من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

 

 

مواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا

من حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية

 

 

أ. محمد رشاد الشريف*

مقدمة

حظي تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الذي تم الإعلان عنه يوم 16/3/2007 باهتمام فلسطيني وعربي ودولي واسع، ليس لأنها المرة الأولى التي تشكّل فيها حكومة وحدة وطنية منذ قيام السلطة الفلسطينية في الأرض المحتلة عام 1994، وحسب، بل لأنها جاءت أيضاً بعد مخاضٍ عسير، وجهود وطنية وقومية مضنية للخروج من الحالة المأساوية التي عاشها الوضع الفلسطيني خلال السنة الفائتة؛ أي منذ فوز حركة حماس بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وتشكيلها الحكومة الفلسطينية السابقة، والتي فرِض بعدها حصار مالي وسياسي وتجويعي جائر على الشعب الفلسطيني، حيث رفضت الأطراف الدولية الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التعامل مع هذه الحكومة؛ على الرغم من أنها جاءت نتاج انتخابات شعبية شهد العالم على نظافتها ونزاهتها، بذريعة أنها لا تلبّي شروط اللجنة الرباعية ولا تعترف بالكيان الصهيوني كما يريد هذا الكيان!

 وقد أدى هذا الوضع إلى حال من التنازع والصراع الداخلي، وصولاً إلى الحوار بين فريق الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح، وفريق الحكومة وحركة حماس، على أمل أن يؤدي هذا الحوار إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، ترفع الحصار الجائر، وتخرج الحكومة الفلسطينية من دائرة المقاطعة «الدولية»، وتعيد الحيوية إلى الوضع الفلسطيني في مواجهة محاولات العزل والخنق الصهيونية.

وعلى الرغم من القناعة العامة لدى غالبية الطيف السياسي الفلسطيني بأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو «معبر إجباري» في هذه المرحلة للخروج من الأزمة، وبأنه لا يمكن تجاوز أي من طرفي الأزمة: فتح وحماس، اللذين يتمتعان بثقل كبير في الساحة الفلسطينية ولكل منهما امتداداته خارج هذه الساحة، إلا أن هذا التشكيل لم يتم إلا بعد مرور عدة أشهر ومحاولات وإخفاقات متكررة. وكان لضغوط الجانبين الأمريكي والصهيوني وتهديدهما بأن الحصار لن يرفع إذا لم تجر الاستجابة الكاملة لشروط الرباعية، دوراً رئيساً في إخفاق تلك المحاولات، إلى أن جرى التوصل إلى «اتفاق مكة»، بالرعاية السعودية في 8/2/2007 بعد صدامات واشتباكات مؤسفة في شوارع قطاع غزة، كادت تؤدي بالوضع الفلسطيني إلى أتون الحرب الأهلية، بما لذلك من آثار مدمرة على البنية الاجتماعية وعلى القضية الفلسطينية ككل.

وإذا كان تعزيز الوحدة الوطنية، كشرط أساسي لتعزيز الكفاح الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، والعمل لضبط الفلتان الأمني والاستقرار على الصعيد الداخلي وإغلاق الباب أمام حالة الاضطراب واستنزاف طاقة الشعب الفلسطيني في الصراع الداخلي، من أهم الدوافع لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فإن رفع الحصار الجائر وإنهاء المقاطعة الدولية للحكومة الفلسطينية، قد شكّل الهاجس الأكبر لقيادتي حماس وفتح وأبناء الشعب الفلسطيني، وأولوية أولى لعمل الحكومة منذ اليوم الأول لتشكيلها، وهو أمر يرتبط بشكل رئيس بمواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، التي تشكّل مع الأمم المتحدة أطراف اللجنة «الرباعية»، المولجة دولياً بملف المشكلة الفلسطينية. وقد رأى محلّلون سياسيون فلسطينيون وعرباً أن مصير الاتفاق الذي جرى في مكة بين حركتي حماس وفتح يبقى مرهوناً بمواقف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني منه، ومدى رغبتهما في رفع الحصار والمقاطعة الاقتصادية والسياسية التي تسببت في عزل الحكومة التي شكلتها حركة حماس. وكما قال الأستاذ علي الجرباوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بير زيت، فإن «المشكلة لم تعد عند الفلسطييين بقدر ما أصبحت تتمحور حول الكيفية التي يتعامل بها العالم معنا». ومن هنا تأتي أهمية قراءة مواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا التي تشكل محور الموقف الدولي من الحكومة الفلسطينية، وهو ما سيتركز عليه موضوع هذا البحث.

أرضية مواقف الأطراف الثلاثة من حكومة الوحدة الوطنية:

بداية لا بد من القول أن ردود فعل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لم تأت من فراغ، أو مقطوعة الصلة عما سبقها، بل جاءت في سياق الموقف الثابت لكل طرف من هذه الأطراف الثلاثة من القضية الفلسطينية والصراع العربي-الصهيوني، وموقع كل طرف من النظام الدولي الجديد الذي أخذت ملامحه بالتشكل، بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفييتي؛ هذا النظام الذي تحاول الولايات المتحدة تكريس نفسها قطباً مقرّراً ومسيطراً فيه، وخاصة فيما يتصل بمنطقة الشرق الأوسط؛ وكذلك برؤية كل طرف لمصالحه في هذه المنطقة، وبنية علاقاته مع دولها، ومع الكيان الصهيوني من جانب، والحركة السياسية والنظام الفلسطيني من جانب آخر.

وهذه الأطراف الثلاثة، وإن كانت غير متطابقة بما يخص الصراع العربي- الصهيوني، إلا أن بينها قواسم مشتركة في الموقف من الوضع الفلسطيني، أبرزها أنها اتفقت على ما يسمى بشروط "الرباعية" للتعامل مع الحكومة الفلسطينية (حكومة حماس السابقة)، ولرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني؛ هذه الشروط التي تتلخص في أن«على هذه الحكومة الاعتراف بالكيان الصهيوني، والالتزام بالاتفاقات السابقة الموقّعة معه، ونبذ العنف...»!

وعلى الرغم من الاتفاق العام على هذه المبادئ الثلاثة، فإن مواقف تلك الأطراف كانت مختلفة لجهة التعامل مع الحكومة السابقة إلى حد التناقض. ففي الوقت الذي قاطعت فيه الولايات المتحدة هذه الحكومة، وكان لها الدور الأساسي مع الكيان الصهيوني في فرض المقاطعة والحصار المالي والسياسي عليها، فإن روسيا ليس فقط لم تلتزم بالمقاطعة، بل هي استقبلت قيادة حماس وقدمت لها الدعم المالي (20مليون دولار) والسياسي، فيما لم يخرج موقف الاتحاد الأوروبي بوجه عام من تحت عباءة الولايات المتحدة، على الرغم من تفاوت المواقف بين دوله.

إن المعيار الأساس في مواقف هذه الدول كان طبيعة علاقاتها بالكيان الصهيوني. فالولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي الداعم لهذا الكيان، تتبنى موقفاً إسرائيلياً من الحكومة الفلسطينية وقضايا الصراع في المنطقة. وقد اعتبِر موقف إدارة بوش والمحافظين الجدد موقفاً ليكودياً متشدداً أكثر من كل الإدارات السابقة؛ ففي حين كانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق كلنتون تقيم علاقات جيدة مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، حيث زار كلنتون الأرض المحتلة، وتفرّغ أكثر من أسبوعين لرعاية محادثات كامب ديفيد صيف عام 2000، فإن الرئيس بوش قاطع الرئيس عرفات، وأيد سياسات شارون في سحق الانتفاضة بدون تحفظ؛ بل واستخدمت إدارته حق "الفيتو" مرات عدة ضد قرارات تدين المجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، ولم تبد ذلك الاهتمام بما يسمى عملية السلام. وهي لم تتحرك في المرحلة الراهنة إلا تحت ضغط الوقائع الجارية في المنطقة وغرقها في وحول العراق، وبشكل مناور لا يبتعد عن الموقف الصهيوني.

أما روسيا صاحبة الموقف المقابل، فإنها وعلى الرغم من انفتاحها على الكيان الصهيوني بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تحاول اتخاذ موقف موضوعي من الصراع انطلاقاً من رؤيتها لمصالحها الوطنية، بعد استعادة تماسكها (كدولة واقتصاد) في عهد الرئيس بوتين، حيث مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية هي في خط العلاقات السابقة التي كان الاتحاد السوفييتي السابق يقيمها مع دول العالم، وكذلك بقي أصدقاؤه في المنطقة هم أصدقاؤها الطبيعيون، بعد أن أدركت أن الغرب يحاول تطويقها واختراقها أمنياً واقتصادياً، من أجل تدميرها كأمة في نهاية المطاف. وقد اتخذت روسيا في الفترة الأخيرة موقفاً أعلى نبرة ويحمل طابع التحدي فيما يخص نشر الدرع الصاروخي الأمريكي في بولندا وتشيكيا، وهي تأخذ من البداية موقفاً مختلفاً عن موقف الغرب من البرنامج النووي الإيراني، بل تتعاون مع إيران في هذا المجال وتقوم ببناء محطة "بوشهر" النووية؛ وحتى في مسألة المحكمة الدولية في لبنان، لروسيا موقف مختلف عن الموقف الغربي..

ولروسيا موقف واضح بالنسبة للتعامل مع الحكومة الفلسطينية. فهي إن  لم تقاطع حكومة حماس السابقة، ولم تؤيد فرض الحصار عليها، لكنها أيدت حكومة الوحدة الوطنية ودعت إلى رفع الحصار المالي والسياسي عنها فوراً. ولا تزال تدافع عن هذا الموقف داخل "الرباعية"، وعلى الصعيد الدولي.

أما الاتحاد الأوروبي الذي تختلف مواقف دوله إلى حد التناقض، فإن محصّلة هذه المواقف لا تبتعد عن الموقف الأمريكي بسبب ثقل وزن الدول القريبة من الموقف الأمريكي في الاتحاد (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، هولندا وبلجيكا والدول الجديدة في شرق أوروبا...)، وبسبب شدة الضغوط الصهيونية والأمريكية، وضعف تأثير الدول العربية التي لها علاقات وثيقة بالدول الأوروبية، التي لديها مصالح اقتصادية هامة جداً في المنطقة. لكنها في الأساس (الدول العربية) لا تستخدم هذه العلاقات لمصلحة القضية الفلسطينية، وهي تفصل بين الاقتصاد والسياسة، لا بل إن إرادتها السياسية ضعيفة، ومرتهنة في الغالب لمشيئة الولايات المتحدة والغرب الاستعماري.

ومن جانب آخر، لا بد من القول أن هذه الأطراف الثلاثة لا تتمتع بالثقل أو التأثير نفسه على الصراع العربي-الصهيوني، انطلاقاً من اختلاف ثقلها ووزنها على الصعيد الدولي. فالولايات المتحدة هي الطرف الوازن الذي يشكل القطب الأقوى على الصعيد الدولي، إن لم يكن الوحيد الذي يحاول السيطرة على مسار الشؤون العالمية بالكامل؛ وهي الطرف الذي لديه العلاقة الأوثق والتأثير الأكبر على الكيان الصهيوني، بما تقدم له من دعم اقتصادي وعسكري، وما تسبغ عليه من حماية ورعاية على الصعيد الدولي، ومن خلال بشبكة العلاقات السياسية المتداخلة التي تربط بين الطرفين.

ليس هذا وحسب، بل إن للولايات المتحدة القدرة الكبيرة في الضغط على الطرفين الآخرين: الاتحاد الأوروبي وروسيا، ودول العالم الأخرى بما فيها الدول العربية، وهي التي تتحكم بشكل رئيس في النظام المالي والمصرفي الدولي. وقرارها كان الأساس في منع التحويلات البنكية إلى الأرض الفلسطينية المحتلة وفرض الحصار المالي الجائر على الحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وكذلك، فإن تأثيرها في القرار الدولي ملحوظ بدون لبس في القضايا التي تعرض على مجلس الأمن، حتى تحوّل هذا المجلس منذ انهيار الاتحاد السوفييتي إلى ما يشبه الأداة في يدها.

وهذه الدولة (أمريكا) لا يقتصر دورها وأثرها في القرارات التي تصدر عن الهيئات الدولية، والمؤسسات الاقتصادية، بل هي مستعدة للتدخل المباشر وخوض الحروب، وإسقاط الأنظمة، وتفكيك الدول، كما حدث في حروبها التي شنّتها على أفغانستان والعراق، وهي التي كانت وراء شن واستمرار العدوان الصهيوني على لبنان صيف عام 2006 مدة ثلاثة وثلاثين يوماً.

وذلك لا يعني أن الطرفين الآخرين (روسيا وأوروبا) معدومي التأثير، وخاصة في ظل تراجع الولايات المتحدة، وفشل مشروعها الإمبراطوري في السيطرة على المنطقة، بعد فشل مشروعها في العراق، وفشل عدوان تموز 2006 الصهيوني على لبنان، والنيل من هيبتها بشكل عام، إضافة إلى الانقسام الداخلي الحاصل حول حربها في العراق، وسياساتها في المنطقة والعالم؛  وصولاً إلى ما دعا إليه تقرير بيكر- هاملتون من ضرورة تغيير الولايات المتحدة لسياستها وأساليبها في العراق والمنطقة، والاهتمام أكثر بالصراع العربي-الصهيوني وبتحريك عملية "السلام"، وإيجاد حل جذري للقضية الفلسطينية. فحاجة الولايات المتحدة لهذين الطرفين، وللأطراف الإقليمية في المساعدة للخروج من المأزق العراقي، ولإنقاذ مشروعها في المنطقة، تقوّي من التأثير الروسي والأوروبي على الوضع في المنطقة، وعلى الولايات المتحدة نفسها،  ولو بشكل تدريجي وغير مباشر، انطلاقاً من ترابط قضايا المنطقة ببعضها البعض.

المواقف من حكومة الوحدة الوطنية بعد اتفاق مكة:

 يمكن القول إن المواقف التي أبدتها الأطراف الدولية تجاه حكومة الوحدة الوطنية لم تبدأ مع الإعلان عن تشكيل هذه الحكومة، بل منذ محاولات تشكيلها، وخاصة منذ إعلان اتفاق مكة في 8 شباط 2007. ففي حين كان هناك ترحيب عربي ودولي عام بهذا الاتفاق الذي أوقف نزيف الدم الفلسطيني، فإن الطرف الأمريكي كان مع الجانب الصهيوني يحاول عرقلة تشكيل هذه الحكومة، على أساس أن الاتفاق بين فتح وحماس سوف يعرقل عملية التسوية. فقبل توجه وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في زيارتها العاشرة إلى المنطقة، للقاء رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس، قال الناطق باسمها شون ماكورماك: « إننا لا نستطيع أن نقدم رد فعل على اتفاق مكة يتعدى التزامنا بحلّ الدولتين، وإن الشعب الفلسطيني يستحق حكومة تلتزم بهذا الهدف». وقد سارعت رايس فور الإعلان عن اتفاق مكة إلى الاتصال بشركائها في اللجنة الرباعية، بعد صدور بعض التصريحات الإيجابية تجاه الاتفاق، إلى إصدار بيان تكرّر فيه شروطها التي تطالب فيها أي حكومة فلسطينية بنبذ العنف، والاعتراف بالكيان الصهيوني، والالتزام باتفاقيات "السلام" من أجل الحصول على المساعدات الغربية، دون أن تذكر ما إذا كانت حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الجديدة التي ستشكّل وفقاً لهذا الاتفاق قد لبّت هذه الشروط.

وأفاد بيان اللجنة الرباعية الذي تولّت الخارجية الأمريكية إصداره في 9/2/2007 بعد اتصالات هاتفية لرايس مع شركائها في الرباعية: «إن اللجنة الرباعية ترحّب بدور العاهل السعودي في التوصل إلى اتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية. وتعرب المجموعة عن الأمل في أن يسود الهدوء المنشود». وأضاف البيان: «في انتظار تشكيل الحكومة الجديدة، تكرّر الرباعية تأكيد بيانها الصادر في الثاني من شباط، والذي أعربت فيه عن دعمها حكومة فلسطينية تتعهد بنبذ العنف والاعتراف بإسرائيل والموافقة على الاتفاقات المعقودة والالتزامات بما فيها خارطة الطريق»!

ولدى زيارتها الأرض الفلسطينية المحتلة لحضور القمة الثلاثية في 18 شباط 2007، أعلنت رايس: «إن الولايات المتحدة ستنتظر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية لرؤية برنامجها والمبادئ التي ستشكّل على أساسها والالتزمات التي ستأخذها على عاتقها»، مضيفة أن «واشنطن سوف تواصل العمل مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي يقبل بمبادئ الرباعية». وقد جاء إعلان رايس هذا بعد أن وجّه عباس «نداء يدعو فيه إلى قبول اتفاق مكة».

ويمكن القول أن هذا الموقف المتحفظ الذي أعلنته رايس رداً على نداء عباس، جاء متماشياً مع الموقف الذي أعلنه الكيان الصهيوني على لسان وزيرة خارجيته تسيبي ليفني: «أن اتفاق مكة لا يلبّي -ويا للأسف- متطلبات المجتمع الدولي». وقد ذكِر أن هذا الموقف الإسرائيلي الرافض لاتفاق مكة لقي تشجيعاً، بتأكيد الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال مكالمة هاتفية مع إيهود أولمرت رئيس الحكومة الصهيونية يوم 16 شباط: «أن واشنطن سوف تقاطع الحكومة الفلسطينية إذا لم تلتزم بشروط اللجنة الرباعية»، وحيث أعلن أولمرت: «إن إسرائيل لن تعترف بالحكومة الفلسطينية، ولن تتعامل معها». وهو لم يكتف بشروط الرباعية، بل أضاف: « سوف نصرّ على التزامات أخرى، بما فيها إطلاق سراح الجندي جلعاد شاليت، قبل تحريك عجلة التفاوض»!

هذا الموقف الأمريكي-الصهيوني المشترك أدى إلى إخفاق القمة الثلاثية التي قيل «إنها محاولة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين إسرائيل والفلسطينيين». كما أدى إلى توتر الأجواء بين أولمرت وعباس، بعد أن هاجم أولمرت عباس قائلاً له: «إنك تتحالف مع حماس ضد إسرائيل. ويجب عدم مشاركة فتح في الحكومة الجديدة مع حماس»؛ وهو ما رفضه عباس قائلاً: «وما الذي قدمتموه لنا؟».  وفي هذه القمة التي أصرّت فيها كونداليزا رايس على ضرورة أن تلبّي الحكومة الفلسطينية شروط الرباعية «لم تنبس ببنت شفة حول التوتر الذي خلقته إسرائيل بحفرياتها حول المسجد الأقصى»، ولم تتحفظ على إعلان أولمرت «أنه غير مستعد للتخلي عن القدس عاصمة موحدة أبدية لكيانه، ورفضه الانسحاب إلى حدود عام 1967، أو تنفيذ حق العودة».

وإذا كان الموقف الإسرائيلي من حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية ليس موضع بحثنا هنا، بل الموقف الأمريكي والأوروبي والروسي، فإن الولايات المتحدة لم تكتف بما ذكرناه في الاجتماع الذي عقِد في برلين مساء الثلاثاء 21 شباط 2007، والذي ضمّ الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وكونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، وسيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، وخافيير سولانا ممثل السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية، إضافة إلى فرانك فالترشتانيمر وزير خارجية ألمانيا، والمفوّضة الأوروبية للعلاقات الخارجية بنيتا فريرو فالدنر، والذي بحث في سبل التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تضم حركتي فتح وحماس؛ فعلى الرغم من الأجواء الخلافية التي سادت قبل الاجتماع، ومن الموقف الروسي الذي حمله وزير الخارجية سيرغي لافروف، والذي ينادي بإنهاء مقاطعة الحكومة الفلسطينية، تمكنت رايس من فرض موقفها على اللجنة الرباعية التي تبنّت الموقف الأمريكي الذي بإبقاء الحصار لابتزاز الطرف الفلسطيني، بذريعة تلبية شروط الرباعية، حيث جرى التأكيد على هذه الشروط في البيان الذي تلاه "بان كي مون" والذي جاء فيه أن شروط دعم الحكومة الفلسطينية هي «نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل والقبول بالالتزامات السابقة، وبينها خارطة الطريق، مع تشجيع إحراز تقدم في هذا الاتجاه».

وقد ظل الأمريكيون يردّدون هذا الموقف، حيث أعلن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في مؤتمر "إيباك" (لجنة العلاقات العامة الأمريكية-الإسرائيلية) أنه والرئيس  بوش ملتزمان برؤية دولتين لشعبين، «وأن السلام يتطلب من الحكومة الفلسطينية الوفاء بالاتفاقات السابقة وإدانة العنف والاعتراف بوجود إسرائيل»[1].

أما بالنسبة للموقف الروسي المتميز، فإنه لم يستطع شد الأطراف الأخرى في "الرباعية" باتجاه آخر. فقد عبّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن هذا الموقف، حين دعا في مقابلة مع صحيفة روسيسكا غازيتا إلى «رفع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الرباعية على الفلسطينيين»؛ وأضاف: «آمل أن يؤيد الرباعي رفع العقوبات المالية والاقتصادية التي فرضتها إسرائيل على الفلسطينيين.. وأن ذلك سوف يكون موقف روسيا والاتحاد الأوروبي».

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن موقفه لم يكن بقوة الموقف الروسي في تلك المرحلة، مما جعل الرأي الأمريكي هو الغالب داخل الرباعية. وكانت المواقف التي عبّرت عنها الدول الأوروبية متفاوتة في ترحيبها بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية.

فالموقف البريطاني الذي جرى التعبير عنه خلال زيارة الرئيس محمود عباس إلى بريطانيا في تزامن مع اجتماع الرباعية، وعلى الرغم من تكرار توني بلير رئيس الوزراء البريطاني أمام عباس أهمية إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وأن ذلك من أهم أولوياته في الفترة المتبقية له في الحكم، وتعهده ببذل جهود جديدة من أجل تحقيق انفراج وتحسين الظروف المعيشية للشعب الفلسطيني، إلا أن مسؤولين بريطانيين «شددوا على أهمية التزام حماس بشروط الرباعية والاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات الموقّعة معها ونبذ العنف» على حد تعبيرهم.

وكانت وزيرة الخارجية البريطانية مارغريت بيكيت قد حذرت خلال زيارتها إلى الكيان الصهيوني، والتي جرت أثناء لقاء مكة بين فتح وحماس، «إن المجتمع الدولي سيقاطع حكومة وحدة وطنية فلسطينية إذا لم تعترف حركة حماس بإسرائيل»؛ وأضافت في تصريح لإذاعة الجيش الإسرائيلي: «قلنا في البداية أن كل حكومة فلسطينية سيتحتم عليها الالتزام بمطالب الرباعية الدولية والاعتراف بإسرائيل. وإذا لم تغيّر حماس موقفها، فإننا أيضاً لن نتمكن من تغيير تعاملنا معها»، معربة عن أملها في نجاح مباحثات مكة:" لقد قلنا مراراً أننا سنكون مرتاحين لتشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس مبادئ الرباعية".

وبعد توقيع اتفاق مكة، قال مسؤول بريطاني رفيع المستوى في وزارة الخارجية البريطانية «إن وزيرة الخارجية ناقشت الاتفاق مع وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل الذي شرح لها اتفاق مكة، وكذلك مع تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية، ومع كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميريكية، ومع فرانك فالترشتاينماير وزير خارجية ألمانيا الذي ترأس بلاده اللجنة الرباعية، وأنها فهمت أن الاتفاق هو جزء من عملية السلام وليس نهاية المطاف، وهي تنتظر تفاصيل إضافية في شأن الحكومة الفلسطينية وبرنامجها. ولا شك أننا نحتاج المزيد من الوقت لتوضيح الاتفاق، لكنه بداية جيدة، وسير في الاتجاه الصحيح. ونحن نتطلع إلى استئناف الحوار مع سلطة فلسطينية تلتزم المبادئ الثلاثة التي حدّدتها الرباعية»؛ بمعنى أن الخارجية البريطانية تريد جعل ما يجري جزءاً من عملية تستهدف جرّ حركة حماس إلى المواقع التي يريدها الغرب والمحدّدة في شروط الرباعية.

وكان المسؤول البريطاني قد حسم في شأن شروط الرباعية: «هذه المبادئ ليست أموراًً يمكن التوصل بشأنها إلى حلول وسط. فإما أن تعترف بدولة إسرائيل أو لا تعترف؛ فالمرأة إما أن تكون حاملاً أو لا تكون.. لا يمكن أن تكون نصف حامل! إننا نتطلع إلى بيان بهذا المعنى.. إننا نريد نجاح حكومة الوحدة الوطنية، لكن يجب عليها أن تلتزم مبادئ الرباعية الثلاثة».

ومن الواضح أن الموقف البريطاني يتمترس خلف شروط الرباعية من أجل استمرار الضغط على الحكومة والواقع الفلسطيني، وأنه كالموقف الأمريكي والصهيوني، لم يكتف بما في بيان مكة من «احترام للاتفاقات» وبأن منظمة التحرير هي التي تتولى الشأن السياسي والمفاوضات، بل يريد جرّ الموقف الفلسطيني كله إلى أرضية الموقف الإسرائيلي، مقابل تخفيف إجراءات الحصار والمقاطعة!!

بالنسبة للدول الأوروبية الأخرى، فإن النرويج كانت الدولة الأوروبية الوحيدة  التي أعلنت أن اتفاق مكة يلبّي الشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية لرفع الحصار عن الحكومة الفلسطينية وبدأت تتعامل معها على هذا الأساس.

وبالمحصلة، فإن الاتحاد الأوروبي ظل متمسكاً بشروط الرباعية،  مع توجيه الضغط إلى الجانب الفلسطيني، باستثناء إعلانه عن إنشاء ما يسمى بالآلية الدولية المؤقتة لإرسال المساعدات للمستشفيات والمستوصفات الفلسطينية، وتوفير إمدادات الطاقة والماء، ولتأمين الخدمات الأساسية للفقراء والمعوزين الفلسطينيين خشية حدوث كارثة إنسانية.

وفي الواقع، فإن هذا الموقف الأوروبي كان مخيّباً للآمال الفلسطينية والعربية، والتي كانت تتوقع أن يؤدي اتفاق مكة إلى انفراج على صعيد المقاطعة والحصار المضروب على الشعب الفلسطيني. وكان حديث العديد من الأكاديميين والمحلّلين الفلسطينيين يسير في هذا الاتجاه، من ذلك قول مهدي عبد الهادي رئيس الأكاديمية الفلسطينية للشؤون الدولية: «إن الاتفاق هو بداية التطبيع، وإن هناك ترحيباً روسياً. ولن تتردد الأمم المتحدة في الموافقة على هذه الصيغة، مع استمرار التحفظ الأمريكي والصهيوني مع محاولة وضع عقبات جديدة. وسيتعامل الإتحاد الأوروبي بتحفظ، مع تباين مواقف دول الاتحاد»؛ وقول سمير عوض رئيس دائرة العلوم السياسية بجامعة بيرزيت:«على الصعيد الدولي، وفّر الاتفاق فرصة أفضل للتعامل مع حكومة وحدة وطنية فلسطينية. وهذا سيحدث اختراقاً في الموقف الأوروبي، وقد يضع الولايات المتحدة وإسرائيل في مأزق».

ويبدو أنه كان واضحاً وجود تقدير فلسطيني بأن السعودية التي رعت الاتفاق وتربطها علاقات جيدة ومصالح بالدول الأوروبية، ستقوم هي والدول العربية الأخرى بدعمه على الصعيد الدولي لإحداث «اختراق». من ذلك قول جورج جقمان مدير المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية: «إن السعودية لم تقم باحتضان اتفاق فتح وحماس من دون تنسيق مع الأوروبيين والأمريكيين... ليس صدفة تزامن وجود وفد فلسطيني في الولايات المتحدة ومدير المخابرات المصرية عمر سليمان ووزير الخارجية المصري. وأعتقد أنه جرى بحث صيغة الاتفاق الذي تم التوقيع عليه .. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، بتقديري أنه شبه جاهز للتعامل مع الحكومة الفلسطينية عقب تشكيلها، فيما سيتأخر الطرفان الأمريكي والصهيوني في التعامل مع الحكومة الجديدة»!

لكن بعد مضي عدة أشهر على توقيع الاتفاق، لم يحدث اختراق مهم في الموقف الأوروبي، ولم يقع الأمريكيون والصهاينة في مأزق.. وبات من الواضح أن اتفاق مكة لم يأت بتنسيق مع الأمريكيين والأوروبيين، وإنما كان نتاج السعي السعودي (والعربي) لوقف الاقتتال ورأب الصدع الفلسطيني، ولملمة الوضع العربي في مواجهة المتغيرات، واتقاء للارتدادات المحتملة للتراجع الأمريكي الكبير في العراق. (الانسحاب العسكري منه).

المواقف الدولية بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية:

بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، التي ضمّت فتح وحماس وعدداً من الكتل والفصائل التي لها تمثيل في المجلس التشريعي (باستثناء الجبهة الشعبية) وبعض المستقلين، وعقْد أول اجتماع لها في 18/3/2007، لم تختلف مواقف الأطراف الدولية: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، عن الموقف المعلن قبل تشكيلها، لكنها برزت بشكل أوضح وأكثر تحديداً.

فالولايات المتحدة كانت متفقة مع الكيان الإسرائيلي الذي أعلن: «إن حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية لا تلبّي الشروط اللازمة لإقامة أي علاقات معها» [2]. وقد أعلن ستيفن هادلي مستشار الأمن القومي الأمريكي: «نرفض التفاوض مع هذه الحكومة ما دامت ترفض المبادئ التي حددتها الرباعية»، وأضاف: «قلنا بوضوح إن على هذه الحكومة أن تقبل المبادئ الأساسية التي تشكل ركيزة السلام في الشرق الأوسط»، داعياً الحكومة الجديدة إلى التخلي عن "الإرهاب" وعن "العنف" والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، مع اعتباره أن كلام رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية عن المقاومة «يثير القلق» [3].

أما نانسي بيك، المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية فادّعت: «أن إشارة بيان حكومة الوحدة الوطنية إلى حق المقاومة مقلقة وتتناقض مع مبادئ الرباعية لنبذ العنف»؛ فيما أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بوضوح: «إن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عقّد الأمور، والوقت لم يحن للمفاوضات النهائية» [4]

وهذا يعني أن الولايات المتحدة رأت في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أمراً سلبياً وتراجعاً عن الوضع السابق، على الرغم من كل ما جاء في بيانها وفي رسالة التكليف في الجانب السياسي، ولم تر من كل ذلك إلا الإشارة إلى حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال والذي تعتبره «عنفاً وإرهاباً»؛ ما جعل وزير الإعلام الفلسطيني د. مصطفى البرغوثي يقول: «إن هذا التصريح (لرايس) مخيّب للآمال ومنحاز لوجهة النظر الإسرائيلية».

لكن المتحدثة باسم القنصلية الأمريكية في القدس، سيكايرا شويتزر بلوم، قالت: «سنواصل سياساتنا بعدم إجراء اتصالات مع أعضاء المنظمات الإرهابية»؛ مشيرة إلى أن الإدارة «لن تعلّق الاتصالات مع فلسطينيين لمجرد مشاركتهم في حكومة الوحدة ما داموا ليسوا أعضاء في حماس. وسنتخذ قرارات بخصوص كل حالة على حدة اعتماداً على تقييمنا للموقف». وكان مسؤول أمريكي  آخر أعلن أن واشنطن قد تتعامل مع وزير المالية الفلسطيني سلام فياض.

بعد ذلك، قام القنصل الأمريكي في القدس يوم 21/3/2007 بالالتقاء مع فياض في خطوة اعتبرها البعض «دلالة مهمة على تداعي الحصار السياسي المفروض على الحكومة الفلسطينية» [5]. وفي الوقت الذي ألمح فيه مسؤولون أمريكيون إلى أنهم سيقاطعون جميع أعضاء الحكومة الفلسطينية بمن فيهم الوزراء المعتدلون مثل سلام فياض، أعلنت الإدارة الأمريكية أنها سوف «تتعامل مع وزراء فتح المستقلين»؛ وهو ما يشير إلى نوع من الارتباك في الموقف الأمريكي من هذه الحكومة منذ الأيام الأولى. وقد أعلن مسؤول في مكتب الرئيس محمود عباس: «لقد علِمنا من الأمريكيين أن موقفهم من المساعدات والتحويلات المالية، سوف يستمر دون تغيير في الفترة القادمة، وأن الأوروبيين سوف يستمرون في التعامل وفق الآلية المؤقتة لدعم الموازنة».

وقد حاول الأمريكيون -ولا يزالون- اللعب على مسألة الاختلاف بين فتح وحماس، من خلال الإعلان عن الدعم للرئاسة الفلسطينية وللحرس الرئاسي تحديداً، من أجل النفخ في رماد الفتنة الداخلية وإعادة الانشقاق وتقويض الحكومة؛ من ذلك إعلان اللفتنانت كيت دايتون، المنسّق الأمريكي للأمن بين إسرائيل والفلسطينيين، أنه «بفضل إيران، تتضخم قوة حماس وتحصل على تدريب ومعدات أكثر تطوراً من القوات التابعة للرئيس عباس». وفي هذا السياق، طالبت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس بمنح مساعدة مالية لحرس الرئيس عباس بمقدار 86 مليون دولار، كان الكونغرس قد خفّضها إلى 50 مليون دولار.

ولم يكن الموقف الأمريكي مقصوراً في هذا الجانب على الإدارة الأمريكية، بل إن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي (من الحزب الديمقراطي) شدّدت أثناء زيارتها إلى الكيان الصهيوني في الأول من نيسان 2007 :«إن على الحكومة الفلسطينية التخفيف من حدّة موقفها قبل رفع العقوبات عنها».  وأضافت في كلمة أمام الكنيست الصهيوني: «هناك اختلافات بيننا كأمريكيين، لكننا نقف متّحدين خلف إسرائيل، الآن ودائماً»؛ معربة عن القلق «لأن البعض في الحكومة الفلسطينية الجديدة ما يزال ملتزماً بتدمير إسرائيل» [6]، على حد تعبيرها.

وقد استمرّ هذا الموقف الأمريكي الذي من الواضح أنه يستهدف خلق انشقاق داخل الحكومة الفلسطينية وتقويضها، وإعادة الاقتتال بين الفلسطينيين، من خلال التلويح بأنها سوف توافق على السماح بالتحويلات البنكية إلى صندوق خاص يتبع الرئاسة الفلسطينية، وحديثها المستمر عن تسليح الحرس الرئاسي، وطرحها ما سمي بالخطة الأمنية الأمريكية في أوائل أيار 2007 التي تحصر المشكلة الفلسطينية في مسألة تخفيف الحواجز والإجراءات،  إلى المساعدات للحرس الرئاسي مقابل التخلي عن المقاومة، دون الحديث عن الانسحاب الإسرائيلي أو وقف الاستيطان أو التعامل مع الحكومة الفلسطينية كإطار واحد، الأمر الذي انعكس في مواقف فلسطينية مختلفة منها. ففي حين رحّب بها الرئيس أبومازن وفريقه، عارضتها وشجبتها رئاسة الحكومة.

ويمكن القول أن هذا الموقف الأمريكي من حكومة الوحدة الوطنية قد عكس نفسه على موقف اللجنة الرباعية بعيد تشكيل هذه الحكومة، كما كان الحال بعد اتفاق مكة. فعلى الرغم مما ذكِر عن احترام الاتفاقات، إلا أن موقف اللجنة بقي في الجوهر كما هو، بجعل أساس المشكلة «مشكلة اعتراف بإسرائيل وضمان أمنها»، وليس مشكلة احتلال أرض وشعب، وضرورة رفع الحصار والمعاناة عن الشعب الفلسطيني، إذ طالب الاجتماع الذي عقدته اللجنة في 21 آذار 2007 حكومة الوحدة الوطنية «بالتزام واضحٍ وموثوقٍ به حيال السلام مع إسرائيل لرفع الحصار المالي والدبلوماسي عنها»؛ وأبقى بيان اللجنة الذي صدر بعد يومين من المداولات على الشروط الثلاثة لاستئناف المساعدات الدولية: «نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل وقبول الاتفاقات الموقّعة سابقاً»؛ وأضاف البيان المشترك: «إن اللجنة الرباعية تنتظر من حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية أن تتحرك بشكلٍ مسؤولٍ وأن تظهر التزاماً واضحاً وموثوقاً به تجاه مبادئ الرباعيّة، وأن تدعم الرئيس عباس لحل النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي من خلال حل إنشاء دولتين للتوصل إلى السلام والأمن والحرية التي يستحقها الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي»؛ لكن في الوقت نفسه، أكد البيان على «تمديد العمل بآلية التحويل الدولية التي أقامها الأوروبيون للتمكن من تقديم مساعدات للفلسطينيين مع تفادي حماس» [7]!

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، فقد قرّر بشكل عام استئناف الاتصالات مع أعضاء غير منتمين إلى حماس، حيث عقدت المفوّضة الأوروبية للعلاقات الخارجية بينيتا فيرويرو فالدنر مؤتمراً صحفياً يوم 19/3/2007 في واشنطن مع كونداليزا رايس، والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، ووزيرالخارجية الألماني فالترشتاينمر الذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي، قالت فيه: «من المهم جداً في هذه الفترة الدقيقة  أن نواصل على الأقل آليتنا الدولية المؤقتة والتمديد لها ثلاثة أشهر إضافية، كي لا يعاني الفلسطينيون، في انتظار أن نبتّ بشأن حكومة الوطنية الفلسطينية وقدرتها على فرض النظام والقانون»؛ فيما أعربت رئاسة الاتحاد الأوروبي التي تتولاها ألمانيا عن «استعدادها للتعاون مع حكومة فلسطينية شرعية تتبنى برنامجاً يعكس مبادئ اللجنة الرباعية». وأعرب الاتحاد مجدداً عن استعداده لتقديم الدعم للحكومة الفلسطينية، مشدداً على أنه «سيدرس بعناية برنامج الحكومة والأعمال التي ستقوم بها، ويقوم بها وزراؤها» [8].

وهكذا، فعلى الرغم من تفاوت المواقف بين دول الاتحاد بعد تشكيل الحكومة، إلا أنّ المحصّلة العامة بقيت أقرب للموقف الأمريكي. وإذا كان مفيداً التعرض لمواقف بعض الدول الأوروبية لإعطاء صورة أكثر وضوحاً عن واقع وتنويع وحركيّة الموقف الأوروبي، فإن موقف ألمانيا التي تترأس الاتحاد في هذه الفترة كان قريباً من الموقف الأمريكي في ظل حكم المستشارة أنجيلا ميركل، ليس بالنسبة للوضع في فلسطين؛ بل بالنسبة للقضايا الدولية عامّة؛ فهي تمثِّل اليمين الألماني، وقد عبّرت عن موقفها هذا خلال زيارتها لرام الله يوم 1/4/2007، وبعد اجتماعها بالرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي طالبها بفك الحصار عن الشعب الفلسطيني، بوصفه عقاباً مقصوداً لهذا الشعب، حيث ردّت: «إن عدم التزام حماس بالشروط الدولية دفع الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ قرار بعدم التعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة». وعلى الرغم من أن عباس أكد لها «التزام السلطة بنبذ العنف وبالاتفاقات الموقّعة مع منظمة التحرير، وبتحقيق تهدئة متبادلة ومتزامنة»، لكنها أصرّت على موقفها مطالبة بقبول «معايير اللجنة الرباعية من أجل تعاونٍ كاملٍ مع الاتحاد الأوروبي» [9].

أما الموقف البريطاني، فقد بقي نفسه كما كان بعد اتفاق مكة، حيث قال المتحدث باسم الخارجية البريطانية: «لن تكون لبريطانيا اتصالات مع حماس. لكن هناك أعضاء حكومة ليسوا من حماس سيتسنى لدبلوماسيين بريطانيين الالتقاء معهم»؛ وأضاف: "سوف نحكم على حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية من أفعالها، وسنرد وفقاً لذلك. وستكون الأولوية الآن لرؤية كيفية التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية، وسنناقش ذلك قريباً مع شركائنا الأوروبيين، وسيكون من الأسهل مبدئياً التعامل مع الأعضاء المستقلين في حكومة الوحدة الوطنية" [10].

وبعد أسبوعين من تشكيل الحكومة، أرسلت مارغريت بيكيت، وزيرة الخارجية البريطانية، إلى زياد أبو عمرو، وزير الخارجية الفلسطيني، رسالة قالت فيها: «إن على الحكومة الفلسطينية الالتزام الكامل بمبادئ الرباعية»، معربة عن أملها في «أن تنجح» الحكومة الفلسطينية في تحقيق السلام للشعب الفلسطيني، وأن تستطيع توسيع وقف إطلاق النار، وفرض القانون والنظام في الشارع الفلسطيني، مع تأمين إطلاق سريع للجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليت"؛ وأكدت دعم بريطانيا لجهود الرئيس عباس لتحقيق السلام في المنطقة، مشددةً على أن الحكومة البريطانية ملتزمةً تماماً بحل عادل وسلميّ، وهي تعمل مع شركائها الأوروبيين في الرباعية لتحقيق هذا الهدف!

أما فرنسا، فقد كان موقفها أكثر إيجابية، وإن ظل مرتبكاً تحت تأثير الهجوم السياسي الإسرائيلي لإبقاء الحصار على الفلسطينيين. فهي رحّبت بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية في رسالة بعث بها وزير الخارجية الفرنسية فيليب دوست بلازي إلى وزير الخارجية الفلسطيني زياد أبو عمرو قال فيها: «إن تشكيل هذه الحكومة يفتح صفحة جديدة بين الأسرة الدولية وهذه الحكومة». وأضاف: «سأكون سعيداً باستقبالك قريباً في فرنسا، أو لقائك في الأراضي الفلسطينية لنتمكن من دراسة آفاق المرحلة التي بدأت» [11]. كما أعلن المتحدث باسم الخارجية الفرنسية ديني سيمونو أن بلاده تؤيد استئناف المساعدات المباشرة للحكومة الفلسطينية عبر وزارة المالية التي يتولاها الوزير سلام فياض. ودعا إلى التمييز بين استئناف المساعدات المالية للحكومة الفلسطينية والمطالبة بخطوات إضافية من هذه الحكومة، مؤكداً أن بلاده «تدافع عن هذا الموقف لدى شركائها الأوروبيين والأسرة الدولية» [12].

لكن، خلال الزيارة التي قام بها زياد أبو عمرو وزير الخارجية الفلسطيني، وبعد اجتماعه مع رئيس الوزراء الفرنسي دومنيك دوفلبان، وقول الأخير أن فرنسا ستواصل دعمها للفلسطينيين، أعلن مساعد المتحدث باسم وزارة الخارجية ديني سيمونو: «لا نود إجراء اتصالات مع ممثلي حماس"، مشيراً إلى أنها "كمنظمة لا تعترف بإسرائيل، وأن الاتحاد الأوروبي يعتبرها منظمة إرهابية» [13]. وفي النتيجة لم يخرج الموقف الفرنسي عن الإجماع في الاتحاد الأوروبي من الناحية العملية، والذي ظل متمسكاً بما يسمى شروط الرباعية. ولا يتوقع أن يحدث تغيّر ملحوظ في عهد ساركوزي، الرئيس الجديد لفرنسا.

موقف النرويج: كان إيجابياً بالكامل، حيث أعلن وزير الخارجية النرويجي يوناس غارستور أن «النرويج قررت تطبيع علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الحكومة الفلسطينية». وأضاف «إن برنامج الحكومة الفلسطينية يقوم بخطوات مهمة لتلبية شروط المجتمع الدولي.. وإن الائتلاف بين حركتي حماس الإسلامية وفتح العلمانية يعتبر حدثاً تاريخياً، البديل عنه هو الاستمرار في العنف في غزة والضفة الغربية. وأن النرويج ستتعامل مع أعضاء الحكومة كممثلين لحكومة واحدة واسعة وتمثيلية» [14].

 وقد زار نائب وزير الخارجية النرويجي رام الله وغزة، واجتمع إلى رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنيّة ووزراء الخارجية والمالية والإعلام في حكومته. ونتيجة لذلك رفضت الحكومة الإسرائيلية الالتقاء به.

أما السويد، فقد زار وزير خارجيتها كارل بيلدت الأراضي الفلسطينية المحتلة واجتمع بالرئيس عباس ووزراء الخارجية والمالية والإعلام، دون أن يلتقي بأي وزير من حماس، انسجاماً مع قرار الاتحاد الأوروبي بعدم «لقاء وزراء منتمين إلى حماس» [15].

كما زار وزير الخارجية البلجيكي الأرض الفلسطينية المحتلة، واجتمع مع وزراء من غير المنتمين إلى حماس في 25/3/2007. وكان لافتاً قيام السلطات البلجيكية بإعادة وزير الشباب والرياضة الفلسطيني من مطار بروكسل إلى القاهرة يوم 4/5/2007، ومنعه من مواصلة رحلته إلى روتردام لحضور مؤتمر للاجئين الفلسطينيين في أوروبا، بحجة أن وزارة العدل الهولندية ألغت التأشيرة المعطاة له، وبما يبرز انحياز الموقفين الهولندي والبلجيكي إلى جانب الموقف الصهيوني. وكانت هولندا رفضت إعطاء رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية تأشيرة دخول، معتبرة أن «حماس حركة إرهابية».

أما إيطاليا، فكان موقفها إيجابياً من حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية. وقد اتصل وزير خارجيتها ماسيمو داليما برئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية يوم 19/3/2007، وقال إنه «سيكون خطأ أن نغلق الباب في وجه حكومة الوحدة الفلسطينية» [16]. وقد أكد هذا الموقف مرة أخرى في 16/5/2007 بعد اجتماعه مع أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى.

وبالإجمال، يمكن القول أن الاتحاد الأوروبي أظهر تبايناً أو تناقضاً واضحاً في مواقف دوله، ومن هشاشة أمام الضغوط الصهيونية والأمريكية. وقد تعاطى مع حكومة الوحدة الفلسطينية بانتقائية وعدم توازن، حيث عبّر من خلال إصراره على استجابة الحكومة الفلسطينية عن شروط الرباعية بشكل حرفي والتي هي «شروط إسرائيلية»، ميزان الانصاف فيها مقلوب، حيث تفرض فيها العقوبات والشروط على الضحية: الشعب المقهور المحتلة أرضه، والذي يُقمع وترتكب بحقه المجازر اليومية وتقطّع أوصاله ويحاصر، بدلاً من توجيه الضغوط والإدانة إلى المحتل، لإنهاء احتلاله، ولإجباره على القبول بعشرات القرارات الدولية التي أدار لها الظهر وضرب بها عرض الحائط منذ اغتصابه فلسطين في العام 1948.

أما الاتحاد الروسي، الذي هو ثالث أطراف الرباعية، على اعتبار أن الأمم المتحدة طرف محايد من الناحية النظرية، وإن يكن خاضعاً لتأثير الأقوى من الناحية الفعلية، فموقفه لم يتغير قبل اتفاق مكة وبعده، وبعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وهو موقف موضوعي وإيجابي، حيث تعاملت روسيا مع حكومة حماس، ورحّبت بالحكومة الجديدة، ودافعت عن ضرورة رفع الحصار عنها في إطار الرباعية، وعلى الصعيد الدولي، وطالبت بالتعاون معها. لكن هذا الموقف المتميز لهذه الدولة الكبيرة، كان محاصراً إعلامياً ولم  يجر التركيز عليه، وهو لم يستطع أن يفرض نفسه داخل الرباعية، بسبب الثقل الأمريكي والانحياز الأوروبي، وخاصة من قبل ألمانيا التي ترأس الاتحاد الأوروبي في هذه الفترة. إن الموقف الروسي لم يرق إلى مستوى «الفيتو» منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، في مجلس الأمن أو الهيئات الدولية، ربما لأن روسيا لا تشعر بأنها استعادت وزنها وتوازنها تماماً، وبسبب المصالح المتشابكة مع الغرب في العديد من القضايا السياسية والاقتصادية، وإن كان صوتها قد أخذ يعلو في الأشهر الأخيرة.

وفي النهاية، لم يحدث خرق يذكر في جدار الموقف الأمريكي والأوروبي والروسي بعد مضي عدة شهور على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، سوى أن الطرفين الأمريكي والأوروبي يسعيان إلى خلق انشقاق في الحكومة من الناحية الواقعية عبر التعامل مع أطراف منها، ومقاطعة وزراء حركة حماس، والحديث عن الدعم للرئيس عباس والحرس الرئاسي، وعبر طرح الخطة الأمريكية بالسماح بالتحويلات البنكية إلى صندوق خاص تابع للمنظمة أو الرئاسة، كما سبق وأشرنا. كما يجري استخدام المهلة المعطاة للحكومة للضغط عليها لتغيير مواقفها السياسية وابتزازها أو لتقويضها وانهيارها، وإعادة الاقتتال الداخلي الذي عاد وانفجر بشكل مأساوي في أواسط أيار 2007، مع إحياء ذكرى النكبة وسقط فيه عشرات الضحايا والجرحى. وهذه «المهلة» كانت تحدثت عنها المفوّضة الأوروبية بنيتا فالدنر بعد لقائها مع وزير المالية الفلسطيني سلام فياض في بروكسل يوم 11/4/2007، بقولها: «إن إعادة الحوار لا تعني الاستئناف المباشر للمساعدة، وإن الاتحاد الأوروبي في حاجة إلى وقت لاتخاذ قرار  سياسي» [17].

الخلاصة:

يمكن القول بالنسبة لمواقف الأطراف الدولية الثلاثة، أن موقف الولايات المتحدة، صاحبة التأثير الأقوى على الصعيد الدولي، لم يختلف حتى الآن عن الموقف من الحكومة السابقة، إلا في الاتصال مع الوزراء غير المنتمين إلى حماس، مع الإبقاء على الحصار المالي والسياسي. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من تباين مواقف دوله، وتعامل بعضها مع الحكومة الفلسطينية، إلا أن موقف الاتحاد المعلن، ليس بعيداً في تجسيده العملي عن الموقف الأمريكي. أما روسيا، فموقفها إيجابي إلى حدٍ ما، وهي تتعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، لكنها لم تستطع أن تؤثر في موقف اللجنة الرباعية القاضي  بالإبقاء على الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، والذي كان من أسباب استمرار التوتر الداخلي، بما يهدد بانهيار الحكومة والسلطة، وهذا ما يسعى إليه الأمريكيون لخلق حالة تدمير ذاتي فلسطيني، وبما يخدم الاستراتيجية الصهيونية على هذا الصعيد.

ويمكن الاستنتاج أن عدم حدوث الاختراق أو التغيير المطلوب على الصعيد الدولي لجهة الموقف السياسي من الحكومة الفلسطينية لا يعود فقط لأسباب تتصل بهذه الأطراف، بل يعود أيضاً إلى العوامل التالية:

أولاً: الهجوم السياسي الإسرائيلي وحملة الاتصالات التي قامت بها وزارة الخارجية الصهيونية، للإبقاء على الحصار والاستمرار في استنزاف الوضع الفلسطيني وإبقاء سقف مطالبه عند رفع الحصار، مع إغلاق الباب أمام المطالبات السياسية، والمحافظة على المعادلة المقلوبة لدى الأمريكيين والأوروبييين التي تبقى الشعب الفلسطيني، المحتلّة أرضه والذي يعاني كل ِأشكال المعاناة، تحت العقوبات والشروط القاسية. وكذلك اتخاذ الحكومة الإسرائيلية قراراً بمقاطعة الحكومة الجديدة بمن فيهم الوزراء من غير حماس، وإعلانها أنها سوف تقاطع كل مسؤول غربي يلتقي ممثلي حماس في الحكومة، مثل مقاطعتها لنائب وزير الخارجية النرويجي بعد لقائه إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني - كما أِشرنا في السياق- وكانت إسرائيل قد بدأت حملتها منذ اتفاق مكة الذي قالت عنه تسيبي ليفني أنه لا يلبّي شروط المجتمع الدولي، حيث تبنّت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الموقف تماماً.

ثانياً: تقاعس الدول العربية التي رعت الاتفاق والتي رحّبت به، عن القيام بأي ضغط أوحملة سياسية لرفع الحصار المالي، وإنهاء المقاطعة السياسية عن الحكومة الفلسطينية، وهي قادرة على ذلك، حيث تربطها بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي علاقات ومصالح اقتصادية وسياسية كبيرة. بل وتوجيه الأنظار بدلاً من ذلك إلى المبادرة العربية وترويجها، والتي من الواضح أن الجانبين الأمريكي والصهيوني المهتمّين بتحريك عملية التسوية لفظياً لا يريدون منها سوى دفع عملية التطبيع بلا مقابل في مشهد سياسي هزلي. ليس هذا وحسب، بل إن الدول العربية نفسها تتلكأ في تقديم الدعم المالي الذي تعهدت به إلى السلطة الفلسطينية، وتلتزم بالحصار المالي على الرغم من اتخاذ قرارات في الجامعة العربية والقمة الأخيرة بإنهائه.

ثالثاً: ما يتصل بأداء الحكومة الفلسطينية نفسها. فعلى الرغم من التحرك الفلسطيني الدبلوماسي والجولات التي قام بها وزراء الخارجية والإعلام والمالية على الدول الأوروبية وبعض الدول الأخرى، وزيارات الرئيس محمود عباس، والمطالبة بالتعامل مع حكومة الوحدة الوطنية كوحدة واحدة، إلا أن ذلك لم يُلتزم به عملياً، ولم يدع أي مسؤول أو وزير من حماس لحضور اللقاءات مع المسؤولين الأجانب. إن الانطباع العام هو أن الحكومة الحالية تعاني ضعفاً وانقساماً حاداً، وهي لم تتقدم في اتجاه  معالجة الملفات الأساسية وخاصة  لجهة "تكسير" الحصار، وفرض الأمن، وتوحيد الأجهزة الأمنية، ومخاطبة العالم بخطاب موحّد، حيث تصدر عنها مواقف متضاربة ومتناقضة من المسائل كالموقف من الخطة الأمنية الأمريكية. وكان «ثالثة الأثافي» الاشتباكات التي اندلعت في قطاع غزة، وأعطت صورة سيئة عن الوضع وقدرة السلطة الفلسطينية، وهو ما يعطي ذريعة للدول التي تريد الإبقاء على المقاطعة والحصار للتمسك بمواقفها السلبية من حكومة الوحدة الوطنية.

إن الخلاص هو بتعزيز وترسيخ حكومة الوحدة الوطنية، وتصليب الوضع الفلسطيني الداخلي ووأد الفتنة والاشتباكات وتحريم استخدام القوة لحل الخلافات الداخلية، بموازاة العمل الحثيث لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتنشيط الدعم القومي والإسلامي والإنساني للشعب الفلسطيني، من أجل كسر الحصار وإنهاء المقاطعة وفرض التعامل مع هذا الشعب كشعب يخوض معركة تحرر وطني؛ لذا هو يستحق المساندة والدعم والتأييد الدولي. والبديل عن كل ذلك هو الدخول في أنفاق وزواريب الاقتتال الداخلي والدمار الذاتي وإهالة التراب على القضية الوطنية الفلسطينية.


 

مصادر البحث:

 

[1] حلمي موسى – مؤتمر إيباك يستعرض قوة يهود أمريكا – السفير 13/3/2007 –ص15.

 [2] يديعوت أحرونوت، 16/3/2007.

 [3] السفير، 19/3/2007- ص15.

 [4] الوطن السورية، 28/3/2007-ص4.

 [5] الحياة، 22/3/2007-ص9.

 [6] السفير، 2/4/2007 – ص14.

 [7] الوطن، 22 آذار 2007-ص1.

 [8] الحياة، 22/3/2007 – ص4، الوطن، 20/3/2007.

 [9] السفير، 2/4/2007-ص16.

 [10] السفير، 27/3/2007-ص14.

 [11] الوطن، 18/3/2007.

 [12] الوطن، 4/4/2007 –ص1،4.

 [13] السفير، 4/4/2007 –ص15.

 [14] الوطن، 18/3/2007-ص2.

 [15] الوطن، 20/3/2007-ص2.

 [16] الوطن، 12/4/2007-ص4.

[17]  المصدر نفسه.


 

 


 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة