من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

 

 

 

الواقع الفلسطيني والعربي بعد اتفاق مكة  

 

 

أ. مأمون الحسيني*

     لم تكن التغييرات الدراماتيكية التي شهدها العالم خلال السنوات الست الماضية، على المستويات كافة، ممكنة لولا الحدث- الزلزال الذي هزّ أميركا في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر2001 ، وهزّ معها النظام الدولي الذي حاولت واشنطن فكّه وإعادة تركيبه وفق مصالح مجمّعاتها الاحتكارية العسكرية والنفطية والمالية، وبما يتيح فرض أجندتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية على العالم برمّته، من خلال توسّل القوة العسكرية التي لم يحاول الأميركيون إخفاء نيّتهم احتكارها في المستقبل، بعد أن امتلكوا سلطة تدخل هائلة وقوة انتشار وقيادة بفضل الحلف الأطلسي الذي تمكنوا من إبقائه حياً، وذلك على الرغم من زوال الخصم التقليدي (الاتحاد السوفييتي) الذي أنشئ الحلف لمواجهته؛ لا بل، وأيضاً، هم قاموا بتوسيعه شرقاً ليلامس أعتاب روسيا التي تسعى جاهدة للعودة بقوة إلى مسرح الأحداث العالمية. وكل ذلك تحت شعارات برّاقة سرعان ما تهاوت وتمرّغت في الوحل على وقع ممارسات الإدارة الأميركية العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية الموغلة في التوحش والبربرية، من نمط "الحرب الدائمة على الإرهاب" و"نشر الديمقراطية" و"الدفاع عن حقوق الإنسان"، وسوى ذلك من أدوات ومستلزمات الهيمنة على الشعوب ومقدّراتها والتحكم بمصائرها.

إسرائيل.. واللحظة الاستثنائية

   هذه اللوحة التي لطّخها محافظو الإدارة الأميركية الجدد بألوان الحرب، ولا سيما الاستباقية منها، ألقت بظلالها القاتمة على منطقتنا العربية وجوارها، حيث توسطت هذه البقعة الحيوية من العالم عين العاصفة الأميركية التي هبّت على أفغانستان أولاً، ومن ثم العراق ولبنان (عبر كيان العدو)، تحت ذرائع باطلة ومبتذلة، كونها تشكل الخزان الأساسي لمصالح ضواري واشنطن. ووفق الكاتب الأميركي المعروف توماس فريدمان، فإن مطالب الولايات المتحدة من العالم العربي تتلخص في ثلاثة: "-استمرارية تزويدها بالنفط- الحفاظ على انخفاض سقف أسعار النفط- أن يحسِن العرب معاملة إسرائيل. أما خارج هذه المطالب، وفق فريدمان، فيمكن للعرب أن يفعلوا ما يحلو لهم، مما قد ينافي ما تدعو إليه المبادئ المعلنة للولايات المتحدة الأمريكية"!!(1)

      ومع انطلاق شرارة الحرب الأميركية، بدءاً من أفغانستان، سارعت إسرائيل إلى اقتناص اللحظة الإقليمية والدولية الاستثنائية، وتحت ذات الشعار الأميركي العتيد (محاربة الإرهاب)، لتكريس هيمنتها على الأرض وانتزاع اعتراف وإسلامي بشرعية وجود كيانها، ووضع حد نهائي للصراع تحت ذريعة عدم اعتراف حركة "حماس" بها، وبالاتفاقات الموقّعة، ونبذ أعمال المقاومة، وذلك على الرغم من أن كل الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت منذ توقيع اتفاق أوسلو في 13 أيلول/ سبتمبر 1993، لم تنظر إلى الفلسطينيين إلا باعتبارهم مادة بشرية فائضة ومزعجة لا يمكن منحها أية حقوق تاريخية أو وطنية، لا بل يجب التخلص منها بكل الوسائل التي تتيحها الظروف والإمكانات المحلية والدولية. فحكومة رابين التي أبرمت اتفاقية الاعتراف المتبادل مع منظمة التحرير التي كانت تعاني من شرخ عامودي وأفقي حينذاك، افتتحت عملية المماطلة والتنكر للمراحل التي اتفِق أن توصل بعد خمس سنوات إلى اتفاق نهائي، فيما لم تقم حكومة بيريس التي خلفتها (بعد اغتيال رابين) سوى بارتكاب المجازر ضد الفلسطينيين واللبنانيين، لتخلفها حكومة نتانياهو التي عارضت اتفاقية أوسلو، واضطرت تحت ضغط الأميركيين، إلى توقيع اتفاق الخليل عام 1997 واتفاق واي بلانتيشن عام 1998 الذي نصّ على انسحاب إسرائيلي من بعض المناطق الريفية في الضفة الغربية. أما حكومة إيهود باراك العمّالية التي أعقبتها، فقد أعادت الاتفاق مع الراحل ياسر عرفات على اتفاقية واي بلانتيشن في شرم الشيخ لكنها رفضت تنفيذ بنودها، وذلك قبل أن تضغط لإجراء مفاوضات مع عرفات في كامب ديفيد وتفشلها وتحمّل الزعيم الفلسطيني المسؤولية عن ذلك، وتعطي الضوء الأخضر لأرييل شارون، زعيم المعارضة حينذاك، لزيارة الحرم القدسي، والتي كانت الصاعق الذي فجّر الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

     واستتباعاً، كانت القفزة الواسعة في اتجاه تصفية الحقوق الفلسطينية، مع حكومة شارون التي أعطت الأمن أولوية مطلقة، وارتكبت مجازر عديدة ضد الفلسطينيين، وأطلقت في حزيران/ يونيو 2002 بناء جدار الفصل مع الضفة الغربية بعد اقتطاع أجزاء واسعة منها، وذلك قبل أن تضع في أيار/ مايو 2003 أربعة عشر تحفظاً على خطة "خريطة الطريق" التي طرحتها اللجنة الرباعية وبقيت حبراً على ورق، وقبل أن يقوم رئيسها ،بعد نحو سبعة أشهر، بالكشف عن خطة "فك الارتباط" من جانب واحد، ويعلن في شباط/ فبراير 2004 نيّته سحب قواته ومستوطنيه من قطاع غزة، والذي أنجز فعلاً خلال شهري آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر 2005. ليتلو ذلك قيام شارون، بعد نحو شهرين، بتأسيس حزب "كاديما" قبل أن تنتهي حياته السياسية بعد إصابته فجأة بجلطة دماغية أغرقته في غيبوبة متواصلة،  ويخلفه إيهود أولمرت الذي قاد "كاديما" نحو الفوز بـ 29 مقعداً في انتخابات الكنيست وفق ذات البرنامج الذي طرحه شارون.

الفلسطينيون ومربّع التناقض والصراع!

     في المقلب الآخر، كان الفلسطينيون يتخبّطون في تناقضاتهم وصراعاتهم السياسية التي تحولت، في مرحلة لاحقة، إلى صراعات دموية على الأرض، حيث بدا أن ثمة تبايناً سياسياً  واستراتيجياً بين طرفيْ المعادلة في الساحة الفلسطينية (فتح وحماس)، سواء كان في الخيارات أو الاستهدافات. فمقاربة رئاسة السلطة  والجناح المتنفذ في "فتح" وقعت أسيرة للبرنامج التسووي تحت سقف أوسلو، انطلاقاً من واقع هش يفيد بأن ثمة ارتباكاً في التعاطي مع المستجدات، وذلك على الرغم من كل "الكلام الكبير" حول "الوحدة الوطنية" و"ترتيب البيت الفلسطيني" لمواجهة الاستحقاقات المصيرية؛ إذ إن الحديث السلطوي و "الفتحاوي" المتلعثم والمتعدد اللهجات- كون العديد من كوادر الحركة لا يرى نفسه معنياً بخطاب اللجنة المركزية لـ "فتح"- حول كيفية مواجهة مخططات الضم الإسرائيلية في الضفة الغربية، وحول ترتيب البيت الفلسطيني وتفعيل منظمة التحرير، أو إعادة بنائها على أسس جديدة، وعقد المجلس الوطني وتشكيل مرجعية وطنية عليا، لم يتجاوز في الواقع ذات النظرة الفئوية الضيقة التي أفرغت النضال الوطني من محتواه ، أي مشاركة الأطراف الأخرى في الموافقة على القرارات الذي تتخذها "فتح" وليس المشاركة في صنعها، وهو ما أسهم على الدوام في استفحال الفساد والفوضى وانعدام المساءلة والفلتان الأمني والاحتقان الاجتماعي وتدهور الأداء التفاوضي والحكومي عامة، واستنفار عوامل التوتر وانعدام الثقة في العلاقات الداخلية الفلسطينية. 

     على أرضية ذلك، وتحت ظلال الوهم بإمكانية الارتقاء بالسلطة التي تأسست على رمال أوسلو إلى مستوى الدولة، تم تهميش منظمة التحرير الفلسطينية التي يفترض، نظرياً، أنها المرجعية الوطنية والسياسية للسلطة، لمصلحة الأخيرة، ما أدى إلى تلاشي أجهزة المنظمة ومؤسساتها وإلحاقها بمؤسسات ووزارات السلطة، بعد تهشيم الميثاق الوطني وإفراغه من مضمونه، ووضع هيئات المنظمة الرئيسية (المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية) على الرفّ إلى حين لزوم الاستخدام. وكان من الطبيعي، والحالة هذه، أن ينعكس هذا الخلل البنيوي الذي اصطدم بوقائع إسرائيلية وإقليمية ودولية أسهمت في ترجيح التفسير الإسرائيلي لنصوص وجوهر الاتفاقات الموقّعة في أوسلو وما بعدها، على حركة "فتح" ذات الإطار الجماهيري الواسع، وأن يسهم في خلخلة بنيانها وترسيخ الفرز في داخلها ما بين أقلية نخبوية قيادية متمسكة بمصالحها الفئوية الضيقة، وتالياً بفضلات التسوية مع الإسرائيليين، بصرف النظر عن شكلها وطبيعتها ومآلها، وبين شرائح كادرية متذبذبة لا هدف سياسي موحّد لها وأكثرية قاعدية وطنية مناضلة حاولت التعبير عن نفسها بتشكيلات تنظيمية ومسلحة مقاومة للاحتلال.                        

     في المقابل، وقفت حركة "حماس" حائرة مرتبكة على أرضٍ رخوة بعد أن أحكِم الحصار من حولها، لا سيما وأنها كانت تعيش أوضاعاً صعبة بعد اغتيال القائدين أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي خلال أقل من شهر، ولا يعود ذلك فقط إلى مكانة ووزن القائدين الراحلين اللذين بادرا إلى تأسيس "حماس" مع مجموعة من أعضاء المكتب السياسي لحركة "الأخوان المسلمين" في قطاع غزة أواخر العام 1987، وإنما أيضاً إلى الظروف المستجدة المعقّدة التي خلّفتها تداعيات أحداث 11 سبتمبـر، واحتلال العراق، واندفاع الحكومة اليمينية الإسرائيلية باتجاه تصفية الحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية تحت عباءة "محاربة الإرهاب"، ومن ثم تبنّي الرئيس جورج بوش الإبن رؤية وسياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون حيال الفلسطينيين والتسوية بشكل كامل. حيث كان لذلك أثر حاسم في إدخال الحركة، التي بدت حينذاك في أوج شعبيتها، في مأزق أخذ يتعمق أكثر فأكثر، وخاصة بعد انكشاف الغطاء عن عجز الدول العربية والإسلامية، وتراجع الفعاليات الشعبية الداعمة للانتفاضة، لتلي ذلك مرحلة تداعيات عملية "السور الواقي" المؤلمة، والتي أفرزت تلعثماً في خطاب "حماس" إزاء مسألة العمليات داخل ما يسمى "الخط الأخضر" وقضية الإصلاح في الساحة الفلسطينية، وتراجعاً في عملياتها النوعية، قبل أن يتعمق هذا الحال على وقع الاحتلال الأميركي للعراق واستحواذ شارون على "وعد بوش" الجديد الذي لا يبارك فقط خطة الفصل الأحادي عن الفلسطينيين، وإنما يئد عملية التسوية برمّتها من خلال رسمه لملامح الحل النهائي عبر إسقاط حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، والاعتراف بـ "يهودية" الدولة العبرية بما يفتح الباب أمام احتمالات الترانسفير، مع إعطاء إسرائيل الحق في مواصلة بناء الجدار الفاصل وضمّ مناطق واسعة في الضفة الغربيـة، والسماح لها بملاحقة الفلسطينيين الذين يرفضون التسوية الإسرائيلية ـ الأميركية تحت شعار "محاربة الإرهاب والإرهابيين".

"حماس" ومحرقة السلطة

     المفصل النوعي، في هذا السياق الفلسطيني الذي كان يزداد تعقيداً تحت وطأة الاجتياحات الإسرائيلية، وفق مقدمها ما سمّي عملية "السور الواقي"، وعمليات القتل والتدمير، وهدم البيوت واقتلاع الأشجار وابتلاع المزيد من الأراضي، تمثل في إجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني أوائل العام الماضي، وفوز "حماس" بأغلبية مقاعد المجلس، وهو ما شغل دول المنطقة والعالم كما لم يحدث مع أي انتخابات أخرى، ودفع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي إلى تصعيد مواقفها تجاه أول حركة إسلامية منتمية إلى تيار "الإخوان المسلمين" تتمكن من انتزاع أغلبية كبيرة في البرلمان، وذلك بهدف دفعها إلى تغيير سياستها المعلنة ومفاهيمها الاستراتيجية وتفكيك ذراعها العسكرية ونزع أسلحتها وتعديل ميثاقها، رغم أن الجميع يعلم أن الحديث يدور عن برلمان وحكومة ليست لهما أية سلطة على الحدود الداخلية والخارجية التي تقوم إسرائيل بترسيمها بطريقة تمنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً؛ كما لا يملكان أية فرصة لامتلاك ناصية الاقتصاد وتوجيهيه نحو توفير بنية تحتية مناسبة، وخلق فرص عمل لمئات آلاف العاطلين الذين يعيشون على المساعدات، وإحداث تراكم رأسمالي داخلي يضع القواعد والأسس للتنمية المأمولة، نظراً لارتباط الاقتصاد الفلسطيني بنظيره الإسرائيلي وارتهانه لمتطلبات اتفاق باريس المجحف، وتوكّئه شبه الكامل على مساعدات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التي استخدِمت كسلاح لتركيع "حماس" وإجبارها على تغيير جلدها بين يوم وليلة، واستناده كذلك إلى الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل كرسوم جمركية على البضائع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية عبر الموانئ الإسرائيلية، والتي قررت حكومة أولمرت تجميدها أيضاً بانتظار خضوع "حماس" للاملاءات المعروفة، ما عنى تحكم الطرفين (الدولي والإسرائيلي) بمخصّصات ورواتب أكثر من 150 ألف فلسطيني يعيلون نحو مليون نسمة.

     ومع تشكيل حكومة "حماس" التي انتصبت في وجهها العوائق المختلفة والمتنوعة، من الحصار الاقتصادي والسياسي، إلى محاولات الانقلاب عليها عبر رزمة من الإجراءات التي تنتزع منها صلاحياتها تحت ذريعة تفادي العقوبات الدولية المتوالية، وصولاً إلى تأليب الشارع ودول الجوار والفضاء العالمي، قبل أن تتخذ الأوضاع منحى خطيراً من خلال تدهور الحالة الأمنية، واندلاع الاشتباكات المسلحة بين مقاتلي "فتح" و"حماس"، وظهور العديد من قوى الشارع العشائرية والجهوية والميليشياوية المسلحة، دخلت الساحة الفلسطينية في طور جديد طفا على سطحه ثلاثة رؤوس قيادية: منظمة التحرير التي تعتبر الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني بمقتضى الميثاق الوطني، والقانون الأساسي للسلطة الذي ينظر إليه كدستور مؤقت، وبمقتضى الاعتراف العربي والإسلامي والدولي؛ ورئيس المنظمة والسلطة محمود عباس الذي عمًقت صلاحياته الواسعة والمتداخلة أزمة المنظمة والسلطة معاً؛ وحكومة "حماس" التي أنجبتها أغلبية انتخِبت من قبل أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة.

     هذه الإشكالية التي جرى النفخ فيها ودفعها إلى مربّع الاستعصاء، كان لا بد أن تقود إلى أشكال مختلفة من التصعيد الذي عبّر عن نفسه باشتباكات مسلحة، ما رفع منسوب التشاؤم الذي يلف مكوّنات القضية الوطنية الفلسطينية برمّتها، وليس فقط واقع الحكومة الفلسطينية وتنازعها السلطات والصلاحيات مع مؤسسة الرئاسة وسط لجّة الحصار الإقليمي والدولي الخانق، وتخندق أبناء ومريدي "الإخوة الأعداء" (فتح وحماس) على الأرض، في ظل امتلاك إسرائيل بيئة مثالية، لم تتوفر في مرحلة من المراحل، لتنفيذ مخطط الفصل الجديد، لاسيما وأن ما يسمى "المجتمع الدولي" الذي تمتلك الولايات المتحدة إمكانية ترويض أنظمته السياسية بالاتجاه الذي تريد، لم يعد ينظر إلى الصراع الذي تحول إلى "نزاع فلسطيني-إسرائيلي"، إلا من زاوية ضيقة عنوانها تطرف حركة "حماس" وعدم اعترافها بإسرائيل وبقرارات "الشرعية الدولية" وممارستها "الإرهاب" ضد المدنيين الإسرائيليين "الأبرياء"!! في مقابل إشاحة النظر عن ممارسات إسرائيل العدوانية البربرية ورفضها التعاطي حتى مع محمود عباس الذي كان يصرخ جهاراً نهاراً أنه يعترف بإسرائيل وبخطة "خريطة الطريق" والمبادرة العربية وكل شيء، حسب تعبيره، ويرفض العنف والإرهاب.

لحظة مخاض.. ولكن!!     

     في خضم هذه الأوضاع الرخوة التي كانت مرشحة للانفجار الواسع، تحت وطأة الوصول إلى الحائط المسدود، سياسياً واقتصادياً وأمنياً بعد إحكام الحصار العربي والدولي، وحشر أغلبية المجتمع الفلسطيني في زاوية الحرمان والجوع، وفي موازاة تعاظم المأزق الأميركي في العراق، جاء التطور الأبرز المتمثل في العدوان الصهيوني الهمجي على لبنان، والذي حاولت الإدارة الأميركية جعله مدخلاً لتقسيم دول المنطقة إلى محورين متصادمين تحت عنوان "تحالف المعتدلين" في مواجهة المتطرفين والمتشددين، حيث أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، خلال العدوان، أن "الحرب ضد "حزب الله" هي لحظة مخاض كبرى للشرق الأوسط الجديد"، باعتبار أن ضرب المقاومة في لبنان سيشكل المقدمة الضرورية لإضعاف إيران وسوريا، وربما استعمال القوة ضدهما في مرحلة لاحقة، وبلورة خريطة إقليمية جديدة تحتضن تحالفاً إسرائيلياً-عربياً في مواجهة الدول والقوى الممانعة أو المقاومة التي تندرج، وفق الخطاب الأميركي، في إطار ما يسمى "قوى الشر والتطرف"، ومن بينها، أو حتى في القلب منها، قوى المقاومة الفلسطينية التي ينبغي حشرها في الزاوية ونزع أظافرها وأسنانها، من خلال إدراجها في خانة "قوى الشر" ووضعها في أتون الاستقطاب الإقليمي، في مقابل قوى "الاعتدال" الفلسطينية التي يجب عليها "تنظيف" الساحة من براثن "التطرف والإرهاب".

    غير أن هزيمة الجيش الصهيوني في عدوان تموز/ يوليو 2006 على لبنان، وتعاظم مأزق إدارة بوش في العراق، موصولاً بمعارك البيت الأبيض مع الديمقراطيين في الكونغرس والحراك الدولي المتمثل في المواقف الجريئة التي أعلنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتململ الصيني من الغطرسة الأميركية على المستويات كافة، ومستنداً إلى عودة الحيوية في الشارع العربي الذي أيد "حزب الله" بقوة وأسقط محاولات تحويل وجهة الصراع من صراع عربي- صهيوني وضد الاحتلال الأميركي للعراق، إلى صراع مذهبي بين السنة والشيعة؛ كل ذلك جعل إدارة بوش وحكومة أولمرت تبدوان في أضعف حالاتهما، داخلياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً، وهو ما سمح بحدوث الاختراق على الجبهة الفلسطينية، ووفّر الأرضية المناسبة لإقلاع المبادرة الفلسطينية الأهم، مبادرة الأسرى، أو ما عرِف لاحقاً "مبادرة الوفاق الوطني" التي وافقت عليها كافة الفصائل الفلسطينية، بعد تمنع ونقاش عميقين، والتي شكلت الأساس الذي استند إليه "اتفاق مكة" بين كل من حركتي "فتح" و"حماس" برعاية المملكة العربية السعودية. وحسب الباحث العربي تركي الحمد، فإن ثمة عوامل أربعة أساسية أسهمت في وقف الاقتتال الفلسطيني، وإنجاح "اتفاق مكة": الأول، هو أن الحل العسكري الذي تبنّته بعض الميليشيات المحلية ضد الحكومة الفلسطينية لم يؤتِ أي أكل، حيث عانت هذه الميليشيات من الهزائم على الأرض من الناحية العسكرية والأمنية من جهة، وبدأت تخسر شعبياً من جهة ثانية، ما أفقد هذه الأداة دورها المنشود في إسقاط الحكومة. أما الثاني، فهو استمرار الانحياز إلى وثيقة الوفاق الوطني من جميع الفصائل كقاسم مشترك فلسطيني لهذه المرحلة. وفيما يتعلق بالعامل الثالث، هناك السوري الذي لعب دوراً مهماً في إذابة الجليد بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسيد خالد مشعل رئيس حركة "حماس" في الجولة الحوارية التي تمت في دمشق، حيث أسست لمرحلة تفاهم مباشر بينهما. أما العامل الرابع والأخير، فهو أن الوساطات الفلسطينية والعربية والإسلامية الأخرى التي تداعت بين الجانبين كانت كثيرة ومفصّلة، حتى أنهما توصلا تقريباً إلى أسس الاتفاق الذي أعلِن في مكة، قبل الذهاب إلى مكة برغم اندلاع الاقتتال ثانية (وذلك فيما يتعلق بوزارات السيادة، صيغة كتاب التكليف لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، تسمية رئيس الوزراء، توزيع الحقائب الوزارية عددياً، استئناف جهود إعادة بناء منظمة التحرير، تحريم الاقتتال الداخلي...) (2)

  نقاط القوة.. والضعف 

      ومع أن ثمة من رأى في هذا الاتفاق نقطة انطلاق تاريخية جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية، ومحطة مهمة في التوجهات السياسية التي تجمع بين برنامجي المقاومة والتسوية بتناسق جديد، ما يسمح بتفعيل  آلية اتخاذ القرار والقيادة في الساحة الفلسطينية؛ إلا أن بعضاً آخر رآه ممراً إجبارياً عبّر عن موازين القوى السائدة محلياً وإقليمياً ودولياً، ذلك أنه، وإن كان يقوم، في نقاطه الأساسية، على وقف الصراع المسلح بين حركتي "فتح"و"حماس"، والسعي لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن ثمة ما يدعو للقلق حول مدى عمره الافتراضي نتيجة عدم قدرته، فعلياً وواقعياً، على تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني التي شكّلت الحافز الأهم لإبرامه، وذلك بسبب إصرار إسرائيل والولايات المتحدة على إبقاء الحصار المفروض بذريعة عدم تلبية الاتفاق، ومن ثم حكومة الوحدة، شروط اللجنة الرباعية، وأيضاً نتيجة دخول إسرائيل المتكرر على خط التناقضات الداخلية الفلسطينية، ومحاولتها "إقناع" قيادة "فتح"، وعبر بعض التسهيلات بإدخال السلاح المخصّص لمؤسسة الرئاسة، بضرورة العمل سوياً لإضعاف "حماس" وإخراجها من السلطة، أي إشعال فتيل الاحتراب الفلسطيني الداخلي من جديد، ناهيك عن التلويح ببعض الفتات التسووي، من خلال طرح بعض العبارات والمصطلحات المطّاطة المتعلقة بـ "فتح الآفاق" وإيجاد كوى أمل لتحقيق رؤية الرئيس بوش حول الدولة الفلسطينية العتيدة، والتذرع بعدم إمكانية ترجمة هذه الرؤى بسبب وجود "حماس" في السلطة. وكل ذلك تحت ظلال مواصلة بناء الجدار العازل وعمليات القتل والاعتقال والهدم وتعقب رموز المقاومة.

     ولو حاولنا رصد التقديرات المختلفة بشأن عوامل القوة والضعف في "اتفاق مكة"، فسنقف على بعض الرؤى التي ذهبت إلى اعتبار أن الاتفاق قدّم للعالم فرصة جديدة للتعامل مع القضية الفلسطينية، ومع حكومة السلطة، من أجل الوصول إلى  هدف إنهاء الاحتلال وإحقاق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، باعتبار ذلك المدخل الوحيد لبناء الاستقرار والأمن في المنطقة، كما أنه أبدع صيغة خلاّقة لعملية التعامل المعقّدة مع الاحتلال، وتعاطى بمرونة لافتة مع المواقف والضغوط الدولية التي تخضع لبارومتر البيت الأبيض. وعلى الصعيد الداخلي، وفّر الاتفاق فرصة استثنائية لحل الخلافات داخل الصف الوطني، وأسّس لشراكة فلسطينية في القرار، وأسقط في يد المزاعم الإسرائيلية ومثيلتها العربية والدولية، التي تحاول التغطية على فشلها في دعم وتأييد الفلسطينيين، عبر التذرع بتباين البرامج والرؤى الفلسطينية، وعدم وجود موقف موحد، وذلك بعد أن وضع أمام الجميع خيارات فلسطينية واضحة تجمع ما بين السياسة والمواجهة المفتوحة على مختلف المستويات.

     ويربط أصحاب هذا التقدير نجاح "اتفاق مكة" وترجمته برزمة متطلبات وشروط أبرزها، سد الثغر المتعلقة بمشاركة مختلف الفصائل في حكومة الوحدة، والعمل على دخول "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في إطار منظمة التحرير، والبدء في عملية تفعيلها عبر خطوات عملية تتكئ على ما تم التوصل إليه في الحوارات الداخلية، على طريق إعادة بناء المنظمة التي تشكّل الحاضنة الضرورية للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، إضافة إلى العمل الجاد على إعادة بناء الأجهزة الأمنية بعيداً عن التجاذب الفصائلي والحزبي، ووفقاً للنظام الأساسي للسلطة والقوانين واللوائح المعتمدة، وبما يمكّن من وضع حدٍ لحالة الفلتان الأمني التي تهدّد النسيج الاجتماعي والاقتصادي. فيما تبدو الحاجة ماسّة لتأمين دعم عربي وإسلامي، لا لُبس فيه، للاتفاق وتطبيقاته على الأرض، ورفع الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وبلورة موقف ضاغط على إسرائيل والولايات المتحدة للاعتراف بالحكومة الفلسطينية لدفع الاستحقاقات المترتبة عليهما حيال الشعب الفلسطيني.(3)

     في الضفة الأخرى، يقف راصدو نقاط الضعف في الاتفاق الذين يرون أنه، ووفق الألوان المتداخلة في لوحة الشرق الأوسط التي ما زالت قيد الرسم والتشكل، يبدو العامل الذاتي الفلسطيني، ورغم أهميته الكبيرة والمؤثرة، وكأنه ليس أكثر من أحد الأسلحة الضرورية، الواجبة الوجود، للخروج من مستنقع الحصار والشرذمة والاقتتال، وذلك في مقابل العامل الإسرائيلي الذي يتحرك على أكثر من صعيد لإزالة آثار تسوية مكة وتداعياتها المحتملة، وسط فشل عربي واضح في بلورة موقف موحّد من التطور الفلسطيني الذي أربك بعض دول ما يسمى "الرباعية العربية" التي ترى نفسها مهمّشة بين مطرقة ما يسمى نفوذ إيران في المنطقة، وسندان توجه إسرائيل نحو اليمين تحت وطأة هزيمتها المرّة في لبنان، وفقدان أميركا هيبتها في العالم كنتيجة مباشرة لفشلها المتكرر في العراق ولبنان وفلسطين، فضلاً عن التجاذبات على المستوى الدولي نتيجة الضغط الأميركي على الأوروبيين لمواصلة المسار السابق من حكومة الوحدة الفلسطينية، في مقابل الموقف الروسي المتقدم، حيث يسهم كل ذلك في تحديد نسب النجاح والفشل للجهود التي يتصدرها رئيس السلطة محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لـ "حماس" خالد مشعل، وضبط تموضع الحالة الفلسطينية في خريطة الرمال الإقليمية المتحركة. 

     التصور الأكثر واقعية، في خضم هذا التجاذب الحاد الموصول بتداعيات الفشل الإسرائيلي في لبنان، وتطورات العراق التي استدعت انعطافة في السياسة الأميركية المعلنة عبّرت عن نفسها بقبول التفاوض مع كل من طهران ودمشق، أولاً في إطار مؤتمر بغداد الذي انعقد في العاصمة العراقية بغداد في العاشر من آذار/ مارس الماضي، ومن ثمّ على هامش مؤتمر شرم الشيخ في أوائل أيار/ مايو، دون التراجع عن تصعيد التهديدات ضد إيران، والتي باتت تكتسب أهمية خاصة مع بروز العديد من المؤشرات الدالّة على إمكانية توجيه ضربة عسكرية لطهران، هو قيام إسرائيل بتكثيف اعتداءاتها والتمدد نحو مناطق فلسطينية متعددة، وذلك بموازاة محاولات إعادة إنتاج الشرخ بين الفلسطينيين لإعادة خلط الأوراق من جديد، و"خنق" اتفاق مكة وتجلّياته، انطلاقاً من التقدير الإسرائيلي بأن حكومة الوحدة الفلسطينية، وفق رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) يوفال ديسكين، ستؤسّس للتوجه نحو "تآكل مواقف اللجنة الرباعية -والمجتمع الدولي- التي تطالب الفلسطينيين تلبية الشروط التي تم وضعها أمامهم"؛ ذلك أن إسرائيل التي تعيش أزمة بنيوية خانقة ظهَرتها إخفاقات الحرب ضد لبنان، ولم يستطع التخفيف من حدّتها سوى الواقع العربي المتردّي والظروف الإقليمية والدولية الأميركية البصمة والطابع، لا تملك سوى الهروب إلى الأمام وفتح معارك جديدة، انسجاماً مع توجهات إدارة بوش المخالفة لرغبة الأكثرية في الكونغرس وفي أوساط الجمهور، أولاً؛ وتغطية على إخفاقات العدوان ضد لبنان، وتآكل قوة الجيش الردعية، وانفجار فضائح الفساد المالية والأخلاقية في أوساط قيادة الدولة، بما في ذلك الرئيس ورئيس الحكومة وبعض الوزراء وقيادة الشرطة والإداريين، ثانياً.

     ما يجري تصويره في أوساط رئاسة السلطة، في مقابل هذه المقاربة الواقعية للتطورات المحتملة، هو أن ثمة إمكانية فعلية لفتح أفق سياسي يستند على فكرة إقامة دولتين، فلسطينية وإسرائيلية، على أساس الاتفاقات الموقّعة والشرعية الدولية، ووفق خطة "خارطة الطريق". وأرضية ذلك تتعلق، وفق المرئي، بقراءة للأحداث جوهرها المراهنة على إمكانية توفير مظلّة عربية لهذا الأفق، وعلى حاجة الإدارة الأميركية التي تعيش مأزقاً خطيراً في العراق، إلى تخفيف حدّة الاحتقان وتهدئة بؤر التوتر، ولا سيما فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بما يمهّد الأجواء المناسبة لفك عرى التشابك بين الملفات الرئيسية في المنطقة، وتوجيه الجهد الرئيسي نحو إيران وحلفائها، وذلك في مقابل نزوع "حماس" التي ينطوي موقفها على قدرٍ غير مبرّر من المبالغة، نحو اكتساب "شرعية" عربية ودولية عبر النأي بنفسها عن أية تصريحات أو أفعال "استفزازية"، وتوزيع رسائل "حمائمية" تبدي فيها استعدادها للتعاطي بشكل إيجابي مع أية مفاوضات يجريها رئيس السلطة ومنظمة التحرير، محمود عباس، مع الجانب الإسرائيلي، وفقاً لاتفاق مكة الذي قرّر أن تُطرح نتائج المفاوضات المتعلقة بالقضايا الرئيسية على الاستفتاء الشعبي الفلسطيني.

 

 

محاور جديدة.. وأولويات مصطنعة

     ويبدو من المهم، في هذا السياق، استعراض الحراك الفلسطيني الداخلي الذي أسهم في تبدل شكل ومضمون الخريطة السياسية الفلسطينية، والوقوف على حجم وطبيعة ومستوى المستجدات النوعية التي دفعت الساحة الفلسطينية باتجاه لجّة الاستقطابات الإقليمية والدولية التي تصطرع بصخب على وقع التطورات المتسارعة في منطقتنا. لقد بدا واضحاً أنه، ومنذ بداية "انتفاضة الأقصى" التي اندلعت عقب انهيار محادثات "كمب ديفيد2"، وعلى وقع التهتك السياسي وإدمان التنازلات، وتحت تأثير الفساد الإداري والمالي الذي استوطن في أوساط السلطة الفلسطينية وزعامات حركة "فتح"، كان المزاج الشعبي ينزاح باتجاه تأييد قوى المقاومة التي لعبت دوراً أساسياً في فعاليات الانتفاضة والعمليات العسكرية ضد الإسرائيليين، وفي مقدمها حركة "حماس"، التي استطاعت تحقيق فوز كاسح في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/ يناير 2006 لتشكّل بعدها الحكومة الفلسطينية منفردة طوال نحو عام كامل قبل الوصول إلى توقيع اتفاق مكة في فبراير 2007، والذي فتح الباب أمام تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية؛ فيما وجد النظام العربي الرسمي، الذي انكفأ بعد صدمة احتلال العراق، نفسه بين مطرقة تداعيات الفشل الأميركي وسندان الدور الإيراني المتنامي في المنطقة، والرهانات الخاطئة على العدوان الإسرائيلي على لبنان، ونتائجه التي هشّمت إمكانيات استخدام لبنان كمنصة انطلاق لمشروع "الشرق الأوسط الجديد"، وحشرت حكومة أولمرت في خانة الفشل والمساءلة الداخلية التي تتوالى فصولاً.

     وعليه، كان على النظام العربي الذي يعيش واحدة من أضعف حالاته، أن يستعد للاختراقات والتدخلات الخارجية التي وصلت إلى حدود غير مسبوقة ولامست المسائل الداخلية والأولويات. ولأن إيران الذي ارتفع رصيدها في ظل هذا الفراغ القيادي العربي، بعد أن أسهمت بفعالية في دعم قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، ووقفت بحزم أمام المطالب الأميركية والأوروبية المتعلقة ببرنامجها النووي، وتمكنت من احتلال مكان وازن في الخريطة السياسية العراقية التي تتذبذب على وقع الصراع الطائفي والمذهبي، وعمليات المقاومة ضد الاحتلال، وتالياً من تشكيل وضع ضاغط على الاستراتيجية الأميركية هناك، فقد تصدرت العنوان السياسي لهذه التدخلات الأميركية، وبات على النظام الرسمي العربي أن يغير سلّم أولوياته ويعتبر إيران العدو الرئيسي في هذه المرحلة بدلاً من إسرائيل.(4) وذرائع ذلك أن "نظام الملالي" الذي يرأسه أحمدي نجاد "الذي دعا إلى إبادة إسرائيل"، وفق الإعلام الإسرائيلي والغربي، يشكل خطراً على دول الجوار، ولاسيما دول الخليج، من زاويتين": الأولى، سعيه، عبر برنامجه النووي، إلى امتلاك أسلحة دمار شامل يمكنها تشكيل مظلة ضغط سياسي واقتصادي على كافة الدول المحيطة التي ستضطر إما إلى مسايرة النظام الإيراني ووضع مصالحه في مقدمة أجنداتها، أو الدخول معه في سباق تسلح نووي مرهق وخطر على الصعد كافة؛ والثانية، جنوحه نحو استمالة المسلمين الشيعة في هذه الدول، وتحويلهم إلى أدوات لتنفيذ سياساته، ما يفتح الباب أمام فتن مذهبية على غرار ما يحدث في العراق، وتفجير دول الخليج من داخلها!

     وتحت هذه العباءة كانت تقف المخاوف الأميركية والإسرائيلية إزاء تنامي النفوذ الإيراني إقليمياً، واستمرار طهران في تطوير برنامجها النووي الذي تشيع الولايات المتحدة وإسرائيل أنه برنامج عسكري يهدد أمن إسرائيل،  كما جرى العمل على تغييب الحقائق التي تفيد بأن الاحتلال الأميركي للعراق هو الذي عمل بدأب على إحياء وبلورة الميليشيات الطائفية، ومحاولة نقل هذه العدوى المذهبية باتجاه البلدان الأخرى، وخاصة إلى دول الخليج التي شهدت جدلاً وحراكاً واسعين في هذا الاتجاه، ناهيك عن لبنان الذي تحاول الأطراف المدعومة من واشنطن فيه تحويل الخلاف السياسي الحاد الذي أوصل البعض إلى حد التواطؤ مع العدوان الإسرائيلي، إلى تنازع مذهبي بين السنّة والشيعة. ولعل أبرز مظاهر هذا السعي الذي يشكل، في المرحلة الراهنة أحد أخطر الأسلحة المستخدمة لـ "تطييف" دول المنطقة وإعادة رسم خرائطها وفق مقولات "الفوضى الخلاقة" وسواها من الصيغ والمصطلحات، هو ما تردد على ألسنة العديد من المسؤولين العرب، وفي مقدمها تحذير الملك الأردني عبد الله الثاني من نشوء ما أسماه "هلال شيعي" يفضي إلي اندلاع حروب مذهبية وتوترات بين السنة و الشيعة في العراق وفي بلدان عربية أخرى، والتحذير من تقسيم العراق، وأن يكون ولاء شيعة العراق لإيران أكثر من ولائهم لوطنهم، وكذلك التحذير من تمدد النفوذ الإيراني على نحو يؤثر سلباً على عروبة العراق!

     ويبدو من المفيد، في هذا الإطار، التوضيح بأن محاولات بعض القادة العرب إثارة المخاوف من جهود شيعية تقودها إيران للسيطرة على السلطة في المنطقة، وتكرار الحديث عن "هلال شيعي" متخيل لا يصمد أمام الواقع، لم يجد الصدى المطلوب لدى معظم العرب السنّة، وذلك على الرغم من التقارير المعاكسة التي نشرت في الإعلام الغربي وبعض الإعلام العربي، إذ يمكن، وفقاً لما تقوله الباحثة أمل سعد من "معهد كارينغي للسلام"، اعتبار الشرخ السني- الشيعي اليوم بمثابة شرخ سياسي بالدرجة الأولى. وبالنسبة لإيران، فإن الخشية منها ليس لكونها قوة شيعية، بل نتيجة دعمها للحكومة العراقية وبعض الميليشيات التي يزعم أنها ارتكبت مجازر بحق العراقيين السنّة. وفي سياق مماثل، فسر بعض السنّة في المنطقة الأزمة في لبنان بين حكومة فؤاد السنيورة والمعارضة التي يقودها حزب الله، بأنها صراع واضح على السلطة حرّض عليه الشيعة وأدى إلى إبعاد الحزب عن حملته الأسمى لمقاومة إسرائيل.

     ويفيد استطلاع مشترك أجراه شبلي التلحمي ومؤسسة الزغبي الدولية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، وفق ما تنقل "سعد" في موقع C.N.N على الإنترنت، أن 6٪ فقط من عيّنة عشوائية من المستطلعين في بلدان ذات غالبية سنية مثل مصر والأردن والسعودية والمغرب والإمارات، بالإضافة إلى لبنان- أي الدول التي تصفها إدارة بوش بأنها "معتدلة" - يرون أن إيران تشكل أكبر تهديد لأمنهم، على الرغم من أن الغالبية في كل هذه البلدان ترى أن إيران تؤدي دوراً سلبياً في العراق، ما يعني أنه في حين تنتقد الغالبية الكبرى من العرب السنّة بشدة سياسة إيران تجاه العراق، فإن موقفها هذا لا ينسحب على سياسة إيران في الشرق الأوسط ككل.. وفي المقابل، يبيّن الاستطلاع ذاته أن 80 في المئة من المستطلعين يرون أن إسرائيل والولايات المتحدة تشكلان أكبر تهديد لأمنهم. وهذه المخاوف قد عزّزتها حرب إدارة بوش "ضد الإرهاب"، التي تحدّد جزءاً منها عقائد الحرب الوقائية ومفهوم تغيير الأنظمة، والتي تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة، حيث الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق والتهديدات بالقيام بالخطوة نفسها في سوريا وإيران، التي اقترنت بالهجوم الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي الذي تم تنسيقه مع الأميركيين، بالإضافة إلى حصار الفلسطينيين الذي حرمهم الأموال الضرورية، إلى إبراز صورة جديدة لأميركا على أنها لا تشكل مجرد تهديد حضاري للعرب والمسلمين، بل تشكل خطراً وجودياً متنامياً أيضاً.

     وفي هذا الإطار، وفق المصدر ذاته، يؤيد 61٪ من العرب حق إيران في الطاقة النووية،  رغم أن نصف المستطلعين اشتبهوا بأن يكون برنامج إيران النووي يهدف لتصنيع الأسلحة النووية. فيما ترى غالبية العرب السنّة "المعتدلين"، أن إيران المسلحة نووياً هي أمر مرغوب فيه لتحقيق التوازن في مواجهة الهيمنة العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. وهذا ما تثبته أيضاً حقيقة أن الرئيس أحمدي نجاد احتلّ المرتبة الثالثة على لائحة الزعماء الأكثر شعبية في العالم العربي السنّي، بحسب نتائج استطلاع التلحمي- الزغبي نتيجة تحدّيه للولايات المتحدة وخطابه التحريضي والعالي النبرة تجاه إسرائيل الذي أكسبه شهرة واسعة في العالم العربي.

     ووفقاً لذات المعايير، تعزّزت مكانة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وبلغت مستوى بطولياً في معظم أنحاء العالم العربي السنّي، ما أكسبه لقب "جمال عبد الناصر الجديد" على أدائه في مواجهة إسرائيل. وقد احتل السيد نصر الله وفقاً لاستطلاع التلحمي- مؤسسة الزغبي المرتبة الأولى في تصنيف الزعماء الأكثر شعبية. وفي ظل تنامي موجة المشاعر المعادية لإسرائيل، منحت الحركات الإسلامية السنّية، بما في ذلك "الإخوان المسلمون" في مصر والأردن ومناطق أخرى، دعمها الكامل لحزب الله في حربه الأخيرة. وما أفضى إلى حصول المسلمين الشيعة، كإيران وحزب الله، على تأييد الجمهور العربي السني هو تبنّيهم للمبادئ الأساسية التي يرتكز عليها التيار العروبي الذي كان السنّة يشكلون غالبيته. فالشعارات القومية العربية مثل مقاومة الاحتلال وتحرير فلسطين والنضال ضد الإمبريالية من أجل تحقيق الاستقلال الإقليمي تلقى صدى جيداً في الشارع العربي السنّي؛ ما يدفع إلى الاستنتاج بأن نظرية "الهلال الشيعي" ليست واقعاً سياسياً أو مصدر قلق اجتماعي واسع النطاق، بقدر ما هي ورقة تلعبها الأنظمة التي تسمى "معتدلة" لإثارة المخاوف بين الجماهير السنية، في سياق أوسع لحملة أميركية منظمة لحشد دعم الأنظمة العربية لتشويه صورة إيران وعزلها.(5)

المذهبية "وقوى "الخير والشر"!

     وفق هذه القواعد التي أشادها الأميركيون والإسرائيليون، تجري المحاولات الدؤوبة لإعادة تركيب محور إقليمي يضم ما يسمى دول "الاعتدال العربي" إلى جانب إسرائيل لمواجهة "قوى الشر والتطرف" التي تريد "تدمير إسرائيل"، وبالتالي، فإن على هذا المحور ليس فقط تأمين مظلة حماية للكيان الإسرائيلي، وإنما مساعدته في التخلص من "قوى الإرهاب والشر"، بما فيها القوى الفلسطينية التي ما زالت تتمسك بحقها في مقاومة الاحتلال، ما يعني وضع قضية التسوية مع الفلسطينيين على الرف إلى حين التخلص من "قوى الشر". أما الوسيلة المثلى لذلك فهي تأجيج الانقسام والتناحر الفلسطيني ودفعهما إلى مربع الاقتتال المدمر، عامودياً وأفقياً، ما يشكل فرصة استثنائية لإسرائيل لمواصلة تهويد القدس واستكمال بناء جدار الفصل العنصري و"تسمين" المستوطنات، تمهيداً لتصفية ما تبقى من ركائز القضية الفلسطينية ودفع الفلسطينيين إلى البحث عن بدائل غير سياسية عنوانها الرئيسي الهجرة نحو الشرق أو ما يسمى بـ "الترانسفير الطوعي" الذي يدعو إليه حزبا "إسرائيل بيتنا" و"موليدت".

     ومع أن العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي تكلّل بالعار والإخفاقات التي قاربتها "لجنة فينوغراد"، فشل في التحول إلى باكورة انطلاق لمشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي تحدثت عنه وزيرة الخارجية الأميركية، إلا أن هذا لم يمنع الإدارة الأميركية من تكثيف جهودها الرامية إلى التعويض عن هذا الفشل، لا بل دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها بحيث باتت الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة، على مستوى الإقليم الجغرافي برمّته، تتصدر هذه الأولويات. ولغرض تحقيق ذلك جرى تنشيط الدبلوماسية إلى حدود غير مسبوقة وممارسة ضغوط سياسية وإعلامية ودعائية بهدف جعل الانقسام، على قواعد مذهبية (وبالأساس سياسية) يدبّ على الأرض. وفي هذا السياق، يمكن وضع الاجتماعات المتكررة لدول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى مصر والأردن والولايات المتحدة، وكذلك اجتماع إسلام أباد (24 شباط الماضي) الذي دعا إليه جنرال باكستان برويز مشرف لسبع دول إسلامية، ثلاث منها عربية هي مصر والسعودية والأردن، وأربع إسلامية هي باكستان وتركيا وإندونيسيا وماليزيا، واعتبر في حينه استكمالاً لجهود بناء تحالف سني - عربي إسلامي ضد إيران والقوى المناصرة لها.

       غير أن الطريق الموصلة إلى هذا المربّع الخطر والمدمر لدول المنطقة واستقرارها، لم تكن سالكة، إذ ظهر في منتصفها بعض المطبّات ذات الطبيعة النوعية التي يمكن أن تحوّل اتجاهها بشكل حاد، ولعل أبرزها دخول المملكة العربية السعودية على خط الخلافات الفلسطينية، ورعايتها لاتفاق مكة الذي وقّع في التاسع من شباط/ فبراير الماضي، وقاد إلى تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية، وكذلك زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى الرياض في 3 مارس 2007، وعقده لقاء قمة مع الملك عبد الله بن عبد العزيز كان أبرز نتائجها اتفاق الجانبين على ضرورة تخفيف حدّة الاحتقان المذهبي في المنطقة، ولا سيما في العراق الذي يشهد فوضى دموية، وفي لبنان الذي ينزلق فيه الخلاف السياسي نحو هاوية الصراع المذهبي، مع توافقهما على توصيف الآثار والمخاطر المحتملة لأية ضربة يمكن أن توجهها الولايات المتحدة ضد إيران، على دول المنطقة، وعلى رأسها دول الخليج العربي المتخمة بالأهداف والمصالح الأميركية، ورفض ومواجهة سيناريوهات إعادة الصياغة الجغرافية والديمغرافية التي بدأ بعضها يترجم على الأرض. ولم يحل دون الوصول إلى هذه النتائج التي يمكن أن تؤسس، في حال تطبيقها، لمرحلة تهدئة جدية قابلة لاستيعاب وهضم العديد من الحلول، تلك المعلومات التي تضمنها مقال الكاتب الأميركي المخضرم سيمور هيرش في صحيفة الـ "نيويوركر" حول خطة "إعادة توجيه المسار" التي اعتمدتها إدارة الرئيس بوش بدلاً من الاستراتيجية السابقة التي كانت تضع ما يسمى "المتطرفين السنّة" في مقدمة جبهة الأعداء، وحديثه عما أسماه "الدور السعودي" في هذه الخطة التي تضع إيران و"حزب الله" اللبناني (والشيعة عموما) في مقدمة استهدافاتها.

     وبإعمال النظر في الموقف السعودي "الإشكالي" الذي يبدو متناقضاً في أحيان كثيرة، تتبدى رغبة الرياض في ملء الفراغات والمساحات الواسعة في الساحة العربية، ولاسيما في ظل التطورات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة، وسعي واشنطن وتل أبيب المحموم لفرض نموذج "الشرق الأوسط الجديد" في مقابل التمدد الإيراني المستند إلى مشروعية دعم قوى الممانعة، وإلى الانهيار العراقي المتواصل تحت شلاّل الدم المتدفق، الأمر الذي يدفع بالمنطقة إلى مربّعات خطرة لا يمكن التكهن بمستواها وعمق تداعياتها، وخاصة في ظل ارتفاع منسوب احتمالات قيام الولايات المتحدة، أو إسرائيل، أو كلتيهما معاً بتوجيه ضربة عسكرية للجمهورية الإسلامية، ورد إيران المتوقع على ذلك، وتصاعد حدّة النزاع المذهبي الذي ستعاني معظم دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، الكثير من تداعياته المدمرة، ناهيك عن الصراع في لبنان، والذي يتضح يوماً بعد يوم، أنه صراع على مشروعين متناقضين.

     في هذا الخضم، تحاول العربية السعودية التي باتت تتلمس انعكاسات هذه الأوضاع على استقرار المنطقة بشكل عام، وعلى الثروات النفطية في الخليج بوجه خاص، التأثير في مجرى الأحداث استناداً إلى موقعها الديني والمعنوي والاقتصادي، ولعب دور قيادي في العالم العربي، بعد انهيار دور مصر في هذا السياق، وهو ما عبّر عن نفسه برزمة خطوات كان أهمها  احتضان عدد من اللقاءات بين الأطراف العراقية والفلسطينية واللبنانية المتقاتلة، أثمرت عن توقيع "اتفاق مكة" بين حركتي فتح وحماس، واستضافة القمة العربية الأخيرة، ومحاولة تقديم نفسها كدولة عربية قادرة وجامعة لباقي الدول العربية، وتسمية العاهل السعودي الملك عبدا لله  الاحتلال الأميركي للعراق باسمه، دون أن ننسى المبادرة التي أطلقها الأمير تركي الفيصل، والتي دعا فيها إلى إقامة وحدة بين دول الهلال الخصيب، يكون لدمشق فيها دور الصدارة، لإنقاذ الوضع المشتعل من العراق إلى فلسطين.(6)

قمة الرياض والمبادرة "الإشكالية"

     في إطار هذه الأجواء الملتبسة والمتشابكة الخيوط والرؤى والاستهدافات، عقِدت الدورة التاسعة عشرة للقمة العربية في الرياض يومي 28 و 29 آذار الماضي،  وصدر عنها جملة قرارات وإعلان سياسي سمّي "إعلان الرياض" أكد على دعم الدول العربية ومساندتها الحازمة لمطلب سورية العادل وحقها في استعادة كامل الجولان إلى خط 4 حزيران 1967 والوقوف إلى جانبها في مواجهة الضغوط الخارجية الرامية إلى عزلها وتهميش دورها الأساسي في المنطقة. كما أكدت القمة دعمها لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية ورفع الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وعلى التزام العرب بالسلام العادل والشامل كخيار استراتيجي. كذلك جدّدت القمة العربية التزامها بمبادرة السلام المعلنة منذ قمة بيروت عام 2002 وضرورة أن يتحرك المجتمع الدولي لإحيائها، وإسهامه بإحلال السلام وفق هذه المبادرة. وحول الوضع في العراق، أكدت القمة أن التصور العربي للحل السياسي والأمني لما يواجهه العراق يستند إلى احترام وحدة وسيادة واستقلال العراق وهويته العربية الإسلامية ورفض تقسيمه، واحترام إرادة الشعب في تقرير مستقبله بنفسه ودون أي تدخل خارجي. كما أكدت على ضرورة خلو المنطقة من كافة أسلحة الدمار الشامل بعيداً عن ازدواجية المعايير وانتقائيتها.(7)

     من بين هذه العناوين كلها، احتلّ قرار القمة بتفعيل المبادرة العربية مركز الاهتمام كونه يشكل العنوان الأهم في عملية بث أوهام السلام في المنطقة، بعد تجاوز قضية "حق العودة" واعتماد القمة النص الذي جرى إقراره في قمة بيروت 2002. والخطر الكامن في القرار المتعلق بالمبادرة العربية التي بعثت من موتها في القمة، هو تلك الآليات التي تم اعتمادها لطرح المبادرة، إذ على الرغم من التشديد العربي بأن المبادرة مطروحة كسلّة متكاملة، إما أن تقبل كما هي أو ترفض، إلا أن التجربة والواقع وموازين القوى والتجاذبات والضغوطات تؤشر، بشكل صارخ، إلى أن ثمة أرجحية لتحوَل المبادرة إلى أرضية للتفاوض بين العرب والإسرائيليين، دون أن يكون هناك أي ضمان لعدم إجراء تعديلات جوهرية عليها، وخاصة بالنسبة لقضية "حق العودة" للاجئين الفلسطينيين، على هشاشة نصّه في المبادرة، وانطلاق عمليات التطبيع مع إسرائيل قبل مجرد قبول الأخيرة بالمضي قدماً في التفاوض، وما يرفع من أسهم هذا الترجيح هو عدم إعطاء العرب أنفسهم أي هامش للمناورة بعد أن طرحوا أوراقهم كلها قبل الوصول إلى طاولة التفاوض، أقلّه مع الأميركيين والأوروبيين، ومبادرتهم إلى تشكيل فرق عمل من 13 دولة عربية من أجل التحرك لتسويق المبادرة على الصعيد الدولي، بعد أن جرى تكليف مصر والأردن الاتصال بإسرائيل لبحث سبل تفعيل تلك المبادرة كأساس لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وهو ما أثنى عليه، في حينه، رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الذي أعرب عن استعداد تل أبيب لإجراء محادثات سلام مع العرب على أساس المبادرة، ، ولكن مع التشديد على رفض كيانه عودة اللاجئين الفلسطينيين أو التخلي عن الكتل الاستيطانية الرئيسية في الضفة الغربية المحتلة، وذلك قبل أن يعتبر، في تصريح لهيئة الإذاعة الكندية، أن الرياض يمكن أن تقوم بدور محوري في هذه المحادثات، فيما حثت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني الدول العربية على بدء محادثات سلام مع إسرائيل ودعم من وصفتهم بالفلسطينيين "المعتدلين".(8)

     وتتبدّى صحة هذا الاستنتاج من خلال الحراك العربي الذي لا يتوقع له تحقيق إنجازات تذكر على صعيد تسويق المبادرة، وكذلك من خلال لعبة شد الحبل والمراوغة الإسرائيلية التي تستهدف إفراغ الطرح العربي من مضمونه، وجذب ما أمكن من الدول العربية إلى دائرة التطبيع تحت ذريعة ضرورة التفاوض حول نصوص ومضامين المبادرة التي يمكن أن يقبل بعضها ويرفض البعض الآخر. إذ لم تستطع مجموعة العمل العربية المكلّفة تفعيل المبادرة سوى تبادل الآراء مع أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، ووزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والممثل الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا، خلال اجتماع عقد على هامش مؤتمر شرم الشيخ الخاص بالعراق، والاتفاق على معاودة اللقاء في الشهر التالي، فيما ما فتئ الجانب الإسرائيلي يكرّر أطروحاته المتعلقة بالمبادرة، وآخرها مطالبة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، عشية اجتماعها بوزيري خارجية مصر والأردن يوم 10/ 5 الماضي، بأن يكون التفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين "على مسار ثنائي بخصوص قضايا الوضع النهائي"، وأن "تساند الجامعة العربية المعتدلين في السلطة الفلسطينية، وتمنحهم إمكانية التوصل إلى لحل وسط في قضايا معينة ترتبط بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وليس أن تعرض هذا الموقف على أنه يجب قبوله أو رفضه".(9) 

     في كل الأحوال،وبصرف النظر عن المفاجآت التي يمكن أن تحدث، ولا سيما على المستوى الإقليمي بعد "التكويعة" الأميركية التي يرى فيها البعض استنساخاً للتجربة الأميركية مع كوريا الشمالية، ومقدمة للتراجع عن الاستراتيجية "الحربجية" المعتمدة من قبل إدارة بوش التي تجد نفسها مرغمة على الانحناء للعاصفة وعدم الوقوف في وجه الأكثرية النيابية والشعبية التي تطالبها بسياسة واقعية وعقلانية في الملف العراقي، والأخذ بتوصيات لجنة بيكر- هاملتون التي طالبت بالتعاطي مع سوريا وإيران والبحث عن حلول للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. بصرف النظر كل ذلك، وعن التداعيات المحتملة لهذا "الجديد" الذي سيزعج إسرائيل ويدفعها نحو استعمال كل مصادر قوتها لعرقلة أي حوار أميركي مع إيران أو سوريا، فإن ثمة حاجة ماسة لتكريس المصالحة الفلسطينية وتطويرها من خلال تطبيع الوضع الأمني وإزالة آثار مخلفاته بشفافية ووفق القانون، والعمل الجاد على سد الثغرات التي تركها "اتفاق مكة" من خلال توسيع دائرة الحوار مع الفصائل الأخرى لبناء وحدة وطنية حقيقية سياسية وفي الميدان، وليس فقط حكومة تحمل مسمى الوحدة وتعتمد المحاصصة الفصائلية، ناهيك عن وقف التصعيد الإعلامي بين القطبين الرئيسيين بشكل حازم ونهائي، وإزالة الالتباسات التي تخلّفها بعض التصريحات، والخروج من دائرة المبالغة، سواء في التفاؤل أو التشاؤم، والتوجه السريع نحو إعادة بناء منظمة التحرير وإعادة هيكلتها وتفعيلها لحجز مكان مركزي ورئيسي في الخريطة السياسية التي تتشكل في المنطقة، ووضع الحقوق الفلسطينية في مقدمة جدول الأعمال في المرحلة المقبلة.

 


 

الهوامش

1 ـ وصفة فريدمان لكسب الجمهور العربي- ندوة لبرمامج الشرق الأوسط التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في واشنطن- موقع "تقرير واشنطن" على الإنترنت العدد 100- 17/ 3/ 2007.

2 ـ جواد الحمد- محاضرة في مجمع النقابات المهنية الأردنية- 11/ 3/ 2007.

3 ـ المصدر نفسه.

4 ـ د. حسن أبو طالب- "الاستقطاب الإقليمي ومستقبل القضية الفلسطينية"- فصلية "السياسة الدولية" 5/ 4/ 2007.

5 ـ أمل سعد، باحثة في معهد "كارينغي للسلام"- "الخريطة الشيعية في المنطقة: التنافس المذهبي ومحور الممانعة"- موقع C.N.N بالعربية.

6 ـ نادي قمَاش- "السعودية وملء الفراغات العربية"- صحيفة "الوطن" السورية 2/ 5/ 2007.

7 ـ صحيفة "الحياة" اللندنية 30/ 3/ 2007.

8 ـ صحيفة "الأخبار" البيروتية 19/ 4/ 2007.

9 ـ صحيفة "الحياة الجديدة" الفلسطينية 8/ 5/ 2007.

      

 

 

 


 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة