا هي رضيت عن السياسة العربية تجاهها ولا شهّرت بهذه السياسة أو اصطدمت معها. ولعل النظام العربي انتظر ترجّل هذه الحكومة عبر الحوارات والمشادات الداخلية التي احتدمت فلسطينياًً إلى طور الاقتتال الذي بات ينذر بالأسوأ. فلمّا أن فشل هذا الأسلوب، دخل العامل العربي بقوّة كي يسهّل التلاقي الفلسطيني الوطني على ما لا يخالف الرؤية العربية العامة ولا سيما من جانب حماس. واختصاراً نقول، جاءت هذه المداخلة التي بلغت ذروتها في تفاهمات مكة في توقيت مناسب تماماً. توقيت ظهرت فيه حماس كمدافع حتى الرمق الأخير عن قناعتها وبرامجها، لكن ليس إلى مستوى التضحية بالسلم الأهلي الوطني ولا إلى درك الانفصام بالمطلق عن المحيط الإقليمي العربي الحاضن..

       وبغضّ النظر عن لعبة الصيغ والألفاظ الفضفاضة، لنا أن نقدّر انخراط حماس في الصف العربي العام وتوجهاته إزاء عملية التسوية والصراع مع إسرائيل. بمعنى أن حماس عبر شراكتها في تفاهمات مكة وحكومة الوحدة الوطنية والقبول بمبادرة قمة بيروت 2002 المتجددة في قمة الرياض 2007، أضحت أقرب للانصياع إلى المعادلة التقليدية في العلاقات العربية-الفلسطينية. ولا يقدح في هذا الفهم أن يقال بأن حماس الحركة شيء، وحماس في الحكومة شيء آخر، طالما أن النتيجة المنظورة هي عودة النظام الفلسطيني، وحماس فى صلبه، إلى المصفوفة العربية العامة.

       نطرح ذلك كله لنصل إلى السؤال التالي: هل يعني هذا التحليل أنه لا دور للطرف الفلسطيني في توجيه أو تحديد أو معاكسة المسارات والمدارات العربية الخاصة بالتعامل مع إسرائيل؟!.

وبصيغة أخرى أكثر تحديداً واتصالاً بالتطورات الراهنة والمقبلة في الأجل المنظور: هل يملك الطرف الفلسطيني زمام أمره بمعزل نسبي ضئيل أو كبير عن المقاربة العربية العامة لإسرائيل، ولا سيما عبر المبادرة الشهيرة؟.

       تقديرنا أن المعادلة العربية-الفلسطينية المشار إليها لا تحول دون الاعتقاد بأن الدور الفلسطيني مهم جداً في تمرير أو تعطيل التصور العربي العام لعملية التسوية. ومؤدّى ذلك أن تفسير المبادرة العربية أو تعديلها على نحوٍ يغاير مضمونها المعلن بمنطوق ومضمون النص على غير إرادة وسماح فلسطينيين، لن يكتب له النجاح والمرور بسهولة. أما إذا تعلق التعديل بكل من حق العودة والسيادة على شرقي القدس وحرمها الشريف، بذريعة إكراه إسرائيل على التعاطي معها أو تفعيلها، فإن فرص المبادرة في التطبيق رغماً عن الموقف الفلسطيني تصبح في حكم المستحيلات.

       في إطار هذا التعميم، علينا أن نلاحظ تأثير تفاهمات مكة البينية الفلسطينية على تجديد عرض المبادرة العربية. إذ يصح الزعم أنه بدون هذه التفاهمات ودورها في تظهير المبادرة، وبدون الاستطراد الفلسطيني المشترك إلى "احترام" الشرعية العربية، لتعقّدت سبل هذا العرض، ولكانت إسرائيل قد سخِرت من مبادرة يطرحها العرب بالإنابة عن أصحاب الشأن وتلاعبت بالتناقضات العربية-الفلسطينية. نجتهد بهذا الرأي مستندين الى أن الشق الأعظم من المبادرة يتصل بالقضية الفلسطينية، حتى وإن تحدثت في مجملها عن التصور العربي للتسوية مع إسرائيل على كافة المسارات.

       والحال كذلك، فإن المصالحة الوطنية الفلسطينية في حدود اتفاق مكة وبرنامج حكومة الوحدة، لم تقطع الطريق على احتمال تفاقم النزاع الأهلي الفلسطيني فحسب، وإنما حالت أيضاً دون تفجر العلاقة الفلسطينية-العربية وانكشاف الأزمة المكتومة بين العرب وحكومة حماس. لقد كان من شأن هذه العلاقة وتلك الأزمة أن يتدهورا بشدة، وربما انحدرتا إلى درك نزع الشرعية العربية عن هذه الحكومة، بشكل مفتوح أو مفضوح يجرّئ عليها خلق الله على الشاكلة ذاتها، فيما لو تمترست حماس في خنادقها الإيديولوجية والسياسية، واستمرت تحلّق بعيداً عن السرب العربي.

       مؤدّى ذلك أن حماس ببراغماتيتها السياسية وتخلّيها حركياً عن نصف حكومة السلطة الوطنية، ساهمت في تنحية شبح الحرب الأهلية فلسطينياً، وكذا في رفع حرج كبير كان يمكن أن تقع فيه قمة الرياض فيما لو مضت إلى استذكار أو اجترار المبادرة العربية بمعزل عن إرادة " حكومة حماس" السابقة. هذا موقف يفترض أن يُحسب لحماس.. ولعل أفضل مكافأة يمكن أن تنالها هذه الحركة، والنظام الفلسطيني بعامة، تتمثل في استعصام النظام العربي، أهل قمته بخاصة، بمحتويات هذه المبادرة كما فهمتها حماس والشعب الفلسطيني بلا تبديل ولا تعديل، رغماً عن الضغوط العاملة في الاتجاه المعاكس.

ندفع بهذه النصيحة، جازمين بأن التعديل، حتى إن جاء كما يشاع بهدف التفعيل وتلاعب بحق العودة الفلسطيني أو بمصير القدس وفقاً للشرعيتين العربية والدولية، فسوف يؤدي إلى انفراط منجزات مكة والرياض على طول الخط: سيذهب ريح التلاقي الوطني الفلسطيني وستدور رحى شقاق بين العرب وقطاعات فلسطينية في طليعتها حماس وأضرابها وربما أيضاً بين عرب وعرب! ومن المعلوم أن أحداً فلسطينياً كان أم عربياً لم يجرؤ على الاستخفاف بحق العودة وعروبة القدس وسلم جانبه من تهم التفريط والخيانة. ثم إن انصياعاً عربياً لمفهوم التعديل سينطوي على خطيئة تفاوضية جسيمة ليس فقط لتداعياته الفلسطينية والعربية المذكورة، وإنما أيضاً لأنه سيكون بلا ثمن، لا سيما في عهد حكومة إيهود أولمرت وبطانته، فضلاً عن عهد الرئيس الأمريكي بوش الإبن وإدارته.. لأن الأول ضعيف البنية سياسياً وشعبياً وآيل للسقوط وربما للمحاكمة في أية لحظة، والثاني يوشك على الرحيل بقوة الزمن والقانون وانتهاء الولاية.

 

خاتمة

       لا يستطيع الطرف الفلسطيني الإقلاع بقضيته منفرداً بغير الأشرعة العربية. لكن الرضاء الفلسطيني محدِّد جوهري لفعالية التصورات والمبادرات العربية للتسوية الإسرائيلية-الفلسطينية. تفاهمات مكة وقمة الرياض حققت التوازن في هذه المعادلة إلى حد كبير، وإن بشقّ الأنفس. وهذا أمر لا ينبغي التفريط فيه، وبخاصة أمام حكومة إسرائيلية موصوفة بالافتقار للمواهب القيادية والخيال السياسي؛ حكومة لا يؤمل منها الخوض في تسوية جدية على أي مسار؛ كل همّها شراء وقت تتخلص فيه من الضغوط الداخلية وتعيد الكرة إلى الدائرة العربية والفلسطينية.

        من بين ما يوحى به هذا التحليل عموماً محدودية، وربما انعدام فرص تنشيط مسار التسوية الفلسطينية-الإسرائيلية فى الأجلين القريب والمنظور..ومع ذلك هناك أنباء تتلصص عن وجود قناة تفاوضية فلسطينية-اسرائيلية سرّية في إحدى العواصم الأوروبية ،برعاية أمريكية أوروبية.ويقال إن اللقاءات الدورية بين أبو مازن وأولمرت يراد منها التغطية على ما قد تتوصل إليه هذه القناة .ان صحّت هذه التسريبات، فإنها تؤكد أن فريقاً فلسطينياً بعينه، ليست لديه قابلية للتعلم من دروس الماضي القريب حول نتائج التفاوض سراً بشأن قضية لايملك رقبتها، وإمكانية التصرف فيها بمعزل عن شركاء له فى الدم والمصير.

 


* باحث فلسطيني

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة